ألف رمانة وكان قد أكل رمانة أو رمانتين أو ثلاثة، عابة أهل اللغة ولاموه على ذلك، وإنما يزول اللوم عنه أن لو أكل جمعية أو أكثره وإن كان لا يحد. وكذلك إذا قال: "أكلت الرمان الذي في الدار" أو قال: "أكلت الرمان"- إلا أن يريد به الجنس كما يقال: "أكل المريض اللحم" وإن كان قد أكل منه شيئًا يسيرّا، لكن المراد منه أنه شرع في أكل اللحم. وكذلك إذا قال: "من عندك؟ " أو قال: "من دخل داري ضربته" ثم يقول: "عنيت به زيداّ"- عابه أهل اللغة على ذلك.
قيل: لو امتنع استعمال لفظ العموم في الواحد، لكان إنما يمتنع لأنه استعمل في غير ما وضع له. وهذا إن كان يمنع من استعماله في الواحد [فإنه] يمنع من استعماله في الكثير- قلنا: ليس المانع من جواز ذلك ما ذكرتم، بل المانع أن أهل اللغة لم يستعملوا لفظ العموم في الواحد.
وأما المخالف- فقد احتج في المسألة بالاستعمال- قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ومنزل الذكر هو الله تعالى، وإنه واحد لا شريك له. وقال الشاعر: "إنا وما أُعني سواي ناسا". وروى عن عمر رضي الله عنه أنه أنفذ إلى سعد بن أبي وقاص بقعقاع مع ألف فارس ثم كتب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
إليه فقال: " أنفذت إليك ألفى فارس": سمي قعقاع ألف فارس- فإذا جاز ذلك في ألفاظ العدد، جاز ذلك في الألفاظ العامة.
والجواب- أن ذلك خرج مخرج التعظيم، ولإبانة أن الواحد يقوم مقام الجماعة، ونحن نجوز ذلك، ولا كلام فه، إنما الكلام في استعمال لفظ العموم في الواحد على هذا الوجه- والله أعلم.
49 - باب في: استعمال لفظة العموم في الخصوص:
حكي عن بعضهم أنهم منعوا من جواز استعمال ذلك في الخبر، وجوزوا في الأمر والنهي، فقالوا: لو جاز ذلك في الخبر، أدى إلى توهيم الكذب، والحكمة تمنع من التكلم بمثله. ولأنه لا يجوز نسخة، فلا يجوز تخصيصه، لأنه بمعنى النسخ.
وعندنا: لا فرق في جواز ذلك في الكل.
والدلالة على جوازه ورود القرآن به- قال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
وأهل الذمة غير مراد [ين]. وقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وهو لا يوصف بالقدرة على ذاته وصفاته مع إطلاق اسم الشيء عليه. وقال تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} مع أنها لم تُؤت من كل شيء. ورُوى عن النبي عليه السلام: أنه كان لا يدخل بيتا فيه تصاوير وكان يقول: "إن الملائكة لا تدخل بيتّا فيه تصاوير" ثم دخل بيتّا فه تصاوير توطّا- وهذا تخصيص في الخبر، دلَّ عليه أن العرب يستعملون لفظة العموم في الخصوص في الخبر، فجاز أن يرد القرآن به، لأنه نزل القرآن بلغة العرب.
وأما قوله: إن ذلك يوهم الكذب- قلنا: إنما يجوز ذلك إذا لم يقترن به دلالة التخصيص، ومع دلالة التخصيص لا يوهم ذلك. ولأن ما ذكروا يلزمهم المنع من جواز ذلك في الأمر والنهي، لأن ذلك مما يوهم البداء.
وقوله: لا يجوز نسخه- قلنا: لا كذلك، بل جاز نسخه، فجاز تخصيصه- والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
50 - باب- ما يصير العام به خاصًّا:
اعلم أن الذي يفهم من ذلك شيئان:
أحدهما- ما يصير العام به خاصَّا، عندنا.
والآخر- ما يصير به خاصَّا في نفسه.
فإن أريد به الأول- فنقول: بالأدلة نعرف كونه خاصَّا.
