بفتحتين-، يقال: له العماد أيضًا. قاله في اللسان، والمصباح.
(اليمانيين) تثنية يمان، نسبة إلى اليمن البلد المعروف، على غير قياس، إذ القياس: يمني، وفي ياء يمان مذهبان:
أحدهما: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء، لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يثقل، لئلا يجمع بين العوض، والمعوض عنه.
والثاني: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدال على النسبة تنبيهًا على جواز حذفها.
وسمي اليمن به؛ لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة. أفاده في المصباح.
ثم إن هذه الرواية فيها اختصار سؤال مكان الصلاة، وفي الرواية الآتية رقم (127/ 2908) "فقلت: يا بلال، أصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: نعم، قلت: أين؟ قال: ما بين هاتين الأسطوانتين".
وسيأتي بيان اختلاف الرواية في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله عنهما متفق عليه.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 492)
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (5/ 692)، و"الكبرى" (5/ 771) عن قتيبة، عن الليث ابن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عنه، و (6/ 749)، و "الكبرى" (5/ 825)، عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن مالك، عن نافع، عنه.
وفي "المناسك" (126/ 2905)، والكبرى (126/ 3888) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن ابن عون، عن نافع به. و (2906)، و"الكبرى" (127/ 3889)، عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن ابن عون به. و (127/ 2907)، و "الكبرى" (128/ 3890)، عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن السائب بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عنه. و (2908)، و"الكبرى" (3891)، عن أحمد ابن سليمان، عن أبي نعيم، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، من طريق مالك، وأخرجه البخاري، ومسلم أيضًا من طريق أيوب السختياني، والبخاري من طريق موسى بن عقبة، وجويرية بن أسماء، وفليح بن سليمان، ويونس بن يزيد، ومسلم، وأبو داود من طريق عبيد الله بن عمر، ومسلم، من طريق عبد الله بن عون، وابن ماجه من طريق حسان بن عطية، كلهم عن نافع.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 493)
وأخرجه الشيخان من طريق سالم ابن عبد الله، والبخاري، من طريق مجاهد، كلهم عن ابن عمر رضي الله عنهما، وروى الترمذي من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في جوف الكعبة". وقال: حديث بلال حديث حسن صحيح. انظر "طرح التثريب" جـ 6 ص 129 - 130. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو جواز الصلاة في الكعبة، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في ذلك في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى.
ومنها: رواية الصحابي، عن الصحابي، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به.
ومنها: الاحتجاج بخبر الواحد.
ومنها: اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة.
ومنها: السؤال عن العلم، والحرص فيه.
ومنها: فضيلة ابن عمر رضي الله عنه حيث كان شديد الحرص على تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، ليعمل بها.
ومنها: أن الفاضل من الصحابة قد يغيب عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المشاهد الفاضلة، ويحضره من هو دونه، فيطلع على ما لم يطلع
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 494)
عليه؛ لأن أبا بكر وعمر وغيرهما مِمَّنْ هو أفضل من بلال ومن ذكر معه، لم يشاركوهم في ذلك.
ومنها: أن البخاري رحمه الله استدل بهذا الحديث على أن الصلاة إلى مقام إبراهيم غير واجبة، وعلى جواز الصلاة بين السواري في غير جماعة.
ومنها: ما قيل: إن السترة إنما يشرع اتخاذها حيث يخشى المرور، فإنه صلى الله عليه وسلم صلى بين العمودين، ولم يصل إلى أحدهما، لكن هذا -كما قال الحافظ- فيه أنه إنما ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار، إذ كان بين مصلاة وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع، ولذلك استدل المصنف به على مقدار الدنو من السترة، كما يأتي برقم (749).
ومنها: أن قول العلماء: تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص بغير داخل الكعبة، لكونه صلى الله عليه وسلم جاء فأناخ عند البيت، فدخله، فصلى فيه ركعتين، فكانت تلك الصلاة، إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل، أو هو تحية المسجد العام.
