أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} بقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}، وخص قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} بقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}، وخص قوله تعالى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} بقوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ}.
والمخالف احتج بقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}: فوض البيان إلى الرسول، فلا يقع ذلك إلا بقوله.
والجواب:
هذا تخصيص بالاسم، وذا لا يدل على نفي الحكم عما عداه، على ما مر. ويعارضه قوله تعالى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} وقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}، ولأن تلاوة النبي عليه السلام آية التخصيص بيان منه للتخصيص، والآية لا تقتضي إلا ذلك- والله أعلم.
(ب)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
وأما تخصيص السنة بالكتاب-[ف] أنكره قوم، وجوزناه.
والدليل عليه ما مر: أن التخصيص بيان أنه أراد بالعام بعض ما تناوله، ولا يمتنع تعلق المصلحة بأن يبين الله تعالى بكتابه أن النبي عليه السلام أراد بخطابه بعض ما تناوله- دل عليه قوله تعالى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} فهو على عمومه، ما لم يخص. ولان سنة الاستقبال إلى بيت المقدس نسخت بالكتاب، وهو قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}. وإذا جاز النسخ، جاز التخصيص بطريق الأولى.
والمخالف احتج بقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}. والجواب عنه ما مر. ولأنه كونه مبينا لا ينفى أن يأتي بسنة محتاجة إلى البيان، فتبين بسنة أخرى، أو [بـ] كتاب الله تعالى.
واحتج أيضًا بقوله عليه السلام: "سنتي تقضى على القرآن والقرآن لا يقضي على سنتي"، والجواب أنه قال ذلك على الأعم والأغلب، لأن القرآن في أغلب الأحوال يحتاج فيه إلى بيان الرسول عليه السلام في عموماته ومجملاته، وقلما تحتاج السنة إلى ذلك.
[3 - السنة]
(أ) وأما تخصيص الكتاب بالسنة- فجائز إذا استويا في إيجاب العلم والعمل، لأنه لما جاز أن تدلنا السنة على سائر الأحكام، جاز أن تدلنا على أن الله تعالى أراد بخطابه بعض ما تناوله، وقد خص النبي عليه السلام قوله تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} بقوله: {لا يتوارث أهل ملتين شتى}، وخص قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} بقوله: {لا قطع في ثمرٍ ولا كَثرٍ}.
(ب) وأما تخصيص السنة بالسنة- فجائز عند الأكثرين. ومنع قوم من جواز ذلك.
والدلالة على جوازه، على نحو ما مر، أنه لا يمتنع تعلق المصلحة به، فجاز القول به.
دل عليه أنا وجدنا سننا خصت بأخرى، نحو قوله عليه السلام: "ما سقته السماء ففيه العُشر" خصه بقوله عليه السلام: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". وخص قوله عليه السلام: "في الرقة ربع العشر" بهذا الحديث أيضًا. وروي عنه أنه: نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ثم رخص في السلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
والمخالف احتج، وقال: إن النبي عليه السلام بُعث مبينِّناّ فلا يجوز أن تحتاج السنة إلى بيان- والجواب أن كونه مبيناّ لا يمنع أن يأتي بسنة محتاجة إلى البيان، فيبين سنة بسنة أخرى.
(ج) - وأما تخصيص الكتاب بالسنة بفعل الرسول عليه السلام[فقد] وجب أن يعلم أن الخطاب متى ورد عامًا مقتضيًا تحريم أشياء، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعض ذلك، [هل] يدل على تخصيص العام، أو يحمل على أنه عليه السلام مخصوص بذلك:
قال بعضهم: يدل على تخصيص العام.
وقال بعضهم: يدل على أنه مخصوص به.
والأول- أصح لأن الأصل مساواته لأمته في الأحكام، لما نذكره من وجوب التآسي بالنبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كان الأصل ذلك، فالإباحة في حقه تدل على الإباحة في حق غيره، وكان فعله في الدلالة على التخصيص كقوله- فكما جاز تخصيص العام بقوله، جاز تخصيصه بفعله- دل عليه أنه عليه السلام أمر باتباع أفعاله، كما أمر باتباع أقواله بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله عليه السلام: "خُذوا عني مناسككم"، والصحابة رضي الله عنهم راجعوا أفعاله كما راجعوا أقواله- دل أنهما في بيان الحكم على السواء.