وإن أريد به الثاني- فنقول: بالإرادة، لأن المفهوم من قول القائل: "إن الخطاب خاص" هو أنه استعمل في بعض ما يصلح أن يتناوله على ما مرّ، ولا معنى لذلك إلا أنه أريد به بعض ما يصلح له. وهذا لأن اللفظ قد يقع خاصَّا وقد يقع عامًّا، فلابد من آمر يخصصه بأحدهما، إذا لولاه لم يكن أحدهما بالوقوع أولى من الآخر، وليس ذلك إلا الإرادة- والله أعلم.
51 - باب- ما يُعلم به تخصيص العام:
أعلم أن الذي يُعلم به التخصيص نوعان: أحدهما متصل به، والآخر منفصل عنه.
أما المتصل به- فنحو: الصفة، والغاية، والشرط، والاستثناء.
وأما المنفصل عنه-[ف] نوعان: سمعي، وعقلي. والسمعي ضربان: دلالة، وأمارة.
أما الدلالة- فهو: الكتاب، والسنة المقطوع بها، والإجماع المقطوع به. والأمارة: القياس، وخبر الواحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
[أ]
[تخصيص العام بالأدلة المتصلة]
1 - أما الصفة:
فنحو أن يقول القائل: "اضرب الرجال الطوال": لو اقتصر على قوله: " اضرب الرجال" يجب عليه ضرب الرجال أجمع، فإذا قيده بالصفة، سقط عنه ضرب من لم يتصف بتلك الصفة.
2 - وأما الغاية:
فبأن يقول: "اضرب بني تميم أبدّا إلى أن يدخلوا الدار": لو اقتصر على قوله: "اضرب بني تميم [أبدّا] " يجب عليه ضربهم أبدّا، فإذا قال: "إلى أن يدخلوا الدار" سقط عنه وجوب الضرب بعد الدخول، لأنه لو لم يسقط، خرج الدخول من أن يكون غاية ودخل في كونها وسطّا.
وقد يجعل للحكم غايتان: على البدل، وعلى الجمع:
• أما على البدل، فأن يقول: "اضرب بني تميم أبداّ إلى أن يدخلوا الدار أو يسلموا على زيد". والغاية الثانية تزيد في التخصيص، لأنه لو اقتصر على الغاية الأولى لا يسقط وجوب الضرب إلا إذا وجد الدخول، فإذا ذكر الغاية الثانية سقط وجوب الضرب وإن لم يوجد الدخول، فكان زائدّا في التخصيص.
• وأما على الجمع، فبأن يقول: "اضرب بني تميم إلى أن يدخلوا الدار ويسلموا على زيد". فالثانية هي الغاية في التخصيص، وهي رافعة لبعض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
التخصيص، لأنه لو اقتصر على الغاية الأولى سقط وجوب الضرب إذا وجد الدخول، فإذا ذكر الغاية الثانية، لا يسقط إذا وجد الدخول، ما لم يوجد السلام.
3 - وأما المقيد بالشرط:
فبأن يقول: "أكرم بني تميم أبدًا إن دخلوا الدار": لو اقتصر على قوله: "أكرم بني تميم أبدّا" يجب الإكرام أبدّا. فإذا قال: "إن دخلوا الدار" سقط وجوب الإكرام قبل الدخول على ما مر في أبواب الأوامر: إن التعليق بالشرط يمنع الحكم عند عدم الشرط.
وقد يجعل للحكم الواحد شرطان: على البدل، وعلى الجمع.
•أما على البدل- فبأن يقول: "أكرم بني تميم إن دخلوا الدار، أو إن دخلوا السوق"، فالشرط الثاني رافع لبعض التخصيص، لأنه لو اقتصر على الشرط الأول سقط وجوب الإكرام مع فقد الدخول، فإذا ذكر الشرط الثاني، يجب الإكرام مع فقد الدخول إذا وجد الشرط الثاني، وهو دخول السوق.
• وأما على الجمع- فبأن يقول: "أكرم بني تميم إن دخلوا الدار والسوق" والشرط يزيد في التخصيص، لأنه لو اقتصر على الشرط الأول لا يخرج عن الإكرام من دخل الدار، فإذا ذكر الثاني يخرج عن الإكرام من دخل الدار إذا لم يدخل السوق- والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
4 - باب- في تخصيص العام بالاستثناء:
(أ) اعلم أن الاستثناء المتصل بالكلام يخص الكلام.
