أولاً: تقسيم اليهود من حيث الطبقات الاجتماعية.
وكما أنه يوجد تفكك اجتماعي وطبقي وعنصري داخل المجتمع اليهودي فلهم تقسيم آخر داخل مجتمعهم فليس كل اليهود في مرتبة واحدة فهم ينقسمون إلى ما يلي: "
1 - يهود من الدرجة الأولى: وهم اليهود الغربيين الذين نزحوا من أوروبا الغربية، ومن أمريكا ومن غيرها، ويسمونهم الإيشكانزم (1) ، وهي مشتقة من كلمة إشكناز أي: يهود غربيون، ويقصد باليهود الغربيون حديثاً هم: " اليهود الذين هاجروا من العالم الغربي إلى إسرائيل (دولة الكيان الصهيوني) ، ولما كانت أغلبيتهم من الإشكناز، أي من يهود بولندا ذوي الأصول الألمانية، فإن مصطلح (اليهود الغربيون) أصبح مرادفاً لمصطلح الإشكناز.
يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري (2): ومصطلح (اليهود الغربيون) يظل مقابل (اليهود الشرقيون)؛ لأنه هو المصطلح الأدق والأشمل؛ ولأنه يشير إلى الانتماء العرْقي والحضاري والإثني (3)
لهؤلاء اليهود.--------------------------------------------
(1) الإشكناز: هم يهود فرنسا وألمانيا وبولندا. و «إشكناز»، حسب الرواية التوراتية، اسم أحد أحفاد نوح، ومن المحتمل أن تكون الكلمة قد استُخدمت للإشارة إلى قبيلة ظهرت في زمن أسرحدون تَحالَف أعضاؤها مع آشور، وأما الاشتقاق الحالي لكلمة إشكناز، فهو بمعنى «ألمانيا».انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (3/ 333) مرجع سابق.
(2) الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري، مفكر عربي إسلامي. وُلد في دمنهور عام 1938 م، التحق عام 1955 بجامعة الإسكندرية وعُين معيدًا فيها عند تخرجه، حصل على درجة الماجستير عام 1964 م من جامعة كولومبيا ثم على درجة الدكتوراه عام 1969 م من جامعة رَتْجَرز Rutgers مرحلة الجذور. درس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية وإسلامية كجامعة الملك سعود، أكاديمية ناصر العسكرية، وجامعة ماليزيا الإسلامية، عمل مستشارًا ثقافيًا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975 - 1979). له عدة مؤلفات أشهرها: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، نموذج تفسيري جديد ثمانية مجلدات، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة جزأين، والحداثة وما بعد الحداثة، توفي رحمه الله في الثالث من يوليو عام 2008 م. انظر: موقع الدكتور عبد الوهاب المسيري (http://www.elmessiri.com/).
(3) هو اليهودي الذي يرى أن يهوديته لا تنبع من إيمانه بالقيم الدينية والأخلاقية اليهودية وإنما من الإثنية اليهودية، أي من موروثه الثقافي. وتُستخدَم كلمة «إثنية» للإشارة إلى الجماعة الإنسانية التي قد لا يربطها بالضرورة رباط عرْقي ولكنها جماعة تشعر بأن لها هوية مشتركة تستند إلى تراث تاريخي مشترك ومعجم حضاري واحد. وكلمة «حضارة» تشير إلى كل فعل إنساني وكل ما هو ليس بطبيعة، مثل: الأزياء وطرق حلاقة الشعر، وطريقة تنظيم المجتمع، والرقص. ومن أهم العناصر الإثنية، اللغة والأدب. ويمكن أن يكون الدين عنصراً من بين هذه العناصر الإثنية فينظر المرء دون أن يؤمن بالإله، إلى الشعائر الدينية بوصفها تعبيراً عن الهوية، تماماً مثل الرقص والطعام .. ويستطيع المرء أن يشير إلى طعام إثني (بمعنى أنه يُعبِّر عن هويته) ، وعلى أية حال، فإن الإثنية اليهودية هي مجموعة الصفات المحددة التي يُفترَض أنها تشكل ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» من منظور إثني. انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (6/ 7980) مرجع سابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
2 - يهود من الدرجة الثانية: وهم من أوروبا الشرقية ويسمونهم: اسفادرم (وهي مشتقة من كلمة سفارد أي: يهود شرقيون) ، وهؤلاء يشملون يهود الشرق والعالم الإسلامي والعربي، والجماعات اليهودية المتفرقة، واليهود الشرقيون هم: "أولئك اليهود الذين اتجهوا، عندما غادروا فلسطين قديماً، إلى العراق وإيران وأفغانستان وشبه الجزيرة العربية ومصر وبلدان شمال أفريقيا، وعلى يهود القوزاق (يهود جورجيا والجبال) ، ولكنه يشير الآن، في التجمع الاستيطاني الصهيوني، إلى اليهود الذين لا ينحدرون من أصل غربي، وقد أصبح لفظ سفارد مرادف للفظ شرقيين؛ لأن معظم اليهود الشرقيين، في البلاد العربية على وجه الخصوص، يتبعون التقاليد السفاردية (1) في العبادة، ولكن مصطلح سفارد غير دقيق، فبعض اليهود الغربيين في هولندا وإنجلترا وإيطاليا من السفارد" (2).
وأما اليهود الشرقيون العرب: فهم الذين عاشوا في البلدان العربية، ويتمتعون بحق المواطنة، وقد أُجبروا على الهجرة إلى إسرائيل (دولة الكيان الصهيوني)، من خلال ما كان يدبره الموساد الإسرائيلي، من افتعال أزمات لإرغامهم على المغادرة، وبقي جزء منهم في البلدان العربية إلى الآن" (3).