قال الجامع عفا الله سنه: هكذا ذكر الحافظ رحمه الله، ولي فيه نظر، إذ تحية المسجد الحرام ركعتان، كسائر المساجد؛ لأنه داخل في عمومها، وأما ما ثبت من أنه صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ به في حجه الطوافُ، فلا يتنافى معه؛ لأنه طاف، ثم صلى ركعتين، والنهي إنما جاء عن الجلوس قبل الركعتين.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 495)
والحاصل: أن السنة لمن أحرم بأحد النسكين أن يبدأ بالطواف، ومعلوم أن الطواف بعده ركعتان، وأما غيره فإن أراد أن يطوف طاف، وصلى ركعتين، وإلا صلى ركعتين، بدليل حديث الباب، والله أعلم.
ومنها: مشروعية الإغلاق للكعبة، ويقاس عليها غيرها من المساجد، وقد قيل في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36] إن المراد إغلاقها في غير وقت الصلاة.
وبوب البخاري في صحيحه على هذا الحديث "باب الأبواب، والغلق للكعبة والمساجد".
وقال ابن بطال: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب لتصان عن مكان الريب، وتنزه عما لا يصلح فيها من غير الطاعات. قاله في الطرح.
قال الجامع: ويدل له حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: "أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف، وتطيب" رواه أصحاب السنن إلا المصنف. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخد المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها". رواه أحمد بإسناد صحيح، والترمذي، وصححه. والمراد بالدار: المحلة.
ومنها: استحباب دخول الكعبة، لكنه مشروط بأن لا يؤذي أحدًا. وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 496)
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف ألفاظه:
رواية المصنف هنا (692) "بين العمودين اليمانيين"، وفي (749) جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه"، وفي (2906) "ما بين الأسطوانتين"، وفي (2908) "بين الساريتين".
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: قوله: "جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه"، كذا في رواية البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، وكذا في رواية أبي داود عن القعنبي، كلاهما عن مالك، وفي رواية البخاري، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك "جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه".
ونقل ابن عبد البر في التمهيد اللفظ الأول عن الأكثر من رواة الموطأ: منهم يحيى بن يحيى الأندلسي، والقعنبي، وابن القاسم، وأبو مصعب، وابن بكير، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن سليمان، وأحمد بن إسماعيل، وابن مهدي، من رواية أحمد بن سنان القطان عنه، والشافعي، من رواية أبي يحيى، محمد بن سعيد العطار، عنه.
ونقل اللفظ الثاني عن إسحاق بن الطباع، ومكي بن إبراهيم، وأبي قلابة، عن بشر بن عمر، وبندار، عن ابن مهدي، كلهم عن مالك.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 497)
ونقل اللفظ الثالث عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وبندار، عن بشر بن عمر، والربيع، عن الشافعي، كلهم عن مالك. قال: ورواه عثمان بن عمر، عن مالك، فقال فيه: "جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره"، وقال: ولم يتابع على هذه الرواية، قال: والرواية الأولى أولى بالصواب، إن شاء الله.
وصحح البيهقي أيضًا هذه الرواية. وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: وهي موافقة لكونه مقابل الباب، وفي رواية في الصحيح أيضًا "صلى بين العمودين اليمانيين"، وإذا تقرر ترجيح الرواية الأولى، فلا ينافيها قوله في الرواية الثانية "عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره" لأن معناها: صلى بين عمودين، وإن كان بجانب أحد العمودين عمود آخر، ولا قوله في الرواية الأخيرة "بين العمودين اليمانيين"، فإن العمد الثلاثة، أحدها يماني، وهو الأقرب إلى الركن اليماني، والآخر، وهو الأقرب إلى الحجر شامي، والأوسط بينهما، إن قرن بالأول، قيل: اليمانيان، وإن قرن بالثاني، قيل: الشاميان، ذكره المحب الطبري، وهو واضح.
وأما الرواية الثالثة، فإنه يتعذر الجمع بينها، وبين الأولى، فهي ضعيفة، لشذوذها، ومخالفتها رواية الأكثرين، كما تقدم.
وأما الرواية الرابعة، فهي مقطوع بوهمها، إذ ليس هناك أربعة أعمدة، حتى يكون عن يمينه اثنان، وعن يساره اثنان. انتهى. "طرح
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 498)
التثريب". جـ 5 ص 136 - 137. والله تعالى أعلم.
(المسألة السادسة) في مذاهب العلماء في حكم الصلاة في الكعبة:
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى ما حاصله: في هذا الحديث جواز الصلاة في الكعبة، وهذه الصلاة، وإن كانت نافلة، فالفريضة في معناها؛ لأن الأصل استواء الفرض والنفل في الأركان والشرائط، إلا ما استثني بدليل.
