[قال الجامع عفا الله عنه]: في الاستدلال بهذا نظر لا يَخْفَى؛ لأن هذا الحديث ثبت فيه أنه صلى الله عليه وسلم علم المسيء صلاته أذكار الانتقالات.
فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: "إنه لا يتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله صلى الله عليه وسلم، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائما، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى يطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه، فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته"(1).
فقد ثبت بهذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم علم المسيء صلاته تكبير الركوع وغيره، فبطل الاستدلال به.
واستدلوا أيضًا بحديث ابن أبزى، فإنه يدل على عدم الوجوب؛ لأن تركه صلى الله عليه وسلم له في بعض الحالات لبيان الجواز، والإشعار بعدم الوجوب.
[قال الجامع]: قد عرفت ما فيه من الضعف، فلا يصح الاستدلال به، ولا معارضة الأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب به.
فتبين بهذا أن أدلة القائلين بالوجوب قوية، لكثرتها، وصحتها، وعدم المعارض لها:
(فمنها): حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكرو في هذا الباب. (ومنها): حديث المسيء صلاته المذكور آنفا، فإنه نص صريح في عدم صحة الصلاة بغير تكبيرات الانتقالات.
(ومنها): حديث وائل الحضرمي رضي الله عنه: "أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يرفع يديه مع التكبير، ويكبر كلما خفض، وكلما رفع، ويسلم عن يمينه، وعن يساره". أخرجه أحمد، والدارمي، والسرَّاج، والطيالسي بسند حسن(2).
(ومنها): حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل رفع، وخفض، وقيام، وقعود .. الحديث. وسيأتي للمصنف رقم 83/ 1142 - ورواه أحمد، والترمذي، وصححه. وغير ذلك من الأحاديث المتقدمة في أوائل "كتاب الافتتاح"، ويأتي بعضها في أبواب السجود، إن شاء الله تعالى. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".--------------------------------------------
(1) "سنن أبي داود" جـ 1 ص 226 - 227.
(2) راجع "الإراواء" جـ 2 ص 36.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 45)
والحاصل أن القول بوجوب تكبيرات الانتقالات هو الراجح، لقوة دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
85 - (رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلرُّكوعِ حِذَاءَ فُرُوعِ الأُذُنَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية رفع اليدين لأجل الركوع حِذَاءَ فروع الأذنين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحذاء" -بكسر المهملة، بعدها ذال معجمة: المُقَابِلُ، وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ"رفع". والله تعالى أعلم بالصواب.
1024 - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، حَتَّى بَلَغَتَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 - (علي بن حُجْر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار [9]، ت 244 تقدم 13/ 13.
2 - (إسماعيل) بن إبراهيم ابن علية البصري، ثقة حافظ [8] تقدم 18/ 19.
3 - (سعيد) بن أبي عروبة البصري، ثقة ثبت يدلس، واختلط [6]، تقدم 34/ 38.
4 - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت مدلس [4] تقدم 30/ 34.
5 - (نصر بن عاصم الليثي) البصري، ثقة [3] تقدم 4/ 880.
6 - (مالك بن الحويرث) الليثي، صحابي نزل البصرة، مات رضي الله عنه 74 - تقدم 7/ 634.
ولطائف الإسناد، وشرح الحديث، والمسائل المتعلقة به تقدّمت في-4/ 88. ومحل استدلال المصنف رحمه الله تعالى للترجمة قوله: "حتى بلغتا فروع أذنيه". وقد تقدم في الباب المذكور أنه قال: "رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه"، أي مقابلَهُما،
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 46)
وتقدم وجه الجمع بين الروايتين يحمل الاختلاف على اختلاف الأوقات، أو على ما نقل عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه رفع يديه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه كفيه(1). والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
86 - (بَابُ رَفْع الْيَدَيْنِ لِلرُّكُوعِ حِذَاءَ الْمَنْكِبَيْنِ)
وفي نسخة: "حَذْوَ المنكبين"، وهو بمعناه.
1025 - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [10]، تقدم 1/ 1.
2 - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت [8] تقدم 1/ 1.
3 - (الزهري) محمَّد بن مسلم المدني الإمام الحجة الثبت [4] تقدم 1/ 1.
4 - (سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي المدني، ثقة ثبت فقيه [3] تقدم 23/ 490.
5 - (عبد الله بن عمر) بن الخطّاب رضي الله عنهما، تقدم 12/ 12.
ولطائف الإسناد، وشرح الحديث، والمسائل المتعلقة به قد تقدّمت مستوفاة في 1/ 876. فلتراجعها تستفد. والله تعالى ولي التوفيق.
ومحل استدلال المصنف رحمه الله تعالى على الترجمة من الحدي ث واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".--------------------------------------------
(1) لكن في هذا الجمع نظر لا يخفى، فالجمع الأول هو الحق كما تقدم تحقيقه في الباب المذكور.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 47)
87 - (تَرْك ذَلكَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز ترك رفع اليدين للركوع.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد احتج بحديث الباب الحنفية، وبعض أهل العلم، فقالوا بعدم مشروعية رفع اليدين في الصلاة، إلا في الافتتاح، لكن الاحتجاج به غير صحيح؛ لعدم صحته، وكذلك الأحاديث المروية في هذا الباب. وعلى تقدير صحتها، فتحمل على بيان الجواز، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسائل، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
1026 - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا(1) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: فَقَامَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ لَمْ يُعِدْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 - (سويد بن نصر)
2 - (عبد الله بن المبارك) تقدما قبل بابين.