والدليل على جوازه وجوده: فإن النبي عليه السلام خص قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} برجم ماعز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
ووجه القول [الثاني]- الأول: أن قوله عليه السلام يدل على الإباحة في حقه، لكونه معصومًا، والإباحة في حقه لا تدل على الإباحة في حق غيره، إذ المصالح تختلف باختلاف الأشخاص، والثاني: إن دل على الإباحة في حق غيره ظاهرًا، ولكن جواز كونه مخصوًا، بخلاف الظاهر، ثابت، فلم تكن الإباحة في حقه محكمًا في الدلالة على الإباحة في حق غيره، وظاهر العموم محكم في التحريم، فلا يجوز الاعتراض على المحكم بغير المحكم.
والجواب- إن فعله دل على الإباحة في حقه قطعا، ومع قرينة دليل التآسي وسابقة عموم التحريم في حق الكل، يدل على الإباحة في حق غيره، إذ لو لم يكن مباحا في حق غيره وكان مخصوصا بذلك، لبين دلالة كونه مخصوصاّ، كيلا يتوهم المكلف، بدلالة التأسي وسابقة عموم التخصيص في حق الكل، فكان الظاهر ما ذكرنا. يبقى هذا القدر: أن احتمال كونه مخصوصًا، بخلاف الظاهر، ثابت. ولكن هذا لا ينفي الأحكام في كونه دليلًا. ولو كان ينفيه: فهذا النوع من الاحتمال، وهو احتمال الخصوص، ثابت في العام، فجاز تخصيصه به. والله أعلم.
[4 - الإجماع]
وأما تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع: [ف] أنكره قوم، وجوزناه.
والدلالة على جوازه أن الإجماع حجة مقطوع بها، فجاز أن يدل على ذلك كما جاز أن يدل على سائر الأحكام.
دل عليه أن الأمة أجمعت على أن حد العبيد نصف حد الأحرار، وهذا تخصيص لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}، بالإجماع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
فإن قيل: هذه الآية خُصت بقوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} قلنا: هذا لا يصلح مخصصا للعبد، لأن المذكور فيه الإماء دون العبيد- دل عليه أنا خصصنا للعبيد [صدورا] عن قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} بالإجماع.
والمخالف احتج بأن الإجماع يستند إلى القرآن والسنة، وهو مرفوع لهما، فكيف يعترض بالفرع على أصله؟ .
والجواب- أن الإجماع المخصص لابد أن يصدر عن كتاب أو سنة، وإلا فالأمة لا يجوز منهم الاجتماع على حكم جزافا. وكان الاعتراض على العام بذلك الأصل، لا بنفس الإجماع، إنما الإجماع دليل عليه، ولا نعني بكون الإجماع مخصصا إلا هذا.
وقالوا: لو جاز التخصيص به، لجاز النسخ به. والجواب: إن عنيت به أن يقع الإجماع دليلًا على ذلك، فهو جائز كالتخصيص. وإن عنيت به أن يقع النسخ بنفس الإجماع، فنحن لا نجوز التخصيص به، كما لا نجوز النسخ.
52 - باب في: بناء العام على الخاص:
اعلم أن النصين إذا ما وردا وهما كالمتنافيين: أحدهما عام، والآخر خاص-[ف] لا يخلو: إما أن يُعرف التاريخ بينهما، أو لا يُعرف.
(أ) فإن عرف التاريخ بينهما- فلا يخلوا: إما أن يُعرف اقترانهما؛ أو عُرف تراخي أحدهما عن الآخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
أما الخاص أو العام: إذا عُلم اقتران أحدهما بالآخر، فنحو أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقتلوا الكفار- لا تقتلوا اليهود" أو يقول: "في الخيل زكاة- ليس في الذكور من الخيل زكاة".
والأصل في ذلك أن نجعل الخاص مخصصاّ للعام ومبينا أن المراد به ما لم يتناوله الخاص، لأن الخاص أشد تصريحا مما يتناوله وأقل احتمالا من العام، فكان العمل به أولى، ولأن في إجراء العام على عمومه إلغاء الخاص، وليس في العمل بالخاص إلغاء واحد منهما، فكان أولى.
فإن قيل: هلا حملتم قوله عليه السلام "في الخيل زكاة" على التطوع، وحملتم قوله: "ليس في الذكور من الخيل زكاة" على نفي الوجوب، ليكون عملًا بهما جميعا.