وذلك نحو قول القائل: "لفلان علىَّ عشرة دراهم إلا درهماّ"، فلو لم يقل "إلا درهماّ" لزمه عشرة كاملة، فإذا قال "إلا درهماّ" خرج عن حكم الإلزام واختص الإلزام بالباقي، وهذا لما ذكرنا أن من حق الاستثناء أن يخرج من اللفظ ما لولاه لدخل فيه، وذلك يوجب ما ذكرنا من التخصيص.
ثم من شرط هذا الاستثناء أن يكون متصلًا بالكلام غير منفصل عنه أو فيحكم المتصل به، وهو أن يكون الاستثناء على وجه لا يدل على أن المتكلم قد استوفى غرضه بالكلام، وهو أن يكون السكوت لانقطاع نفس أو بلع ريق ونحو ذلك.
وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه جوز الاستثناء المنفصل، وقال: هو استثناء على التحقيق. والنقل عنه غير صحيح، إذ لا يليق بمنصبه. ولو صح فتأويله أن نوى الاستثناء أولّا عند الكلام ثم أظهر نيته بعده، فيدين بينه وبين الله تعالى فيما نواه، ومذهبه أن ما يدين فيه العبد يُقبل منه في الظاهر.
والدلالة على بطلان المنفصل أنه إذا تجرد لا يفيد فائدة، فإنه لو قال ابتداء "إلا درهم، إلا خمسة" يكون لغوّا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
والفقه فيه أن الاستثناء جزء من الكلام، وجزء الكلام وبعضه لا يكون له حكم، كالشرط والخبر والاسم: فإنه إذا انفرد كان لغوّا.
فإن قيل: لو اقترن به بيان يصير مفيداّ، بأن يستثنى بعد الكلام بشهر، ويقول: "هذا راجع إلى الكلام الفلاني"- قلنا: هذا استعمال لم يستعمله أهل اللغة، فلا يجوز، مع أنه متكلم بلغتهم، وإذا لم يصح لم يتعلق به حكم، لأن الشرع علق الأحكام بكلام تعارفه أهل اللغة، وأهل اللغة لم يتعارفوا الاستثناء بعد الكلام بشهر، كما لم يتعارفوا استعمال الشرط والخبر المبتدأ بعد شهر.
والمخالف احتج، وقال: أجمعنا على أنه يجوز النسخ وسائر أدلة التخصيص منفصلّا- فكذا الاستثناء، لأن الكل سواء في الدلالة على أن ما تناوله غير مراد بالكلام الأول- قلنا: هذا باطل بالشرط.
ثم الفرق بين الاستثناء والنسخ وأدلة التخصيص، ما ذكرنا: أن النسخ وأدلة التخصيص مفيد عند الانفصال، والاستثناء غير مفيد بل هو بعض الكلام- والله تعالى أعلم بالصواب.
(ب) باب في استثناء خلاف الجنس:
جوزه قوم، وقالوا: هو استثناء حقيقة، كاستثناء الجنس.
ونحن نمنع من ذلك إلا بطريق المجاز والإضمار، على ما نذكره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
والدلالة على ذلك ما ذكرنا أن من حق الاستثناء أن يخرج من اللفظ ما لولاه لدخل فيه، وهو ما تناوله اللفظ. فالمستثنى إذا كان بخلاف الجنس لم يتناوله اللفظ فكيف يكون استثناء؟ ولأن الاستثناء بعض الكلام، وهو مع المستثنى منه أحد اسمى الباقي، فقولنا: "عشرة إلا درهم" اسم تسعة، وهذا لا يكون إلا عند التجانس.
وأما المخالف- فقد احتج بالاستعمال في كلام الله تعالى وفي لسان العرب.
أما في كلام الله فقوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ … }، وإنه ليس من جملة الملائكة، وقوله: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)}.
وأما الاستعمال في لسان العرب فقول الشاعر:
وقفتُ فيها أُصيلَالّا أُّسائلُها … أعيتْ جواباّ وما بالرُّ من أحَدِ
إلَا أَوَارِيّ لأَياّ ما أُبيِّنها … والنُّوْي كالحوض بالمظلومة الجَلَدِ
والأَوَارِيّ ليس من أحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
والجواب:
أما الآية الأولى- فقد قيل إن إبليس من جملة الملائكة، فكان استثناء من الجنس.
والثاني- إن ذلك بطريق المجاز.