3 - يهود من الدرجة الثالثة: وهم اليهود القادمون من أفريقيا ومن بعض الدول العربية، وهم دون سابقيهم في الطبقة" (4).
ولكننا ننبه هنا على أنه" لا يوجد اختلاف جوهري بين السفارد والإشكناز اليهود الشرقيين والغربيين في العقائد، فكلهم يعتبر أن التلمود البابلي هو المرجع النهائي" (5)--------------------------------------------
(1) والمقصود بالسفارد: اليهود الشرقيين. وتُستخدَم الكلمة في الوقت الحاضر للإشارة إلى اليهود الذين عاشوا أصلاً في إسبانيا والبرتغال، مقابل الإشكناز الذين كانوا يعيشون في ألمانيا وفرنسا ومعظم أوربا. المرجع: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (3/ 323) مرجع سابق.
(2) انظر: موسوعة اليهود واليهودية، (3/ 319 - 342) مرجع سابق.
(3) انظر: كتاب نهاية إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية دراسة تحليلية في القرآن والسنة والتوراة والإنجيل، (ص: 136) المؤلف: خالد عبد الواحد، مصدر الكتاب: index.him/kalwid.freeservers.com.
(4) انظر: واقع اليهود وحقيقتهم، (1/ 4).
(5) انظر: موسوعة اليهود واليهودية، (3/ 329) مرجع سابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وكل هذه الطبقات لها توجهات وثقافات متباينة في هذا العصر على النحو التالي:
أ- المتحرَّرون: وأغلبهم من يهود الغرب، ومهمتهم تنفيذ ما جاء في بروتوكولات حكماء صهيون، بهدف السيطرة على العالم اقتصادياً وسياسياً، بحيث يتحكمون بالأمة، ويضعون الدساتير ويرسمون السياسات، ويُنصَّبون مَلِكاً من أنفسهم، يأمر فيُطاع، ويكون بمثابة الإله على الأرض، فيُصبح اليهود أسياداً، وبقية خلق الله بلا استثناء يكونون عبيداً لهم (1).
ب- العلمانيون:
وأغلبهم من يهود الشرق الأوروبي، ومهمتهم هي تنفيذ أهداف الحركة الصهيونية السياسية، التي تلفّعت بالدين اليهودي، من أجل تحقيق أهدافها السياسية، بإيجاد غيتو (2) قومي لليهود في فلسطين، لرفع الاضطهاد والذل الذي لازمهم طيلة حياتهم، ولإيجاد موطئ قدم لهم، فنوائب الدهر الغربية غير مضمونه، فربما ينقلبون عليهم يوماً ما ويطردونهم، وهم الذين يشكّلون الأحزاب العلمانية في الدولة اليهودية.
ج- المتدينون:
وأغلبهم من يهود الشرق بما فيهم يهود البلاد العربية، وظهرت منهم حركات دينية متطرفة كثيرة، ومهمتهم هي تنفيذ الوصايا التوراتية، التي خطِّها أحبارهم القدماء على شكل نبوءات، وتتلخص في استلاب الأراضي، وتهجير السكان الوثنيين، والاستيطان، وهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل، تمهيداً كما يزعمون للملك اليهودي الداودي القادم، الذي سيأتي من ربوات القدس، ليحكم العالم إلى الأبد، فينتشر الحق والعدل والسلام اليهودي في الأرض، وهم الذين يشكّلون الأحزاب الدينية المتطرّفة.--------------------------------------------
(1) انظر: كتاب نهاية إسرائيل، (ص: 136) مرجع سابق.
(2) تشير إلى الأحياء التي أنكفأ إليها اليهود في المدن الغربية، لتجنُّب الاضطهاد، وكذلك لتجنُّب الحياة المشتركة مع "الكفار" من غير اليهود. انظر: الشرق والغرب المحددات والمؤثرات، (ص: 65) المؤلف: علي بن إبراهيم الحمد النملة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
وكل هذه الأصناف اليهودية في الحقية ليست إلا وجوهاً عديدة لعملة واحدة، هي التوراة والتلمود اللتين تعتبران أخطر وثيقتين على مستقبل البشرية والعالم، لذلك احتل التحذير من اليهود واليهودية مساحة واسعة من قرآننا العظيم (1).--------------------------------------------
(1) انظر: كتاب نهاية إسرائيل، (ص: 136 - 137) مرجع سابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
ثانياً: تقسيم اليهود على أساس ديني.
وقد انقسم اليهود على أساس ديني إلى: (إصلاحي محافظ أرثوذكسي) ، وهذا هو محل الشاهد في بحثنا، فاليهود في عصرنا الحديث ينقسمون إلى ثلاث فرق مشهورة سنتكلم عنها بصورة مختصرة وهي على النحو التالي:
أ- اليهودية الأرثوذكسية:
فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر، وجاءت كرد فعل للتيارات التنويرية والإصلاحية بين اليهود، ومصطلح أرثوذكس مصطلح مسيحي يعني: (الاعتقاد الصحيح) ، وهذه الجماعة يعتبرها اليهود بـ (الأصولية اليهودية)؛ لأنها تطبق داخل الدولة الصهيونية، باعتبارها الجماعة المتمسكة. " واليهودية الأرثوذكسية هي الامتداد الحقيقي لليهودية الحاخامية التلمودية أو جذور الفرقة الفريسية، وهذه الفرقة هي التي حفظت اليهود من الذوبان والانكماش بمحافظتها على شيء من التراث المحرف، وإذا أطلق داخل إسرائيل كلمة يهودي متدين فالمقصود به يهودي أرثوذكسي، ولا تعترف إسرائيل رسمياً إلا بهم، وهم أقوى فرقة أرثوذكسية يهودية في العالم، وهي المتواجدة في إسرائيل، وقوتها لا لكثرة أفرادها أو لتمسكهم العنيد بالتوراة والتلمود وحذافير قوانينها؛ وإنما لتمتعهم بالدعم السياسي والحكومي للدولة، فالدولة الإسرائيلية، لا تعترف بأية ملة سوى الملة الأرثوذكسية، وقد أضحى رواد هذه الجماعة يشكلون دعاة (التيار الأرثوذكسي)، الذي أمسى يشكل أحد التيارات الرئيسية في الديانة اليهودية في العصر الحديث، وقد اعتبروا أنفسهم أوصياء على التوراة، وأمناء على تعاليمها، وحملة الديانة اليهودية الصحيحة (1).