3 - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي الإمام الحجة الثبت [7] تقدم 33/ 37.
4 - (عاصم بن كليب) بن شهاب الْجَرْمِيّ الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء [5] تقدم 11/ 889.
5 - (عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة [3] ت 99 (ع) تقدم 38/ 42.
6 - (علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [2]، ت بعد 60 وقيل: بعد 70 تقدم 61/ 77.
7 - (عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه، تقدم 35/ 39. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وأنهم كوفيون، سوى شيخه، وابن المبارك، فمروزيان (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض (ومنها): أن فيه عبد الله مطلقا، وهو عند الكوفيين ابن مسعود رضي الله عنه، وقد تقدم بيان--------------------------------------------
(1) وفي نسخة: "أنبأنا".
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 48)
الضابط في ذلك غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه أنه (قال: ألا) "ألا" هنا للعرض، أو للتحضيض، والفرق بينهما أن العرض حثّ بلين، والتحضيض حث بإزعاج (أخبركم) أي أعلمكم (بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي بكيفيتها. وفي رواية أبي داود: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم" (قال) أي علقمة (فقام، فرفع يديه) الفاء الأولى للتفصيل، والثانية للتعقيب، أي رفع يديه عقب قيامه (أول مرة) منصوب على الظرفية متعلق بـ"رفع" (ثم لم يعد) يحتمل أن يكون بفتح الياء، وضم العين، من العَودة: بمعنى الرجوع، أي لم يرجع ابن مسعود رضي الله عنه لرفع يديه مرة أخرى. ويحتمل أن يكون بضم الياء، وكسر العين، من الإعادة رباعيا. ومفعوله محذوف، أي لم يُعد رفعَ يديه مرة أخرى. وفي بعض نسخ "المجتبى": "ثم لم يرفع". وهو الذي في "الكبرى". ولفظ أبي داود: "قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة".
والحديث حجة لمن قال بعدم رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه. وسيأتي ما فيه قريبا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن مسعود رضي الله عنه ضعفه الجمهور، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حزم، والعلامة أحمد محمَّد شاكر، والشيخ الألباني،(1) والراجح ما ذهب إليه الجمهور، فإن الحديث معلول، كما سيأتي بيانه في كلام الأئمة، إن شاء الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -87/ 1026 - وفي "الكبرى" -34/ 1099 - عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن الثوري، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عنه. وفي -20/ 1058 - و"الكبرى" -19/ 645 - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:--------------------------------------------
(1) انظر ما كتبه العلامة أحمد شاكر على الترمذي جـ 2 ص41. وكذا "صحيح النسائي" للشيخ الألباني جـ 1 ص 220.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 49)
أخرجه (د) في "الصلاة" عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع- وعن الحسن بن علي، عن معاوية- وخالد بن عمرو- وأبي حذيفة- أربعتهم عن الثوري به. (ت) فيه عن هناد ابن السري، عن وكيع به.
وأخرجه (أحمد) 1/ 388 و 441. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في بيان ما قاله الأئمة الحفاظ في هذا الحديث:
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "جزء رفع اليدين": ويُروى عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى، ولم يرفع يديه إلا مرة".
وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن آدم: نظرت في كتاب عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب، ليس فيه: "ثم لم يعد". فهذا أصح؛ لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم؛ لأن الرجل يحدث بشيء، ثم يرجع إلى الكتاب، فيكون كما في الكتاب.
حدثنا الحسن بن الربيع، ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبدالرحمن بن الأسود، ثنا علقمة، أن عبد الله صلى الله عليه وسلم قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، فقام، فكبر، ورفع يديه، ثم ركع، فطبق يديه، فجعلهما بين ركبتيه، فبلغ ذلك سعدا، فقال: صدق أخي، ألا بل قد كنا نفعل ذلك في أول الإسلام، ثم أمرنا بهذا.
قال البخاري: هذا هو المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود. انتهى كلام البخاري رحمه الله تعالى(1).
وقال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" جـ 1 ص 96: سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قام: فكبر، فرفع يديه، ثم لم يعد؟ فقال أبي: هذا خطأ، يقال: وهم الثوري، وروى هذا الحديث عن عاصم جماعة، فقالوا كلهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح، فرفع يديه، ثم ركع، فطبق، وجعلها بين ركبتيه، ولم يقل أحد ما روى الثوري. انتهى كلام ابن أبي حاتم.
وقال الحافظ رحمه الله في "التلخيص الحبير": حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لأصلين بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه به. ورواه ابن عدي، والدارقطني، والبيهقي من--------------------------------------------
(1) "جزء رفع اليدين" ص 86 - 91.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 50)
حديث محمَّد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة".
وهذا الحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حزم. وقال ابن المبارك: لم يثبت عندي. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: هذا حديث خطأ. وقال أحمد بن حنبل، وشيخه يحيي بن آدم: هو ضعيف، نقله البخاري عنهما، وتابعهما على ذلك. وقال أبو داود: ليس هو بصحيح. وقال الدارقطني: لم يثبت. وقال ابن حبان في الصلاة: هذا أحسن خبر روي لأهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه؛ لأن له عللا تبطله.
وهؤلاء الأئمة إنما طعنوا كلهم في طريق عاصم بن كليب الأولى، وأما طريق محمد ابن جابر، فذكرها ابن الجوزي في "الموضوعات"، وقال عن أحمد: محمدُ بنُ جابر لا شيء، ولا يحدث عنه إلا من هو شرّ منه. قال الحافظ: وقد بينت في "المدرج" حال هذا الخبر بأوضح من هذا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(1).
