وقالت طائفة: إن صلى الإِمام قاعدًا صلى المأمومون قيامًا إذا أطاقوا، وصلى كل واحد فرضه، هذا قول الشافعي، قال: أمْرُ النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس، ومن حدث معه في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بهم جالسًا، ومن خلفه جلوس منسوخ بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في مرضه الذي مات فيه جالسًا، وصلوا خلفه قيامًا.
وقال سفيان الثوري في رجل صلى بقوم جالسًا مريضًا، وهم جلوس، قال: لا يجزيه، ولا يحزيهم.
وقال أصحاب الرأي في مريض صلى قاعدًا يسجد ويركع، فائتم به قوم، فصلوا خلفه قيامًا، قال: يجزيهم، وإن كان الإِمام قاعدًا يومىء إيماء، أو مضطجعًا على فراشه يومىء إيماء، والقوم يصلون قيامًا، قال. لا يجزيه، ولا يجزي القوم في الوجهين جميعًا. وقال أبو ثور كما قال الشافعي.
وفي المسألة قول ثالث، قاله مالك، قال: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعدًا، وحكي عن المغيرة أنه قال: ما يعجبني أن يصلي الإِمام بالقوم جلوسًا، وقد روينا عن جابر الجعفي، عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَؤُمَّنَّ أحد بعدي جالسًا".
قال أبو بكر: وهذا خبر واهٍ تحيط به العلل، جابر متروك الحديث، والحديث مرسل، وهو مخالف للأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى ملخصًا(1).--------------------------------------------
(1) الأوسط جـ 4 ص 205 - 208.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 448)
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: واستدل به -يعني حديث عائشة المذكور في الباب- على صحة إمامة القاعد المعذور بمثله، وبالقائم أيضًا، وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن فيما حكاه الطحاوي، ونقل عنه أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، واحتج بحديث جابر، عن الشعبي مرفوعًا: "لا يؤمن أحد بعدي جالسًا". واعترضه الشافعي، فقال: قد علم من احتج لهذا أن لا حجة فيه؛ لأنه مرسل، ومن رواية رجل يَرغب أهل العلم عن الرواية عنه -يعني جابرًا الجعفي- وقال ابن بزيزة: لو صح لم يكن فمه حجة؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، أي يعرب قوله: "جالسًا" مفعولاً، لا حالاً.
وحكى عياض عن بعض مشايخهم أن الحديث المذكور يدل على نسخ أمره المتقدم لهم بالجلوس لَمَّا صلوا حْلفه قيامًا. وتعقب بأن ذلك يحتاج لو صح إلى تاريخ، وهو لا يصح، لكنه زعم أنه تقوى لأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحد منهم، قال: والنسخ لا يثبت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحة الحديث المذكور.
وتعقب بأن عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع، ثم لو سلم لا يلزم منه عدم الجواز، لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام، للاتفاق على أن صلاة القاعدة بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كاف في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 449)
واحتج أيضًا بأنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى بهم قاعدًا؛ لأنه لا يصح التقدم بين يديه لنهي الله عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء، ولا يكون أحد شافعًا له، وتعقب بصلاته صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف، وهو ثابت بلا خلاف.
وصح أيصًا أنه صلى خلف أبي بكر كما قدمناه، والعجب أن عمدة مالك في منع إمامة القاعد قول ربيعة: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة مأمومًا خلف أبي بكر، وإنكاره أن يكون صلى الله عليه وسلم أم في مرض موته قاعدًا، كما حكاه عنه الشافعي في "الأم"، فكيف يدعي أصحابه عدم تصوير أنه صلى مأمومًا، وكأن حديث إمامته المذكور لما كان في غاية الصحة، ولم يمكنهم رده سلكوا في الانتصار وجوهاً مختلفة، وقد تبين بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف أن المراد بمنع المتقدم بين يديه في غير الإمامة، وأن المراد بكون الأئمة شفعاء، أي في حق من يحتاج إلى الشفاعة.
ثم لو سلم أنه لا يجوز أن يؤمه أحد، لم يدل ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أم قاعدًا جماعة من الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم؛ منهم: أسيد بن حضير، وجابر، وقيس بن قهد، وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحة، أخرجها عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم، بل ادعى ابن حبان، وغيره إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد، كما سيأتي.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 450)
وقال أبو بكر بن العربي: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبي صلى الله عليه وسلم يخلص عند السبك، واتباع السنة أولى، والتخصيص لا يثبت بالاحتمال. قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبي صلى الله عليه وسلم، والتبرك به، وعدم العوض عنه يقتضي الصلاة معه على آية حال كان عليها، وليس ذلك لغيره. وأيضًا فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصور في حقه، ويتصور في حق غيره.
