وحاصله أن ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من كيفية الصلاة، هو الذي أمر به، وقد كان يخفف أحيانًا، ويطول أحيانًا على حسب ما يراه من حال المأمومين.
فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم خفف صلاته تارة، فقرأ في صلاة العشاء بـ"التين والزيتون" وجاء في هذا أنه كان في سفر. وقد روي عنه أنه قرأ بها في المغرب، ولم يذكر السفر، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقرأ بقصار المفصل، ولا يعارضه حديث زيد بن ثابت أنه أنكر على مروان قراءته بقصار المفصل، لأنه أنكر استمراره على ذلك، وجاء في الصحيح أنه قرأ فيها بـ"والليل إذا يغشى"، وكذلك ورد أنه قرأ بها في صلاة الظهر، وكذلك صلى الصبح بـ "الزلزلة" في الركعتين، وقرأ فيه أيضًا بـ"المعوذتين"، ونحو ذلك من رواية قراءته بالسور القصار.
وثبت عنه أنه طول تارة، فقرأ في المغرب بـ"المرسلات"، وبـ"الطور"، وبطولى الطوليين، وظاهره أثه أتمها. وقول القاضي عياض: إن المراد ببعضها -خلاف الظاهر، وكان يطول بالصبح، فيقرأ في الركعتين ما بين الستين إلى مائة، وصلاها بـ"المؤمنون" حتى إذا وصل ذكر موسى وهارون، فأخذته سَعْلَة، فركع، وقرأ فيها بـ"ق"، وقرأ فيها بـ"الطور".
وعن أبي سعيد أنهم قدّروا قراءته صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر في الأوليين من الظهر بقدر {الم (1) تَنْزِيلُ}: "السجدة"، وفي الأخريين بقدر
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 328)
النصف من ذلك، وجاء أنه كان يقرأ في الظهر والعصر بـ" السماء ذات البروج"، و"السماء والطارق". وصلى تارة الظهر بـ"سورة لقمان"، و"الذاريات"، وقرأ فيها بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، و"الغاشية". والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وكذا ثبت عنه أنه كان سجوده وركوعه على حسب قراءته، فإذا خفف خفف، وإذا طول طول.
فعلى الإمام أن يقتدي به في ذلك؛ لأنه صح عنه قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وبالجملة فعلى الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، كما كان صلى الله عليه وسلم يراعي ذلك، فقد قال: "إني لأقوم في الصلاة، فأسمع بكاء الصبي، فأوجز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه". فإن خفي على الإمام حالهم فليخفف احتياطًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الثامنة: هذا الحكم، وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته، وهو كون المأمومين فيهم السقيم، والضعيف، والكبير، فإن انتفت هذه العلة، فلم يكن في المأمومين أحد من هؤلاء، وكانوا محصورين، ورضوا بالتطويل طوّل، لانتفاء العلة، قال ولي الدين رحمه الله: وبذلك صرح أصحابنا وغيرهم.
وقال ابن عبد البر رحمه الله: قد بان في هذا الحديث العلة الموجبة
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 329)
للتخفيف، وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ لأنه وإن علم قوة من خلفه، فإنه لا يدري ما يحدث لهم من آفات بني آدم، ولذلك قال: "فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء"؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد يحدث للظاهر القوة، ومن يُعرَفُ منه الحرصُ على طول الصلاة حادثٌ من شغل، وعارضٌ من حاجة وآفةٌ، من حدث بول أو غيره. انتهى. وتبعه على ذلك ابن بطال، فذكر مثل هذا الكلام.
قال الحافظ ولي الدين: وهو ضعيف، فإن الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل لا يترتب عليه حكم، فإذا انحصر المأمومون، ورضوا بالتطويل، لا نأمر إمامهم بالتخفيف لاحتمال عارض لا دليل عليه، وحديث أبي قتادة رضي الله عنه يرد على ما ذكراه، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأقوم في الصلاة، وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز، كراهية أن أشق على أمه". فإرادته صلى الله عليه وسلم أولاً التطويل يدلّ على جواز مثل ذلك، وما تركه إلا لدليل قام على تضرر بعض المأمومين به، وهو بكاء الصبي الذي يشغل خاطر أمه. والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي هذا الذي قاله الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى حسن جدًّا. والله تعالى أعلم.