وبهذا قال الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور، كما حكاه النووي.
وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم لا يرون بالصلاة في الكعبة بأسًا. وقال مالك بن أنس: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة، وكره أن تصلى المكتوبة في الكعبة، وقال الشافعي: لا بأس أن تصلى المكتوبة، والتطوع في الكعبة؛ لأن حكم المكتوبة والنافلة في الطهارة والقبلة سواء. انتهى.
وقال بجواز الصلاة مطلقًا في الكعبة من المالكية أشهب، وصححه منهم ابن العربي، وابن عبد البر، والمشهور من مذهب مالك جواز صلاة النافلة فيها، والمنع من الفرض، والسنن، كالوتر، وركعتي الفجر، وركعتي الطواف.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 499)
وقيد ابن بطال عنه ذلك بالطواف الواجب. وإطلاق الترمذي عن مالك تجويز النافلة تبعه عليه ابن العربي، فيحتمل أنه مقيد بما حكيته، ويحتمل أن الرواية عن مالك في ذلك مختلفة.
وقد حكي عن عطاء بن أبي رباح تجويز النفل فيها، دون الفرض، فإن كان يقول به على إطلاقه، فهو مذهب ثالث في المسألة.
وفيها مذهب رابع، وهو منع الصلاة فيها مطلقًا. حكاه القاضي عياض، عن ابن عباس، وهو أحد القولين عن مالك، كما حكاه ابن العربي، وقال به من أصحابه أصبغ، وحكاه ابن بطال عن محمد بن جرير الطبري، وبه قال بعضى الظاهرية.
وتمسك هؤلاء بأن الله أمر باستقباله، والمصلي فيه مستدبر لبعضه.
وروى الأزرقي أن ابن عباس قال لسماك الحنفي: ائتم به كله، ولا تجعلن شيئًا منه خلفك. قال ابن عبد البر: لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين، إما الصحة مطلقًا، أو الفساد مطلقًا، والصواب عندي قول الصحة مطلقًا، ثم بسط ذلك.
وفيه مذهب خامس: وهو أن التفريق بين الفرض والنفل إنما في الاستحباب، فلو صلى الفرض فيها صح، وارتكب خلاف الأولى.
ومذهب سادس: وهو التفريق في الفرض بين التعمد والنسيان، فيصح مع النسيان دون التعمد. وتردد الشيخ تقي الدين في شرح العمدة عن مالك، فقال: كره الفرض، أو منعه، وعلل تجويز النفل
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 500)
بأنه مظنة التخفيف في الشروط. انتهى. طرح ببعض اختصار جـ 5 ص 138.
قال الجامع عفا الله عنه: ما صححه الحافظ ابن عبد البر من تصحيح الصلاة مطلقًا، كما هو رأي الجمهور هو الراجح عندي
لحديث الباب، وأما الأقوال الأخرى فمما لا دليل عليها، فلا يلتفت إليها، فتبصر. وبالله التوفيق.
المسألة السابعة: في هذا الحديث استحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خزيمة، والبيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا "من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج مغفورًا له".
قال البيهقي: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف.
ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحدًا بدخوله. وروى ابن أبي شيبة من قول ابن عباس: إن دخول البيت ليس من الحج في شيء. وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج. ورده بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دخله عام الفتح، ولم يكن محرمًا.
وأما ما رواه أبو داود، والترمذي، وصححه هو، وابن خزيمة، والحاكم عن عائشة "أنه صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب، فقال: دخلت الكعبة، فأخاف أن أكون شققت على أمتي". فقد يتمسك به لصاحب هذا القول المحكي، لكن عائشة لم تكن معه في الفتح، ولا في عمرته، بل ثبت أنه لم يدخل في الكعبة
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 501)
في عمرته، فتعين أن القصة كانت في حجته، وهو المطلوب، وبذلك جزم البيهقي، وإنما لم يدخل في الكعبة في عمرته لِمَا كان في البيت من الأصنام، والصور، وكان إذ ذاك لا يتمكن من إزالتها، بخلاف عام الفتح. ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه، فليس في السياق ما يمنع ذلك، ونقل عن جماعة من أهل العلم أنه لم يدخل الكعبة في حجته. أفاده في الفتح جـ 3 ص 544 - 545.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الذي ذكره الحافظ بأنه قال لها ذلك في المدينة، وأنه ليس في السياق ما يمنعه، عندى بعيد، بل السياق يأباه، إلا بتكلف، فإن قوله: "خرج من عندها، وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب" ظاهر في كون ذلك في مكة. والقول بأنه لم يدخل في حجته البيت لا دليل عليه، فالظاهر ما جزم به البيهقي، من أنه دخل في حجته. والله أعلم.
