فقال: استدللت من هذا الحديث، وعلمت أن الشيطان سيرضى أن يصالحه بأن يذكره موضع ماله، ويمنعه الإخلاص في صلاته، فعجب الناس من حسن انتزاعه، واستدلاله. انتهى ما ذكره ابن بطال. انتهى "طرح" جـ 2 ص 204
قال الجامع: عندي فيما ذكره ابن بطال نظر؛ لأنه إذا دخل في الصلاة بقصد تذكر شيء نسيه، من مال أو غيره، فأين تجريدُ الإخلاص لله تعالى، وعدمُ إجراء شيء من أمور الدنيا في قلبه؟ وأيضًا في صحة هذه الحكاية في قلبي شيء. والله أعلم.
المسألة العاشرة: قال صاحب الطرح رحمه الله تعالى: هل يتوقف هروب الشيطان من الأذان على كونه أذانًا شرعيًا، مستجمعًا للشروط، واقعًا في الوقت، مقصودًا به الإعلام بدخول وقت الصلاة، أو يهرب من الإتيان بصورة الأذان، وإن لم يوجد فيه ما تقدم:
الأقرب عندي الأول، وكلام أبي صالح السمان، راوي الحديث عن أبي هريرة يدل على أنه فهم الثاني، ففي صحيح مسلم من رواية رَوْح بن القاسم، عن سهيل بن أبي صالح، قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، ومعي غلام لنا، أو صاحب لنا، فناداه مناد من حائط باسمه، قال: وأشرف الذي معي على الحائط، فلم ير شيئًا، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتًا، فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولَّى وله
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 252)
حُصاص".
والحصاص -بالحاء، والصاد، المهملتين- هو الضراط، كما في الرواية الأخرى، وقيل: شدة العدو.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إن شيئًا من الخلق لا يستطيع أن يتحول في غير خلقه، ولكن للجن سَحَرَة، كسَحَرَة الإنس، فإذا خشيتم شيئًا من ذلك، فأذنوا بالصلاة.
وقال مالك بن أنس استُعْمِلَ زيدُ بن أسلم على معدن بني سليم، وكان معدنًا لا يزال يصاب فيه الناس من الجن، فلما وليهم شكوا ذلك إليه، فأمرهم بالأذان، وأن يرفعوا أصواتهم به، ففعلوا، فارتفع ذلك عنهم، فهم عليه حتى اليوم. قال مالك: وأعجبني ذلك من رأي زيد ابن أسلم. انتهى. "طرح" جـ 2 ص 203 - 204. والله تعالى أعلم.
فائدة:
قال ابن بطال رحمه الله: يشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن من هذا المعنى، لئلا يكون متشبهًا بالشيطان الذي يفر عند سماع الأذان. والله أعلم. انتهى. طرح جـ 2 ص 104. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 253)
31 - الاسْتِهَامُ عَلَى التَّأذِينِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الاستهام، أي الاقتراع على التأذين.
يقال: استهم الرجلان تقارعا، وساهَمَ القومَ، فَسَهَمَهُم سَهْمًا: قَارَعَهُم، فقَرَعَهُمْ، وساهمتُهُ، أي قارعته، فسَهَمْتُهُ أسْهَمُهُ، بالفتح، وأسهَمَ بينهم، أي أقرع، واستهموا: أي اقترعوا وتساهموا، أي تقارعوا، وفي التنزيل: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141]، يقال: قارع أهلَ السفينة، فقُرِعَ. انتهى. لسان جـ 2 ص 2135.
قال الخطابي رحمه الله: وإنما قيل له الاستهام، لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام: إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج سهمه، غَلَبَ، والقرعة أصل من أصول الشريعة في حالِ مَنِ استوت دعواهم في الشيء، لترجيح أحدهم، وفيها تطييب القلوب. انتهى. "عمدة القاري" جـ 5 ص 124. والله أعلم.
671 - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ، وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 254)
التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ عَلِمُوا مَا فِي الْعَتَمَةِ، وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 - (قتيبة) بن سعيد.
2 - (مالك) بن أنس تقدما في السند الماضي.
3 - (سمي) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدني، ثقة، من [6] قتل بقديد سنة 130، أخرج له الجماعة،
تقدم في 540.
4 - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت، من [3] تقدم في 40.