المسألة التاسعة: قال الإمام ابن حزم رحمه الله: حد التطويل: ما لم يخرج وقت الصلاة التي تلي التي هو فيها، ثم استدل على ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 330)
بالأمس. وقال عليه الصلاة والسلام: "وقت الصبح ما لم تطلع الشمس، ووقت العصر ما لم تغرب الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ووقت العشاء الَاخرة إلى نصف الليل". قال: فصح يقينًا أن من دخل في صلاة في آخر وقتها، فإنما يصلي باقيها في وقت الأخرى، أو في وقت ليس له تأخير ابتداء الصلاة إليه أصلاً.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى، فصح أن له إذا دخل في الصلاة في وقتها أن يطول ما شاء، إلا تطويلاً منع النص منه، وليس له أن يطيل حتى تفوته الصلاة التالية لها فقط. انتهى كلامه(1).
قال ولي الدين رحمه الله: وهو ضعيف، والذي ينبغي أن يقال في حد التطويل المباح: إنه ما لم يخرج وقت الصلاة التي هو فيها، ولو جوزنا له أن يخرج جزءًا منها عن وقتها لم يكن لتوقيتها فائدة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "الوقت ما بين هذين".
وأما استدلاله على ذلك بأنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، فقد تقرر تأويله عند أكثر العلماء على معنى أنه فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر في اليوم الأول، فقوله: "صلى الظهر" أي ابتدأها. وقوله: "صلى العصر" أي فرغ منها، وفعل يصلح للابتداء والشروع(2)،--------------------------------------------
(1) "المحلّى" باختصار جـ 4 ص 99 - 101.
(2) هكذا نسخة "الطرح"، وفيها ركاكة، ولعل صواب العبارة: وفعلُ الصلاة يصلح للابتداء والفراغ، فحمل في كل موضع على اللائق به. فليحرر.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 331)
فحملت في كل موضع على اللائق بها، ولا اشتراك بين الصلاتين في وقت.
وعلى تقدير أن لا نؤله، ويجعل بين الصلاتين اشتراك في الوقت كما يقوله المالكية، فالاشتراك إنما هو في مقدار أربع ركعات خاصة، وهكذا يقول المالكية، وهل ذلك من وقت العصر أو الظهر؟ خلاف عندهم.
وأما القول بالاشتراك في جميع الوقت، فلا قائل به، ولا دليل يعضده، ولا يصح القياس في ذلك عند من يقول بالقياس، فكيف عند من ينكره؟
والعجب من استدلاله على مطلوبه بقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى" وهذا عليه لا له، فإنه دالّ على أن غاية التأخير المباح دخول الأخرى، لا فراغه، ولا تضيقه، وما ذكره ابن حزم مبني على أن هذه الأوقات للشروع في الصلاة، لا للفراغ منها، وهذا مردود، بل هذه المواقيت لجملة الصلاة، أولِهَا، ووسطها، وآخرها.
وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنه يحرم تأخير الصلاة إلى حدّ يخرج بعضها عن الوقت، وهو موافق لما ذكرته، لكنهم قالوا: إنه لو شرع في الصلاة، وقد بقي عن الوقت ما يسع جميعها، فمد هذا بتطويل القراءة لم يأثم بذلك، إلا في وجه حكاه القاضي حسين في "تعليقه"، وقال: إن هذا الخلاف ينبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول والخروج، أو للدخول فقط، وهل يكره ذلك؟ فيه وجهان: أصحهما عندهم لا يكره، لكن قال النووي في "شرح المهذب": إنه خلاف الأولى.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 332)
قال ولي الدين: وعندي أن تجويزهم تطويل القراءة حتى يخرج الوقت مخالف لقوله: "إن التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى" ولقوله: "الوقت ما بين هذين". وقد تبين كلام القاضي حسين أنه مبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول فقط، والصحيح أنها وقت للدخول والخروج. انتهى ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه الحافظ ولي الدين رحمه الله من كون الأوقات للدخول والخروج هو الراجح عندي، فلا يجوز تطويل القراءة حتى يخرج وقت الصلاة المحدد لها بنص الحديث المتقدم، وما ذكره ابن حزم من أن المراد خروج وقت الصلاة التي تليها خلاف الصواب. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
824 - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
1 - (قتيبة) بن سعيد المذكور في السند الماضي.--------------------------------------------
(1) راجع الطرح جـ 2 ص 351 - 352.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 333)
2 - (أبو عوانة) الوَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة 175 أو 176، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 41/ 46.
