82 - (بَابُ مَدِّ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ)
أي هذا باب تطويل الصوت بقراءة القرآن، والمراد به مد الصوت بالحرف الصالح للإطالة، لا كل حرف، فإن ذلك يكون لحنا، فتفطن.
قال الحافظ رحمه الله عند قول البخاري رحمه الله: [باب مدّ القراءة]-: ما نصه: المدُّ عند القراء على ضربين: أصلي، وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف، أو واو، أو ياء، وغير أصلي، وهو ما إذا عَقَبَ(1) الحرفَ الذي هذه صفته همزةٌ، وهو متصل، ومنفصل، فالمتصل ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل ما كان من كلمة أخرى، فالأول يؤتى فيه بالألف، والواو، والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني يزاد في تمكين الألف، والواو، والياء زيادة على المدَّ الذي لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أوّلًا، وقد يزاد على ذلك قليلًا، وما أفرط فهو غير محمود، والمراد بالترجمة الضرب الأول. انتهى. وبالله تعالى التوفيق.
1014 - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا، كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: كَانَ يَمُدُّ صَوْتَهَ مَدًّا).
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ [10]، ت 249 (ع) تقدم 4/ 4.
2 - (عبد الرحمن) بن مهدي الإمام الحافظ الحجة البصري [9]، تقدم 42/ 49.
3 - (جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي، ثم العَتَكي، وقيل: الجَهْضَمي، أبو النضر البصري، والد وهب بن جرير، وابن أخي جرير بن زيد، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه [6].
روى عن أبي الطفيل، وأبي رجاء العطاري، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، وأيوب، وثابت، وغيرهم. وعنه الأعمش، وأيوب شيخاه، وابنه وهب، وحسين بن محمَّد، وابن المبارك، وابن وهب، ووكيع، وغيرهم.--------------------------------------------
(1) يقال: عقَبَ زيد عَقْبا، من باب قتل: أتى بعده. أفاده في "المصباح".
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 5)
قال قراد: قال لي شعبة: عليك بجرير بن حازم، فاسمع منه. وقال محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير: كان شعبة يأتي أبي، فيسأله عن حديث الأعمش، فإذا حدثه قال: هكذا والله سمعته من الأعمش. وقال علي، عن ابن مهدي: جرير بن حازم أثبت عندي من قرة بن خالد. وقال أحمد بن سنان، عن ابن مهدي: جرير بن حازم اختلط، وكان له أولاد، أصحاب حديث، فلما أحسوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع أحد منه في حال اختلاطه شيئا. وقال أبو حاتم(1): تغير قبل موته بسنة. وقال موسى بن إسماعيل؛ ما رأيت حماد بن سلمة يعظم أحدا تعظيمة جرير بن حازم. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال الدوري: سألت يحيى عن جرير بن حازم، وأبي الأشهب؟ فقال: جرير أحسن حديثا منه، وأسند. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين. جرير أمثل من أبي هلال، وكان صاحب كتاب. وقال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه؟ فقال: ليس به بأس، فقلت: إنه يحدث عن قتادة عن أنس، أحاديث مناكير، فقال: ليس بشيء هو عن قتادة ضعيف. وقال وهب بن جرير: قرأ أبي على أبي عمرو بن العلاء، فقال له: أنت أفصح من معدّ. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال ابن عديّ: جرير ابن
حازم من أجلّة أهل البصرة ورُفَعاْئهم، وزيد بن درهم، والد حماد بن زيد اشتراه جرير ابن حازم، فأعتقه، وزوجه، فوُلد له حماد بن زيد، وقد حدث عن جرير من الكبار: أيوب السختياني، والليث بن سعد نسخة طويلة، وله أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو
مستقيم الحديث، صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي عنه أشياء لا يرويها غيره. قال الكَلاباذي: حكى عنه ابنه أنه قال: مات أنس، سنة (90) وأنا ابن خمس سنين، ومات جرير سنة (170) هكذا قال البخاري في "تاريخه" عن سليمان بن حرب وغيره.
وقد قيل: مات سنة (167) وقال مهنا عن أحمد: جرير كثير الغلط. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يخطئ، لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه، وكان شعبة يقول: ما رأيت أحفظ من رجلين، جرير بن حازم، وهشام الدستوائي. وقال الساجي: صدوق حدث
بأحاديث، وَهِمَ فيها، وهي مقلوبة، حدثني حسين، عن الأثرم: قال: قال أحمد: جرير بن حازم حدث بالوَهَم بمصر، ولم يحفظ(2)، وحدثني عبد الله بن خراش: ثنا صالح، عن علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أبو الأشهب أحب إليك، أم--------------------------------------------
(1) وفي "تهذيب التهذيب": "وقال أبو نعيم"، فليحرّر.
(2) قال الحافظ الذهبي رحمه الله: اغتفرت أوهامه في سعة ما روى، وقد ارتحل في الكهولة إلى مصر، وحمل الكثير، وحدث بها. اهـ "سير أعلام النبلاء" جـ 7 ص 100.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 6)
جرير بن حازم؟ قال: ما أقربهما، ولكن جرير أكبرهما، وكان يهم في الشيء، وكان يقول في حديث الضبع عن جابر، عن عمر، ثم صيره عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وحدثت عن عبد الله بن أحمد: حدثني أبي عن عفان، قال: راح أبو جُزَيّ نصر بن طريف إلى جرير يشفع لإنسان يحدثه، فقال جرير: ثنا قتادة، عن أنس، قال: "كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة". فقال أبو جزي: ما حدثناه قتادة إلا عن سعيد ابن أبي الحسن، قال أبي: القول قول أبي جزي، وأخطأ جرير. قال الساجي: وجرير ثقة. وقال الحسن بن علي الحلواني: ثنا عفان، ثنا جرير بن حازم: سمعت أبا فروة يقول: حدثني جار لي أنه خاصم إلى شريح، قال عفان: فحدثني غير واحد عن الأعصف، قال: سألت جريرا عن حديث أبي فروة هذا؟ فقال: حدثنيه الحسن بن عمارة. وذكر العقيلي من طريق عفان، قال: اجتمع جرير بن حازم، وحماد زيد، فجعل جرير يقول: سمعت محمدا يقول، وسمعت شريحا يقول، فقال له حماد: يا أبا النضر محمَّد، عن شريح. وقال الميموني، عن أحمد: كان حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يوقف أشياء، ويسند أشياء، ثم أثنى عليه. وقال صالح صاحب سنة وفضل. وقال الأزدي: جرير صدوق، خرّج عنه بمصر أحاديث مقلوبة، ولم يكن بالحافظ، حمل رِشْدِين وغيره عنه مناكير، ووثقه أحمد بن صالح. وقال البزار في مسنده: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، إلا أنه اختلط في آخر عمره. وذكره ابن المديني في الطبقة الخامسة من أصحاب نافع، وقال ابن المديني: سمعت ابن مهدي يقول: جرير عندي أوثق من قرة ابن خالد. ونسبه يحيى الحماني إلى التدليس. أخرج له الجماعة.(1) له عند المصنف أحد وعشرون حديثًا.