وهو الجواب عن التعليق بالآية الثانية: إنه مجاز عن كلمة "لكن" وتقديره: لا يسمعون فيها لغواٌ لكن سلاماّ.
وجواب آخر عن كل هذه الاستعمالات: إن هذا النوع من الاستثناء يخرج من معنى الكلام، ولابد من إضمار شيء فيه، إما في المستثنى أو المستثنى منه. أما في الإضمار في المستثنى، فقول القائل: "لفلان علىُّ عشرة دراهم إلا ثوبا" تقديره "إلا قيمة ثوب". وأما الإضمار في المستثنى منه، ففيما ذكر من المواضع، كقوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ. . .} تقديره: الملائكة ومن أُمر بالسجود إلا إبليس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
وقوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا … إِلَّا قِيلًا سَلَامًا … }: تقديره لغواٌ ولا مسموعاُ إلا سلاماّ. وقول القائل: "وما بالربع من أحد إلا أَوَارِيُ" تقديره: من أحد ولا أثر إلا أَوَارِيّ. فأما بدون الإضمار فلا يكون استثناء- والله أعلم.
(ج) باب في استثناء الأكثر من الأقل:
لا يجوز استثناء الكل من الكل، فلو قال: "لفلان على عشرة إلا عشرة" يلزمه عشرة.
واختلفوا في استثناء الأكثر من الجملة:
[ف] جوزه قوم، وأنكره الآخرون.
والآخر هو التفصيل:
- إن عنى بهذا الجواز الحُسن المطلق، فنقول: هذا لا يحسن، لأنه مخالف لاستعمال العرب في الغالب، مع أنه متكلم بلغتهم، فإن [ـه] لم ينقل من أهل اللغة الاستثناء على هذا الوجه، بل يستقبحون قول القائل: "رأيت ألفاّ إلا تسعمائة وتسعة وتسعين" ويقولون: "هلَّا قلت: رأيت واحداّ". بل نقل عن كثير من أهل اللغة أنه لا يستحسن استثناء عَقد صحيح، بأن يقول: "عندي مائة إلا عشرة دراهم"- بل "مائة إلا خمسة" و "عشرة إلا دانقا".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
كما قال تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} فلو بلغ المائة لقال: لبث فيهم تسعمائة عام.
- وإن عنى به وقوعه كلاما مفهوماّ يتعلق الحكم المختص بالاستثناء به، فنقول: هو جائز: لأن الاستثناء على هذا الوجه مفهم للغرض، لأنه يفهم السامع من غير تأمل أنه يريد هذا القدر، والمقصود، من الكلام هو الإفهام، فمتى كان مفهوما جاز التكلم به. ولأن الاستثناء يخرج من اللفظ ما تناوله اللفظ، فكان إخراجه استثناء على موجب اللغة، فجاز التكلم به إلا أن يمنع منه مانع.
فإن قيل: المانع من ذلك أن أهل اللغة لم يستعملوا [ذلك]. أو لأن الحكمة تمنع من ذلك، لأن الغرض من الاستثناء في أصل الوضع إما الاختصار أو الاستدراك: أما الاستدراك فهو أن يكون لرجل على رجل تسعة دراهم فأراد أن يقَّر بها فأقرَّ بعشرة ثم ذكر في الحال أن له عليه تسعة، فيستدرك ذلك بالاستثناء. وأما الاختصار فهو أن الرجل يستطيل ويستقل [نحو] أن يقول: "لفلان على تسعة دراهم وخمسة دوانيق" فيقول: "له على عشرة دراهم إلا دانقا". ومتى كان الغرض من الاستثناء هذا، ولم يتحقق هنا، لأنه ليس من الاختصار أن يقول: "لفلان على ألف درهم إلا تسعمائة وتسعة وتسعين درهما". وكذلك الاستدراك، لأن العادة لم تجر فيما بين الناس أن يكون على الرجل درهم ويقر أن عليه ألف درهم [ثم يستدرك]- ومتى لم يحصل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
ما هو الغرض من الاستثناء لا يصح التكلم به.
[والجواب: ]
أما الأول-[ف] لا يمتنع أن يكون أصلا ثابتًا، ولم يُنقل إلينا، لأن الحاجة لا تكاد تدعو إليه. أو فعلاّ نادرًا، فلم ينقل إلينا لندرته.