[قال الجامع عفا الله عنه]: قد تبين بما ذكر من أقوال هؤلاء الأئمة أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا غير صحيح، لأمور:
(الأول): اتفاق جمهور هؤلاء الأئمة على خطإ تلك الزيادة.
(الثانية): عدم وجودها في كتاب عاصم بن كليب، والكتاب أضبط من الحفظ، كما بينه الإمام أحمد عن شيخه يحيي بن آدم.
(الثالث): مخالفة عبد الله بن إدريس للثوري فيه، وقد وافق ابنَ إدريس جماعة، كما قال أبو حاتم وغيره. (الرابع): الكلام في عاصم بن كليب، فقد قال فيه ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد، كما في "تهذيب التهذيب" جـ 5 ص 56. وهو قد تفرد بهذا الحديث، ولا متابع له فيه، فهذه جملة الأمور التي عللوا بها هذا الحديث. والله أعلم.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: في "التمهيد": أما حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يرفع يديه في الصلاة إلا مرة في أول شيء، فهو حديث انفرد به عاصم بن كليب، واختلف عليه في ألفاظه، وقد ضعف الحديث أحمد بن حنبل، وعَلَّلَه، ورمى به.
وأخرج أيضًا بسنده عن محمَّد بن وضاح، أنه قال: الأحاديث التي تروى عن النبي--------------------------------------------
(1) "التلخيص الحبير" 1/ 222 - 223.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 51)
- صلى الله عليه وسلم في رفع اليدين: "ثم لا يعود" ضعيفة كلها. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى باختصار(1).
والحاصل أن هذا الحديث ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان مذاهب العلماء في رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام: قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى في كتابه "المجموع شرح المهذب" جـ 3 ص 399 - 406 - : (اعلم): أن هذه المسألة مهمة جدّا، فإن كل مسلم يحتاج إليها في كل يوم مرات متكاثرات، لا سيما طالب الآخرة، ومكثر الصلاة، ولهذا اعتنى العلماء بها اعتناء أشد اعتناء، حتى صنف الإمام أبو عبد الله البخاري كتابا كبيرا في إثبات الرفع في هذين الموضعين، والإنكار الشديد على من خالف ذلك فهو كتاب نفيس.
(اعلم): أن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام سنة بإجماع من يعتدّ به، وفيه شيء ذكرناه في موضعه.
وأما رفعهما في تكبيرة الركوع، وفي الرفع منه، فمذهبنا أنه سنة فيهما، وبه قال أكثر العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، حكاه الترمذي عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وابن الزبير، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وعن جماعة من التابعين، منهم: طاوس، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، ونافع، وغيرهم، وعن ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق(2).
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإن من السنة أن يرفع المرء يديه إذا افتتح الصلاة.
واختلفوا في رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، فقالت طائفة: يرفع المصلي يديه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، روي هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن التابعين، ومن بعدهم. روينا ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وابن الزبير، وأنس بن مالك. وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع، كأنها المراوح.
وروي ذلك عن الحسن البصري، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، ومجاهد،--------------------------------------------
(1) "التمهيد" جـ 9 ص 219 - 221.
(2) "المجموع" جـ 3 ص 399.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 52)
ونافع، وابن أبي نجيح، وقتادة، والحسن بن مسلم، والقاسم بن محمَّد، ومكحول، وعبد الله بن دينار، وسالم، ونافع، وابن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن أبي عديّ، ومعاذ بن معاذ العنبري، وعبد الوهاب الثقفي، وصفوان بن عيسى، وروح بن عبادة، وعمربن علي بن مقدام(1)، وعبد الملك ابن الصباح، وزهير بن نعيم، البابي(2)، وحماد بن مسعدة، وأزهر السمان، وأبي داود الطيالسي، وعثمان بن عمر البكراوي، ووهب ابن جرير بن حازم، وبهز، والمعلي بن أسد، وأبي قتيبة، وأبي عبد الرحمن المقرئ، ويحيى بن حماد، ويحيى بن أبي الحجاج المنقري، وأيوب بن المتوكل، ويعقوب بن إسحاق المقرئ، وعبيد الله بن عمر القواريري، وسليمان بن حرب، وأبي الوليد الطيالسي، وعمر بن عون الواسطي، والحميدي، ومسدد، وعلي بن المديني.
وحكى يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن مالك أنه سئل هل يرفع يديه في الركوع في الصلاة؟ قال: نعم، فقيل: وبعد أن يرفع رأسه من الركوع؟ قال: نعم. قال: وهذا في سنة خمس وسبعين. قال يونس: وهي آخر سنة فارق فيها ابن وهب مالكا.
وقال الأوزاعي: الذي بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما عليه أهل الحجاز، والشام، والبصرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة، ويرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، إلا أهل الكوفة، فإنهم خالفوا في ذلك.
وممن قال بمثل ما ذكرناه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين: الليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى(3).
وقال الإمام أبو عبد الله البخاري: يُرْوَى هذا الرفعُ عن سعبة عشر نفسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم: أبو قتادة الأنصاري، وأبو أسيد الساعدي البدري، ومحمد بن مسلم البدري، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، ووائل بن حجر، ومالك بن--------------------------------------------
(1) هكذا نسخة "الأوسط"، "عمر بن علي بن مقدام". ولعل الصواب "عمر بن علي بن عطاء بن مُقَدَّم". فليحرر.
(2) نسبة إلى باب الأبواب، موضع بالثغور، وهي مدينة دربند المعروفة.، انتهى "الأنساب" جـ 1ص 244. و"اللباب" جـ 1 ص 102.