المسألة الثامنة: في هذه الرواية إثبات صلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة.
وفي صحيح البخاري، وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت، فكبر في نواحيه، ولم يصل فيه". ورواه مسلم بلفظ "ودعا، ولم يصل".
وإنما تلقى ابن عباس ذلك عن أسامة بن زيد، ففي صحيح مسلم عنه: أخبرني أسامة بن زيد: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل فيه، حتى خرج، فلما خرج ركع في قُبُلِ
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 502)
البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة".
والعمل على الإثباث، فإنه مقدم على النفي. قال ابن بطال: الآثار أنه صلى أكثر، ولو تساوت في الكثرة، لكان الأخذ بالمثبت أولى من النافي، فقد رَوَى أنه عليه الصلاة والسلام صلى في البيت -غير بلال- جماعة، منهم أسامة بن زيد، وعمر بن الخطاب، وجابر، وشيبة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، من طرق حسان، ذكرها الطحاوي كلها في شرح معاني الآثار.
وقال ابن عبد البر: رواية أنه صلى أولى من رواية أنه لم يصل، لأنها زيادة مقبولة، وليس قول من قال: لم يفعل بشهادة.
وقال النووي في شرح مسلم: أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنه مثبت، فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه. وكذا حكى ابن العربي عن العلماء، ثم قال: وهذا إنما يكون لو كان الخبر عن اثنين، فأما وقد اختلف قول ابن عمر، فأثبت مرة، ونفى أخرى، وقول النفي رواية ابن عباس، فلا أدري ما هذا. انتهى.
قال ولي الدين رحمه الله: وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر عن واحد، أو اثنين، فالإثبات مقدم ولو كان الاختلاف على واحد.
الثاني: أن ذكر ابن عمر سهو، فإنه لم يرد عنه النفي، ولعله أراد
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 503)
أسامة، فسبق قلمه إلى ابن عمر.
فأما نفي أسامة، فقد سبق، وأما إثباته، فروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي الشعثاء، قال: "خرجت حاجًا، فجئت حتى دخلت البيت، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزمت الحائط، فجاء ابن عمر، فصلى أربعًا، فلما صلى، قلت له: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت؟ فقال: أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى ها هنا، فقلت: كم صلى؟ فقال: على هذا أجدني ألوم نفسي، إني مكثت معه عمرًا، فلم أسأله، كم صلى؟ ".
ويوافق هذه الرواية لفظ رواية مسلم من رواية عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فإن فيها بعد ذكر أسامة، وبلال، وعثمان، "فقلت: أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: ها هنا، قال: ونسيت أن أسالهم، كم صلى؟ " ومقتضاها نسبة ذلك إلى جميعهم، والمشهور عن أسامة النفي، كما تقدم.
وقال القاضي عياض رحمه الله: إن أهل الحديث وهنوا هذه الرواية، فقال الدارقطني: وهم ابن عون هنا، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال وحده. قال القاضي: وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق، إلا أن في رواية حرملة، عن ابن وهب "فأخبرني بلال، أو عثمان بن طلحة" هكذا هو عند عامة شيوخنا، وفي بعض النسخ "وعثمان"، قال: وهذا يعضد رواية ابن عون، والمشهور انفراد بلال
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 504)
برواية ذلك.
(فإِن قلت): كيف الجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة مع دخولهما مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة واحدة؟
قلت: أجيب عنه بأوجه:
أحدها: قال النووي في شرح مسلم: وأما نفي أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي صلى الله عليه وسلم في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرآه بلال لقربه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، وكانت صلاته خفيفة، فلم يرها أسامة، لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملًا بظنه، وأما بلال فتحققها، فأخبر بها.