فتبين مما سبق أن اليهودية الأرثوذكسية هي أهم الفرق اليهودية الحديثة التي لها التأثير المباشر على اليهود في قراراتهم، وفي سياساتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم؛ كونها الحاكمة لدولة الكيان الصهيوني.
ب- اليهودية الإصلاحية:
هي فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر في ألمانيا، وانتشرت منها إلى بقية أنحاء العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة، وتُسمَّى أيضاً (اليهودية الليبرالية) و (اليهودية التقدمية). وهذه المصطلحات ليست مترادفة تماماً، إذ قد يُستخدَم أحياناً مصطلح (اليهودية--------------------------------------------
(1) انظر: اليهودية الأرثوذكسية، (ص: 76 - 78) المؤلف: سائد خليل عائش، الناشر: مركز الإعلام العربي، رسالة علمية، الطبعة الأولى 1428 هـ 2007 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
الليبرالية) للإشارة إلى اليهودية الإصلاحية التي حاولت أن تحتفظ بشيء من التراث. كما استُخدم المصطلح نفسه للإشارة إلى حركة دينية أسسها كلود مونتفيوري في إنجلترا عام 1901 م وكانت متطرفة في محاولاتها الإصلاحية، أما مصطلح (اليهودية التقدمية) فهو مصطلح عام يشير إلى التيارات الإصلاحية كافة (1).
واليهود المحافظون والإصلاحيون هم الذين طوروا بعض الممارسات والشعائر الدينية اليهودية، ويمثلهم يهود أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية" (2).
فتبين من خلال ما سبق أن الحركة الإصلاحية تسعى سعيها الدؤوب لتعديل نصوص الكتاب المقدس بما يلائم قيم المجتمعات الأوربية الحديثة.
ج- اليهودية المحافظة:
وهي فرقة دينية يهودية حديثة نشأت في الولايات المتحدة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كمحاولة من جانب اليهودية للاستجابة لوضع اليهود في العصر الحديث في العالم الجديد، وهي أهم وأكبر حركة دينية يهودية في العالم، وأهم مفكريها (سولومون شختر) ولكن جذور الحركة تعود إلى ما يُسمَّى بـ (علم اليهودية) وأقطابها هم: نحمان كروكمال، وزكريا فرانكل، وهنريش جرايتس، وسولومون رابوبورت، وكلهم من المفكرين اليهود الأوربيين في القرن التاسع عشر. واليهودية المحافظة جزء من الفكر الرومانسي الغربي، وخصوصاً الألماني، وهي ليست مدرسة فكرية ولا حتى فرقة دينية محددة المعالم بقدر ما هي اتجاه ديني عام وإطار تنظيمي يضم أبرشيات وحاخامات، يسمون أنفسهم (محافظين)، ويسميهم الآخرون كذلك. فالمفكرون المحافظون يختلفون فيما بينهم حول أمور مبدئية مثل الوحي وفكرة الإله، كما يختلفون بشأن الأمور الشعائرية، ولم ينجحوا في التوصل إلى برنامج محدَّد موحَّد، وهم يرفضون ذلك بحجة أنهم ورثة اليهودية الحاخامية ككل، وبالتالي فلابد أن تُترَك الأمور لتتطور بشكل عضوي طبيعي. وفكرة التطور العضوي من الداخل إحدى الأفكار الرومانسية الأساسية، ومع هذا، فإن ثمة أفكاراً أساسية تربط أعضاء هذه الفرقة التي تُشكِّل على مستوى من المستويات ردة فعل لليهودية الإصلاحية أكثر من كونها ردة فعل لليهودية الأرثوذكسية، فقد اكتسحت اليهودية الإصلاحية يهود الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع، حتى أنه مع--------------------------------------------
(1) انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، (15/ 21) مرجع سابق.
(2) انظر: الموسوعة العربية العالمية، الإصدار الأول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
حلول عام 1881 م كانت كل المعابد اليهودية (البالغ عددها مائتي معبد) معابد إصلاحية باستثناء اثني عشر معبداً، وقد اتخذ مؤتمر بتسبرج عام 1885 م قراراته الإصلاحية الشاملة التي أعلن فيها أن كثيراً من الطقوس اليهودية، ومن ذلك الطقوس الخاصة بالطعام، مسائل نسبية يمكن الاستغناء عنها. (1)
، ويرى المحافظون أن هناك إمكانية لإدخال بعض التغييرات على القانون الديني في ضوء حاجات الشعب اليهودي الحالية، كما أن الأرثوذكس يعارضون دائماً مثل هذه التغييرات" (2)
ثالثاً: تقسيم اليهود باعتبار لغاتهم.
وأما أقسام اليهود باعتبار لغاتهم فقد انقسموا على النحو التالي:
القسم الأول: وهم "جماعة تتحدث العبرية في إسرائيل، ليس لها سوى علاقة واهية بالعقيدة اليهودية أو التاريخ اليهودي (أي تواريخ الجماعات اليهودية) وتعتمد في وجودها على حكومة الولايات المتحدة، وتَوجهها إلى التوجه الحضاري الاستهلاكي المتأمرك.