(3) "الأوسط" جـ 3 ص 137 - 147.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 53)
الحويرث، وأبو موسى الأشعري، وأبو حميد الساعدي رضي الله عنهم.
قال: وقال الحسن، وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم، فلم يستثن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال البخاري: ولم يثبت عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يرفع يديه، قال: وروينا الرفع أيضًا عن عدة من علماء أهل مكة، وأهل الحجاز، وأهل العراق، والشام، والبصرة، واليمن، وعدة من أهل خراسان، منهم: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والقاسم بن محمَّد، وسالم بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، والنعمان بن أبي عياش، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، ومكحول، وعبد الله بن دينار، ونافع، وعبيد الله بن عمر، والحسن بن مسلم، وقيس بن سعد، وعدة كثيرة.
وكذلك يروى عن أم الدرداء رضي الله عنها أنها كانت ترفع يديها. وكان ابن المبارك يرفع يديه، وكذلك عامة أصحابه، منهم: علي بن حسين، وعبد الله بن عمر، ويحيى بن يحيي. ومحدثي أهل بخارى، منهم عيسى بن موسى، وكعب بن سعيد، ومحمد بن سلام، وعبد الله بن محمَّد المسندي، وعدة ممن لا يحصى، لا اختلاف بين من وصفنا من أهل العلم، وكان عبد الله بن الزبير -يعني الحميدي شيخه- وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم يثبتون هذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرونها حقا، وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم. هذا كلام البخاري(1).
ونقله البيهقي عن هؤلاء الصحابة المذكورين، قال: وروينا عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطّاب، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وعبد الله ابن جابر البياضي الصحابيي رضي الله عنهم. ثم رواه عن هؤلاء التابعين الذين ذكرهم البخاري، قال: وروينا أيضًا عن أبي قلابة، وأبي الزبير، ومالك، والأوزاعي، والليث، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن المبارك، ويحيى بن يحيي، وعدة كثيرة من أهل الآثار بالبلدان، فهؤلاء هم أئمة الإسلام شرقا وغربا في كل عصر(2).
(قال الجامع عفا الله عنه): أما حجج الجمهور لمشروعية رفع اليدين في هذه المواضع فأحاديث كثيرة صحيحة، تقدم بعضها في أوائل "كتاب الافتتاح"، فلا حاجة إلى سردها، فإن شهرتها تغني عن ذلك. وإنما الحاجة في ذكر أدلة القائلين بعدم--------------------------------------------
(1) "جزء رفع اليدين" ص 16 - 30 بنسخة تحقيق الشيخ أبي محمَّد بديع الدين السندي.
(2) انظر "المجموع" برقم ص 399 - 400.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 54)
المشروعية، ومناقشتها، على ما حققه المنصفون ممن لم يتأثر بالتعصب المذهبي، فأذكر ذلك هنا بعون الله صلى الله عليه وسلم، فأقول:
ذكر مذهب القائلين بعدم مشروعية الرفع إلا في تكبيرة الإحرام، ومناقشة أدلتهم:
قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى بعد إخراج حديث ابن مسعود رضي الله عنه المذكور في الباب: ما نصّه: وبه يقول غير واحد من أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، وهو قول سفيان، وأهل الكوفة. انتهى.
وقال النوويّ رحمه الله: وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى، وسائر أصحاب الرأي: لا يرفع يديه في الصلاة إلا لتكبيرة الإحرام، وهي أشهر الروايات عن مالك.
وأما القائلون بعدم المشروعية، فاحتجوا على ذلك بحديث ابن مسعود رضي الله عنه المذكور في الباب، وقد عرفت ما فيه.
واحتجوا أيضا بحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما عند أبي داود، والدارقطني بلفظ: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لم يعد". وهو من رواية يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه.
وقد اتفق الحفاظ أن قوله: "ثم لم يعد" مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد. وقد رواه بدون ذلك شعبة، والثوري، وخالد الطحان، وزهير، وغيرهم من الحفاظ. وقال الحميدي: إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يزيد. وقال عثمان الدارمي عن أحمد بن حنبل: لا يصح، وكذا ضعفه البخاري، وأحمد، ويحيى، والدارمي، والحميدي، وغير واحد.
قال يحيي بن محمَّد بن يحيي: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: هذا حديث واهٍ، وكان يزيد يحدث به بُرهَةً من دهره لا يقول فيه: "ثم لا يعود"، فلما لقنوه(1) تلقن، وكان يذكرها. وقال البيهقي: رواه محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، واختلف عليه فيه، فقيل: عن أخيه عيسى، عن أبيهما، وقيل: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، وقيل: عن يزيد بن أبي زياد. قال عثمان الدارمي: لم يروه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحد أقوى من يزيد بن أبي زياد. وقال البزار: لا يصح قوله في الحديث: "ثم لا يعود". وروى الدارقطني من طريق علي بن عاصم، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن يزيد بن أبي زياد هذا الحديث، قال علي بن عاصم: فقدمت الكوفة، فلقيت يزيد ابن أبي زياد، فحدثني به، وليس فيه؛ "ثم لا يعود"، فقلت له: إن ابن أبي ليلى حدثني--------------------------------------------
(1) يعني أهل الكوفة.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 55)
عنك، وفيه "ثم لا يعود"، قال: لا أحفظ هذا. وقال ابن حزم: إن صح حديث يزيد دلّ على أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز، فلا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر، وغيره(1).