5 - (أبو هريرة) الدوسي رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أثبات، اتفق الأئمة بالتخريج لهم.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: أن فيه الإخبار في أوله، والعنعنة في البواقي، إلا الأخير ففيه "أن" وكلها من صيغ الاتصال من غير المدلس، على الراجح.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 255)
ومنها: أن فيه أبا هريرة أحد المكثرين السبعة، روى (5374) حديثًا. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم الناس) "لو" شرطية، والغالب فيها أن يليها ماضي المعنى، كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، وقد يليها ما هو مستقبل المعنى، كقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} الآية [النساء: 9]، ومنه هذا الحديث، وإلى هذا أشار ابن مالك في ألفيته، حيث قال:
لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلّ … إِيلاؤُهُ مُسْتَقْبَلًا لَكِنْ قُبِلْ
فقوله: "لو يعلم الناس" أي لو علموا، ففي المضارع إشارة إلى استمرار العلم، وأنه مما ينبغي أن يكون على بال. قاله في المرقاة جـ 2 ص 322.
(ما في النداء) أي الأذان، وهي رواية بشر بن عمر، عن مالك عند السراج، وقال في المرقاة: ما في النداء، أي التأذين والإقامة من الفضل والثواب، وأطلق مفعول يعلم، ولم يبين أن الفضيلة ما هي ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 256)
العبارة، ونظيره قوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78]، وكذا تصويره حالة الاستباق بالاستهام فيه مبالغة، لأنه لا يقع إلا في أمر يتنافس فيه، لا سيما إخراجه مخرج الحصر. انتهى.
قال الجامع: الإطلاق في مفعول يعلم، كما قال في الفتح جـ 2 ص 115، إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد بينت في رواية لأبي الشيخ لهذا الحديث، فقد زاد فيها من طريق الأعرج، عن أبي هريرة "من الخير والبركة".
(والصف الأول) هو الذي لم يسبق بصف آخر، فيشمل الجهات الأربع خلف الكعبة، بل ربما تترجح الجهة التي هي أقرب إلى الكعبة. قاله القاري. وقال العلامة ابن حجر المكي: الأول عندنا -يعني الشافعية- هو الذي يلي الإمام، وإن تخلله، أو حجز بينهما نحو سارية، أو منبر. انتهى.
قال الجامع: الأول أقرب.
قال في المرقاة: وإنما أخر الصف عن النداء دلالة على تهيئ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول والوقوف بين يدي رب العزة. انتهى.
(ثم لم يجدوا) أي للتمكن من النداء والصف الأول (إِلا أن
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 257)
يستهموا) أي يقترعوا، وقد تقدم معنى الاستهام في أول الباب.
يعني أنهم لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية، أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت، وحسن الصوت، ونحو ذلك من شرائط المؤذن، وتكميلاته، وأما في الصف الأول فبأن يَصِلُوا دفعة واحدة، ويستووا في الفضل، فيقرع بينهم، إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين. قاله في الفتح.
وقال النووي رحمه الله: معناه لو علموا فضيلة الأذان، وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا، يحصلونه به لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد، لاقترعوا في تحصيله.
وقال الطيبي رحمه الله: المعنى: لو علموا ما في النداء والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق لوجب عليهم ذلك، وأتى بثم المؤذنة بتراخي رتبة الاستباق من العلم. انتهى. عمدة القاري جـ 5 ص 125.
واستدل به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وليس بظاهر، لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإمام، لما فيه من المزية. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
زعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام، وأنه أخرج
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 258)
مخرج المبالغة، واستأنس بحديث لفظه "لتجالدوا عليه بالسيوف".
قال الحافظ: لكن الذي فهمه البخاري منه أولى، ولذلك استشهد بقصة سعد، ويدل عليه رواية مسلم "لكانت قرعة".
وقصة سعد أخرجها سعيد بن منصور، والبيهقي من طريق أبي عبيد كلاهما عن هشيم، عن عبد الله بن شبرمة، قال: "تشاح الناس في الأذان بالقادسية، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم". وهذا منقطع، وقد وصله سيف بن عمر في الفتوح، والطبري من طريقه عنه، عن عبد الله بن شبرمة، عن شقيق -وهو أبو وائل- قال: "افتتحنا القادسية صدر النهار، فتراجعنا، وقد أصيب المؤذن" فذكره، وزاد "فخرجت القرعة لرجل منهم، فأذن". انتهى. "فتح" جـ 2 ص 114 - 115.