ويمكن أن نستخدم هنا اصطلاح جورج فريدمان للإشارة إلى الإسرائيليين حيث اعتبرهم (أغياراً يتحدثون العبرية).
القسم الثاني: وهم جماعة يهودية في الولايات المتحدة (تتحدث الانجليزية) وتنقسم بدورها إلى قسمين:
أ) قلة صغيرة متمسكة بتعاليم الدين اليهودي وتحاول قدر استطاعتها أن تنفذ تعاليمه، وتفهم شعائره.
ب) أغلبية باهتة الهوية، لا تمارس الشعائر الدينية، وإنما تقيم بعضها باعتبارها شكلاً من أشكال الفلكلور أي: (التراث) والهوية الإثنية، وهي تحاول رغم تزايد معدلات أمركتها أن تحافظ على بقايا الموروث الثقافي اليهودي الذي يعود بجذوره إلى شرق أوربا (3).
القسم الثالث: وهم جماعة يتكلمون بلغة أو لهجة البلاد التي يسكنون فيها:
فثمة سمات محلية أصبحت تُميِّز اليهودي العراقي -مثلاً عن اليهودي اليمني أو المغربي، ليست نتيجة احتكاكه باللغة العربية الفصحى وحسب، بل ونتيجة احتكاكه العميق باللهجة التي يتحدث بها مواطنو بلده، وفي الوقت الحاضر، بدأ السفارد يتحدثون (أساساً) لغة البلاد التي يتواجدون فيها …--------------------------------------------
(1) انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، (15/ 77) مرجع سابق ..
(2) انظر: اليهودية الأرثوذكسية، (ص: 72 - 78) مرجع سابق.
(3) انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، (3/ 328) ، (4/ 137) مرجع سابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
وكذلك يهود إيران وأفغانستان الذين يتحدثون اللغة الفارسية وغيرها من اللغات، وبعض اليهود الأكراد الذين يتحدثون الكردية (1).
لكن اليهود لا يزالون إلى اليوم يحرصون على تدريس أبنائهم اللغة العبرية، ويؤدون عباداتهم وصلواتهم بهذه اللغة كما هو الحال في منطقة ريدة محافظة عمران اليمنية (2).
وكل هذه الجماعات اليهودية الموجودة حالياً لا ترقى لأن تكون شعباً، فالشعب بُنية متجانسة ذات هوية واضحة غير ملتبسة تتأسس في وطن حقيقي، والمقصود بالوطن الحقيقي: هو امتلاك السيادة دون الاعتداء على أحد، وما نراه اليوم نقيض الشعب، حيث يظهر المال والنفوذ كهوية، وتحل سرقة بلاد الآخرين محل الوطن، ويصير التاريخُ سكيناً حادة على رقاب حامليه، وعبئاً ثقيلاً على ظهور رافعيه، بدلاً من أن يكون امتداداً راقياً للوجود البشري" (3).
الفرع الثاني: النصارى حديثاً، فرقهم، وعددهم.
أما النصارى في عصرنا الحديث فهم أكبر الديانات الموجودة حديثاً، ويطلقون على أنفسهم المسيحيين، وموقفهم من الخطاب القرآني يعتبر موقفاً سلبياً، وأصبحت القوى اليهودية تسيرهم وفق مخططها العدائي ضد الإسلام والمسلمين، وهم يمثلون ثلث سكان الأرض، وأتباعها يصلون إلى قريب المليارين نصراني منهم مليار كاثوليكي، وخمس مئة مليون بروتستانتي، ومائتين وأربعين مليون أرثوذكسي، ومائتين مليون مسيحي من الطوائف الأخرى (4) وقد انقسموا إلى ثلاث فرق دينية رئيسة، وذلك على النحو التالي:
أولاً: فرقة الكاثوليك.
الكاثوليك: وهم إتباع البابا في روما، وتسمى كنيستهم الكنيسة الغربية أو اللاتينية؛ لامتداد نفوذها إلى الغرب اللاتيني خاصة، وهم يؤمنون بالتثليث القائم على الناسوت واللاهوت،--------------------------------------------
(1) انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (3/ 478) مرجع سابق.
(2) قناة السعيدة اليمنية، برنامج في ظلال ساخنة، يهود اليمن، 13 يناير عام 2009 م (http://www.youtube.com/watch? v=Eq_IeCBgnN 8).
(3) انظر: مجلة التاريخ العربي، (1/ 11599).
(4) انظر: أطلس الأديان، (ص: 269) مرجع سابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
ويعترفون بسيادة البابا، وينتشرون في أوربا الغربية، وهناك أقليات منهم في أمريكا، وهولندا، وألمانيا، وبعض دول أفريقيا (1).
ثانياً: فرقة الأرثوذكس.
الأرثوذكس: وهم النصارى الذين يتبعون الكنيسة الشرقية في القسطنطينية، وتعمل كل كنيسة فيها على حدة، ويؤمنون بالتثليث، ولا يعترفون بالبابا، وأتباعهم في تركيا، وأوربا الشرقية وروسيا وبعض البلاد العربية كمصر والسودان والجزائر، ويدعون أرثوذكسية بمعنى أصحاب المعتقد المستقيم (2).
ثالثاً: فرقة البروتستانت.