وأما الثاني- قلنا: نسلم نحن أن الأكثر والأغلب ما ذكرتم، فلا جرم بقينا الحُسن على قضية الغالب والظاهر. ولكن لا يمتنع خلافه، فإنه يجوز أن يكون عليه ألف درهم، فيقضي منها تسعمائة وتسعة وتسعين درهما، ثم نسى فأراد أن يقر بالألف، ثم ذكر القضاء فيستدرك بالاستثناء. وقد يجوز أن يكون لخالد عليه ألف درهم ولزيد عليه درهم فأراد أن يقر لخالد بالألف فسبق على لسانة اسم زيد فيستدرك ذلك بالاستثناء، وإذا جاز، وهو مفهوم في نفسه، جاز تعليق الحكم به- والله أعلم.
(د) باب في الاستثناء [المتعقب كلمات] معطوفة بعضها على بعض-[هل] ينصرف إلى ما يليه أو إلى جميع ما تقدم؟ :
قال بعضهم: ينصرف إلى ما يليه، دون ما تقدم- وقيل: هو قول أصحابنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
وقال بعضهم: ينصرف إلى جميع ما تقدم- وقيل: هو قول الشافعي رحمه الله.
واتفقوا أن في الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى ينصرف إلى جميع ما تقدم.
والمذهب الصحيح أنه:
- إن لم يضمر في المذكور الثاني شيئا مما في الأول، يرجع الاستثناء إلى ما يليه.
- وإن أضمر في الثاني شيئا مما في الأول، إما الاسم أو الحكم، ينصرف إلى جميع ما تقدم.
مثال ما لم يضمر في الثاني شيئا مما في الأول، [ف] يُرجع الاستثناء إلى ما يليه، قوله: "اضرب بني تميم وأكرم بني ربيعة إلا الطوال منهم"
ومثال ما أضمر في الثاني شيئا مما هو مذكور في الأول: قول القائل: "اضرب بني تميم واستأجرهم إلا الطوال منهم" أو يقول: "أكرم بني تميم وبني ربيعة إلا الطوال منهم".
ولو قال: "أكرم ربيعة وسلم على ربيعة" فهذا إن لم يضمر في الثاني شيئا مما في الأول، فهو مثل ما إذا أضمر، لأن الحكمين جمعهما غرض واحد، وهو إعظام بني ربيعة، فصار كحكم واحد.
أما الدلالة على عدم رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم في القسم الأول-[ف] هو أنه لما عدل عن كلام مستقل إلى كلام مستقل، عرفنا أنه استوفى غرضه بالكلام الأول، كما إذا سكت. بل لا شيء أدل على استيفاء الغرض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
بالكلام من العدول عنه إلا كلام مستقل. ومتى استوف غرضه بالكلام، [ف] لو قلنا الاستثناء إليه لا ننقض قولنا: إنه استوفى غرضه به.
وأما الدلالة على رجوع الاستثناء إلى الكل في القسم الثاني- وهو ما إذا قال: "اضرب بني تميم واستأجرهم" عرفنا أنه لم يستوف غرضه بالكلام الأول حيث عاد إليه وأضاف إلى ذلك الاسم حكما. وكذلك إذا قال: "أكرم بني تميم وبني ربيعة": عرفنا أنه لم يستوف غرضه بالكلام الأول حيث عاد إليه وعدى حكمه إلى اسم آخر.
وإذا ثبت هذا، صار الكلامان [ككلام واحد وذلك] يرجع إلى حرف العطف، ومع أنه لم يعدل عن الأول ككلام واحد، فيرجع الاستثناء إلى الكل، بخلاف ما إذا ميز، لأنه لا يمكن أن يجعل الكلامان ككلام واحد، لانعدام حرف العطف- دل عليه: أن في الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
ينصرف إلى جميع ما تقدم بالإجماع، لما ذكرنا من المعنى: أنه لم يعدل من كلام مستقل إلى كلام مستقل- فكذا هذا.
فإن قيل: إنما يرجع الشرط إلى جميع ما تقدم ذكره، لأن الشرط وإن تأخر عن الكلام، فهو في حكم المتقدم عليه، لوجوب تقدم الشرط على الجزاء، فإن الإنسان إذا قال: "أكرم بني تميم وربيعة إن دخلوا الدار" معناه. إن دخل بنو تميم وربيعة الدار فأكرمهم، ولو قال ذلك تعلق الكل بالشرط، فكذا إذا تأخر.