3 - (قتادة) بن دعامة السَّدُوسي البصري، ثقة ثبت، يدلس، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 30/ 34.
4 - (أنس) بن مالك رضي الله عنه، تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (55) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وفيه أنس، أحد المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه (أن رسول صلى الله عليه وسلم كان أخف الناس صلاةً) منصوب على التمييز (في تمام)، أي مع تمام، فـ "في" بمعنى "ح". يعني أنه صلى الله عليه وسلم كانت صلاته أخف، فلا تثقل على المؤتمين به بسحب طولها، مع أنه يتمها بمراعات أركانها، وواجباتها، وسننها، وآدابها، فلا يؤدي تخفيفه إلى أن يخل ببعض ما ذُكر.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 334)
وأورد الصنف رحمه الله تعالى حديث أنس رضي الله عنه بعد حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، مَن أم الناس أن يخفف، بيانًا للمراد بالتخفيف المأمور به، فحديث أنس رضي الله عنه يفسر حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
والحاصل: أن التخفيف المأمور به هو الذي يكون مع إتمام الصلاة بأركانها، وواجباتها، وسننها، وآدابها، فلا يجوز للإمام أن يخفف تخفيفًا مخلاً ببعض ذلك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 35/ 824، وفي "الكبرى" 35/ 898 بالسند المذكور، وأخرجه فيه عن أحمد بن سليمان الرُّهَاوي، عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن قتادة، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، وقتيبة، كلاهما
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 335)
عن أبي عوانة، عن قتادة، عنه. والترمذي فيه عن قتيبة، به. وأحمد 3/ 170، 173، 179، 231، 234. والدارمي رقم (1263). وابن خزيمة (1604).
المسألة الرابعة: في فوائده.
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما على الإمام من التخفيف.
ومنها: بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته إمامًا، وهو أنه كان أخفّ الناس صلاة في تمام.
ومنها: أن التخفيف المأمور به يكون مع الإتمام، ولا يجوز فيه التفريط، بحث يخل ببعض أجزاء الصلاة، فإن ذلك ليس تخفيفًا، بل هو استخفاف بحق الصلاة، فيدخل تحت الوعيد الشديد فيمن ضيع حقوق الصلاة، وبقية مباحث الحديث تقدمت في مسائل الحديث الماضي. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
825 - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُوجِزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ".
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 336)
رجال هذا الإسناد: ستة
1، 2 - تقدما في الباب الماضي.
3 - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه الدمشقي، ثقة فاضل، مات سنة 157، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 45/ 56.
4 - (يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس، ويرسل، مات سنة 132، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 24.
5 - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، مات سنة 95، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 24.
6 - (أبو قتادة) الحارث بن ربعي، وقيل: غيره الأنصاري السَّلَمي المدني، الصحابي المشهور، رضي الله عنه، تقدم في 23/ 24.
والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة إلا شيخه، فانفرد هو به، والترمذي، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ يحيى عن عبد الله، ورواية الراوي عن أبيه.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 337)
تنبيه:
قد صرح الأوزاعي بالتحديث عند البخاري في رواية بشر بن بكر، عنه فقال. حدثني يحيى. وصرح به أيضًا يحيى بن أبي كثير عند الإسماعيلي في رواية ابن سماعة عن الأوزاعي، فقال: حدثني عبد الله ابن أبي قتادة. قاله في "الفتح"(1). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم) أنه (قال: إِني لأقوم في الصلاة)، اللام هي لام الابتداء، دخلت في خبر "إن" كما قال في "الخلاصة".
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَب الْخَبَرْ … لامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوَ إِنِّي لَوَزَرْ
وفي رواية للبخاري: "لأقوم في الصلاة، أريد أن أطوّل فيها"، وفي رواية. "لأقوم إلى الصلاة" … قال في "الفتح": فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحبٍّ، لا يجب عليه الوفاء به، خلافًا لأشهب، حيث ذهب إلى أن من نوى التطوع قائمًا ليس له أن يتمه جالسًا. انتهى(2).
(فأسمع بكاء الصبي) قال الفيومي: البكَاء -بالضم،--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 436.
