قال الإمام: {وَلَا الضَّالِّينَ} قال الإمام والمأموم معًا: آمين، وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمّن فأمنوا"، قالوا: معناه إذا أراد التأمين، ليجمع بينه، وبين هذا الحديث، وهو يريد التأمين في آخر قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ}، فيعقب إرادته تأمينه، وتأمينكم معًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع حسن جِدًّا. والله تعالى أعلم.
وفي "آمين" لغتان. المد، والقصر، والمد أفصح، والميم خفيفة فيهما، ومعناه. استجب. وسيأتي تمام الكلام في التأمين، وما يتعلق به في بابه 33، 34، 35 إن شاء الله تعالى.
(يجبكم الله) بالجيم، من الإجابة، وهو مجزوم بالطلب قبله، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقًطِ الفَا وَالْجَزَاءً قَدْ قُصِدْ
أي يستجب الله دعاءكم، وهذا فيه حث عظيم على التأمين، فيتأكد الاهتمام له.
(وإِذا ركع فاركعوا) زاد في الرواية الآتية: 101/ 1172 و44/ 1280: "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم" قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "فتلك بتلك" (وإذا رفع، فقال: سمع الله لمن حمده) أي أجاب دعاء من حمده (فقولوا: وبنا لك الحمد)، وفي 23/ 1064: "اللهم ربنا، ولك الحمد" بزيادة الواو، ولفظ "اللهم"، وفي 44/ 1280: "اللهم
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 388)
ربنا لك الحمد" بلا واو.
قال النووي رحمه الله: قوله: "ربنا لك الحمد" هكذا هو هنا بلا واو، وفي غير هذا الموضع: "ربنا ولك الحمد". وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها، وكلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على وجه الجواز، وأن الأمرين جائزان، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر. ونقل القاضي عياض رضي الله عنه اختلافًا عن مالك رحمه الله تعالى، وغيره في الأرجح منهما.
وعلى إثبات الواو يكون قوله: "ربنا" متعلقًا بما قبله، تقديره: سمع الله لمن حمده، يا ربنا، فاستجب حمدنا، ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك. انتهى.
(يسمع الله لكم) بالجزم جوابًا للأمر. أي يستجب الله دعاءكم. زاد في 101/ 1172: "فإن الله عز وجل قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده".
قال النووي رحمه الله: فيه دلالة لما قاله أصحالنا، وغيرهم أنه يستحب للإمام الجهر بقوله: سمع الله لمن حمده، وحينئذ يسمعونه، فيقولون. وفيه دلالة لمذهب من يقول: لا يزيد المأموم على قوله: ربنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده. ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام، والمأموم، والمنفرد، لأنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم جمع بينهما، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم، قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". انتهى.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 389)
قال الجامع عفا الله عنه: المذهب الأول، وهو عدم مشروعية التسميع للمأموم هو الراجح، لكون حديث الباب صريحًا فيه، وأما حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فعام خص منه عدم متابعته في الجهر بالقراءة إجماعًا، فليخص أيضًا هذا لهذا الحديث الصريح الخاص. وسيأتي تمام الكلام على هذا في موضعه 1061، 1062، 1064 إن شاء الله تعالى.
(وإِذا سجد فاسجدوا، وإِذا رفع فارفعوا، فإِن الإِمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم) وفي الرواية 101/ 1172: "ثم إذا كبر الإمام وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم".
والمعنى: اجعلوا تكبيركم للسجود وسجودكم، بعد تكبيره وسجوده، وكذلك رفعكم من السجود يكون بعد رفعه.
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فتلك بتلك") أي أن اللحظة التي سبقكم بها الإمام في تقدمه إلى السجود، تقابل لكم بتأخركم في السجود بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار سجودكم كقدر سجوده. أفاده النووي رحمه الله تعالى(1).
وزاد في الروايات الآتية بالأرقام المذكورة: "فإذا كان عند القعدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات، الصلوات لله،--------------------------------------------
(1) شرح صحيح مسلم جـ 4 ص 121.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 390)
سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، سمع كلمات، وهي تحية الصلاة.