قلنا: قوله: "في الخيل زكاة" يقتضي وجوب الزكاة في الإناث، ولو حملناه على التطوع كنا قد عدلنا باللفظ عن ظاهره بدليل لا يتناول الإناث، والعدول عن ظاهر اللفظ بلا دليل لا يجوز، بخلاف التخصيص. وأما إذا أخرجنا الذكور من الخيل عن قوله: "في الخيل زكاة"، كنا قد أخرجنا عن اللفظ شيئا بدليل يقتضيه، وذلك جائز.
هذا إذا عُلم اقتران أحدهما بالآخر.
أما إذا علم تراخي أحدهما عن الآخر:
- فإن كان الخاص هو المتأخر- فإنه لا يخلو: إما إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، أو بعده.
فإن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام: [فـ] يجعل بيانا للتخصيص في قول من أجاز تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب. وفي قول من لم يجوز ذلك: يجعل بيانا للنسخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
وإن كان بعده: [فـ] يجعل بيانًا للنسخ، لأن تأخير بيان التخصيص عن وقت الحاجة لا يجوز، فيجعل بيانًا للنسخ.
- وإن كان العام هو المتأخر:
قال أصحابنا وجماعة من المتكلمين: يصير العام ناسخا للخاص.
وقال أصحاب الشافعي: يبنى العام على الخاص، ويجعل المراد بالعام ما لم يتناوله الخاص، كما لو اقترن أحدهما بالآخر.
دليلنا في ذلك- أن العام في تناوله لآحاد ما دخل تحته، جرى مجرى خبر خاص يختصه- ألا ترى أنه يصح التمسك به لإثبات الحكم، كما يصح التمسك بالخاص، فجرى العام مع الخاص، في حق تناوله الخاص، مجرى الخبرين الخاصين وردا، وهما متنافيان: أحدهما متقدم، والآخر متأخر: [فـ] يصير المتقدم منسوخا بالمتأخر- كذا هذا.
والمخالف- احتج بوجهين من الكلام:
أحدهما- أن الخبر الخاص، وهو قوله "لا تقتلوا اليهود" يقتضي المنع من القتل في عموم الأحوال، وقوله"اقتلوا الكفار" يقتضي الإباحة في حالة واحدة، والنهي يمنع من الإباحة في تلك الحالة، فوقع التعارض، والخاص أخص باليهود من العام وأقل احتمالًا منه، وكان العمل به أولى، بخلاف الخبرين الخاصين، لأن الخاص لا يمكن تخصيصه، لأنه لا يتناول إلا شيئا واحداً، والعام يمكن تخصيصه، لأنه يتناول أشياء، فيمكن إخراج جزء منه.
والثاني- أن الخاص مما يعلم دخول ما تناوله قطعا، ودخول ما تناوله الخاص تحت العام مشكوك فيه [إذ] يحتمل أن المراد به وراء ما تناوله الخاص، والعمل لا يترك بالشك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
والجواب:
أما الأول- قلنا: العام وإن أمكن تخصيصه، لكن في تخصيصه إلغاء له، فيما تناوله الخاص، أصلا، لأنه بقى مستعملا حال وروده، وإن كان لا يبقى في المستقبل، فكان المصير إلى النسخ أولى، بخلاف ما إذا اقترنا، لأنه لا يمكن العمل بهما، والخاص أشد تصريحا، فالعمل به أولى.
وأما الثاني- قلنا: إن عنيت به أن العام لو انفرد لا يعلم دخول ما تناوله الخاص تحته، فهذا خلاف الإجماع. وإن عنيت به أنه لا يعلم دخول ما تناوله الخاص تحت العام لأجل الخاص، فلم قلتم ذلك وهو موضع النزاع؟ ثم هذا ترك لمذهبكم فإنكم تقطعون بخروج ما تناوله الخاص عن العام، ولا تشكون فيه.
هذا الذي ذكرنا إذا عرف التاريخ بينهما.
(ب) أما إذا لم يعرف التاريخ بينهما:
ففي مذهب الشافعي- يبنى الخاص على العام، ويجعل المراد بالعام غير ما تناوله الخاص. وهذا مستقيم على أصله، لأنه ليس للخاص مع العام حالة إلا أن تقارنه أو تتقدمه أو تتراخى عنه، وقد بان من مذهبه وجوب خروج ما تناوله الخاص عن العام في الوجوه الثلاثة.
وفي مذهب أصحابنا- يجب القول بالتوقف، والرجوع إلى غيرهما، وإلى ما يرجح أحدهما عن الآخر.