الثاني: أنه يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة، فلم يشهد صلاته، أجاب به الشيخ محب الدين الطبري. أفاده في الطرح. جـ 5 ص 135.
قال الحافظ: ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ، عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة، قال: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة، فرأى صورًا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فضرب به الصور"، فهذا إسناد جيد. قال القرطبي: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده. انتهى.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 505)
وهو مفرع على أن هذه القصة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن، فقد روى عمر بن شبة في كتاب مكة، من طريق علي بن بَذيمَةَ، وهو تابعي، وأبوه -بفتح الموحدة، ثم معجمة، بوزن عظيمة- قال: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة، قد احتبى، فأخذ بحبوته، فحلها". . . الحديث، فلعله احتبى، فاستراح، فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها، مستصحبًا للنفي، لقصر زمن احتبائه، وفي كل ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس الأمر. هذا جمع بطريقة الترجيح.
ومنهم من جمع بينهما بغير ترجيح أحدهما على الآخر. وذلك من أوجه:
أحدها: حمل الصلاة المثبتة على اللغوية، والمنفية على الشرعية، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضًا ونفلًا، وقد تقدم البحث فيه. ويرد هذا الحمل ما تقدم في بعض طرقه، من تعيين قدر الصلاة، فظهر أن المراد بها الشرعية، لا مجرد الدعاء.
ثانيها: قال القرطبي: يمكن حمل الإثبات على التطوع، والنفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك، وقد تقدم
البحث فيها.
ثالثها: قال المهلب شارح البخاري: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين، صلى في إحداهما، ولم يصل في الأخرى.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 506)
وقال ابن حبان: الأشبه عندي في الجمع أن يجعل، الخبران في وقتين، فيقال: لما دخل الكعبة في الفتح صلى فيها، على ما رواه ابن عمر، عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها؛ لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها، وأسند إثباته إلى بلال، وإلى أسامة أيضًا، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض.
قال الحافظ: وهذا جمع حسن. لكن تعقبه النووي بأنه لاخلاف أنه صلى الله عليه وسلم دخل في يوم الفتح، لا في حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقي في كتاب مكة، عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج، فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين، ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السفر، لا الدخول، وقد وقع عند الدارقطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. والله أعلم.
ويؤيد الجمع الأول ما أخرجه عمر بن شبة في "كتاب مكة" من طريق حماد، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: "قلت له: كيف أصلي في الكعبة؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبح، وتكبر، ولا تركع، ولا تسجد"، وسنده صحيح. انتهى. "فتح" جـ 3 ص 547 - 548.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 507)
قال الجامع عفا الله عنه: أحسن الأجوبة عندي جواب من حمل نفي أسامة على نفي علمه، فلا ينافي إثبات بلال، وأما ابن عباس،
فنفيه مستند إلى غيره، فجوابه جواب مستنده، وأما ما نقل من إثبات أسامة، فإن صح، فجوابه ما أجاب به ابن حبان، من تعدد الواقعة. والله أعلم.
المسألة التاسعة: لم يبين في رواية المصنف هنا، ولا في أكثر الروايات عدد ركعات صلاته، بل في الصحيحين عن ابن عمر، أنه
قال: ونسيت أن أسأله -يعني بلالًا- كم صلى؟
لكن في أوائل الصلاة من صحيح البخاري عن مسدد، عن يحيى، عن سيف، عن مجاهد، قال: "أتي ابن عمر رضي الله عنهما، فقيل له: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة، قال ابن عمر: فأقبلت، والنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج، وأجد بلالًا قائمًا بين البابين، فسألت بلالًا، فقلت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: نعم؟ ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره، إذا دخلت، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة ركعتين".
وقد أعادها البخاري في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، رواها عن أبي نعيم، عن سيف، وليس فيها هذه الزيادة، وهي أن صلاته في الكعبة كانت ركعتين، نعم رواها النسائي (2908) من رواية أبي نعيم، وفيها ذكر الركعتين، وروى النسائي أيضًا (2907) عن
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 508)
ابن أبي مليكة أن ابن عمر، قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة". . . الحديث، وفيه "فسألت بلالًا، هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين".