البروتستانت: ويسمونهم الإنجيليين أي الذين يتبعون الإنجيل دون سواه_، وهم أتباع مارتن لوثر الذي ظهر في القرن السادس عشر الميلادي في ألمانيا، وهو مؤسس حركة الإصلاح الديني التي وقفت ضد الكنيسة الغربية، وأتباعهم في ألمانيا، وهولندا وبريطانيا، وأمريكا الشمالية، وسويسرا والدنمارك، وأقليات أخرى في بعض الدول، ويتفرع منها في عصرنا الحديث الطائفة التدبيرية التي يبلغ عدد أتباعها أربعين مليون نسمة والمعروفة باسم الأنجلوساكسون أي: البروتستانت البيض وهم من أكثر الطوائف تاييداً لليهود ولهم تأثير كبير في السياسة الأمريكية حديثاً (3).
والذي تبين مما سبق أن الفرق النصرانية لا تزال تمارس ما كان يمارسه أسلافهم في معتقداتهم الفاسدة والقائمة على الكفر بالله، والنيل من رسله وأنبيائه، وكذلك في بقية عباداتهم ومعاملاتهم كما سيأتي بيانه في المباحث القادمة من الفصل الثاني.--------------------------------------------
(1) انظر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، (ص: 276) المؤلف: سعود بن عبد العزيز الخلف، الناشر: مكتبة أضواء السلف، طبعة عام (1418 هـ 1997 م) ، وأطلس الأديان، (ص: 267) مرجع سابق.
(2) انظر: أطلس الأديان، (ص: 267) مرجع سابق، ودراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، (ص: 277) مرجع سابق.
(3) انظر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، (ص: 278) مرجع سابق، وأطلس الأديان، (ص: 267 - 277) مرجع سابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
الفصل الثاني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
الفصل الثاني
الخطاب القرآني لأهل الكتاب فيما يتعلق بدعوتهم إلى الدين، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالدين والدعوة إليه.
المبحث الثاني: دعوة أهل الكتاب إلى الابتعاد عن الغلو في الدين.
المبحث الثالث: دعوة أهل الكتاب إلى المجادلة والمباهلة.
المبحث الرابع: نماذج على مجادلة أهل الكتاب قديماً وحديثاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
المبحث الأول: التعريف بالدين والدعوة إليه، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الدين لغة واصطلاحاً.
الفرع الأول: تعريف الدين لغة.
الفرع الثاني: تعريف الدين اصطلاحاً.
المطلب الثاني: الدعوة إلى الإيمان بالله.
الفرع الأول: آيات الخطاب القرآني التي تأمر أهل الكتاب بالإيمان.
الفرع الأول: خلاصة أقوال المفسرين في معنى الإيمان.
المطلب الثالث: الدعوة إلى توحيد الله.
الفرع الأول: التوحيد دعوة جميع الأنبياء والمرسلين.
الفرع الثاني: آيات الخطاب التي تأمر أهل الكتاب بالتوحيد، وأقوال المفسرين فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
جاء في حديث جبريل المشهور، وسؤاله للرسول صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: {هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم} (1).
فجمع أمور الدين فيما ذكر، وقد ذكر العلماء أن هذه الثلاثة هي مراتب الدين، فالإسلام أدناها، ثم الإيمان، ثم الإحسان، إلا أن الإسلام يطلق بمعنى الدين كاملاً، وكذلك الإيمان، ولا يطلق الإحسان على هذا المعنى، ولذا فسنقوم في هذا المبحث بتعريف الدين كمرادف للإسلام والإيمان، ثم نذكر دعوة أهل الكتاب إليه في الخطاب القرآني، وعليه فسنقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الدين لغة واصطلاحاً:
الفرع الأول: تعريف الدين لغة.
ذكر علماء اللغة عدة تعريفات للدين من حيث عمومه، فمن هذه التعريفات اللغوية ما ذكره ابن فارس: "الدال والياء والنون أصلٌ واحد إليه يرجع فروعُه كلُّها. وهو جنسٌ من الانقياد والذُّل.
فالدِّين: الطاعة، يقال: دان له يَدِين دِيناً، إذا أصْحَبَ (2) وانقاد وطَاعَ. وقومٌ دِينٌ، أي مُطِيعون منقادون" (3).
وفي حديث أَبي طالب: قال له صلى الله عليه وسلم: {أُريد من قريش كلمة تَدينُ لهم بها العرب} (4) أَي: تطيعهم وتخضع لهم (5).
فالدين إذن راجع إلى معنى الانقياد والطاعة والخضوع كما يقرر ابن فارس رحمه الله تعالى، وحين ننظر في كتب معاجم اللغة نجد أنها تذكر للدين عدة معان، وهي في الحقيقة ترجع إلى المعنى الذي ذكره ابن فارس، فمن هذه المعاني:--------------------------------------------
(1) انظر: أخرجه مسلم، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى، وبيان الدليل على التّبري ممن لا يؤمن بالقدر، وإغلاظ القول في حقه (1/ 36) برقم: (8) مرجع سابق.
(2) أصحب: رباعي من باب (صحب) وهي بمعنى الانقياد والطاعة. انظر: معجم مقاييس اللغة (3/ 335)، المؤلف: أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا. دار الجيل بيروت لبنان 1420 هـ 1999 م، الطبعة: الثانية، تحقيق: عبد السلام محمد هارون.
(3) انظر: معجم مقاييس اللغة (2/ 319) مرجع سابق.
(4) انظر: صحيح وضعيف سنن الترمذي الباب رقم (3232) (7/ 232) تحقيق الألباني: ضعيف الإسناد.
(5) انظر: لسان العرب (13/ 167) المؤلف: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، الناشر: دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
الجَزَاءُ، ومنه: واللَّهُ دَيّان يَوْمِ الدِّيْنِ.
والقَضَاءُ، ومنه قَوْلِه عز وجل: {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} (1).