وسيأتي شرح هذه الزيادة في محلها، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 38/ 830، وفي "الكبرى" 38/ 904، عن مؤمل بن هشام، عن إسماعيل بن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، عنه. وفي 23/ 1064، عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن سعيد، به. وفي 101/ 1172، عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى بن سعيد، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، به، وفي 44/ 1280 عن محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، كلاهما عن يحيى بن سعيد، به. وفي 102/ 1173 عن أبي الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، به، بقصة التشهد، فقط.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 391)
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم فيه عن سعيد بن منصور، وقتيبة، وأبي كامل، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أربعتهم عن أبي عوانة، عن قتادة، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن ابن أبي عروبة، به. وعن أبي غسان/ مالك بن عبد الواحد، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، به. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن سليمان التيمي، به. وعن إسحاق، وابن أبي عمر، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، به.
وأبو داود فيه عن عمرو بن عون، عن أبي عوانة، به. وعن أحمد ابن حنبل، عن يحيي بن سعيد، عن هشام، به. وعن عاصم بن النضر، عن المعتمر، عن أبيه، به نحوه.
وابن ماجه فيه عن يوسف بن موسى، عن جرير به، ببعضه "وإذا قرأ، فأنصتوا". وعن جميل بن الحسن، عن عبد الأعلى، عن سعيد، به بقصة التشهد. وعن عبد الرحمن بن رسته، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، وهشام به، بهذه القصة.
وأخرجه أحمد جـ 4 ص 393، 394، 401، 405، 409، 415. والدارمي رقم (1318) و (1365). وابن خزيمة رقم (1584)، و (1593).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 392)
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو عدم جواز مبادرة الإمام، وموضع الاستدلال قوله: "فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم"، فإنه صريح في عدم جواز التقدم عليه، وكذا المقارنة.
ومنها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الاهتمام في التبليغ، وتعليم الأمة أحكام الدين.
ومنها: أن الإمام هو القدوة للمأموم، فلا يجوز له أن يسابقه في أفعال الصلاة، ولا أن يقارنه.
ومنها: الترغيب في قول: "آمين" عند فراغ الإمام من قراءة الفاتحة، وأن الله تعالى يجيب الدعاء بذلك.
ومنها: أن الله تعالى يسمع حمد من حمده، ويثيبه عليه.
ومنها: أن الإمام يسجد، ويرفع قبل المأموم، ومثله في الركوع.
ومنها: أن كل لحظة من اللحظات التي تفوت المأموم بتأخره عن الإمام تقابل باللحظة التي تليها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 393)
39 - خُرُوجِ الرَّجُلِ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ، وَفَرَاغِهِ مِنْ صَلَاتِهِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز خروج المأموم من صلاة إمامه، إذا أصابته مشقة عن تطويل الإمام الصلاة، أو نحو ذلك، وإكماله صلاته في جانب من جوانب المسجد. ووقع في بعض النسخ: "خروج المأموم" بدل "الرجل".
839 - أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى خَلْفَ مُعَاذٍ، فَطَوَّلَ بِهِمْ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَصَلَّى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَمَّا قَضَى مُعَاذٌ الصَّلَاةَ، قِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ مُعَاذٌ: لَئِنْ أَصْبَحْتُ لأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَى مُعَاذٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 394)
الَّذِي صَنَعْتَ؟، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَمِلْتُ عَلَى نَاضِحِي مِنَ النَّهَارِ، فَجِئْتُ، وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا، فَطَوَّلَ، فَانْصَرَفْتُ، فَصَلَّيْتُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (واصل بن عبد الأعلى) بن هلال الأسدي، أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الكوفي، ثقة من [10].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ومحمد بن عبد الله الحضرمي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مُطَيَّن، والسرّاج: مات سنة 244. روى عنه الجماعة إلا البخاري(1).
2 - (ابن فضيل) هو محمد بن فضيل بن غَزْوَان الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف، رمي بالتشيع، مات سنة 195، من 91، أخرج له الجماعة، تقدم في 18/ 799.--------------------------------------------
(1) "ت" ص 368. "تت" جـ 11 ص 104.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 395)
3 - (الأعمش) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الأسدي الكاهلي، مولاهم الكوفي، ثقة، حافظ، ورع يدلس، مات سنة 147، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 17/ 18.
4 - (مُحارب بن دِثَار) السَّدُوسِيُّ الكوفي القاضي، ثقة إمام زاهد، مات سنة 116، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 16/ 652.