وهذا مستقيم على أصلنا، لأن المذهب عندنا أن العام المتأخر ينسخ الخاص، ويخص بالخاص المقارن والمتأخر. ويجوز أن يكون العام متأخرًا فينسخ الخاص،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
ويجوز أن يكون الخاص متأخرا فيوجب خروج ما تناوله عن العام، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيجب القول بالتوقف.
واحتج المخالف بأشياء:
منها- أن الفقهاء في أعصارنا يخصون أعم الخبرين أخصهما، مع فقد عملهم بالتاريخ.
ومنها- أنه لما اشتبه حال الخبرين ولا يُعرف التاريخ بينهما، يجعل كأنهما وردا معا، كالغريقين إذا لم يُعرف التاريخ في غرقهما يجعل كأنهما غرقا معا حتى لا يرث أحدهما عن الآخر- فكذا هذا. وإذا جعل كأنهما وردا معا، يجعل الخاص مخصصا للعام، لما ذكرنا.
ومنها- أن القياس مما يجوز أن يعترض به على العام، فالخبر الخاص أولى، لأنه أصل القياس.
ومنها- أنه لو لم يخص العام بالخاص لوقع أحد أمرين: إما نسخ الخاص أو إلغاؤهما، ولا يجوز النسخ مع فقد التاريخ، وإلغاء كلام الحكيم لا يجوز، فوجب تخصيص العام بالخاص.
والجواب:
أما الأول- قلنا: هذا على الإطلاق ممنوع- ألا ترى أن عمر رضي الله عنه لم يخص قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} بحديث ابن الزبير وهو قوله: "لا تحرم الرضعة والرضعتان"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
وأما الثاني- فنقول ما أجمعت على هذا، فإن من الصحابة ما ورث أحدهما عن الآخر. على أن حكم الغريقين حجة عليه، لأنه لما اشتبه حالهما لم نحكم بإرث أحدهما عن الآخر، فكذا إذا اشتبه حال الخبرين: لا يعترض بأحدهما على الآخر.
وأما الثالث- قلنا: إن كان القياس على أصل متقدم على العام، كان العام منافيًا له، فلا يجوز تخصيص العام به، نحو أن يقول النبي عليه السلام: "لا تبيعوا البُرَّ" ثم يقول: "أحللت لكم بيع جميع الأشياء": لا يجوز تخصيص العام بد ذلك القياس، حتى يقاس الأرز على الحنطة، لأنه قياس على أصل غير متقرر.
أما إذا كان القياس على أصل متقرر، نحو أن يقول النبي عليه السلام: "لا تبيعوا البر" ثم يقول: "أحللت لكم بيع ما سوى البر" جاز قياس الأرز على البر، وتخصيص العام به. وهذا لا يشبه مسألتنا، لأن أصل القياس مقرر، فأما هنا [فـ] الخبر الخاص يحتمل أن يكون منسوخا بالعام، ومع احتمال النسخ لا يجوز التخصيص به.
وأما الرابع- قلنا: كما أن النسخ محتاج إلى التاريخ، فكذلك التخصيص يحتاج إلى التاريخ، لأن تخصيص العام بالخاص المتقدم لا يجوز، لما مر.
وأما قوله: لا يجوز إلغاؤهما- قلنا: إن عنيت به ترك استعمالهما في أنفسهما والرجوع إلى غيرهما، أو إلى ما يرجح أحدهما- فلا نأبى ذلك، وإنما لا يجوز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
ذلك إذا أمكن العمل بهما، وهنا لا يمكن العمل بهما، لأنه ليس حمل الحال فيهما على التخصيص أولى من حملة على النسخ، فيجب القول بالتوقف.
ثم إذا وجب التوقف والرجوع إلى ما يرجح أحدهما على الآخر، فقد ذكروا وجوه الترجيح:
ومنها- أن يكون أحدهما متفقا على استعماله، والآخر مختلفا فيه، كخبر العشر مع خبر الأوساق.
ومنها- أن يعمل به معظم الأمة، ويعيب على من ترك العمل به، كعيبهم على ابن عباس رضي الله عنه على ترك العمل بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومنعه جريان الربا إلا في النسيئة.