(2) جـ 2 ص 437.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 338)
والقصر، والمد، وقيل: القصرُ مع خروج الدمع، والمدُّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من الوافر]:
بَكَتْ عَيمي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلا الْعَوِيلُ
وقال أيضًا: الصبي: الصغير، والجمع صِبْيَة -بالكسر- وصِبْيَان. انتهى(1).
(فأوجز في صلاتي) بضم الهمزة، مضارع أوجز، رباعيًا، أي أسرع في أدائها، بتخفيف القراءة، وغيرها (كراهية أن أشق على أمه)، "كراهية" منصوب على أنه مفعول لأجله، و"أن" مصدرية، أي لأجل كراهيتي المشقة على أمه بسبب التطويل.
وفي رواية للبخاري: "فأتجوز، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه". وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن سفيان، عن أبي السوداء، عن عبد الرحمن بن سابط: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى بسورة نحو ستين آية، فسمع بكاء صبي، فقرأ في الثانية بثلاث آيات. وهذا مرسل. وأخرج مسلم عن ثابت البناني، عن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة، أو بالسورة القصيرة. والله تعالى أعلم، وبه المستعان، وعليه التكلان.--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 59، وص 332.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 339)
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا 35/ 825، وفي "الكبرى" 35/ 899 بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن إبراهيم بن موسى، عن الوليد بن مسلم، وعن محمد بن مسكين، عن بشر بن بكر. وأبو داود فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن عمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر. وابن ماجه فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن عمر بن عبد الواحد -وبشر بن بكر- تلاثتهم عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه رضي الله عنه. وأخرجه أحمد جـ 5 ص 305. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده.
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان ما على الإمام من التخفيف.
ومنها: أن من قصد التطويل في صلاته يطلب منه العدول عنه
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 340)
لحاجة تطرأ عليه.
ومنها: الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يُدخَل عليهم ما يشق عليهم، وإن كان يسيرًا، من غير ضرورة.
ومنها: كمال شفقته صلى الله عليه وسلم، وشدة رأفته بأمته، كما قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].
ومنها: أن فيه جواز إدخال الصبيان المساجد، قال الحافظ رحمه الله: وفيه نظر، لاحتمال أن يكون الصبي مُخَلَّفًا في بيت يقرب من المسجد، بحيث يسمع بكاؤه. انتهى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا النظر نظر، إذ هو خلاف ظاهر الحديث، بل يرده حديث مسلم المتقدم، ولفظه: "يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة" … فإنه صريح في كون ذلك الصبي مع أمه في المسجد. فتنبه. والله تعالى أعلم.
ومنها: جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد. والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 346.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 341)
المسألة الخامسة: قال ابن بطال رحمه الله: احتج بهذا الحديث من قال: يجوز للإمام إطالة الركوع إذا سمع بِحِسِّ داخل ليدركه.
وتعقبه ابن المنير بأن التخفيف نقيض التطويل، فكيف يقاس عليه؟ قال: ثم إن فيه مغايرة للمطلوب؛ لأن فيه مشقة على جماعة لأجل واحد. انتهى.
قال في "الفتح": ويمكن أن يقال: محل ذلك ما لم يشق على الجماعة، وبذلك قيده أحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وما ذكره ابن بطال سبقه إليه الخطابي، ووجهه بأنه إذا جاز التخفيف لحاجة من حاجات الدنيا، كان التطويل لحاجة من حاجات الدين أجوز. وتعقبه القرطبي بأن في التطويل هنا زيادة عمل في الصلاة غير مطلوب، بخلاف التخفيف، فإنه مطلوب. انتهى.
وفي هذه المسألة خلاف عنده الشافعية، وتفصيل، وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك. وفي التجريد للمحاملي نقل كراهيته عن الجديد، وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. وقال محمد بن الحسن: أخشى أن يكون شركًا. انتهى(1).
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد استدل القائلون بمشروعية تطويل الركعة الأولى لانتظار الداخل ليدرك فضيلة الجماعة--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 437 - 438.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 342)
بحديث أبي قتادة رضي الله عنه، فيما أخرجه الشيخان وغيرهما في وصف قراءته صلى الله عليه وسلم في الظهر، وفيه: "ويطول في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية". زاد في رواية أبي داود: "فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى". واستدلوا أيضًا بحديث ابن أبي أوفى المذكور في هذا الباب.