4 - (قتادة) بن دِعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت [4]، تقدم 30/ 34.
5 - (أنس) بن مالك، أبو حمزة الأنصاري الصحابي الخادم رضي الله عنه، تقدم 6/ 6. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الصحيح، بل من رجال الجماعة (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وقد تقدموا قريبا (ومنها): أن فيه أنسا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، روى -2286 - حديثا، وهو آخر من--------------------------------------------
(1) "تهذيب الكمال" ج 4 ص 524 - 530. "تهذيب التهذيب" ج 2 ص 69 - 72.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 7)
مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة -1 أو [2]، أو 93 - . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي، أنه (قال: سألت أنسا) رضي الله عنه، هذه الرواية تُبَيِّنُ السائل المبهم في رواية البخاري من طريق همام، عن قتادة، قال: "سئل أنس" … بأنه قتادة الراوي (كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم) "كيف" في محل نص خبر "كان "مقدم وجوبا، وجملة "كان" في محل نصب مفعول "سأل"، معلق عنها العامل.
والمعنى على أي صفة كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكانت مدّا، أم كانت قصرا؟ (قال) أنس رضي الله عنه (كان يمد صوته مدًّا) ولفظ البخاري: "كان يمدّ مدًّا". أي كان يطيل صوته بالحروف الصالحة للإطالة، وهي كل حرف بعده ألف، أو واو، أو ياء، كما في قوله تعالى: {نُوحِيهَا} [هود: 49].
والمد المصطلح عليه عند القراء على ضربين: أصلي، وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف، أو واو، أو ياء، وليس بعد كلَّ منها همَز، أو سكون، وهو المسمى بالمد الطبيعي.
والفرعي ما زيد فيه بعد الألف، والواو، والياء همز، أو سكون، كلفظ "جاء"، و"نستعين".(1)
قال الإمام الشاطبي رحمه الله له في "حرز الأماني":
إِذَا أَلِفٌ أَوْ يَاءُ هَا بَعْدَ كَسْرَةِ … أَوُ الْوَاوُ عَنْ ضَمَّ لَقِي الْهَمْزَ طُوَلَا
قال أبو شامة رحمه الله: ومعنى "طول": مُدّ؛ لأن حرف المدَّ كلما طول ازداد مدّا، ثم قال: فإذا اتفق وجود همزة بعد أحد هذه الحروف طول ذلك المد، استعانة على النطق بالهمزة محققا، وبيانا لحرف المدَّ، خوفا من سقوطه عند الإسراع، لخفائه، وصعوبة الهمزة بعده، وهذا عام لجميع القراء إذا كان ذلك في كلمة واحدة، نص على ذلك جماعة من العلماء المصنفين في علم القراءة من المغاربة والمشارقة. انتهى.(2)
وقال شمس الدين الجزري رحمه الله في "مقدمته":
وَالْمَدُّ لَازِمٌ وَوَاجِبٌ أَتَى … وَجَائِزٌ وَهْوَ وَقَصْرٌ ثَبَتَا
فَلَازِمٌ إِنْ جَاءَ بَعْدَ حَرْفِ مَدّ … سَاكِنُ حَالَينِ وَبِالطُولِ يُمَدْ
وَوَاجِبٌ إِنْ جَاءَ قَبْلَ هَمْزَةِ … مُتَصِلَا إِنْ جمُعَا في كِلْمَةِ--------------------------------------------
(1) تقدم نحو هذا الكلام عن الحافظ في أول الباب.
(2) "إبراز المعاني من حرز الأماني" ص 113.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 8)
وَجَائِزٌ إِذَا أَتَى مُنْفَصِلَا … أَوْ عَرَضَ السكُونُ وَقْفُا مُسْجَلَا
وتفاصيل ذلك يعلم من كتب القراءة.
والحكمة في المد في القراءة الاستعانة على تدبر المعاني، والتفكر فيها، وتذكير من يتذكر.(1)
وفي رواية البخاري من طريق همام عن قتادة، قال: سئل أنس، كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ "بسم الله الرحمن الرحيم"، يمدّ ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم".
قال في "الفتح": قوله في الرواية الأولى: "كان يمد مدًّا" بّيَّنَ في الرواية الثانية المراد بقوله: "يمد بسم الله " الخ. يمد اللام التي قبل الهاء من الجلالة، والميم التي قبل النون من الرحمن، والحاء من الرحيم.
وقوله في الرواية الثانية: "كانت مدًّا"، أي كانت ذات مدّ. ووقع عند أبي نعيم من طريق أبي النعمان، عن جرير بن حازم في هذه الرواية: "كان يمد صوته مدا". وكذا أخرجه الإسماعيلي من ثلاثة طرق أخرى عن جرير بن حازم. وكذا أخرجه ابن أبي داود من وجه آخر عن جرير، وفي رواية له: "كان يمد قراءته". وأفاد أنه لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا جرير بن حازم، وهمام بن يحيى.