والجواب عن الأول: رده بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وعن الثاني: بأن النقص إنما هو في حق القادر في النافلة، وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم.
واستدل بحديث الباب أيضًا على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعدًا إذا صلى الإِمام قاعدًا؛ لكونه صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على القيام خلفه، وهو قاعد، هكذا قرره الشافعي، وكذا نقله البخاري عن شيخه الحميدي، وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة، وأبو يوسف، والأوزاعي، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك، وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين:
إِحداهما: إذا ابتدأ الإِمام الراتب الصلاة قاعدًا لمرض يُرجى برؤه، فحينئذ يصلون خلفه قعودًا.
ثانيتهما: إذا ابتدأ الإِمام الراتب قائمًا، لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قيامًا، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا، أم لا، كما في
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 451)
الأحاديث التي في مرض موت النبي صلى الله عليه وسلم، فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائمًا، وصلوا معه قيامًا، بخلاف الحالة الأولى، فإنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ الصلاة جالسًا، فلما صلوا خلفه قيامًا أنكره عليهم، ويقوي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ، لاسيما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدًا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدًا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد، وأبعد منه ما تقدم عن نقل عياض، فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات.
وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية، كابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى:
منها: قول ابن خزيمة: إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلي قاعدًا تبعًا لإمامه لم يختلف في صحتها، ولا في سياقها، وأما
صلاته صلى الله عليه وسلم قاعدًا، فاختلف فيها، هل كان إمامًا، أو مأمومًا. قال: وما لم يختلف فيه، لا ينبغي تركه لمختلف فيه، وأجيب بدفع الاختلاف والحمل على أنه كان إمامًا مرة، ومأمومًا أخرى.
منها: أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمر، من أم قاعدًا لعذر تخير من صلى خلفه بين القعود والقيام، والقعود أولى،
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 452)
لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع، وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك.
وأجاب ابن خزيمة عن استبعاد ذلك بأن الأمر قد صدر من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، واستمر عليه عمل الصحابة في حياته وبعده، فروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن قَهْد الأنصاري: "أن إمامًا لهم اشتكى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكان يؤمنا، وهو جالس، ونحن جلوس".
وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أسيد بن حضير أنه كان يؤم قومه، فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلي بهم، فقال: إني لا أستطيع أن أصلي قائمًا، فاقعدوا، فصلى بهم قاعدًا، وهم قعود. وروى أبو داود من وجه آخر عن أسيد بن حضير أنه قال: يا رسول الله، إن إمامنا مريض، قال: "إن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا". وفي إسناده انقطاع.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر رضي الله أنه اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالسًا، وصلوا معه جلوسًا، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أفتى بذلك، وإسناده صحيح أيضًا.
وقد ألزم ابن المنذر من قال بأن الصحابي أعلم بتأويل ما روى، بأن يقول بذلك؛ لأن أبا هريرة، وجابرًا رويا الأمر المذكور، واستمرا على العمل به، والفتيا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ويلزم ذلك من قال: إن الصحابي إذا روى، وعمل بخلافه أن العبرة بما عمل من باب أولى؛
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 453)
لأنه هنا عمل بوفق ما روى.
وقد ادعى ابن حبان الإجماع على العمل به، وكأنه أراد السكوتي؛ لأنه حكاه عن أربعة من الصحابة الذين تقدم ذكرهم، وقال: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة غيرهم القول بخلافه، لا من طريق صحيح، ولا ضعيف. وكذا قال ابن حزم: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، ثم نازع في ثبوت كون الصحابة صلوا خلفه صلى الله عليه وسلم، وهو قاعد قيامًا غير أبي بكر، قال: لأن ذلك لم يرد صريحًا، وأطال في ذلك بما لاطائل فيه.
والذي ادعى نفيه قد أثبته الشافعي، وقال: إنه في رواية إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها، ثم وجدته مصرحًا به أيضًا في مصنف عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، فذكر الحديث، ولفظه: "فصلى النبي صلى الله عليه وسلم قاعدًا، وجعل أبو بكر وراءه بينه وبين الناس، وصلى الناس وراءه قيامًا". وهذا مرسل يعتضد بالرواية التي علقها الشافعي عن النخعي، وهذا هو الذي يقتضيه النظر، فإنهم ابتدؤوا الصلاة مع أبي بكر قيامًا بلا نزاع، فمن ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك، فعليه البيان.