5 - (أبو صالح) ذكوان السمان المدني، ثقة ثبت، مات سنة 101، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 36/ 40.
6 - (جابر) بن عبد الله الأنصاري السَّلَمِيُّ رضي الله عنهما، تقدم في 31/ 35. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما روى عنه البخارى.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، إلا الصحابي، فمدني، وأبو صالح وإن كان مدنيًا، إلا أنه كان يسكن الكوفة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيين، وهما يرويان عن صحابي ابن صحابي.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 396)
ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى 1570 حديثًا.
ومنها: أنه يقدر قبل قوله: "وأبي صالح" لفظ "كلاهما"، أي كلا محارب، وأبي صالح يرويان عن جابر رضي الله عنه، وقد تقدمت القاعدة غير مرة.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محاوب بن دثار، وأبي صالح) ذكوان السمان الزيات.
قال الحافظ رحمه الله: اعلم أن هذا الحديث رواه عن جابر عمرُو ابن دينار، ومحاربُ بن دثار، وأبو الزبير، وعبيدُ الله بن مِقْسَم، فرواية عمرو بن دينار عند البخاري في "الصلاة" عن شعبة، وفي "الأدب" عن سَلِيم بن حَيَّان وعند مسلم عن ابن عيينة، ثلاتتهم عنه، ورواية محارب بن دثار عند البخاري في "الصلاة"، وهي عند النسائي مقرونة بأبي صالح، ورواية أبي الزبير عند مسلم، ورواية عبيد الله عند ابن خزيمة، وله طرق أخرى غير هذه، سأذكر ما يُحتاج إليه منها مَعْزُوًا، وإنما قدمت ذكر هذه لتسهل الحوالة عليها. انتهى(1).--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 425.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 397)
(عن جابر) بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه (قال: جاء رجل من الأنصار) قال الحافظ رحمه الله: لم يقع في شيء من الطرق المتقدمة تسمية هذا الرجل، لكن روى أبو داود الطيالسي في "مسنده"، والبزار من طريقه، عن طالب بن حبيب، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: مرّ حَزم بن أبي بن كعب بمعاذ بن جبل، وهو يصلي بقومه صلاة العتمة، فافتتح بسورة طويلة، ومع حزم ناضح له … الحديث.
قال البزار: لا نعلم أحدًا سماه عن جابر إلا ابن جابر. انتهى. وقد رواه أبو داود في "السنن" من وجه آخر عن طالب، فجعله عن ابن جابر، عن حزم صاحب القصة، وابن جابر لم يدرك حزمًا. ورواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، فسماه حازمًا، وكأنه صحفه. أخرجه ابن شاهين من طريقه. ورواه أحمد، والنسائي، وأيو يعلى، وابن السكن بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن صهب، عن أنس، قال: كان معاذ يؤم قومه، فدخل حرام، وهو يريد أن يسقي نخله … الحديث. كذا فيه براء بعدها ألف، وظن بعضهم أنه حرام بن ملحان، خال أنس، وبذلك جزم الخطيب في "المبهمات"، لكن لم أره منسوبًا في الرواية، ويحتمل أن يكون تصحيفًا من حزم، فتجتمع هذه الروايات، وإلى ذلك يومىء صنيع ابن عبد البر، فإنه ذكر في الصحابة حرام بن أبي كعب، وذكر له هذه القصة، وعزا تسميته
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 398)
لرواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنه بنى على أن اسمه تصحف، والأب واحد، سماه جابر، ولم يسمه أنس.
وجاء في تسميته قول آخر أخرجه أحمد أيضًا من رواية معاذ بن رفاعة، عن رجل من نبي سَلِمَة، يقال له: سليم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال. يا نبي الله، إنا نظل في أعمالنا، فنأتي حين نمسي، فنصلي، فيأتي معاذ بن جبل، فينادي بالصلاة، فنأتيه، فيطول بنا … الحديث. وفيه أنه استشهد لأحد، وهذا مرسل؛ لأن معاذ بن رفاعة لم يدركه. ورواه البزار من وجه آخر عن جابر، وسماه سليمًا أيضا، لكن وقع عند ابن حزم من هذا الوجه أن اسمه سَلْم -بفتح أوله، وسكون اللام- وكأنه تصحيف. والله أعلم.
وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف لأنهما واقعتان، وأيد ذلك بالاختلاف في الصلاة، هل هي العشاء، أو المغرب، وبالاختلاف في السورة، هل هي "البقرة"، أو "اقتربت"، وبا لاختلاف في عذر الرجل، هل هو لأجل التطويل فقط، لكونه جاء من العمل، وهو تعبان، أو لكونه أراد أن يسقي نخله، إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل، كما في حديث بريدة.
واستشكل هذا الجمع؛ لأنه لا يظن بمعاذ أنه صلى الله عليه وسلم يأمره بالتخفيف، ثم يعود إلى التطويل، ويجاب عن ذلك باحتمال أن يكون قرأ أوّلاً
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 399)
"البقرة"، فلما نهاه قرأ "اقتربت"، وهي طويلة بالنسبة إلى السورة التي أمره أن يقرأ لها، كما سيأتي، ويحتمل أن يكون النهي أوّلاً وقع لما يخشى من تنفير بعض يدخل في الإسلام، ثم لما اطمئنت نفوسهم بالإسلام ظن أن المانع زال، فقرأ باقتربت؛ لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فصادف صاحب الشغل.
وجمع النووي باحتمال أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، فانصرف رجل، ثم قرأ اقتربت في الثانية، فانصرف آخر، ووقع في رواية أبي الزبير عند مسلم: "فانطلق رجل منا"، وهذا يدل على أنه كان من بني سلِمَة، ويقوي رواية من سماه سليمًا. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح"(1).
(وقد أقيمت الصلاة) اختلفت الروايات في تعيين تلك الصلاة، ومعظم الروايات أنها العشاء، ووقع من رواية محارب بن دثار الآتية 63/ 984 أنها المغرب، وظاهر صنيع المصنف يميل إلى الجمع بالحمل على تعدد القصة، فإنه بوب للقراءة في المغرب بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، فأورد الحديث من طريق سيفان، عن محارب. ثم بوب للقراءة في العشاء الاخرة بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، فأورد الحديث من طريق الأعمش، عن محارب.--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 426 - 427.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 400)
وقال في "الفتح" عند قوله: "فصلى العشاء": ما نصه: كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية لأبي عوانة، والطحاوي من طريق محارب بن دثار: "صلى بأصحابه المغرب"، وكذا لعبد الرزاق من رواية أبي الزبير: فإن حُمِلَ على تعدد القصة، كما سيأتي، أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا تَمَّ، وإلا فما في الصحيح أصح. انتهى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي طريقة الجمع بالحمل على تعدد القصة، كما هو صنيع المصنف الآتي أولى من دعوى إلغاء الرواية الصحيحة. والله تعالى أعلم.
(فدخل) ذلك الرجل (المسجد) أي المسجد الذي يصلي فيه معاذ إمامًا (فصلى) أي دخل في الصلاة (خلف معاذ) رضي الله عنه (فطول بهم) أي طول القراءة، ففي الرواية الآتية 63/ 984 من طريق سفيان، عن محارب: "فافتتح بسورة البقرة". وقال في "الفتح": وفي رواية محارب عند البخاري: "فقرأ بسورة البقرة، أو النساء" على الشك. وللسرّاج من رواية مسعر، عن محارب: "فقرأ بالبقرة، والنساء". كذا رأيته بخط الزكي البرزالي بالواو، فإن كان ضبطه احتمل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، وفي الثانية بالنساء، ووقع عند أحمد من حديث بريدة بإسناد قويّ: "فقرأ اقتربت الساعة"، وهي--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 425.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 401)
شاذة، إلا إن حمل على التعدد. انتهى(1).
(فانصرف الرجل) وفي رواية سَلِيم بن حيان عند البخاري: "فتجوز رجل، فصلى صلاة خفيفة"، ولابن عيينة عند مسلم: "فانحرف رجل، فسلم، فصلى وحده"، وهو ظاهر في أنه قطع الصلاة، لكن ذكر البيهقي أن محمد بن عباد شيخ مسلم تفرد عن ابن عيينة بقوله: "ثم سلم"، وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة، وكذا من أصحاب شيخه عمرو بن دينار، وكذا من أصحاب جابر، لم يذكروا السلام، وكأنه فهم أن هذه اللفظة تدل على أن الرجل قطع الصلاة، لأن السلام يتحلل به من الصلاة، وسائر الروايات تدل على أنه قطع القدوة فقط، ولم يخرج من الصلاة، بل استمر فيها منفرداً.