وكذا الاستثناء بمشيئة الله تعالى، لأن لفظة الشرط فألحق به- وليس كذلك الاستثناء: فإنه لا يجب تقديمه على الكلام- قلنا: يمكن تقديم الشرط على المذكور الأخير، فيصير كأنه قال: "أكرم بني تميم وإن دخل بنور ربيعة الدار هم فأكرمهم" فيجعل مقدماّ على الجزاء، وإن رجع إلى ما يليه، ومع هذا انصرف إلى الكل- علم أن المعنى ما ذكرنا.
وقد استدل بعضهم وقال بأن الكلامين مع حرف العطف ككلام واحد، لأن الواو للعطف وأنه في الأسماء المختلفة يجري مجرى واو الجمع في الأسماء المتفقة. ولو قال: "جاءني الزيدون إلا الطوال منهم" رجع الاستثاء إلى الكل، فكذا إذا قال: "جاءني بنو تميم وبنو ربيعة إلا الطوال منهم".
إلا أن لقائل أن يقول: إن واو العطف تجري مجرى واو الجمع في اشتراك الاسمين. أما أن يجري مجرى ذلك في أن يجعل الكلامين ككلام واحد حتى يتعلق الاستثناء بالكل، فمن أين؟ ألا ترى أن واو العطف لا تخرجهما عن كونهما جملتين حقيقة. ثم هذا ينتقض بالجملتين التامتين بأن يقول: "أكرم بني ربيعة واشرب بني بتميم إلا الطوال منهم" رجع الاستثناء إلى ما يليه وإن وجد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
واو العطف ثم لم يجعلهما ككلام واحد. ثم الوجه في ذلك أنه يجعل ككلام واحد في حق الاستثناء: أن يذكر واو العطف ولا يعدل المتكلم عن كلام مستقل إلى كلام مستقل، أما إذا عدل فلا، لما ذكرنا.
وقد استدل بعضهم بأن قال: أجمعنا أنه لو أخر الأمر بأن قال: "بنو تميم وبنو ربيعة أكرمهم إلا الطوال منهم" رجع الاستثناء إلى الكل، فكذلك إذا قدم الأمر.
إلا أن لقائل أن يقول: قوله "أكرمهم" كتابة عن الكل، وهو اسم للفريقين، فإذا اتصل به الاستثناء أوجب إخراج البعض عن الفريقين، كما لو قال: "أكرم العرب إلا الطوال منهم": يقتضى إخراج بعض العرب، فكذا هذا- ولا يقال كذلك إذا قدم الأمر، لأن هناك الاستثناء اتصل ببني ربيعة، وهذا ليس باسم الفريقين حتى يقتضى إخراج البعض من الفريقين، فاقتصر الاستثناء على بني ربيعة.
وأما من ذهب إلى أنه يرجع إلى ما يليه في القسم الثاني فلأن الاستثناء إنما يجب تعليقه بغيره، ضرورة أنه لا يستقل بنفسه، إذا لو كان مستقلا بنفسه في الإفادة، لا يجب تعليقه بغير [هـ]، فإذا تعلق بما يليه، صار مستقلا في الإفادة مع ما يليه، فلا ضرورة إلى تعليقه بما تقدم، لأن كل كلام يستقل بنفسه لا يجوز صرفه إلى غيره.
والجواب:
ما ذكرتم يقتضى منع رجوع الاستثناء إلى ما تقدم، لكن لا يستقل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
أما لا يقتضى منع رجوعه إلى ما تقدم بسبب آخر ويجوز أن يكون للحكم الواحد سبب وأسباب فيثبت الحكم لوجود سبب مع فقد ما عداه من الأسباب، فهنا إن عدم سبب وهو الاستقلال، فلم قلتم بأنه لم يوجد سبب آخر يقتضى رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم ذكره، وأن لا يدخله الاستقلال بصرفه إلى ما يليه؟
فإن قال: هناك وجد معنى آخر وراء الاستقلال يقتضى رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم وهو ما ذكرنا: أن الكلامين مع حرف العطف، ومع أنه لم يعدل عن كلام مستقل إلى كلام مستقل، ككلام واحد، يتعلق الاستثناء بالكل.