(عليه) أي على ما ذكر من الأذان والصف الأول. وقال ابن عبد البر: الهاء عائدة على الصف الأول، لا على النداء، وهو حق الكلام، لأن الضمير يعود لأقرب مذكور. ونازعه القرطبي، وقال: إنه يلزم منه أن يبقى النداء ضائعًا، لا فائدة له، قال: والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، ومثله قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68]، أي جميع ما ذكر.
قال الحافظ: وقد رواه عبد الرزاق، عن مالك بلفظ "لاستهموا
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 259)
عليهما" فهذا مفصح بالمراد من غير تكلف. انتهى. فتح جـ 2 ص 115.
وقيل: عليه، أي على السبق إليه، أو الاستحقاق فيهما. قاله في المرعاة جـ 2 ص 335.
قال الجامع: وما تقدم أوضح.
وقال السندي رحمه الله: فيه تجهيل للمتساهلين في هذا الأمر، فلا يَرِدُ أنهم قد علموا بخبر الصادق، وهم بِسَعَةٍ من تحصيله بلا استهام، ومع هذا لا يُحَصِّلُونَهُ، فكيف يصدق الخبر بأنه لو علموا لاستهموا. انتهى.
وقال في المرقاه: قال بعضهم: ويحتمل أن يكون المراد بالنداء الإقامة على تقدير مضاف، وهو أوفق لما بعده، أي لو يعلم الناس ما في حضور الإقامة، وتحريمة الإمام، والوقوف في الصف الأول، وثم هنا للإشعار بتعظيم الأمر، وبعد الناس عنه. انتهى جـ 2 ص 322.
قال الجامع: الصواب الأول، فالمراد بالنداء هنا الأذان، والحديث ورد لبيان فضل الأذان، وهذا الذي ذكره هذا البعض داخل في مقصود الصف الأول، لأنه إذا سبق إلى الصف الأول، فقد أحرز حضور الإقامة، وتكبيرة الإحرام، فتبصر. والله أعلم.
(ولو يعلمون ما في التهجير) أي التبكير إلى الصلاة مطلقًا، أيَّ صلاة كانت، قاله الهروي، وصوبه النووي، واختاره ابن عبد البر، إذ هو البدار إلى الصلاة أول وقتها، وحمله الخليل وغيره على ظاهره، فقالوا: المراد الإتيان إلى الظهر في أول الوقت، لأن التهجير مشتق من
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 260)
الهاجرة، وهي شدة الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر، وإلى ذلك مال البخاري رحمه الله، إذ بوب على هذا الحديث في الصحيح، فقال: "باب فضل التهجير إلى الظهر".
وقال الطيبي رحمه الله: لما فرغ من الترغيب في الصف الأول عقبه بالترغيب في إدراك أول الوقت، وبهذا وجب تفسير التهجير بالتبكير، كما ذهب إليه الكثيرون، وفي النهاية: التهجير: التبكير إلى كل شيء، والمبادرة إليه، وهي لغة حجازية، أراد المبادرة إلى وقت الصلاة. انتهى.
وقيل: التهجير: السير في الهاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر إلى صلاة الظهر، وإلى صلاة الجمعة، وفسره الأكثرون بالتبكير، أي المضي إلى الصلاة في أول وقتها، فمنهم من قال: إلى الجمعة، ومنهم من قال: إلى كل صلاة، والمراد هو الأول، لقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المهجر كالذي يهدي بدنة"
قال القاضي: لا يقال: الأمر بالإبراد ينافي الأمر بالتهجير، والسعي إلى الجمعة بالظهيرة، لأن هذا الأمر سنة، والإبراد رخصة، كما ذهب إليه كثير من أصحابنا، أو الإبراد تأخير قليل، لا يخرج بذلك عن التهجير، فإن الهاجرة تطلق على وقت الظهر إلى أن يقرب العصر. انتهى مرقاة.
وعبارة "الفتح": ولا يرد على ذلك مشروعية الإبراد، لأنه أريد به الرفق، وأما من ترك قائلته، وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة، فلا
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 261)
يخفى ماله من الفضل. قاله في الفتح.