ثم رأيت ابن حبان استدل على أنهم قعدوا بعد أن كانوا قيامًا بما رواه من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: "اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه، وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، قال:
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 454)
فالتفت إلينا، فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا، فلما سلم قال: "إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم، فلا تفعلوا … " الحديث.
وهو حديث صحيح أخرجه مسلم، لكن ذلك لم يكن في مرض موته، وإنما كان ذلك حيث سقط عن الفرس، كما في رواية أبي سفيان، عن جابر أيضًا، قال: "ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسًا بالمدينة، فصرعه على جذع نخلة، فانفكت قدمه … " الحديث. أخرجه أبو داود، وابن خزيمة بإسناد صحيح، فلا حجة على هذا لما ادعاه، إلا أنه تمسك بقوله في رواية أبي الزبير: "وأبو بكر يسمع الناس التكبير"، وقال: إن ذلك لم يكن إلا في مرض موته؛ لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشربة عائشة، ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يسمعهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته، فإنها كانت في المسجد، بجمع كثير من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم. انتهى.
ولا راحة له فيما تمسك به؛ لأن إسماع التكبير في هذا لم يتابع أبا الزبير عليه أحد، وعلى تقدير أنه حفظه، فلا مانع أن يسمعهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة؛ لأنه يحتمل على أن صوته صلى الله عليه وسلم كان خفيًا من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتكبير، فكان أبو بكر يجهر عنه بالتكبير لذلك، ووراء ذلك كله أنه أمر محتمل لا يترك لأجله الخبر الصريح بأنهم صلوا قيامًا، كما تقدم في مرسل عطاء وغيره، بل في مرسل عطاء أنهم استمروا قيامًا إلى أن انقضت الصلاة.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 455)
نعم وقع في مرسل عطاء المذكور متصلاً به بعد قوله: وصلى الناس وراءه قيامًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما صليتم إلا قعودًا، فصلوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلى قائمًا، فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا، فصلوا قعودًا".
وهذه الزيادة تقوي ما قال ابن حبان أن هذه القصة كانت في مرض موت النبي صلى الله عليه وسلم، ويستفاد منها نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعودًا إذا صلى إمامهم قاعدًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكن إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافي الاستحباب، فيحمل أمره الأخير أن يصلوا قعودًا على الاستحباب؛ لأن الوجوب قد رفع بتقريره لهم، وترك أمرهم بالإعادة. هذا مقتضى الجمع بين الأدلة. وبالله التوفيق، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ المحقق رحمه الله تعالى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله تعالى أخيرًا، جمع حسن جدًّا، وهو يدلس على إنصاف الحافظ المحقق رحمه الله تعالى، مع أن المذهب الشافعي بخلافه، وهذا هو الذي يجب على كل مسلم عرف صحيح الأحاديث من سقيمها، وعرف وجه الجمع بين متعارضها أن يتعصب لرأي بعض الناس، فيتكلف، بتأويل ما لا يقبل التأويل، وهو صرف ظواهر الأحاديث عن مقتضاها بلا دليل،--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 402 - 405.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 456)
بل بمجرد مخالفتها لمذهبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 457)
41 - اخْتِلَافِ نِيَّةِ الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على جواز اختلاف نية الإِمام والمأموم، بأن كان أحدهما يصلي فرضًا، والآخر يصلي تطوعًا، أو كلاهما يصليان فرضًا، لكن أحدهما ظهرًا، والآخر عصرًا مثلاً. والله تعالى أعلم.
835 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ يَؤُمُّهُمْ، فَأَخَّرَ ذَاتَ لَيْلَةٍ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، يَؤُمُّهُمْ، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ تَأَخَّرَ، فَصَلَّى، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالُوا: نَافَقْتَ يَا فُلَانُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا نَافَقْتُ، وَلآتِيَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأُخْبِرُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مُعَاذًا يُصَلِّي مَعَكَ، ثُمَّ يَأْتِينَا، فَيَؤُمُّنَا، وَإِنَّكَ أَخَّرْتَ الصَّلَاةَ الْبَارِحَةَ، فَصَلَّى مَعَكَ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَمَّنَا، فَاسْتَفْتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ،
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 458)
تَأَخَّرْتُ فَصَلَّيْتُ، وَإِنَّمَا نَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِحَ، نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ، اقْرَأْ بِسُورَةِ كَذَا، وَسُورَةِ كَذَا".
رجال هذا الإسناد: أربعة
1 - (محمد بن منصور) الجَوَّاز المكي، ثقة، مات سنة 252، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم في 20/ 21.
2 - (سفيان) بن عيينة الكوفي المكي، ثقة ثبت حجة، مات سنة 198، من [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
3 - (عمرو) بن دينار، أبو محمد الأثرم الجُمَحي مولاهم المكي، ثقة ثبت، مات سنة 126، من [4]، أخرج له الجماعة، تقدم في 112/ 154.