وقوله في الرواية الثانية: "يمد ببسم الله". كذا وقع بموحدة قبل الموحدة التي في "بسم الله "، كأنه حكى لفظ: "بسم الله"، كما حكى لفظ "الرحمن" في قوله: "ويمد بالرحمن". أو جعله كالكلمة الواحدة عَلَمًا لذلك.(2)
ووقع عند أبي نعيم من طريق الحسن الحلواني، عن عمرو بن عاصم شيخ البخاري فيه: "يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم"، من غير موحدة في الثلاثة.
وأخرجه ابن، أبي داود عن يعقوب بن إسحاق، عن عمرو بن عاصم، عن همام، وجرير جميعًا عن قتادة، بلفظ: "يمد ببسم الله الرحمن الرحيم" بإثبات الموحدة في أوله أيضًا، وزاد في الإسناد جريرا مع همام في رواية عمرو بن عاصم.
وأخرج ابن أبي داود من طريق قطبة بن مالك: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر {ق} فمر بهذا الحرف {لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} فمد {نَضِيدٌ} [ق 10]، وهو شاهد جيد لحديث أنس، وأصله عند مسلم، والترمذي، والنسائي من حديث قطبة نفسه.--------------------------------------------
(1) "المنهل العذب المورود" جـ 8 ص 124 - 120.
(2) هذا هو وجه الحكاية، أي إنما حكي لكونه كالكلمة الواحدة، فقوله: "أو جعله" الخ ليس وجها مستقلا، فكان الأولى في العبارة أن يقول: لأنه جعله كالكلمة الواحدة الخ. فتبصر. والله أعلم.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 9)
وفي هذا الحديث استحباب مد الصوت بالقراءة، وقد تقدم أن الحكمة فيه هو الاستعانة على التدبر في معاني القرآن، والتفكر فيها، وتذكير من يتذكر. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: استدل بعضهم بهذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" في الصلاة، ورام بذلك معارضة حديث أنس رضي الله أيضا المخرج في "صحيح مسلم" أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يقرؤها في الصلاة. وفي الاستدلال لذلك بحديث الباب نظر؛ لأنه لا يلزم من وصفه بأنه كان إذا قرأ البسملة يمد فيها أن يكون قرأ البسملة في أول الفاتحة في كل ركعة، ولأنه إنما ورد بصورة المثال، فلا تتعين البسملة، والعلم عند الله تعالى. قاله في "الفتح".(1) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أحْرجه هنا -82/ 1014 - وفي "الكبرى" -29/ 1087 - بالسند المذكور.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في "فضائل القرآن" (د) في الصلاة) كلاهما عن مسلم بن إبراهيم، عن جرير بن حازم، عن قتادة، عنه. (تم(2)) عن بندار، عن وهب بن جرير، عن أبيه به. (ق) في الصلاة عن محمَّد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن جرير به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".--------------------------------------------
(1) جـ 10 ص 112 - 113.
(2) "تم" رمز للترمذيّ في "الشمائل".
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 10)
83 - (تَزْيِين الْقُرْآنِ بِالصَّوْتِ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على استحباب تزيين القرآن بتحسين الصوت. والتزيين مصدر "زّينَ"، وإضافته إلى "القرآن" من إضافة المصدر إلى مفعوله، و"بالصوت" متعلق بالتزيين.
وفي نسخة: "تزيين القراءة بالصوت". والله تعالى أعلم بالصواب.
1015 - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 - علي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار [9]، ت 244 تقدم 13/ 13.
2 - (جرير) بن عبد الحميد الصبي الكوفي، ثقة صحيح الكتاب [8] تقدم 2/ 2.
3 - (الأعمش) سليمان بن مهران، ثقة حجة [5] تقدم 17/ 18.
4 - (طلحة بن مصرف) بن عمرو بن كعب اليامي الكوفي، ثقة قارئ فاضل [5] ت 112 أو بعدها (ع) تقدم. 200/ 306.
5 - (عبد الرحمن بن عَوْسجة) الهمداني الكوفي، ثقة [3]، قتل بالزاوية مع ابن الأشعث سنة (82) (بخ 4) تقدم 25/ 811.
6 - (البراء) بن عازب الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، نزل الكوفة، ومات سنة (72)، تقدم 86/ 105. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين (ومنها): أن فيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن، وأن رواية الأعمش عن طلحة من رواية الأقران، فكلاهما من الطبقة الخامسة. والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 11)
شرح الحديث
(عن البراء) بن عازب رضي الله عنهما، أنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم) أي زينوا القرآن بتحسين أصواتكم عند القراءة، فإن الكلام الحسن يزداد حسنا وزينة بالصوت الحسن. ويؤيده ما رواه ابن نصر، والحاكم عن البراء رضي الله عنه أيضًا مرفوعًا: "حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا".(1)
وروى أيضا من طريق علقمة، قال: كنت رجلًا قد أعطاني الله حسن صوت بالقرآن، فكان عبد الله بن مسعود يستقرئني، ويقول لي: اقرأ، فداك أبي وأمي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن حسن الصوت تزيين للقرآن".(2)
والحديث يدل على تحسين التلاوة بالصوت. والحكمة في ذلك المبالغة في تدبر المعاني، والتفطن لما تضمنته الآيات من الأوامر، والنواهي، والوعد، والوعيد؛ لأن النفس ميّالة طبعا إلى استحسان الأصوات، وربما يتفرغ الفكر مع حسن الصوت عن الشوائب، فيكون الفكر مجتمعًا، وإذا اجتمع حصل المطلوب من الخشوع والخضوع.
وقال في "الفتح": ولا شك أن النفس تميل إلى سماع القرآن بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيرا في رقة القلب، وإجراء الدمع. انتهى.(3) والمراد بتحسين الصوت هو التحسين الذي يبعث على الخشوع، لا أصوات ألحان الغناء واللَّهو التي تخرج عن حدّ القراءة، كما سيأتي تحقيق ذلك، إن شاء الله تعالى.