قال الجامع: عندي ما ذكره القاضي من الاحتمال الثاني هو الصواب، فلا تنافي بين الأمر بالإبراد والترغيب في التهجير، إذ التهجير يفسر بما يناسب المشروع، فيقال: هو المبادرة إلى الصلاة أولَ الوقت المستحب، فيخلتف باختلاف الأوقات، ففي الصيف يكون أولَ الإبراد، وفي غيره يكون أولَ دخول الوقت، وقد تقدم أن الأصح كون الإبراد واجبًا، لا مستحبًا. فتنبه. والله أعلم.
(لاستبقوا إِليه) أي إلى التهجير، والمراد سبق بعضهم بعضًا في الخروج، والانتظار في المسجد، لا المسابقة في المشي في الطريق، فإنه ممنوع. وقال ابن أبي جمرة: المراد بالاستباق معنىً، لاحسًا، لأن المسابقة على الأقدام حسًا تقتضي السرعة في المشي، وهو ممنوع. انتهى. ذكره في الفتح.
والحديث يدل على فضل الأذان، وعلى المسابقة إليه، وعلى ملازمة الصف الأول.
(ولو علموا) هكذا النسخ هنا بصيغة الماضي، وهو الأصل، كما تقدم، بخلاف الأولين، فهما بصيغة المضارع، وعند غير المصنف بصيغة المضارع في الثلاثة. أي لو علموا (ما في) أداء صلاة (العتمة) بفتحات، أي العشاء الآخرة (و) أداء صلاة (الصبح) من الثواب (لأتوهما ولو حبوًا) "حبوًا" خَبَر لكان المحذوفة مع اسمها، كما قال في الخلاصة:
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 262)
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَر … وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ
أي لو كان الإتيان حبوًا، أي زحفًا، وهو مشي الصبي على أربع، أو دبيبه على اسْتِهِ. انتهى مرقاة.
وفي عمدة القاري: أي ولو كانوا حابين، من حَبَى الصبيُّ: إذا مشى على أربع. قاله صاحب المجمل، ويقال: إذا مشى على يديه، أو ركبتيه، أو اسْتِهِ. انتهى. عمدة القاري جـ 5 ص 125.
والحديث يدل على استحباب المسارعة إلى صلاة العشاء والصبح جماعة، وعلى جواز تسمية العشاء عتمة، وقد ورد النهي عن ذلك، فيحمل النهي على التنزيه، وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في (22/ 540)، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم مشروحًا، وتقدمت المسائل المتعلقة به في [باب الرخصة في أن يقال: للعشاء العتمة] (22/ 540)، فراجعه تستفد. والله ولي التوفيق، ومنه الهداية لأقوم طريق.
إن إريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 263)
32 - اتِّخَاذُ المُؤَذِّنِ الَّذِي لا يَأخُذُ عَلَى أذَانِه أجْرًا
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجرًا.
672 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: "أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا".
رجال الإسناد: سبعة
1 - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهَاوي، ثقة حافظ، توفي سنة 261، من [11] أخرج له النسائي.
2 - (عفان) بن مسلم الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، من كبار [10] تقدم في 427.
3 - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد، وتغير حفظه بآخره، من كبار [8] تقدم في 288.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 264)
4 - (سعيد الجُرَيْرِيُّ) بن إياس، أبو مسعود البصري، ثقة، من [5] توفي في 144.
قال أبو طالب عن أحمد: الجريري محدث أهل البصرة. وقال الدوري، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح. وهو حسن الحديث. وقال يحيى القطان، عن كهمس: أنكرنا الجريري أيام الطاعون. وقال ابن سعد، عن يزيد بن هارون: سمعت من الجريري سنة 42، وهي أول سنة دخلت فيها البصرة، ولم ننكر منه شيئًا، وكان قيل لنا: إنه قد اختلط، وسمع منه إسحاق الأزرق بعدنا.
وقال أحمد بن حنبل، عن يزيد بن هارون: ربما ابتلانا الجريري، وكان قد أنكر. وقال ابن معين، عن ابن عدي: لا نكذب الله، سمعنا من الجريري، وهو مختلط، وقال الآجري، عن أبي داود: أرواهم عن الجريري ابنُ علية، وكل من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جيد. وقال النسائي: ثقة، أنكر أيام الطاعون.