ووجه آخر لهم: الاستدلال بالاستثناء من الاستثناء ينصرف إلى ما يليه، حتى لو قال: "لفلان على عشرة إلا ثلاثة إلا درهم" ينصرف الاستثناء إلى ما يليه حتى يلزمه ثمانية دراهم، والمعنى فيه أنه لا يفتقر في الاستقلال إلى أكثر مما يليه، وهو المعنى موجود في الاستثناء عقيب الجملة.
والجواب:
أن الاستثناء الثاني غير متصل بالكلام الأول، لأنه متصل بالاستثناء الأول، وليس بين الاستثناء وبين الكلام مما يجعلهما ككلام واحد، من حرف عطف وغيره، فبقى الاستثناء الثاني منفصلا عن الكلام الأول، فلذلك لم يرجع إليه، بخلاف قوله: "أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال منهم" على ما مر.
فإن قيل: هلا جعلتم الاستثناء واحد، حتى يتعلق بالكل، فيكون المستثنى أربعة؟ قلنا: في جعل الاستثناءين واحدا عطف الثاني على الأول، حتى يصير كأنه قال: "على عشرة إلا ثلاثة وإلا دراهم"، ولم يوجد حرف العطف هنا، ولا حاجة إلى التقدير، لأن الكلام صحيح بدونه- والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
[ب]
تخصيص العام بالأدلة المنفصلة
اعلم أن الأدلة المنفصلة هي: دلالة العقل، والكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
[1 - العقل]
أما دلالة [العقل]- مما يخص به الكتاب والسنة- فإنا نحكم بخروج الصبي والمجنون من أن يكونا مرادين بكلام الله تعالى وخطابه وخطاب الرسول، في الحال، بالعبادات. ولا نحكم بخروجهما عنه إذا كل عقلهما، لأن دليل العقل يفصل بين الحالين، ولا شبهة في خروجهما عن كونهما مرادين بالخطاب.
واختلفوا في خروجهما بدليل العقل:
فمنهم من منع ذلك وقال بأن دليل العقل متقدم على عموم الكتاب والسنة، والتخصيص لا يثبت، بدليل متقدم، كما في الاستثناء والشرط والنسخ.
وإنا نقول بأن دليل التخصيص ما يتوصل به إلى العلم بخروج بعض ما تناوله اللفظ عنه، وبالعقل يتوصل إلى العلم بخروج بعض ما تناوله الخطاب عنه، لأنا نعرف بعقولنا قبح إرادة فهم المراد بالخطاب ممن لا يتمكن من الفهم، إما لكونه سفها أو لكونه تكليف ما ليس في الوسع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
إذا ثبت هذا- نقول: الصبي والمجنون لا يتمكنان من فهم المراد بالخطاب، فعرفنا بعقولنا خروجهما عن عمومات الكتاب والسنة.
فإن قيل: نسلم بأن بالعقل نعرف خروجهما من أن يكونا مرادين بالخطاب، لكن لا نسلم أن التخصيص ثابت به- قلنا: لا نعني بكون الشيء مخصصا إلا أن يكون دليلا على خروج بعض ما تناوله الخطاب عنه، فإذا سلمتم ذلك فقد وافقتمونا في المعنى وخالفتمونا في العبارة، ولا تعويل على العبارة.
فإن قيل: هلا قلتم: إن دليل العقل دليل بشرط أن لا يعارضه عموم الكتاب، فإن عارضه عموم الكتاب [ف] لا يكون دليلا- قلنا: دليل العقل مطلق في نهي تكليف ما ليس في الوسع وإرادة السفه، ولا يقف وجه الدلالة على أمر آخر، فلا يختلف بين ما إذا عارضه عموم الكتاب أو لم يعارضه، فكان دليلًا على الإطلاق، وعموم الكتاب والسنة يحتمل التخصيص، وكان تخصيصه بدليل العقل، وهو لا يحتمل التخصيص، أولى- والله أعلم.
[2 - الكتاب]
(أ) وأما تخصيص الكتاب بالكتاب-[ف] أنكره قوم، وجوزناه.
والدليل على جوازه- ما ذكرنا أن المعنى من التخصيص أن يدل على إرادة بعض ما تناوله العام. ولما جاز أن يريد الله تعالى، بخطابه العام، بعض ما تناوله، جاز أن يدلنا على ذلك بالكتاب، فنعقل ذلك- دل على جواز وجوده، فإن الله تعالى خص قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)