واحتجوا أيضًا بأحاديث أخرى:
(منها): ما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود". رواه البيهقي في "الخلافيات"، وهو مقلوب موضوع.
(ومنها): ما روي عن أنس رضي الله عنه: "من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له". رواه الحاكم في "المدخل"، وقال: إنه موضوع. وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله. رواه ابن الجوزي في "الموضوعات"، وسبقه بذلك الجوزقاني.
(منها): ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة، وترك ما سوى ذلك". قال ابن الجوزي في "التحقيق": هذا الحديث لا أصل له، ولا يعرف من رواه، والصحيح عن ابن عباس خلافه. وعن ابن الزبير رضي الله عنهما نحوه. قال ابن الجوزي: لا أصل له، ولا يعرف من رواه، والصحيح عن ابن الزبير خلافه. وقال ابن الجوزي: وما أبلد من يحتج بهذه الأحاديث ليعارض بها الأحاديث الثابتة(2).
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: ولا يخفى على المنصف أن هذه الحجج التي أوردوها منها ما هو متفق علهى ضعفه، وهو ما عدا حديث ابن مسعود منها كما بينا، ومنها ما هو مختلف فيه، وهو حديث ابن مسعود رضي الله عنه لما قدمنا من تحسين الترمذي، وتصحيح ابن حزم له، ولكن أين يقع هذا التحسين، والتصحيح من قدح هؤلاء الأئمة الأكابر فيه، غاية الأمر، ونهايته أن يكون ذلك الاختلاف موجبا لسقوط الاستدلال به، ثم لو سلمنا صحة حديث ابن مسعود، ولم نعتبر بقدح أولئك الأئمة فيه فليس بينه وبين الأحاديث المثبتة للرفع في الركوع، والاعتدال منه تعارض؛ لأنها متضمنة للزيادة التي لا منافاة بينها وبين المزيد، وهي مقبولة بالإجماع، لا سيما وقد نقلها جماعة من الصحابة، واتفق على إخراجها الجماعة:
فمن جملة من رواها ابن عمر كما تقدم، وعمر كما أخرجه البيهقي، وابن أبي حاتم، وعلي، كما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، ووائل بن حجر، كما عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه. ومالك بن الحويرث، عند--------------------------------------------
(1) "التلخيص الحبير" ج 1 ص 221 - 222.
(2) المصدر المذكور.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 56)
الشيخين، وأنس بن مالك عند ابن ماجه. وأبو هريرة، كما عند أبي داود، وابن ماجه. وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، عند ابن ماجه. وأبو موسى الأشعري عند الدارقطني، وجابر عند ابن ماجه، وعمير الليثي عند ابن ماجه أيضا، وابن عباس عند ابن ماجه أيضا، وله طرق أخرى عند أبي داود، فهؤلاء أربعة عشر من الصحابة، ومعهم أبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة، كما سيأتي، فيكون الجميع خمسة وعشرين، أو اثنين وعشرين، إن كان أبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة من العشرة المشار إليهم في رواية أبي حميد، كما في بعض الروايات.
فهل رأيتَ أعجب من معارضة رواية مثل هؤلاء الجماعة بمثل حديث ابن مسعود السابق مع طعن أكثر الأئمة المعتبرين فيه، ومع وجود مانع عن القول بالمعارضة، وهو تضمن رواية الجمهور للزيادة، كما تقدم. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى بتصرف(1).
وقال العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما تقدم: ما نصّه: فثبت بهذا كله أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه ليس بصحيح، ولا بحسن، بل ضعيف، لا يقوم بمثله حجة. وأما تحسين الترمذي له فلا اعتماد عليه لما فيه من التساهل. وأما تصحيح ابن حزم، فالظاهر أنه من جهة السند، ومن المعلوم أن صحة السند لا تستلزم صحة المتن، على أن تصحيح ابن حزم لا اعتماد عليه أيضا في جنب تضعيف هؤلاء الحفاظ النقاد، فالاستدلال بهذا الحديث الضعيف على ترك رفع اليدين، ونسخه في غير الافتتاح ليس بصحيح. ولو تنزلنا، وسلمنا أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا صحيح، أو حسن، فالظاهر أن ابن مسعود رضي الله عنه قد نسيه، كما قد ينسى أمورا كثيرة.
قال الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" نقلا عن صاحب "التنقيح": ليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب، فقد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعدُ، وهما المعوذتان. ونسي ما اتفق العلماء على نسخه، كالتطبيق. ونسي كيف قيام الاثنين خلف الإمام؟. ونسي ما لم يختلف العلماء فيه، "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر في وقتها. ونسي كيفية جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة. ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود. ونسي كيف كان يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3)} [الليل: 3].
وإذا جاز على ابن مسعود رضي الله عنه أن ينسى مثل هذا في الصلاة كيف لا يجوز مثله في--------------------------------------------
(1) "نيل الأوطار" جـ 2 ص 210 - 211.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 57)
رفع اليدين. انتهى.
[قال الجامع عفا الله عنه]: في دعوى نسيان بعض ما ذكر نظر، لا يخفى. والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال المباركفوري رحمه الله: ولو سلم أن ابن مسعود لم ينس في ذلك، فأحاديث رفع اليدين في المواضع الثلاثة مقدمَة على حديث ابن مسعود، لأنها قد جاءت عن عدد كثير من الصحابة رضي الله عنهم حتى قال السيوطي رحمه الله: إن حديث الرفع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال العيني رحمه الله في شرح البخاري: إن من جمله أسباب الترجيح كثرة عدد الرواة، وشهرة المروي، حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد، والآخر يرويه اثنان، فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل به. انتهى.