4 - (جابر بن عبد الله) رضي الله عنهما، تقدم في 31/ 35.
قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الإسناد هو (58) من رباعيات الكتاب، أما شرح الحديث، والمسائل المتعلقة له، فقد تقدمت مستوفاةً برقم (39/ 831)، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتهاهنا، فراجعهاهناك إن شئت تستفد. وإنما أذكر هنا حل بعض ألفاظه، وبيان حكم ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى:
فقوله: (ذات ليلة)، أي ليلة من الليالي، فـ "ذات" مقحمة.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 459)
وقوله: (الصلاة) أي هي صلاة العشاء، أو المغرب، كما تقدم ذكر الخلاف فيه 39/ 831.
وقوله: (البارحة) قال الفيومي رحمه الله: بَرَح الشيء يبرَح، من باب تعب، براحًا: زال من مكانه، ومنه قيل لليلة الماضية: البارحة، والعرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا، لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة. انتهى(1).
وقوله: (أصحاب نواضح)، أي أصحاب عمل شاقّ، والنواضح جمع ناضح، الإبل التي يستقى عليها الماء. وتقدم تمام البحث فيه بالرقم المذكور. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(فصل): وأما ما بَوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو حكم اختلاف نية الإِمام ونية المأموم، فقد اختلف فيه أهل العلم:
قال الإِمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة بظاهر قصة معاذ رضي الله عنه، وقصة صلاة الخوف -يعني الآتي في الحديث التالي- وممن قال ذلك عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وبه قال الشافعي، وأحمد بن حنبل، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، وقال بمثل هذا المعنى الأوزاعي.--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 1 ص 42.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 460)
وقالت طائفة: كل من خالفت نيته نية الإِمام في شيء من الصلاة لم يعتد بما صلى معه، واستأنف، هذا قول مالك بن أنس، وروي معنى ذلك عن الحسن البصري، وأبي قلابة، وبه قال الزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وحكى أبو ثور عن الكوفي(1) أنه قال: إن كان الإِمام متطوعًا لم يجز من خلفه الفريضة، وإن كان الإِمام مفترضًا، وكان من خلفه متطوعًا، كانت صلاتهم جائزة.
وكان عطاء، وطاوس يقولان في الرجل يأتي إلى الناس، وهم في قيام رمضان، ولم يكن صلى المكتوبة، قالا: يصلي معهم ركعتين فيبني عليهما ركعتين، ويعتد به من العتمة، وأبى ذلك سعيد بن المسيب، والزهري، وقالا: يصلي معهم، ثم يصلي العشاء وحده.
ورجح ابن المنذر رحمه الله تعالى: قول من قال بالجواز، عملاً بحديث الباب(2)، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" في شرح حديث الباب ما نصه: واستُدِلّ بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمنتفل، بناء على أن معاذاً رضي الله عنه كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق، والشافعي، والطحاوي، والدارقطني، وغيرهم من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر رضي الله عنه في--------------------------------------------
(1) هكذا عبارة ابن المنذر، والظاهر أنه أراد بالكوفي الإِمام أبا حنيفة رحمه الله.
(2) راجع كلامه في "الأوسط" جـ 4 ص 218 - 220.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 461)
حديث الباب، زاد: "هي له تطوع، ولهم فريضة". وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تهمة تدليسه.
فقول ابن الجوزي: إنه لا يصح، مردود، وتعليل الطحاوي له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه الزيادة ليس بقادح في صحته؛ لأن ابن جريج أسن، وأجلّ من ابن عيينة، وأقدم أخذًا عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ، ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عددًا، فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها.
وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة، فجوابه أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، ولاسيما إذا روي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار، عنه.
وقول الطحاوي: هو ظن من جابر -مردود؛ لأن جابرًا كان ممن يصلي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد، إلا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه.
وأما احتجاج أصحابنا -يعني الشافعية- لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 462)
أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، فليس بجيد؛ لأن حاصله النهي عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت من غير تعرض لنية فرض أو نفل، ولو تعينت نية الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية لقومه، لأنها ليست حينئذ فرضًا له.
وكذلك قول بعض أصحابنا: لا يظن بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنه وإن كان فيه نوع ترجيح، لكن للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع.
وكذلك قول الخطابي: إن العشاء في قوله: "كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء" حقيقة في المفروضة، فلا يقال: كان ينوي بها التطوع؛ لأن لمخالفه أن يقول: هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل.