وقال ابن سعد: قالوا: توفي سنة 144، وكذا أرخه ابن حبان، وقال: كان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، ورآه يحيى بن سعيد القطان، وهو مختلط، ولم يكن اختلاطه فاحشًا، وقال ابن معين: قال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس: أسمعت من الجريري؟ قال: نعم، قال: لا ترو عنه. يعني لأنه سمع منه بعد اختلاطه.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 265)
وقال الدوري، عن ابن معين: سمع يحيى بن سعيد من الجريري، وكان لا يروي عنه، وقال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء الله، إلا أنه اختلط في آخر عمره، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: سألت ابن علية أكان الجريري اختلط؟ فقال: لا، كبر الشيخ، فرق. وقال النسائي: هو أثبت عندنا من خالد الحذاء.
وقال العجلي: بصري ثقة، واختلط بآخره، روى عنه في الاختلاط يزيد بن هارون، وابن المبارك، وابن أبي عدي، وكل ما روى عنه مثل هؤلاء الصغار، فهو مختلط، إنما الصحيح عنه ما رواه حماد بن سلمة، والثوري، وشعبة، وابن علية، وعبد الأعلى من أصحهم سماعًا منه قبل أن يختلط بثمان سنين. انتهى. تت جـ 4 ص 5 - 7. أخرج له الجماعة.
فائدة:
الجريري -بضم الجيم، وراءين بينهما مثناة تحتية، مصغرًا- نسبة إلى جُرَيْرِ بن عباد بن ضُبَيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. أفاده في "اللباب" جـ 1 ص 276.
5 - (أبو العلاء) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّيرِ -بكسر الشين المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة المكسورة- العامري البصري، ثقة، توفي سنة 111، من [2].
قال أبو العلاء: أنا أكبر من الحسن بعشر سنين، ومطرف أكبر مني
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 266)
بعشر سنين، روى ذلك البخاري في تاريخه، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة 111، وأرخه خليفة، وابن قانع، والقراب سنة 108، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة.
وقال حزم القطعي، عن ثابت البناني: جاء أبو العلاء إلى الحسن، فقال له رجل: تكلم يا أبا العلاء، فقال: لا لست هناك، قال ثابت: فأعجبني إقراره على نفسه. وقال أبو هلال الراسبي، عن أبي صالح العقيلي: كان أبو العلاء يقرأ في المصحف، فخر مغشيًا عليه، وذكره أبو موسى في ذيل الصحابة، وعزاه لأبي زكريا بن منده معلقًا برواية وقعت له من طريق سريج بن يونس، عن هشيم، عن يونس بن عبيد، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير. قال: وأظنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم. أخرج له الجماعة. انتهى. تت جـ 11 ص 341 - 342.
6 - (مطرف) بن عبد الله بن الشخير العامري الحَرَشِي، أبو عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل، توفي سنة 95، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 67.
7 - (عثمان بن أبي العاص) الثقفي الطائفي، أبو عبد الله، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف، وأقره أبو بكر، وعمر رضي الله عنهم. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أمه، قالت: شهدت آمنة لما ولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عنه ابن أخيه يزيد بن الحكم بن أبي العاص،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 267)
وسعيد بن المسيب، ونافع بن جبير بن مطعم، ومطرف، وأبو العلاء، ابنا عبد الله بن الشخير، وموسى بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن عياض، والحسن، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن جوشن الغطفاني، وآخرون.
قال: محمد بن عثمان بن أبي صفوان: مات سنة 51، وأرخه ابن البرقي، وخليفة، ومصعب، وابن قانع سنة 55، وقال ابن حبان في الصحابة: أقام على الطائف إلى أيام عمر، ومات في ولاية معاوية بالبصرة، انتقل إليها في آخر أمره، وأعقب بها. وقال ابن سعد: كتب إليه عمر استَخْلِفْ على الطائف، وأقْبِلْ، فاستخلف أخاه الحكم، وأقبل إلى عمر، فوجهه إلى البصرة، فابتنى بها دارًا، وبقي ولده بها.