وقال الحافظ الحازمي في "كتاب الاعتبار": ومما يرجح به أحد الحد يثين على الآخر كثرة العدد في أحد الجانبين، وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو التواتر انتهى.
ثم حديث ابن مسعود لا يدل على نسخ رفع اليدين في غير الافتتاح، بل إنما يدل على عدم وجوبه، كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث البراء رضي الله عنه المتقدم.
هذا كله على تقدير التنزل، وإلا فحديث ابن مسعود ضعيف، لا تقوم به حجة كما عرفت.
وقال أيضا(1): واستدلوا أيضا -يعني القائلين بعدم الرفع- بأثر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، رواه الطحاوي، وأبو بكر بن أبي شيبة عن الأسود، قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود.
قلت(2): فيه أن هذا الأثر بهذا اللفظ غير محفوظ. قال الحافظ ابن حجر في "الدراية": قال البيهقي، عن الحاكم: رواه الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر ابن عليّ بلفظ: "كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود". وقد رواه الثوري، عن الزبير بن عديّ، بلفظ: "كان يرفع يديه في التكبير"، ليس فيه "ثم لا يعود". وقد رواه الثوري، وهو المحفوظ.(3) انتهى.--------------------------------------------
(1) أي العلامة المباركفوري رحمه الله.
(2) القائل المباركفوري رحمه الله.
(3) هكذا في نسخة "الدراية" جـ 1 ص 152 "وقد رواه الثوري" الخ. ولعل الصواب: وما رواه الثوري هو المحفوظ. والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 58)
ثم هذا الأثر يعارضه رواية طاوس، عن ابن عمر أن عمر كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه.
قال الزيلعي في "نصب الراية": واعترضه الحاكم بأن هذه الرواية شاذة، لا يقوم بها الحجة، فلا تُعَارَض بها الإخبار الصحيحة عن طاوس بن كيسان، عن ابن عمر: أن عمر كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه انتهى. وقال الحافظ في "الدراية": ويعارضه رواية طاوس، عن ابن عمر: كان(1) يرفع يديه في التكبير، وعند الرفع منه انتهى.
واستدلوا أيضا بأثر علي رضي الله عنه، رواه الطحاوي، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن عاصم بن كليب، عن أبيه أن عليا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعدُ. قال الزيلعي: هو أثر صحيح. وقال العيني في "عمدة القاري": إسناد عاصم بن كليب صحيح على شرط مسلم.
قلت(2): أثر علي رضي الله عنه هذا ليس بصحيح، وإن قال الزيلعي: هو أثر صحيح. وقال العيني: إسناده صحيح على شرط مسلم.
قال الإمام البخاري في "جزء رفع اليدين": قال عبد الرحمن بن مهدي: ذكرت للثوري حديث النهشلي، عن عاصم بن كليب، فأنكره. انتهى.
وانفرد بهذا الأثر عاصم بن كليب، قال الذهبي في "الميزان": كان من العباد الأولياء، لكنه مرجىء، وثقه يحيي بن معين، وغيره، وقال ابن المديني: لا يحتج بما انفرد به. انتهى.(3)
ولو سلم أن أثر علي هذا صحيح، فهو لايدل على النسخ كما زعم الطحاوي وغيره. قال صاحب "التعليق الممجد" من العلماء الحنفية: ذكر الطحاوي بعد روايته عن علي: لم يكن علي ليرى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع، ثم يترك إلا وقد ثبت عنه نسخه. انتهى: وفيه نظر، فقد يجوز أن يكون ترك علي، وكذا ترك ابن مسعود، وترك غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم إن ثبت عنهم لأنهم لم يروا الرفع سنة مؤكدة، يلزم الأخذ بها، ولا ينحصر ذلك في النسخ، بل لا يجترأ بنسخ أمر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد حسن الظن بالصحابي، مع إمكان الجمع بين فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله. انتهى كلام "صاحب التعليق الممجد".
واستدلوأ أيضا بأثر ابن عمر رواه الطحاوي، وأبو بكر بن أبي شيبة، والبيهقي في--------------------------------------------
(1) الضمير في "كان" لعمر رضي الله عنه، أي قال ابن عمر: كان عمر يرفع الخ.
(2) القائل المباركفوري.
(3) "ميزان الاعتدال" جـ 2 ص 356.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 59)
"المعرفة" عن مجاهد، قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة.
قلت: أثر ابن عمر هذا ضعيف من وجوه:
(الأول): أن في سنده أبا بكر بن عياش، وكان تغير حفظه بآخره. (والثاني): أنه شاذ، فإن مجاهدا خالف أصحاب ابن عمر، وهم ثقات، حفاظ. (والثالث): أن إمام هذا الشأن يحيي بن معين قال: حديث أبي بكر، عن حصين، إنما هو توهم منه، لا أصل له. قال الإمام البخاري في "جزء رفع اليدين": ويروى عن أبي بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد أنه لم ير ابن عمر رفع يديه إلا في أول التكبير، وروى عنه أهل العلم أنه لم يحفظ عن ابن عمر، إلا أن يكون سها، ألا ترى أن ابن عمر كان يرمي من لا يرفع يديه بالحصى، فكيف يترك ابن عمر شيئًا يأمر به غيره، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعله. قال البخاري: قال يحيى بن معين: حديث أبي بكر، عن حصين إنما هو توهم منه، لا أصل له. انتهى مختصرا.