ورأى قوم أن الحديث مقلوب، والأصل: زينوا أصواتكم بالقرآن، وقالوا: إن القرآن أعظم من أن يحسن بالصوت، بل الصوت أحق أن يحسن بالقرآن.
قال الخطابي رحمه الله: هكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث، وزعموا أنه من باب المقلوب، كما قالوا: عرضتُ الناقةَ على الحوض، أي عرضت الحوض على الناقة، وكقولهم: إذا طلع الشِّعْرَى، واستوى العود على الحرباء، أي استوى الحِرْبَاء على العود، وكقول الشاعر: [من الطويل]
وَتَرْكَبُ خَيْلَا لَا هَوَادَةَ بَيْنَهَا … وَتَشْقَى الرَّمَاحُ بالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ(4)--------------------------------------------
(1) أخرجه الدارمي، وابن نصر في "الصلاة"، والحاكم في "المستدرك" من حديث البراء رضي الله تعالى عنه. وهو حديث صحيح. راجع "صحيح الجامع" للشيخ الألباني جـ 1 ص 601 رقم 3145.
(2) حديث حسن أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. انظر "صحيح الجامع" ج 1 ص 601.
(3) "فتح " جـ 10 ص 88.
(4) الضياطرة: هم الضَّخَام الذين لا غَنَاء عندهم، الواحد ضَيْطار أفاده في "اللسان".
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 12)
وإنما هو: تشقى الضياطرة بالرماح
وأخبرنا ابن الأعرابي، ثنا عباس الدوري، ثنا يحيى بن معين، ثنا أبو قَطَن، عن شعبة، قال: نهاني أيوب أن أحدث: "زينوا القرآن بأصواتكم". قلت: ورواه معمر، عن منصور، عن طلحة، فقدم الأصوات على القرآن، وهو الصحيح. أخبرناه محمَّد بن هاشم، حدثنا الدبري، عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن منصور، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "زينوا أصواتكم بالقرآن". والمعنى اشْغَلُوا أصواتكم بالقرآن، والْهَجُوا بقراءته، واتخذه شِعارا لكم، وزينة. انتهى كلام الخطابي.(1)
[قال الجامع عفا الله عنه]: الأرجح عندي إبقاء حديث الباب على ظاهره، كما فسره الأولون، كما هو صريح حديث البراء، وحديث ابن مسعود المذكوران آنفا، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسْنا"، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: "إن حسن الصوت تزيين للقرآن". صريحان في هذا المعنى.
وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم الصوت الحسن، والتغني به في قراءة القرآن، كما يأتي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن" … وحديثه: "لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود عليه السلام". وكذلك في حديث عائشة رضي الله عنها، وغير ذلك، فهذه الخصوص ظاهرة واضحة الدلالة على أن المراد هو ظاهر معنى الحديث، ولا داعي لإخراجه عن ظاهر معناه بلا حجة نَيَّرَةِ.
وأما ما صححه الخطابي من أن الصواب في متن الحديث: "زينوا أصواتكم بالقرآن"، ثم أخرجه بسنده كذلك، فليس كما قال، فإن الحفاظ: الأعمش، وشعبة، ومحمد بن طلحة عند أحمدج 4 ص 285، ومنصورا -فيما رواه عنه الثوري عند أحمد أيضا جـ 4 ص 296 - أربعتهم عن طلحة اتفقوا على أنه: "زينوا القرآن بأصواتكم". فرواية الخطابي شاذة لا تصح. فتبصر بإنصاف،، ولا تتحير بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء رضي الله عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له.--------------------------------------------
(1) "معالم السنن" ج 2 ص 137 - 138.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 13)
أخرجه هنا -83/ 1015 - وفي "الكبرى" 30/ 1088 - عن علي بن حجر، عن جرير، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عنه. و 1016 و"الكبرى" 1089 - عن عمرو، عن يحيى، عن شعبة، عن طلحة به. وفي "فضائل القرآن " -38/ 8050 - عن علي بن حجر، عن جرير، عن الأعمش، وذكر آخر، عن طلحة به. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) في "الصلاة" عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير به. (ق) في "الصلاة" عن بندار، عن يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة به. وأخرجه (أحمد) 4/ 283 و 285 و 296 و 304. (الدارمي) رقم 3503 (البخاري) في "خلق أفعال
العباد" ص 33 و 34. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1016 - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ".
قَالَ ابْنُ عَوْسَجَةَ: كُنْتُ نَسِيتُ هَذِهِ: "زَيِّنُوا الْقُرْآنَ". حَتَّى ذَكَّرَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ).
رجالَ هذا الإسناد: ستة:
1 - (عمرو بن علي) الفلاس، ثقة حافظ [10] تقدم 2/ 2.
2 - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة [9]، تقدم 2/ 2.
3 - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة [7] تقدم 24/ 26.
والباقون تقدموا في السند الماضي. وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به.
وقوله: "قال ابن عوسجة" كنت نسيت هذه: "زينوا القرآن"، حتى ذكرني الضحاك ابن مزاحم.
معناه أنه كان سمع الحديث بطوله عن البراء، ثم نسي الجملة المذكورة من جملته، فذكّره الضحاك رحمه الله تعالى.