وقد حكى استحباب ذلك ابن المنذر عن الشعبي، والنخعي، وأبي مِجْلَز، وابن أبي ليلى من التابعين. وقد نقل الاستحباب أبو الطيب الطبري عن الشافعي في الجديد، وفي التجريد للمحاملي نسبة ذلك إلى القديم، وأن الجديد كراهته. وذهب أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وأبو يوسف، وداود، والهادوية إلى كراهة الانتظار، واستحسنه ابن المنذر، وشدد في ذلك بعضهم، وقال: أخاف أن يكون شركًا، وهو قول محمد بن الحسن، وبالغ بعض أصحاب الشافعي، فقال: إنه مبطل للصلاة. وقال أحمد وإسحاق فيما حكاه عنهما ابن بطال: إن كان الانتظار لا يضر بالمأمومين جاز، وإن كان مما يضر ففيه الخلاف(1).
وقيل: إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة انتظره الإمام، وإلا فلا. روى ذلك النووي في "شرح المهذب" عن جماعة من السلف.--------------------------------------------
(1) لعل الصواب: ففيه الكراهة. فتأمل.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 343)
وقد استدل الخطابي في "المعالم" على الانتظار المذكور بحديث أنس في التخفيف عند سماع بكاء الصبي، فقال: فيه دليل على أن الإمام، وهو راكع إذا أحس بداخل يريد الصلاة معه كان له أن ينتظره راكعًا، ليدرك فضيلة الركعة في الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة إنسان في بعض أمور الدنيا كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى، بل هو أحق بذلك وأولى. وكذلك قال ابن بطال.
وتعقبهما ابن المنير، والقرطبي بأن التخفيف ينافي التطويل، فكيف يقاس عليه؟ قال ابن المنير: وفيه مغايرة للمطلوب؛ لأن فيه إدخال مشقة على جماعة لأجل واحد، وهذا لا يَرِدُ على أحمد، وإسحاق، لتقييدهما الجواز بعدم الضرر للمؤتمين، كما تقدم. وما قالاه هو أعدل المذاهب في المسألة، وبمثله قال أبو ثور. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي ما قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ورجحه الشوكاني رحمهم الله هو الصواب، لحديث أبي قتادة رضي الله عنه المتقدم؛ ولأنه من التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به، فقال {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].--------------------------------------------
(1) "نيل الأوطار" جـ 4 ص 24 - 25.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 344)
والحاصل أن تطويل الإمام لانتظار الداخل جائز، بل مستحب، إذا قصد به التعاون على البر، ولا يشق ذلك على المأمومين، ويؤجر على ذلك، لكونه من فعل الخير، قال الله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 345)
36 - الرُّخْصَةِ لِلإِمَامِ فِي التَّطْوِيلِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على التسهيل للإمام في تطويل الصلاة. والمراد الترخيص في بعض الأحيان، كما تقدم البحث عنه مستوفى في الباب السابق.
والظاهر أن المصنف رحمه الله يرى أن الأمر بالتخفيف المذكور في الباب السابق ليس دائمًا، بل أحيانًا يرخص له التطويل، بدليل حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما المذكور في الباب، وهو محمول على ما إذا علم الإمام بعدم المشقة على المأمومين، كما هو حال النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي رجحناه في الباب الماضي. والله أعلم.
826 - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ، وَيَؤُمُّنَا بِـ"الصَّافَّاتِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري، أبو مسعود البصري،
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 346)
ثقة، مات سنة 248، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم في 42/ 47.
2 - (خالد بن الحارث) الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، مات سنة 186، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم مي 42/ 47.
3 - (ابن أبي ذئب)، هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، مات سنة 258، وقيل 259، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 41/ 681.
4 - (الحارث بن عبد الرحمن) القرشي العامري، خال ابن أبي ذئب، صدوق، من [5]. روى عن أبي سلمة، وسالم، وحمزة ابني عبد الله بن عمر، ومحمد بن جبير بن مطعم، وكريب، ومحمد بن عمد الرحمن بن ثوبان، وغيرهم وعنه ابن أبي ذئب. قال الحاكم أبو أحمد: لا أعلم له راويًا غيره، وقال علي بن المديني: الحارث بن عبد الرحمن المدني الذي روى عنه ابن أبي ذئب مجهول، لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: يُرَوى عنه، وهو مشهور. وقال أحمد بن حنبل: لا أرى به بأسًا. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة 129، وله 73 سنة، وغزا مع
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 347)