وقال البيهقي في "كتاب المعرفة": حديث أبي بكر بن عياش هذا أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، فذكره بسنده، ثم أسند عن البخاري أنه قال: أبو بكر بن عياش اخلتط بآخره، وقد رواه الربيع، والليث، وطاوس، وسالم، ونافع، وأبو الزبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم، قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر، وإذا رفع، وكان يرويه أبو بكر قديما عن حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود مرسلا موقوفا: أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعها بعدُ. وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عياش، والأول خطأ فاحش، لمخالفته الثقات من أصحاب ابن عمر. قال الحاكم: كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، ثم اختلط حين(1) ساء حفظه، فروى ما خولف فيه، فكيف يجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف، أو نقول: إنه ترك مرة للجواز، إذ لا يقول بوجوبه. ففعله يدلّ على أنه سنة مؤكدة، وتركه يدلّ على أنه أمر غير واجب. انتهى. كذا في "نصب الراية"(2).
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وأما الحنفية، فعولوا على رواية مجاهد أنه صلى خلف ابن عمر، فلم يره يفعل ذلك، وأجيبوا بالطعن في إسناده؛ لأن أبا بكر بن عياش راويه ساء حفظه بآخره، وعلى تقدير صحته، فقد أثبت ذلك سالم، ونافع،--------------------------------------------
(1) هكذا نسخة "تحفة الأحوذي"، وفي "نصب الراية": ثم اختلط حين نسي حفظه. اهـ قلت: لعل الصواب: حتى ساء حفظه. والله أعلم.
(2) جـ 1 ص 409.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 60)
وغيرهما، والعدد الكثير أولى من واحد، لا سيما وهم مثبتون، وهو ناف، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يره واجبا، ففعله تارة، وتركه أخرى. انتهى كلام الحافظ.
وقال الفاضل اللكنوي في تعليقه على "موطإ محمَّد": المشهور في كتب أصول أصحابنا: إن مجاهدا قال: صحبت ابن عمر عشر سنين، فلم أره يرفع يديه إلا مرة، وقالوا: قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركه، والصحابي الراوي إذا ترك مرويّا ظاهرا في معناه غير محتمل للتأويل يسقط الاحتجاج بالمروي، وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد أنه قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم قال: فهذا ابن عمر قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع، ثم قد ترك هو الرفعَ بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخه، وها هنا أبحاث:
(الأول): مطالبة إسناد ما نقلوه عن مجاهد من أنه صحب ابن عمر عشر سنين، ولم يره فيها يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى.
(والثاني): المعارضة بخبر طاوس وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع.
(والثالث): أن في طريق الطحاوي أبا بكر بن عياش، وهو متكلم فيه، لا توازي روايته رواية غيره من الثقات.
قال البيهقي في "كتاب المعرفة" بعد ما أخرج حديث مجاهد من طريق ابن عياش: قال البخاري: أبو بكر بن عياش اختلط بآخره، وقد رواه الربيع، وليث، وطاوس، وسالم، ونافع، وأبو الزبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم، قالوا؛ رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر، وإذا رفع. ثم ذكر كلام البيهقي إلى آخر ما نقلته فيما تقدم، ثم قال: (فإن قلت) آخذا من شرح "معاني الآثار": إنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاوس قبل أن تقوم الحجة بنسخه، ثم لما ثبتت الحجة بنسخه عنده تركه، وفعل ما ذكره مجاهد.
(قلتُ): هذا مما لا تقوم به الحجة، فإن لقائل أن يعارض، ويقول: يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع، ثم لما ثبت عنده التزم الرفع. على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل، فلا يسمع.
[فإن قال قائل]: الدليل هو خلاف الراوي مرويه.
[قلنا]: لا يوجب ذلك النسخ، كما مر.
(والرابع): وهو أحسنها أنا سلمنا ثبوت الترك عن ابن عمر، لكن يجوز أن يكون
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 61)
تركه لبيان الجواز، أو لعدم رؤية الرفع سنة لا زمة، فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(والخامس): أن ترك الراوي مرويه إنما يكون مسقطا للاحتجاج عند الحنفية إذا كان خلافه بيقين، كما هو مصرح في كتبهم، وها هنا ليس كذلك، لجواز أن يكون الرفع الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله ابن عمر على العزيمة، وترك أحيانا بيانا للرخصة، فليس تركه خلافا لروايته بيقين. انتهى ما في "التعليق الممجد"(1).
واستدلوا أيضًا بحديث جابر بن سمرة رضي الله عنها، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شُمْس، اسكنوا في الصلاة". رواه مسلم.
والجواب أنه لا دليل فيه على منع الرفع على الهيئة المخصوصة في المواضع المخصوصة، وهو الركوع، والرفع منه؛ لأنه مختصر من حديث طويل، وبيان ذلك أن مسلما رواه أيضا من حديث جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: "على مَ تُومِئُون بأيديكم، كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما كان يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه، ومن عن شماله". وفي رواية: "إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومي بيديه". وقال ابن حبان: "ذكر الخبر المتقصي للقصة المختصرة المتقدمة بأن القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت عند الركوع"، ثم رواه كنحو رواية مسلم. قال البخاري من احتج بحديث جابر بن سمرة على منع الرفع عند الركوع، فليس له حظ من العلم، هذا مشهور، لا خلاف فيه أنه إنما كان في حال التشهد. كذا في "التلخيص الحبير"(2).