وقد أخرج الحديث أحمد رحمه الله تعالى في مسنده مطولًا: فقال: حدثنا يحيى، ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة، قال: ثنا طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب، قال ابن جعفر: ثنا شعبة، قال: سمعت طلحة اليامي، قال: سمعت عبد الرحمن بن عوسجة، قال: سمعت البراء بن عازب، يحدث عن النبي
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 14)
- صلى الله عليه وسلم قال: "من مَنَحَ مَنِيحةَ ورِق، أو هدّى زقاقا، أو سقى لبنا كان له عدل رقبة، -أو نسمة- ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرار كان له عدل رقبة -أو نسمة"- وكان يأتينا إذا قمنا إلى الصلاة، فيمسح صدورنا -أو عواتقنا- يقول: "لا تختلف صفوفكم، فتختلف قلوبكم"، وكان يقول: "إن الله، وملائكته يصلون على الصف الأَوَّل -أو الصفوف الأُوَل"، وقال: "زينوا القرآن بأصواتكم". كنت نسيتها، فذكرنيها الضحاك بن مزاحم. انتهى.(1)
فتبين بهذا أن الذي نسيه ابن عوسجة "زينوا القرآن بأصواتكم" من جملة الحديث الطويل. والله تعالى أعلم. و"الضحاك بن مُزاحم": هو الهلالي، أبو القاسم، أو أبو محمَّد الخراساني، صدوق كثير الإرسال [5]، ت بعد المائة (4). يقال: إنه لم يثبت له سماع من أحد الصحابة رضي الله عنهم، وتذكيره لعبد الرحمن بن عوسجة هنا أنه كان يحدث بالحديث كاملا، فنسي بعضه، فذكره الضحاك ما كان سمعه منه سابقا، فتذكر، لا أن الضحاك سمعه من البراء، فحدثه به، وهذا لا يضر بصحة الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
1017 - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 - (محمَّد بن زُنبُور) بن أبي الأزهر، أبو صالح المكي، واسم زُنبور: جعفر، صدوق له أوهام [10]، ت في آخر سنة 248 (س) تقدم 73/ 90.
2 - (ابن أبي حازم) عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه [8] ت 184 وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم 40/ 44.
3 - (يزيد بن عبد الله) بن أسامة بن الهاد الليثى، أبو عبد الله المدني، ثقة مكثر [5] ت 139 (ع) تقدم 73/ 90.
4 - (محمَّد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي، أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد [4]، ت 120 على الصحيح (ع) تقدم 60/ 75.
5 - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه مكثر [3]، ت 94 (ع)--------------------------------------------
(1) "المسند" جـ 4 ص 304.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 15)
تقدم 1/ 1.
6 - (أبو هريرة) رضي الله عنه تقدم 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سيداسيات المصنف (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فمكي (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة (ومنها): أن فيه أبا هريرة رئيس المكثرين، روى -5374 - حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أذن الله لشيء) بكسر الذال المعجمة، أي ما استمع الله عز وجل لشي مما يُسمَع (ما أنس لنبي) أي كاستماعه لنبي، فـ"ما" الأولى نافية، والثانية مصدرية، ونكر "نبيَّا" لأن المراد به الجنس. ووقع في رواية أبي ذرّ لصحيح البخاري: "للنبي" بالتعريف، قال في "الفتح": فإن كانت محفوظة فهي للجنس، ووهم من ظنها للعهد، وتوهم أن المراد نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم فقال: ما أذن للنبي صلى الله عليه وسلم وشرحه على ذلك. انتهى (حسن الصوت) بالجر صفة "نبي" (يتغنى بالقرآن) جملة فعلية في محل نصب حال من "نبي". أي يحسّن صوته به حال قراءته، أو هو بمعنى الجهر، فيكون قولهه: "يجهر به" تفسيرا له، أو بمعنى يلين، ويرقق صوته، ليجلب به إلى نفسه وإلى السامعين الحزن والبكاء، وينقطع به عن الخلق إلى الخالق عز وجل. أفاده السندي رحمه الله.(1) وسيأتي ذكر اختلاف العلماء في معنى التغني في المسائل إن شاء الله تعالى.
ووقع عند المصنف في "الفضائل"، وهي رواية عند البخاري أيضًا من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة: "أن يتغنى" بزيادة "أن".
قال في الفتح: وزعم ابن الجوزي أن الصواب حذف "أن"، وأن إثباتها وَهَم من بعض الرواة، لأنهم كانوا يروون بالمعنى، فربما ظن بعضهم المساواة، فوقع الخطأ، لأن الحديث لو كان بلفظ "أن" لكان من الإذن بكسر الهمزة، وسكون الذال بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس ذلك مرادا هنا، وإنما هو من الأَذَن بفتحتين، وهو الاستماع. وقوله: "أَذِنَ": أي استمع.--------------------------------------------
(1) "شرح السندي" جـ 2 ص 180.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 16)
والحاصل أن لفظ "أَذِنَ" بفتحة، ثم كسرة في الماضي، من باب تَعِب: مشترك بين الإطلاق والاستماع، تقول: أذنت آذَنُ بالمدّ، فإن أردت الإطلاق، فالمصدر بكسرة، ثم سكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين، قال عديّ بن زيد: [من الرمل]:
أَيها الْقَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَن(1) … إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاعِ وَأَذَنْ
أي في سماع، واستماع.
وقال القرطبي: أصل الأَذَنِ -بفتحتين- أن المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حق الله تعالى لا يراد به ظاهره، وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف المخاطب، والمراد به في حق الله تعالى إكرام القارئ، وإجزال ثوابه، لأن ذلك ثمرة الإصغاء. انتهى(2)
[قال الجامع عفا الله عنه]: هذا الذي قاله القرطبي في المعنى المراد بالأذَن هنا أنه بمعنى الإكرام، وإجزال الثواب أراد به أن الكلام من باب المجاز، لا من باب الحقيقة، وهذا غير صحيح؛ لأنه يستلزم عدم إثبات صفة الأَذَن لله سبحانه وتعالى وقد أثبتها له هذا النص الصحيح، فالصواب إثباتها على حقيقتها اللائقة بجلاله سبحانه وتعالى، ولا يلزم من ذلك تشبيهه بمخلوقاته؛ لأن صفاته سبحانه وتعالى لا تشبه صفات المخلوق، فلو لزم من إثباتها التشبيه للزم أيضًا في الإكرام، وإجزال المثوبة، اللذين أوّل بهما القرطبي؛ لأنهما يوصف بهما المخلوق أيضًا، فيقال: إن فلانا لما استحسن قراءة فلان أكرمه، وأجزل له العطاء، ونحو ذلك.
والحاصل أن إثبات الصفات الواردة في القرآن، والأحاديث الصحيحة بمعناها الحقيقي، لا المجازي، على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى هو الحق الذي كان عليه سلف هذه الأمة، الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "خير القرون قرني" … الحديث. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الطريق الأقوم.