وقال العسكري: استعمله عمر على عمان، ومات سنة 55 أو نحوها. وقال ابن عبد البر: هو الذي افتتح تَوَّجَ -قرية بفارس- واصطخر في زمن عثمان، قال: وهو الذي أمسك ثقيفًا عن الردة، قال لهم: يا معشر ثقيف، كنتم آخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا. أخرج له مسلم والأربعة. انتهى. تت جـ 7 ص 128 - 129. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفق الأئمة على التخريج لهم،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 268)
إلا شيخه، فمن أفراده، والصحابي، فلم يخرج له البخاري، وقد أخرج البخاري لحماد بن سلمة في المتابعات.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا شيخه، فَرُهَاوِي -بضم الراء- نسبة إلى مدينة ببلاد الجزيرة.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، سعيد الجريري، وأبو العلاء، ومطرف.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أخيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عثمان بن أبي العاص) رضي الله عنه، أنه (قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إِمام قومي) أي مقدمًا عليهم، وقدوة لهم.
وقومه هم أهل الطائف، وقد مر قريبًا أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على الطائف، وأقره أبو بكر، ثم عمر، وإنما طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يكون في توليته صلاحُ قومه، وقد ظهر ذلك بعده صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لما توفي صلى الله عليه وسلم، وأراد قومه الردة خطب فيهم، فقال: كنتم آخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا، فثبتوا على الإسلام.
ولا يقال: إن هذا من باب طلب الرياسة، وهو غير جائز، لأن ذلك محمول على طلب الرياسة الدنيوية، أو على ما إذا لم يتعين
عليه، فإنه إذا تعين عليه لزمه التولي، ولو بالطلب، وذلك كأن يكون
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 269)
من يتولى ذلك المنصب غير صالح أو جاهلًا يخشى عليه أن يضيع حقوق الناس، قال الله تعالى في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام مع الملك {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] فقد طلب عليه الصلاة والسلام أن يجعله على خزائن الأرض، لعلمه أن ذلك هو الأصلح للناس، والأرفق بهم، إذ لو تولاه غيره لضيع حقوقهم، فصار متعينًا عليه. والله أعلم.
(فقال) صلى الله عليه وسلم (أنت إِمامهم) أي جعلتك إمامًا لهم، وعدل إلى الجملة الاسمية للدلالة على الثبوت، فكأن إمامته حاصلة، وهو صلى الله عليه وسلم يخبر عنها.
(واقتد بأضعفهم) عطف على مقدر، أي فَأُمَّهُمْ، واقتدِ بأضعفهم، أي تابع أحوال من كان أضعف المقتدين -بمرض، أو زمانة، أو نحوهما- في تخفيف الصلاة، من غير ترك شيء من الأركان، يريد تخفيف القراءة، والتسبيحات، حتى لا يمل القوم.
وقيل: لا تسرع حتى يبلغك أضعفهم، ولا تطول حتى لا تثقل عليه.
وقيل: "اقتد" جملة إنشائية عطف على "أنت إمامهم" لأنه بتأويل أُمَّهُمْ، وإنما عدل إلى الاسمية للدلالة على الثبات، كأن إمامته ثبتت، ويخبر عنها، وقد جعل فيه الإمام مقتديًا. والمعنى: كما أن الضعيف يقتدي بصلاتك، فاقتد أنت أيضًا بضعفه، واسلك سبيل التخفيف في القيام، والركوع، والسجود، ونحوها، حتى كأنه يقوم، ويركع،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 270)
ويسجد على ما يريد، وأنت كالتابع الذي يصلي بصلاته.
وقال التوربشتي: ذكر بلفظ الاقتداء تأكيدًا للأمر المحثوث عليه، لأن من شأن المقتدي أن يتابع المقتدى به، ويجتنب خلافه، فعبر عن مراعات القوم بالاقتداء مشاكلة لما قبله. انتهى. أفاده في المرقاة جـ 2 ص 364.
(واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) أي أجرة، لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص. وظاهره يدل على منع أخذ الأجرة على الأذان، وللعلماء في ذلك اختلاف، وسنحققه مع ترجيح قول من يقول يحمل النهي على المشارطة، في المسائل إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (672)، وفي "الكبرى" (1636) عن أحمد بن سليمان، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن
أبي العلاء، عن مطرف، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود وابن ماجه، فأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 271)