وقال الزيلعي في "نصب الراية" بعد ذكر حديث جابر بن سمرة المختصر المذكور: ما ملخصه: واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين، فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سمرة، فذكر حديثه المختصر، وقال: وهذا إنما كان في التشهد، لا في القيام، ففسره رواية عبد الله بن القبطية، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثه الطويل المذكور، ثم قال البخاري، ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه؛ لأنه لم يستثن رفعا دون رفع، بل أطلق. انتهى.--------------------------------------------
(1) راجع "التعليق الممجد على موطأ محمَّد" جـ 1 ص 382 - 399.
(2) جـ 1 ص 221.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 62)
قال الزيلعي: ولقائل أن يقول: إنهما حديثان، لا يفسر أحدهما بالآخر، كما جاء في لفظ الحديث الأول: "اسكنوا في الصلاة"، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع،
والسجود، ونحو ذلك، هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقعت، كما شاهده، وروى الآخر في وقت آخر، كما شاهده، وليس في ذلك بُعْدٌ. انتهى(1).
قال المباركفوري: لم يُجِب الزيلعي عن قول البخاري: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه. فما هو جوابه عنه، فهو جوابنا عن الرفع عند الركوع، والرفع منه.
وأما قوله: والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، فهو ممنوع، بل الذي يرفع يديه قبل الفراغ، والانصراف من الصلاة، وإن كان حال التسليم الأول والثاني يقال له: اسكن في الصلاة، فإن الفراغ والانصراف منها إنما يكون بالفراغ من التسليم الثاني، فما لم يفرغ من التسليم الثاني هو في الصلاة. انتهى المقصود من كلام المباركفوري رحمه الله تعالى.(2)
قال العلامة اللكنوي رحمه الله عند قوله محمَّد بن الحسن: "وفي ذلك آثار كثيرة". أي في عدم رفع اليدين إلا مرة آثار كثيرة عن جماعة من الصحابة:
منهم: ابن عمر، وعلي، وابن مسعود، وقد تقدم الكلام على أثرهم.
ومنهم: أبو سعيد الخدري، أخرج البيهقي عن سوّار بن مصعب، عن عطية العوفي أن أبا سعيد الخدري، وابن عمر رضي الله عنهم كانا يرفعان أيديهما أولّ ما يكبران، ثم لا يعودان، وأعله البيهقي بأن عطية سيء الحال، وسوّار أسوأ منه. قال البخاري: سوار منكر الحديث. وعن ابن معين: غير محتج به.
ويخالف هذا الأثر ما أخرجه البيهقي عن ليث، عن عطاء، قال: رأيت جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبا سعيد، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا هريرة رضي الله عنهم يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا. وفيه ليث ابن أبي سليم مختلف فيه.
وأخرج أيضًا عن سعيد بن المسيّب، قال: رأيت عمر يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وفي سنده من استُضعف.
ومنهم: عبد الله بن الزبير، كما حكاه صاحب "النهاية" وغيره من شراح "الهداية" أنه--------------------------------------------
(1) جـ 1 ص 393.
(2) راجع "تحفة الأحوذي" جـ 2 ص 104 - 113.
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 63)
رأى رجلا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع، وعند الرفع منه، فقال له: لا تفعل، فإن هذا شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تركه، لكن هذا الأثر لم يجده المخرجون مسندا في كتب الحديث، مع أنه أخرج البخاري في رسالة "رفع اليدين" عن عبد الله بن الزبير أنه كان يرفع يديه عند الخفض والرفع، وكذا أخرجه عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وجابر، وأبي هريرة، وأنس رضي الله عنهم أنهم كانوا يرفعون أيديهم.
وأخرج البيهقي عن الحسين، قال: سألت طاوسًا عن رفع اليدين في الصلاة؟ فقال: رأيت عبد الله بن عباس، وابنَ الزبير، وابنَ عمر يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا سجدوا.
وأخرج أيضا عن عبد الرزاق، قال: ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج، رأيته يرفع يديه إذا افتتح، وإذا ركع، وإذا رفع، وأخذ ابن جريج صلاته عن عطاء بن أبي رباح، وأخذ عطاء، عن عبد الله بن الزبير، وأخذ ابن الزبير، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
ومنهم: ابن عباس حكى عنه بعض أصحابنا -يعني الحنفية- أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه كلما ركلع، وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة، وترك ما سوى ذلك. لكنه أثر لم يثبته المحدثون، والثابت عندهم خلافه. قال ابن الجوزي في "التحقيق" بعد ذكر ما حكاه أصحابنا، عن ابن عباس، وابن الزبير: هذان الحديثان لا يرفان أصلا، وإنما المحفوظ عنهما خلاف ذلك، فقد أخرج أبو داود عن ميمون أنه رأى ابن الزبير يشير بكفيه حين يقوم، وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام، فانطلقت إلى ابن عباس، فقلت: إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا يصليها، فوصفت له، فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير. انتهى.
ورده العيني بأن قوله: لا يعرفان. لا يستلزم عدم معرفة أصحابنا هذا، ودعوى النافي ليست بحجة على المثبت، وأصحابنا أيضًا ثقات، لا يرون الاحتجاج بما لم يثبت عندهم صحته. انتهى.
قال اللكنوي رحمه الله: وفيه نظر ظاهر، فإنه ما لم يوجد سند أثر ابن عباس، وابن الزبير في كتاب من كتب الأحاديث المعتبرة كيف يعتبر به بمجرد حسن الظن بالناقلين، مع ثبوت خلافه عنهما بالأسانيد العديدة.
ومنهم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه أخرجه الدارقطني، وابن عدي عن محمَّد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبرااهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة. وفيه
(খণ্ড: 13) (পৃষ্ঠা: 64)