والطّاعَةُ، ومنه: دانُوا له، أي: انْقَادُوا وأطاعُوا.
وقَوْلُه: "كما تَدِيْنُ تُدَانُ" أي: كما تَأتي يُؤْتى إليك.
والعادَةُ: قال ابن فارس: فأمّا قولهم إِنّ العادة يقال لها دينٌ، فإن كان صحيحاً فلأنَّ النفسَ إذا اعتادت شيئاً مرَّتْ معه وانقادت له.
والحُكْمُ، ومنه قوله تعالى: {ما كانَ لِيَأخُذَ أخاه في دِيْنِ المَلِكِ} (2).
وغير ذلك من المعاني المذكورة في كتب المعاجم (3) ، ولكننا نقصد هنا بالدين الملة والديانة التي يعتقد بها الناس وينقادون لأوامرها بالطاعة، وعند التأمل فيها نجد أنها ترجع إلى المعنى الذي ذكره ابن فارس، وهو المعنى المقصود بالدين في هذا البحث كما سيتبين من التعريف الاصطلاحي.
الفرع الثاني: تعريف الدين اصطلاحاً.
ذكرنا في التعريف اللغوي أن الدين يرجع إلى معنى الطاعة والانقياد والخضوع والذل، وهنا نذكر تعريفه في اصطلاح الشرع، لكن أريد أن أنبه إلى أن علماء الشرع عندما يعرفون الدين فإنهم يقصدون بذلك الدين السماوي الصحيح الذي أوجب الله تعالى على عباده الانقياد والخضوع له والدخول فيه، وهو دين الإسلام، وهذا التعريف لا يصدق ولا ينطبق على دين اليهودية والنصرانية إلا باعتبار ما سبق، أي: قبل نسخها بالقرآن الكريم، وعلى هذا فنحن سنذكر تعريف الدين، ثم نذكر تعريف الإسلام تبعاً له أيضاً.
أما تعريف الدين فكما يلي:
قال العلامة الشرواني (4) رحمه الله تعالى: "أما الدين: فهو وضع إلهي سائق لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات" (5).--------------------------------------------
(1) سورة الذاريات الآية: (6).
(2) سورة يوسف الآية (76).
(3) انظر: مادة (دين) في معجم مقاييس اللغة، والصحاح للجوهري، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، ولسان العرب
لابن منظور، والمحيط في اللغة مرجع سابق.
(4) عبد الحميد الشرواني، من خلال تتبع كلامه في التحفة يظهر أنه من تلاميذ الشيخ إبراهيم البيجوري، وهو ممن نزل مكة المكرمة، وتوفي بمكة سنة 1301 هـ، وذكره د: رضا السنوسي ضمن مشايخ العلامة عبد الله بن حسن بن زينل بيلا الإندونيسي المكي الشافعي. انظر: دور علماء المملكة في خدمة السنة والسيرة النبوية (ص: 40) ، المؤلف: أ. د صالح بن غانم بن عبد الله بن سليمان بن علي السدلان الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
(5) انظر: حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج (1/ 2021)، المؤلف: عبد الحميد الشرواني، الناشر: دار الفكر - بيروت، وانظر: حاشية الرملي (1/ 4).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
ثم ذكر في حواشي الشرواني محترزات التعريف فقال: "احترز بقوله: (إلهي) عن الأوضاع البشرية، نحو الرسوم السياسية والتدبيرات المعاشية، وقوله: (سائق لأولي الألباب) احتراز عن الأوضاع الطبيعية التي تهتدي بها الحيوانات لخصائص منافعها ومضارها.
وقوله: (باختيارهم المحمود) عن المعاني الاتفاقية والأوضاع القسرية.
وقوله: (إلى ما هو خير لهم بالذات) عن نحو صناعتي الطب والفلاحة؛ فإنهما وإن تعلقتا بالوضع الإلهي أعني تأثير الأجسام العلوية والسفلية، وكانتا سائقتين لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى صنف من الخير فليستا تؤديانهم إلى الخير المطلق الذاتي، أعني ما يكون خيراً بالقياس إلى كل شيء، وهو السعادة الأبدية والقرب إلى خالق البرية" (1).
وهذه الاحترازات واضحة لا تحتاج إلى مزيد من البيان؛ لكن الشرواني نبه إلى أنه يتناول الأصول والفروع، ثم قال: وقد يخص بالفروع.
وفي حاشية الرملي (2) بعد أن ذكر التعريف السابق زاد عليه بقوله: "وقيل: هو الطريقة المخصوصة المشروعة ببيان النبي صلى الله عليه وسلم ، المشتملة على الأصول والفروع والأخلاق والآداب" (3).
وهذا التعريف أخص من التعريف السابق وأشمل؛ لأنه حدد الدين بما يخص الإسلام الناسخ لما قبله. فلا يدخل فيه غيره من الأديان لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (4).
وإذا كان المقصود بالدين هو الإسلام فلنذكر تعريفه كما وعدنا:--------------------------------------------
(1) انظر: حواشي الشرواني على تحفة المحتاج (1/ 21). وذكر أن هذا منقول عن حاشية ابن قاسم على التحفة.
(2) هو محمد بن شهاب الدين أحمد بن أحمد حمزة الأنصاري شمس الدين الرملي، يعرف بالرملي الشافعي، ولد سنة (919 هـ) وتوفي بمصر سنة (1004 هـ). من تصانيفه: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للنووي، وشرح البهجة الوردية مختصر الحاوي الصغير، وغاية البيان في شرح زبد ابن رسلان، غاية المرام في شرح شروط المأموم والإمام لوالده، والغرر البهية في شرح مناسك النووية، وفتح الجواد بشرح منظومة ابن العماد. انظر: البدر الطالع (2/ 102)، وخلاصة الأثر (3/ 342)، وهدية العارفين (1/ 589) مرجع سابق.