قال الرافعي في "شرح المسند" في الكلام على رواية الشافعي عن ابن عيينة في هذا الحديث: "فتنحى رجل من خلفه، فصلى وحده": هذا يحتمل من جهة اللفظ أنه قطع الصلاة، وتنحى عن موضع صلاته، واستأنفها لنفسه، لكنه غير محمول عليه؛ لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه. انتهى.
ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفرداً. ونازع النووي فيه، فقال: لا دلالة فيه؛ لأنه ليس فيه أنه فارقه، وبنى على صلاته، بل في الرواية التي فيها أنه سلم دليل--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 425 - 426.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 402)
على أنه قطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر. انتهى "فتح"(1).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النووي رحمه الله من كون الحديث يدل على جواز قطع الصلاة واستئنافها، لا على قطع الاقتداء، هو الظاهر، وهو الذي مال إليه المصنف رحمه الله، حيث عبر بقوله: "خروج الرجل من صلاة الإمام، وفراغه من صلاته في ناحية المسجد"، والرواية التي أوردها هنا واضحة في ذلك؛ إذ قوله: "فانصرف الرجل، فصلى في ناحية المسجد" صريح في كونه قطع الصلاة، واستأنفها، وأصرح منها رواية مسلم: "فانحرف رجل، فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف" لكن لا يبعد أن يقال: إذا جاز قطع الصلاة، فجواز قطع الاقتداء أولى، لأنه أخف. والله تعالى أعلم.
(فصلى في ناحية المسجد) أي في جانبه، قال الفيومي: الناحية: الجانب، فاعلة بمعنى مفعولة؛ لأنك نحوتها، أي قصدتها. اهـ(2).
(ثم انطلق) أي ذهب لحاجته (فلما قضى معاذ الصلاة) أي أداها، وانتهى منها. يقال: قضيت وَطَري: بلغته، ونلته، وقضيت الحاجة كذلك، وقضيت الحج، والدَّيْنَ: أديته، قال الله تعالى:--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 427.
(2) المصباح جـ 2 ص 596.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 403)
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} الآية [البقرة: 200]. أي أديتوها. قاله الفيومي (قيل له: إِن فلاناً فعل كذا وكذا) كناية عن انصرافه عن الصلاة معه، وصلاته منفردًا (فقال معاذ: لئن أصبحت لأذكرن ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم) اللام في "لئن" هي اللام الموطئة للقسم المقدر، وفي "لأذكرن" هي التي يتلقى بها جواب القسم، أي قال معاذ بن جبل رضي الله عنه لما علم بما صنعه ذلك الرجل: والله لئن أصبحت، أي دخلت في وقت الصباح لأذكرن صنيعه هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأشكونه إليه، ليزجره عنه.
وفي الرواية الآتية 71/ 998: "من رواية أبي الزبير عن جابر، فأخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق". ونحوه لمحي رواية سَليم بن حيان عند البخاري.
وفي رواية عمرو بن دينار الآتية 41/ 835: "فقالوا: نافقت يا فلان، دقال: والله ما نافقت، ولآتين النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره". قال في "الفتح": وكأن معاذاً قال ذلك أوّلا، ثم قال أصحاب معاذ للرجل. انتهى.