(يجهر به) جملة فعلية في محل نصب على الحال أيضًا، فتكون الحالان إما متداخلتين، أو مترادفتين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:--------------------------------------------
(1) الددن بفتحتين: اللَّهو واللعب.
(2) "فتح" جـ 10 ص 84 - 85.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 17)
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -83/ 1017 - 30/ 1090 - وفي "فضائل القرآن" -8052 - عن محمَّد ابن زُنبور المكي، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن عبد الله، عن محمَّد بن إبراهيم،(1) عن أبي سلمة، عنه، وفي -83/ 1018 - و"الكبرى" هنا -30/ 1091 - وفي "فضائل القرآن" 37/ 8048 - عن قتيبة، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة به. وفي "فضائل القرآن" -39/ 8053 - عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في "فضائل القرآن" عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب به. وعن علي بن عبد الله، عن ابن عيينة، عن الزهري به. (م) في "الصلاة" عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلاهما عن ابن عيينة به. وعن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس- وعن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث- كلاهما عن ابن شهاب به. وعن بشر بن الحكم، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم به. وعن ابن أخي ابن وهب، عن عمه، عن عمرو بن مالك، وحيوة بن شريح، كلاهما عن ابن الهاد به. وعن الحكم بن موسى، عن هِقْل، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به. وعن يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، كلهم عن إسماعيل بن جعفر، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة به.
(د) في "الصلاة" عن سليمان بن داود المهري، عن ابن وهب، عن عمرو بن مالك، وحيوة، كلاهما عن ابن الهاد به.
وأخرجه (الحميدي) رقم 949 (وأحمد) 2/ 271 و 285 و 450 (والبخاري) في "خلق أفعال العباد" ص 32 (والدارمي) رقم 1496 و 3500 و 1499 و 3493 و 3494. والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) هكذا قال في "تحفة الأشراف": إن المصنف أخرج الحديث في "فضائل القرآن" أيضًا بهذا السند، وأشار في هامش "المسند الجامع" إلى أن النسخة الخطية موافقة لما في "تحفة الأشراف". ولكن الموجود في النسخة المطبوعة من "الكبرى" في "فضائل القرآن" هكذا: "أخبرنا أبو صالح المكي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. . . . . فليحرر.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 18)
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها) ما بوب له المصنف، وهو استحباب تزيين القرآن بالصوت الحسن (ومنها): استحباب الاستماع لقراءة قارئ حَسَن الصوت، وسيأتي نقل الإجماع على ذلك، إن شاء الله تعالى.
وقد أخرج ابن أبي داود من طريق ابن أبي مسجعة، قال: "كان عمر رضي الله عنه يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم".(1)
(ومنها): إثبات صفة الأذَن -بفتحتين- بمعنى الاستماع لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله، وأما ما قاله السندي وغير من أنه لما كان الاستماع على الله تعالى محالا، لأنه شأن من يختلف سماعه بكثرة التوجه، وقلته، وسماعُهُ تعالى لا يختلف قالوا: هذا كناية عن تقريب القارئ، وإجزال مثوبته. انتهى. فغير صحيح؛ لأن قولهم هذا مبني على معنى الاستماع الذي ينسب إلى المخلوق؛ لأنهم لم يفهموا معنى الاستماع إلا بالمعنى الذي ذكروه، وهذا خطأ، فإن الاستماع الذي يكون لله سبحانه وتعالى غير الاستماع الذي يكون للمخلوق، وإننا إذ نثبت لله تعالى صفاته العلية لا نثبتها بمعناها الذي يكون للمخلوق، وإنما نثبتها بالمعنى الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى. فتبصر بالإنصاف، ولا تتهَوَّر بالاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ومنها): استحباب التغني بقراء القرآن بشرط أن لا يُخِلّ بقوانين الأداء، كما قرره أهل القراءة. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسأله الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: "يتغنى بالقرآن": قال سفيان بن عيينة رحمه الله: تفسيره: يستغني به. وإليه ميل البخاري رحمه الله. قال الحافظ رحمه الله: ويمكن أن يُستأنس له بما أخرجه أبو داود، وابن الضريس، وصححه أبو عوانة عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهَيك، قال: لقيني سعد بن أبي وقاص، وأنا في السوق، فقال: تجار كسبة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن". وقد ارتضى أبو عبيد تفسير "يتغنى" بيستغني، وقال: إنه جائز في كلام العرب، وأنشد الأعشى: [من المتقارب]
وَكُنْتُ امْرَأً زَمَنَا بِالْعِرَاقِ … خَفِيفَ الْمُنَاخِ طَوِيلَ التَّغَنِّي
أي كثير الاستغناء. وقال المغيرة بن حَبْنَاء: [من الطويل]
كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ … وَنَحْنُ إِذَا مِتْنَا أَشَدُّ تَغَانِياَ--------------------------------------------
(1) راجع "الفتح" جـ 10 ص 114.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 19)
قال: فعلى هذا يكون المعنى: من لم يستغن بالقرآن عن الإكثار من الدنيا، فليس منا. أي ليس على طريقتنا. واحتج أبو عبيد أيضًا بقول ابن مسعود: "من قرأ سورة آل عمران، فهو غني". ونحو ذلك.
وقال ابن الجوزي: اختلفوا في معنى قوله: "يتغنى" على أربعة أقوال: (أحدها): تحسين الصوت. (والثاني): الاستغناء. (والثالث): التحزن. قاله الشافعي. (والرابع): التشاغل به، تقول العرب: تغنى بالمكان أقام به.
قال الحافظ: وفيه قول آخر، حكاه ابن الأنباري في "الزهر" قال: المراد به التلذذ، والاستحلاء له، كما يَسْتَلِذُّ أهل الطرب بالغناء، فأطلق عليه تغنيًا من حيث أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء، وهو كقول النابغة: [من الوافر]
بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا(1) … مُفَجَّعَةً عَلَى فَنَنٍ تُغَنِّي
أطلق على صوتها غِنَاء، لأنه يطرب كما يطرب الغناء، وإن لم يكن غناء حقيقة، وهو كقولهم: "العمائم تيجان العرب". لكونها تقوم مقام التيجان.