قال ولي الدين العراقي رحمه الله: ولم يستحضر النووي رحمه الله في شرح مسلم رواية البخاري، فاقتصر على ذكر ما في سنن أبي داود بإسناد فيه ضعف، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: "قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين". رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من هذا الوجه، عن صفوان، أو ابن صفوان: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين حين دخله".
قال ولي الدين: ولم أتوقف في رواية البخاري لاستغراب كونه عليه الصلاة والسلام صلى ركعتين، فإن هذا هو المعروف من عادته،
إنما توقفت فيها لقول ابن عمر: ونسيت أن أسأله، كم صلى؟ وهو في الصحيحين.
وقال والدي: يحتمل أنه لم يسأله عن ذلك، وإنما أخبره به بلال بغير سؤال، وفيه بعد؛ لأنه لم يكن حينئذ يلوم نفسه على ترك السؤال، لحصول مقصوده بدونه، ويحتمل أن ابن عمر حدث به من قبل أن يسأل بلالًا، ثم سأل بلالًا بعد ذلك، أو حدث به بلال بعد ذلك، فذكر فيه أنه صلى ركعتين، وفيه بعد أيضًا؛ لأن بعض من حدثه عنه بكونه لم
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 509)
يسأل بلالًا عن ذلك إنما سمع منه بعد وفاة بلال.
ويحتمل أن ابن عمر، وإن سمع من بلال أنه صلى ركعتين، لم يكتف بذلك في أنه لم يصل غيرهما؛ لأن من صلى أربعًا أو أكثر يصدق عليه أنه صلى ركعتين على القول بأن مفهوم العدد ليس بحجة، كما هو المرجح في الأصول، فيكون الذي نسي أن يسأله عنه، هل زاد على الركعتين شيئًا، أم لا. انتهى. "طرح التثريب" جـ 5 ص 138 - 139.
قال الجامع عفا الله عنه: ولا يخفى بعد الاحتمال الأخير أيضًا. والله أعلم.
وقال الحافظ رحمه الله: وقد استشكل الإسماعيلي، وغيره هذا -يعني قوله: صلى ركعتين- مع أن المشهور عن ابن عمر من طريق نافع، وغيره، عنه، أنه قال: "ونسيت أن أسأله كم صلى"، فدل على أنه أخبره بالكيفية، وهي تعيين الموقف في الكعبة، ولم يخبره بالكمية، ونسي هو أن يسأله عنها.
والجواب عن ذلك أن يقال: يحتمل أن ابن عمر اعتمد في قوله في هذه الرواية ركعتين على القدر المتحقق له، وذلك أن بلالًا أثبت له أنه صلى، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم تنفل في النهار بأقل من ركعتين، فكانت الركعتان متحققًا وقوعهما، لما عرف بالاستقراء من عادته. فعلى هذا، فقوله: "ركعتين" من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال.
وقد وجدت ما يؤيد هذا، ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 510)
ما أخرجه عمر بن شبة في "كتاب مكة" من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، في هذا الحديث "فاستقبلني بلال، فقلت: ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ها هنا؟ فأشار بيده، أي صلى ركعتين بالسبابة والوسطى".
فعلى هذا فيحمل قوله: "نسيت أن أسأله كم صلى" على أنه لم يسأله لفظًا، ولم يجبه لفظًا، وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته، لا بنطقه. وأما قوله في الرواية الأخرى: "نسيت أن أسأله كم صلى"، فيحتمل على أن مراده أنه لم يتحقق هل زاد على ركعتين، أو لا؟
وأما قول بعض المتأخرين: يجمع بين الحديثين بأن ابن عمر نسي أن يسأل بلالًا، ثم لقيه مرة أخرى، فسأله، ففيه نظر، من وجهين:
أحدهما: أن الذي يظهر أن القصة -وهي سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة- لم تتعدد؛ لأنه أتى في السؤال بالفاء المعقبة في الروايتين معًا، فقال في هذه، فأقبلت، ثم قال: فسألت بلالًا، وقال في الأخرى: فبدرت، فسألت بلالًا، فدل على أن السؤال عن ذلك كان واحدًا في وقت واحد.
ثانيهما: أن راوي قول ابن عمر "ونسيت" هو نافع مولاه، ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمر على حكايته النسيان، ولا يتعرض لحكاية الذكر أصلًا. والله أعلم.
وأما ما نقله عياض أن قوله: "ركعتين" غلط من يحيى بن سعيد
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 511)