وأما قول ابن حزم: إن المخالفين لا يجحزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصليه متطوعًا، فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يجوز عندهم؟ فهذا إن كان كما قال، نقضٍ قوي. وأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة.
وأما قول الطحاوي: لا حجة فيها؛ لأنها لم تكن بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقريره، فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان يصلي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عَقَبيًا، وأربعون بدريًا. قاله ابن حزم. قال:
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 463)
ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز: عمر، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأنس، وغيرهم.
وأما قول الطحاوي: لو سلمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجة؛ لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تصلى مرتين، أي فيكون منسوخًا -فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، وبأنه ألزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة. انتهى.
قال الحافظ: وكأنه لم يقف على كتابه، فإنه قد ساق فيه دليل ذلك، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما، رفعه: "لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين". ومن وجه آخر مرسل: "إن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم، ثم يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم، بلغه ذلك، فنهاهم".
ففي صحة الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر، لاحتمال أن يكون النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقي جمعًا بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ لم يكن بعيدًا، ولا يقال: القصة قديمة؛ لأن صاحبها استشهد بأحد؛ لأنا نقول: كانت في أواخر الثالثة، فلا مانع أن يكون النهي في الأولى، والإذن في الثالثة مثلاً. وقد قال صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين لم يصليا معه: "إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة". أخرجه أصحاب السنن من حديث
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 464)
يزيد بن الأسود العامري(1)، وصححه ابن خزيمة، وغيره، وكان ذلك في حجة الوداع في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على الجواز أيضًا أمره صلى الله عليه وسلم لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده، ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها أن "صلوها في بيوتكم في الوقت، ثم اجعلوها معهم نافلة".
وأما استدلال الطحاوي أنه صلى الله عليه وسلم نهى معاذاً عن ذلك بقوله في حديث سليم بن الحارث: "إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف بقومك"، ودعواه أن معناه: إما أن تصلي معي، ولا تصل بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصلي معي، ففيه نظر؛ لأن لمخالفه أن يقول: بل التقدير: إما أن تصلي معي فقط، إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك، فتصلي معي، وهو أولى من تقديره، لما فيه من مؤابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه.
وأما تقوية بعضهم بكونه منسوخًا بأن صلاة الخوف وقعت مرارًا على صفة فيها مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لصلى النبي صلى الله عليه وسلم بهم مرتين على وجه لا تقع فيه منافاة، فلما لم يفعل دلّ ذلك على المنع -فجوابه أنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة صريحًا، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع--------------------------------------------
(1) سيأتي للمصنف برقم 54/ 858.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 465)
من المخالفة، فلبيان الجواز.
وأما قول بعضهم: كان فعل معاذ للضرورة، لقلة القراء في ذلك الوقت، فهو ضعيف، كما قال ابن دقيق العيد؛ لأن القدر المجزىء من القراءة في الصلاة كان حافظوه كثيراً، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمر ممنوع منه شرعًا في الصلاة. انتهى ما في "الفتح"(1).
قال الجامع عفا الله عنه: إذا تأملت ما تقدم تبين لك أن الأصح قول من قال بجواز اقتداء المفترض بالمنتفل، وبالعكس، لحديث الباب، والذين منعوا عن ذلك لم يأتوا بحجة مقنعة. ولذا قال العلامة السندي رحمه الله ما نصه: فدلالة هذا الحديث على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل واضحة، والجواب عنه مشكل جدًّا، وأجابوا بما لا يتم، وقد بسطتُ الكلامَ فيه في حاشية ابن الهمام. انتهى(2). والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
836 - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ،--------------------------------------------
(1) جـ 2 ص 428 - 430.
(2) شرح السندي جـ 2 ص 102 - 103.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 466)
وَبِالَّذِينَ جَاءُوا رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعًا، وَلِهَؤُلَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، مات سنة 249، من [10]، أخرج له الجماعة، تقدم في 4/ 4.
تنبيه: هكذا وقع في بعض نسخ "المجتبى": أخبرنا عمرو بن علي، ووقع في بعضها: أخبرنا بشر بن هلال، بدل عمرو، وهو الذي في "الكبرى"، وهكذا ذكر النسختين الحافظ المزي رحمه الله في "تحفة الأشراف" جـ 9 ص 41.
و (بشر بن هلال) هو الصواف، أبو محمد النُّمَيري البصري، ثقة، مات سنة 247، من [10]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في 117/ 162.
2 - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، مات سنة 198، من [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 2.
3 - (أشعث) بن عبد الملك الحمراني، مولى حُمران، أبو هانىء البصري، ثقة فقيه، من [6].
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 467)