وفيه قول آخر حسن، وهو أن يجعله هِجِّيرَاه، كما يجعل المسافر والفارغ هِجِّيراه الغناءَ، قال ابن الأعرابي: كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى، وإذا جلست في أفنيتها، وفي أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هجيراهم القراءةَ مكانَ التغني.
ويؤيد القول الرابع بيت الأعشى المتقدم، فإنه أراد بقوله: "طويل التغني" طول الإقامة، لا الاستغناء؛ لأنه أليق بوصف الطول من الاستغناء. يعني أنه كان ملازما لوطنه بين أهله، كانوا يتمدحون بذلك، كما قال حسان: [من الكامل]
أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمُ … قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفَضَّلِ
أراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتجاع، ولا يبرحون من أوطانهم، فيكون معنى الحديث: الحث على ملازمة القرآن، وأن لا يتعدى إلى غيره، وهو يؤول من حيث المعنى إلى ما اختاره البخاري من تخصيص الاستغناء، وأنه يستغني به عن غيره من الكتب.
وقيل: المراد: من لم يغنه القرآن، وينفعه في إيمانه، ويصدق بما فيه من وعد ووعيد. وقيل: معناه: من لم يرتح لقراءته وسماعه. وليس المراد ما اختاره أبو عبيد أنه--------------------------------------------
(1) "الهديل" بفتح، فكسر قيل: هو ذكر الحمام، أو فرخ الحمام، وقيل: غير ذلك. أفاده في "اللسان"، و"القاموس".
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 20)
يحصل به الغنى دون الفقر، لكن الذي اختاره أبو عبيد غير مدفوع، إذا أريد به الغني المعنوي، وهو غنى النفس، وهو القناعة، لا الغنى المحسوس الذي هو ضد الفقر، لأن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القراءة، إلا إذا كان ذلك بالخاصية، وسياق الحديث يأبى العمل على ذلك، فإن فيه إشارة إلى الحث على تكلف ذلك، وفي توجيهه تكلف، كأنه قال: ليس منا من لم يتطلب الغنى بملازمة تلاوته.
قال الحافظ: وأما الذي نقله عن الشافعي، فلم أره صريحا عنه في تفسير الخبر، وإنما قال في "مختصر المزني": وأحب أن يقرأ حَدْرًا وتحزينا. انتهى. قال أهل اللغة: حَدَرْتُ القراءة: أدرجتها، ولم أمططها، وقرأ فلان تحزينا: إذا رقق صوته، وصيره كصوت الحزين.
وقد روى ابن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه "أنه قرأ سورة، فحزنها شبه الرَّثْيِ". وأخرجه أبو عوانة عن الليث بن سعد، قال: "يتغنى به، يتحزن به، ويرقق به قلبه".
وذكر الطبري عن الشافعي أنه سئل عن تأويل ابن عيينة التغني بالاستغناء، فلم يرتضه، وقال: لو أراو الاستغناء لقال: لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت.
قال ابن بطال: وبذلك فسره ابن أبي مليكة، وعبد الله بن المبارك، والنضر بن شميل، ويؤيده رواية عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب في حديث الباب بلفظ "ما أذن لنبي في الترنم في القرآن". أخرجه الطبري، وعنده في رواية عبد الرزّاق، عن معمر: "ما أذن لنبي حسن الصوت". وهذا اللفظ عند مسلم من رواية محمَّد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة. وعند أبي داود، والطحاوي من رواية عمرو بن دينار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "حسن الترنم بالقرآن". قال الطبري: "والترنم" لا يكون إلا بالصوت، إذا حسنه القارئ، وطرب به، قال. ولو كان معناه: الاستغناء لما كان لذكر الصوت، ولا لذكر الجهر معنى.
وأخرج ابن ماجه، والكجي، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث فَضالة بن عبيد رضي الله عنه مرفوعًا: "الله أشد أَذَنًا -أي استماعا- للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنَة إلى قينته". و"القينة": المغنية.
وروى ابن أبي شيبة من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه رفعه: "تعلموا القرآن، وغنُّوا به، وأفشوه". كذا وقع عنده، والمشهور عند غيره في الحديث: "وتغنوا به"، والمعروف في كلام العرب أن التغني: الترجيع بالصوت، كما قال حسان: [من البسيط]:
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 21)
تَغَنَّ بِالشِّعْرِ إِمَّا كنْتَ قَائِلَهُ … إِنَّ الْغِنَاءَ بِهذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ
قال: ولا نعلم في كلام العرب "تغنى" بمعنى استغنى، ولا في أشعارهم، وبيت الأعشى لا حجة فيه؛ لأنه أراد طول الإقامة، ومنه قوله تعالى {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [هود: 95]. وقال: بيت المغيرة أيضًا لا حجة فيه؛ لأن التغاني تفاعل بين اثنين، وليس هو بمعنى "تغنى"، قال: وإنما يأتي "تغنى" من الغنى الذي هو ضد الفقر بمعنى تفعل، أي يظهر خلاف ما عنده، وهذا فاسد المعنى.
قال الحافظ: ويمكن أن يكون بمعنى تكلفه، أي تطلبه، وحمل نفسه عليه، ولو شق عليه، كما تقدم قريبا، ويؤيده حديث: "فإن لم تبكوا، فتباكوا". وهو في حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه عند أبي عوانة. وأما إنكاره أن يكون "تغنى" بمعنى "استغنى" في كلام العرب، فمردود، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد صح في حديث الخيل: "ورجلٌ ربطها تعففا وتغنيا"، وهذا من الاستغناء بلا ريب. والمراد به يطلب الغنى بها عن الناس بقرينة قوله: "تعففا".