(3) انظر: حاشية الرملي (1/ 4) بلا.
(4) سورة آل عمران: من الآية (19).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
قال الشرواني رحمه الله تعالى: "والإسلام هو هذا الدين المنسوب إلى محمد صلى الله عليه وسلم المشتمل على العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة" (1).
وهو مرادف للدين على التعريف الثاني الذي اخترناه، ولا يقبل الله سبحانه وتعالى من عباده ديناً غيره، وتوعدّ من ابتغى غيره من الأديان بالخسارة في الآخرة، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (2) ، فهو دين واحد جاء به جميع الرسل والأنبياء، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه (3)
قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {أنا أَوْلَى الناس بِعِيسَى بن مَرْيَمَ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ} (4).
ولهذا كان بعض أهل الكتاب قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنون ومصدقون بالرسالات السابقة، فجعل الله لهم الأجر مرتين لتصديقهم للرسالتين بقوله تعالى: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} (5).--------------------------------------------
(1) انظر: حواشي الشرواني على تحفة المحتاج (1/ 21) مرجع سابق.
(2) سورة آل عمران: آية (85).
(3) أبو هريرة هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي على خلاف طويل في اسمه رضي الله عنه، صحابي جليل، أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي سنة (57 أو 58 أو 59 هـ) انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، (4/ 177) المؤلف: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، الناشر: دار الجيل بيروت، الطبعة الأولى (1412 هـ) تحقيق: علي محمد البجاوي، أسد الغابة في معرفة الأصحاب (3/ 475)، المؤلف: عز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1417 هـ 1996 م، تحقيق: عادل أحمد الرفاعي، والإصابة في تمييز الصحابة (4/ 316) المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، الناشر: دار الجيل - بيروت الطبعة الأولى ..
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، باب قوله تعالى: {وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انْتَبَذَتْ من أَهْلِهَا} (3/ 1267) برقم (3259) مرجع سابق.
(5) سورة القصص: الآية (52 - 54).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
وأما في اللغات الأوربية فتستخدم كلمة (Religion) للتعبير عن الدين، وهي كلمة ذات أصل لاتيني هو (Religio) بمعنى إعادة الجمع والعطف إشارة إلى التفكر والتعبد والتأمل والعمل، تبعاً لما يستخرج من تلك التأملات" (1).
شهادة عضو الحزب الجمهوري في الكونجرس الأمريكي السابق مارك سلجاندر:
لقد صرح العضو الجمهوري في الكونجرس الأمريكي السابق مارك سلجاندر (2) بقوله: أن المسيح لم يدعوا الناس إلى المسيحية، ولم ينطق كلمة دين ولو مرة واحدة، ولكنه ذكر كلمة المهتدي والمعتنق ومعناها في اللغة الآرامية قريبة جداً من كلمة مسلم، وقد تحدث بهذا الكلام في محاضرته أمام مائتين وخمسين من المبشرين والقساوسة الإنجيلين في أمريكا وقام بقراءة آية من الكتاب المقدس عن المسيح وأمه فصفقوا جميعاً وهتفوا، وشكروا الرب، فلما اخبرهم أنها من القرآن الكريم خيم صمت رهيب على القاعة (3) ، ولقد ألقى محاضرة أخرى في مدرسة لاهوتية محافظة، وسألهم: كم مسلمون عندكم؟ قال: فظنوا أني مجنون.
وقالوا: تبحث عن مسلمين في مدرسة مسيحية لاهوتية.
فقلت لهم: أتعرفون معنى كلمة مسلم.
فقال أحدهم: المسلم هو الذي استسلم لله.
فقلت: هل تعرفون أن القرآن الكريم ينعت المسيح عيسى أنه مسلم، وكذلك موسى ونوح وإبراهيم، وأنهم كانوا مسلمين قبل نزول القرآن الكريم، فكلمة مسلم تعني هو ذلك الذي يستسلم لله.
ثم سألت الطلاب: من منكم مستعد أن يستسلم لله؟ فرفعوا أيديهم جميعاً.--------------------------------------------
(1) انظر: الحوار مع أصحاب الأديان مشروعيته وشروطه وآدابه، (ص: 11) ، المؤلف: أحمد بن سيف الدين تركستاني، مصدر الكتاب: موقع الإسلام.
(2) هو مارك ديلي سلجاندر عضو الحزب الجمهوري بالكونجرس الأمريكي السابق عن ولاية متشجن، وسفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة في عام 1987 - 1988 م، ووكان عضوا في لجنتين فرعيتين في الكونجرس حول العلاقات مع الشرق الأوسط وأفريقيا، من مؤلفاته: كتاب سوء فهم قاتل.
(3) قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47)} سورة آل عمران الآية 45 - 47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
ثم قال لذلك فنحن مسلمون (1).
وتبين من خلال كلام سلجاندر أنه لما قرأ عليهم آيات من القرآن الكريم حول المسيح وأمه أطمأنت نفوسهم لما جاء في تلك الآيات من إزالة الشبهة، وعرفوا أن ذلك هو الحق، ولكن حينما أخبرهم أن تلك الآيات التي تلاها عليهم من القرآن الكريم ظهر موقفهم في اتباعهم الهوى، مما يدل على موقفهم السلبي من الخطاب القرآني، ومن اتباع الحق.
وتبين أن أكثر أهل الكتاب لم يؤمنوا بهذا الدين الحق مع أنهم يعلمون ذلك، وقد بين الله موقفهم لنا في القرآن الكريم بأنهم كانوا يدعون الناس للمكر والخداع والدخول في دين الإسلام في النهار والخروج منه آخر النهار، وهذا هو حالهم في كل زمانٍ ومكان، كما قال تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (2).