(فأتى معاذ النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له) وفي رواية عمرو المذكورة آنفًا أن الذي جاء فاشتكى من معاذ هو الرجل، لكن يجمع بين الروايتين بأن معاذاً سبقه بالشكوى، فلما أرسل إليه، جاء فاشتكى من معاذ.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 404)
(فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه) إلى ذلك الرجل (فقال) صلى الله عليه وسلم (ما حملك) "ما" استفهامية مبتدأ، خبرها الجملة بعدها، أي أيّ شيء حملك (على الذي) وفي نسخة على ما، بدل "الذي" متعلق بحمل (صنعت) بحذف العائد المنصوب، أي على الصنع الذي صنعته من الخروج من صلاة معاذ؟ (فقال) ذلك الرجل (يا رسول الله عملت على ناضحي من النهار) وفي رواية عمرو بن دينار الآتية 41/ 835: "فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله إن معاذًا يصلي معك، ثم يأتينا، فيؤمنا، وإنك أخرت الصلاة البارحة، فصلى معك، ثم رجع فأمنا، فاستفتح بـ"سورة البقرة"، فلما سمعت ذلك تأخرت، فصليت، وإنما نحن أصحاب نواضح، نعمل بأيدينا" …
و"الناضح": الإبل التي يستقى عليها الماء، جمعه نواضح. يقال: نضَحَ البعيرُ الماءَ: حمله من نهر أو بئر لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة، بالهاء، سمي ناضحًا لأنه يَنضَح العَطَشَ، أي يَبُلُّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كل بعير، وإن لم يحمل الماء. قاله الفيومي رحمه الله(1).
وأراد الرجل الاعتذار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب عمل شديد في النهار، ومن كان كذلك لا يستطيع تطويل الصلاة.
(فجئت، وقد أقيمت الصلاة) وتقدم اختلاف الروايات في كون--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 2 ص 609 - 610.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 405)
تلك الصلاة العشاء، أو المغرب، والجمع بالحمل على تعدد الواقعة (فدخلت المسجد، فدخلت معه) أي مع معاذ (في الصلاة، فقرأ سورة كذا وكذا) وتقدم اختلاف الروايات في كون السورة البقرة، أو النساء، أو اقتربت (فطول، فانصرفت، فصليت في ناحية المسجد) أي في جانبه (فقال وسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ" بالرفع، والتكرار ثلاثًا، وفي "الكبرى": "أفتاناً يا معاذ، أقتاناً يا معاذ " بالنصب، والتكرار مرتين. والهمزة للاستفهام الإنكاري، وإنما كرره للتأكيد.
و"فتان" صيغة مبالغة، ورفعه على أنه خبر لمحذوف، تقديره: أي "أنت فتان"، والنصب على أنه خبر لكان المقدرة، أي أتكون فتاناً.
وفي رواية أبي الزبير الآتية 71/ 998: "أتريد أن تكون فتاناً"، ولأحمد من حديث معاذ بن رفاعة المتقدم: "يا معاذ لا تكن فتانًا"، زاد في حديث أنس: "لا تطول بهم".
ومعنى الفتنة هنا، أن التطويل يكون سببًا لخروجهم من الصلاة، ولكراهتهم الصلاة في الجماعة. وروى البيهقي في "الشعب" بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه: "لا تُبَغِّضُوا الله إلى عباده، يكون أحدكم إمامًا فيطول على القوم الصلاة، حتى يُبَغِّض إليهم ما هم فيه".
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 406)
وقال الداودي رحمه الله: يحتمل أن يريد بقوله: "فتان" أي معذب؛ لأنه عذبهم بالتطويل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ} [البروج: 10] الآية. قيل: معناه عذبوهم. انتهى(1).
زاد في رواية أبي الزبير الآتية بالرقم المذكور: "يا معاذ إذا أممت الناس، فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، واقرأ باسم ربك الذي خلق".
وفي رواية البخاري من طريق شعبة: "وأمره بسورتين من أوسط المفصل. قال عمرو: لا أحفظهما". قال في "الفتح": وكأنه -يعني عمرًا- قال ذلك في حال تحديثه لشعبة، وإلا ففي رواية سَليم بن حيان عن عمرو: "اقرأ: والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، ونحوها". وفي رواية ابن عيينة عند مسلم "اقرأ بكذا"، قال ابن عيينة: فقلت لعمرو. إن أبا الزبير حدثنا عن جابر، أنه قال: اقرأ: والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى"، فقال عمرو: نحو هذا. وجزم محارب في حديته عن جابر، وفي رواية الليث، عن أبي الزبير عند مسلم مع الثلاثة. "اقرأ باسم ربك"، وزاد ابن جريج، عن أبي الزبير: "والضحى" أخرجه عبد الرزاق. وفي رواية الحميدي، عن ابن عيينة مع الثلاثة الأوَل: "والسماء ذات البروج، والسماء والطارق".
وفي المراد بالمفصل أقوال، أصحها أنه من أول "ق" إلى آخر القرآن.--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 427 - 428.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 407)