وممن أنكر تفسير "يتغنى" بيستغني أيضا الإسماعيلي، فقال: الاستغناء إليه لا يحتاج إلى استماع؛ لأن الاستماع أمر خاص زائد على الاكتفاء به، وأيضًا فالاكتفاء به عن غيره أمر واجب على الجميع، ومن لم يفعل ذلك خرج عن الطاعة. ثم ساق من وجه آخر عن ابن عيينة، قال: يقولون: إذا رفع صوته، فقد تغنى.
قال الحافظ: قلت: الذي نقل عنه أنه بمعنى استغنى أتقن لحديثه. وقد نقل أبو داود عنه مثله ويمكن الجمع بينهما بأن تفسير "يستغني" من جهته، و"يرفع" عن غيره(1).
وقال عمر بن شبة: ذكرت لأبي عاصم النبيل تفسير ابن عيينة، فقال: لم يصنع شيئًا، حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، قال: " كان داود عليه السلام يتغنى -يعني حين يقرأ- ويَبكي، ويُبكي". وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إن داود عليه السلام كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يَطرَب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في برّ، ولا بحر إلا أنصتت له، واستيعت، وبكت".
وفي الجملة ما فسر به ابن عيينة ليس بمدفوع، وإن كانت ظواهر الإخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت، ويؤيده قوله: "يجهر به". فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة، وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غبره، ولا سيما إذا كان فقيها، وقد جزم الحَلِيمي بأنها من قول أبي هريرة. والعرب تقول: سمعت فلانا يتغنى بكذا،--------------------------------------------
(1) يعني أن ابن عيينة فسر "يتغنى" بـ"يستغني" من عند نفسه، وفسره بـ"يرفع صوته" نقلا عن غيره.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 22)
أي يجهر به. وقال أبو عاصم: أخذ بيدي ابن جريج، فأوقفني على أشعب، فقال: غَنِّ ابنَ أخي ما بلغ من طمعك، فذكر قصة. فقوله: غنّ، أي أخبرني جهرا صريحا. ومنه قول ذي الرُّمَّة: [من الطويل]
أُحِبُّ الْمَكَانَ الْقَفْرَ من أَجْلِ أَنَّنِي … بِهِ أَتَغَنَّى بِاسْمِهَا غَيْرَ مُعْجِمِ
أي أجهر، ولا أكني.
والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة، وهو أنه يحسّن به صوته جاهرا به مترنما على طريق التحزن، مستغنيا به عن غيره من الإخبار، طالبا به غنى النفس، راجيا به غنى اليد. قال: وقد نظمت ذلك في بيتين:
تَغَنَّ بِالْقُرْآنِ حَسِّنْ بِهِ الصَّوْ … تَ حَزِينًا جَاهِرًا رَنِّمِ
وَاسْتَغْنِ عَنْ كتُبِ الألُى طَالِباَ … غِنَى يَدٍ وَالنَّفْسِ ثُمَّ الْزَمِ
انتهى ما في "الفتح" بتصرف يسير.(1)
[قال الجامع عفا الله عنه]: عندي أن الأرجح في معنى: "يتغنى به" في هذا الحديث هو قول من فسره بتحسين الصوت، لكون ظواهر الأخبار تؤيده.
والحاصل أن ما دلت عليه ظواهر الأخبار، وكان واضحًا في استعمال العرب بدون خلاف، وهو كون "يتغنى" بمعنى يحسن صوته، أولى ما يفسر به هذا الحديث. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في بيان اختلاف أهل العلم في القراءة بالألحان:
قال في "الفتح": كان بين السلف اختلاف في جواز قراءة القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت، وتقديم حسن الصوت على غيره، فلا نزاع في ذلك.
فحكى عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطيب الطبري، والماوردي، وابن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابن بطال، وعياض، والقرطبي من المالكية، والماوردي، والبندنيجي، والغزالي من الشافعية، وصاحب "الذخيرة" من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى، وابن عقيل من الحنابلة.
وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز، وهو المنصوص للشافعي، ونقله الطحاوي عن الحنفية. وقال الفوراني من الشافعية في "الإبانة": يجوز، بل يستحب، ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختلّ شيء من الحروف عن مخرجه، فلو--------------------------------------------
(1) "فتح" جـ 10 ص 85 - 88.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 23)
تغير قال النووي في "التبيان": أجمعوا على تحريمه، ولفظه:
أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفا، أو أخفاه حَرُمَ، قال: وأما القراءة بالألحان، فقد نص الشافعي في موضع على كراهته، وقال في موضع آخر: لا بأس به، فقال أصحابه:
ليس على اختلاف قولين، بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان عن المنهج القويم جاز، وإلا حرم. وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخرجها حرم، وكذا حَكَى ابن حمدان الحنبلي في "الرعاية". وقال الغزالي، والبندنيجي، وصاحب "الذخيرة" من الحنفية: إن لم يُفرِط في التمطيط الذي يشوش النظم استُحِبَّ، وإلا فلا. وأغرب الرافعي، فحكى عن "أمالي السرخسي" أنه لا يضر التمطيط مطلقا، وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهذا شذوذ، لا يعرّج عليه.
والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا، فليحسنه ما استطاع، كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح.
ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النَّغَم، فإن الحَسَنَ الصوتِ يزداد حُسْنًا بذلك، وإن خرج عنها أَثَّرَ ذلك في حسنه، وغيرُ الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يَفِ تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وُجِد من يراعيهما معا، فلا شك في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح"(1).
[قال الجامع عفا الله عنه]: هذا التفصيل حسن جدًّا، وحاصله أن القراءة بالألحان والأنغام الحسنة بشرط عدم الخروج عن قواعد القراءة مستحب، لأحاديث الباب، وغيرها، وإن اختل شرط من شروط الأداء، كأن يمد حرفا لا يستحق المد، أو تجاوز في الممدود من المقدار الذي وضعه القراء، أو زاد حرفا، أو نقص، أو أخفى ما يُظهر، أو عكس، أو أدغم ما لا يدغم، أو عكس، أو نحو ذلك فحرام. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.--------------------------------------------
(1) جـ 10 - ص 89.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 24)