ولقد قام أهل الكتاب حديثاً بإقصاء الدين عن شئون الحياة، ويظهر هذا من موقف أكثر أهل الكتاب في أوربا الغربية فإن منهجهم الغربي "يقوم على إقصاء الدين عن مجالات التأثير الاجتماعي، بزعمهم أن الدين في تصورهم مرحلة زمنية في حياة الأمم تجاوزتها أوربا بفضل العلم ومعطيات العقل البشري" (3).--------------------------------------------
(1) مقابلة على قناة الجزيرة، في برنامج من واشنطن، مع عضو الكونجرس الأمريكي السابق مارك سلجاندر، وعبد الرحيم فقرا، بتاريخ 21/ 9/2009 م http://www.aljazeera.net/NR/exeres/5580195 B 56124 E 2 DB 997 EB 95516 E 36 FF.htm
(2) سورة آل عمران: الآية (72 - 73).
(3) انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، (2/ 1057) مرجع سابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
المطلب الثاني: دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالله.
الفرع الأول: آيات الخطاب القرآني التي تأمر أهل الكتاب بالإيمان.
ذكرنا أن المقصود بدعوة أهل الكتاب إلى الإيمان هي دعوتهم إلى دين التوحيد الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم على ما تقدم في المطلب الأول من تعريف الدين، وسنذكر في هذا المطلب بعض آيات الخطاب القرآني لأهل الكتاب التي تدعوهم إلى الإيمان بالله وأقوال المفسرين فيها:
الآية الأولى:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} (1).
قال الإمام البيضاوي رحمه الله: " (يا أيها الذين آمنوا) خطاب للمسلمين أو للمنافقين أو لمؤمني أهل الكتاب" (2).
أي: أن بين المفسرين خلافاً في تعيين المخاطب بالآية، فقيل: المسلمون، وقيل: المنافقون، وقيل: مؤمنو أهل الكتاب. فأشار إلى الخلاف بـ (أو). ثم ذكر رحمه الله تعالى تفسير الآية على كل قول من الأقوال، ونحن سنوضح ذلك كما يلي:
قال البيضاوي رحمه الله: "إذ روي أن ابن سلام (3) وأصحابه قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه، فنزلت: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} ، أي: اثبتوا على الإيمان، بذلك وداوموا عليه. أو آمنوا به بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم. أو آمنوا إيماناً تاماً عاماً يعم الكتب والرسل؛ فإن الإيمان بالبعض كلا إيمان. والكتاب الأول القرآن والثاني الجنس" (4).
فقوله في معنى الآية: "اثبتوا على الإيمان بذلك وداوموا عليه" هو على القول بأن الخطاب للمسلمين.--------------------------------------------
(1) سورة النساء الآية: (136).
(2) انظر: تفسير البيضاوي (2/ 266) مرجع سابق.
(3) عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري رضي الله عنه، صحابي جليل، أسلم لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً، توفي سنة (43 هـ). انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (3/ 921) مرجع سابق، وأسد الغابة (3/ 268) مرجع سابق، والإصابة في تمييز الصحابة (4/ 118) مرجع سابق.
(4) تفسير البيضاوي (2/ 266 - 267) مرجع سابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
وقوله: " أو آمنوا به بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم" أي: على أنها خطاب للمنافقين.
وقوله: " أو آمنوا إيمانا تامّاً عامّاً يعم الكتب والرسل فإن الإيمان بالبعض كلا إيمان أي: على أنها خطاب لمؤمني أهل الكتاب.
والحديث الذي أورده البيضاوي عن ابن سلام وأصحابه يؤيد القول بأن المخاطب بها أولاً أهل الكتاب، ولا يوجد مانع من دخول غيرهم كما سيأتي عن الجزائري (1).
وعليه:
فالآية تخاطب أهل الكتاب من آمن منهم على قول وبعضهم لا يذكر غيره.
قال شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله تعالى: " (يا أيها الذين) يعني: بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل وصدقوا بما جاءوهم به من عند الله، (آمنوا بالله ورسوله) يقول: صدقوا بالله وبمحمد رسوله أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم، (والكتاب الذي نزل على رسوله) يقول: وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن" (2).
وقال الجزائري وهو من المفسرين المعاصرين: "فهي في خطاب أهل الكتاب خاصة وفي سائر المؤمنين عامة، فالمؤمنون تدعوهم إلى تقوية إيمانهم ليبلغوا فيه مستوى اليقين، أما أهل الكتاب، فهي دعوة لهم للإيمان الصحيح، لأن إيمانهم الذي هم عليه غير سليم، فلذا دعوا إلى الإيمان الصحيح فقيل لهم: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) محمد (وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) وهو القرآن الكريم" (3).
والحديث الذي ذكره البيضاوي رحمه الله تعالى_ يبين لنا فيه موقف بعض أهل الكتاب حينما أرادوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتابه القرآن الكريم وبموسى وعزير عليهما السلام فقط، والكفر بما سواه من الكتب والرسل.--------------------------------------------
(1) الجزائري: جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري، ولد في قرية ليرة جنوب بلاد الجزائر عام 1921 م، عمل مدرساً في دار الحديث في المدينة المنورة، من مصنفاته: منهاج المسلم، وعقيدة المؤمن، وأيسر التفاسير للقرآن الكريم، وغيرها.
(2) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن (5/ 325 - 326) مرجع سابق.
(3) انظر: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير (ص: 303) ، المؤلف: أبي بكر جابر الجزائري، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى عام (1423 هـ 2002 م).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)