ومنها- أن تكون الرواية في أحدهما أشهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
ومنها- أن يكون أحدهما متضمنا للحكم الشرعي، وأن يكون أحدهما بيانا للآخر، كقوله عليه السلام"لا قطع [إلا] في ثمن المِجَنَّ- اتفقوا على كونه بيانا لآية السرقة"
إلا أنا نقول: هذه الوجوه كلها تدل على تأخر أحدهما عن الآخر، لأنه لو كان متقدما لما اتفقوا على استعماله، لأنه يصير منسوخا بالعام، ولكان لا يعاب على من ترك العمل به، ولما كانت الرواية له أشهر، وكونه متضمنا لحكم شرعي يقتضي كونه متأخرا، لأن حكم العقل مقدم على حكم الشرع، وكذا لولا التقدم لما كان أحدهما بيانا للآخر- والله أعلم.
53 - باب في: أن العام إذا دخله الخصوص- هل يصير مجازًا أم لا؟
اختلف الناس في ذلك.
قال بعضهم: لا يصير مجازًا، متصلًا كان أو منفصلًا، لفظًا ومعنى.
[و] قال بعضهم: يصير مجازا في الأحوال كلها.
وقال بعضهم: يصير مجازا في حال دون حال. واختلفوا في تفصيله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
منهم من قال: إن كان المخصص لفظًا، لا يصير مجازًا، متصلًا كان المخصص أو منفصلًا.
ومنهم من قال: لا يصير مجازًا إلا إذا كان متصلًا.
والصحيح المختار أن القرينة المخصصة: إن كانت مستقلة به، نحو دلالة العقل وقول المتكلم "أردت به البعض الفلاني"، يصير مجازًا. وإن لم يستقل، لا يصير مجازًا.
والدليل على ذلك أن القرينة إذا كانت مستقلة، كان لفظ العموم مستعملًا وفي غير ما وضع له، لأن اللفظ موضوع للكل، وقد استعمل في البعض، وهذا هو المجاز.
فإن قيل: المتكلم ما أراد البعض باللفظ وحده، بل باللفظ مع القرينة، فلم يكن استعمال اللفظ في غير ما وضع له.
ولئن قلنا إنه [ما] أراد باللفظ وحده، ولكن لم لا يجوز أن يكون اللفظ مع القرينة موضوعًا للبعض، ومع فقد القرينة موضوعًا للكل؟ - قلنا:
أما الأول- فباطل، لأن فيه رفع المجاز عن الكلام، بأن يقال في كل مجاز: إنه ما أراد باللفظ وحده بل باللفظ مع قرينة، وقد أبطلنا هذا فيما تقدم. ويلزم أن يكون الكلام المستقل الذي اقترنت به القرينة المستقلة، لا حقيقة ولا مجازًا، لأنه ما عنى به ما وضع له ولا غير ما وضع له، والكلام المستقل لا يخلو: إما أن يكون حقيقة أو مجازًا. ويلزم أيضًا أن تكون المعاني من الحقائق، لأن القرينة قد تكون شاهد حال وغيره، مما لا يجوز وصفه بالحقيقة والمجاز. ولأن القرينة قد تكون فعل غير المتكلم، نحو أن يتكلم النبي عليه السلام بلفظه العام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
فيخصه الله تعالى، فلا يستقيم أن يقال: إن النبي عليه السلام أراد ما أراد باللفظ وبما يحدث بإحداث الله تعالى.
وأما الثاني- فباطل أيضًا، لأن القرائن كثيرة لا يمكن حصرها، ليضعوا [مع] لفظه العموم القرينة، لما تقتضيه القرينة. ولأن هذا شيء لم يشهد به أهل اللغة [إذ] لم يُنقل عن واحد منهم هذا النوع من الوضع، والحقيقة لا تثبت إلا بالنقل.
هذا إذا كانت القرينة مستقلة.
أما إذا لم تكن القرينة مستقلة، نحو الشرط والصفة والاستثناء، [فـ] لا يصير مجازًا، لأن هذه الأمور إذا اقترنت بالكلام تصير من جملة الكلام، وصار الكل كلامًا واحدًا، فلا يكون البعض بانفراده لا حقيقة ولا مجازًا، بل هذه الجملة المركبة حقيقة في الثاني. والدلالة عليه أن قول القائل: "اضرب الناس الطوال" أو "إن كانوا طوالًا" أو "إلا من قام منهم" لا يخلو: إما إن أُريد البعض باللفظ وحده، أو بمجموع الأمرين: لا وجه إلى الأول، لأنه لو أريد باللفظ وحده، لم يكن أريد بهذه الأمور شيئًا، لأن هذه الأمور ما وضعت لشيء مستقل في دلالتها على ذلك، فيقال: أراد [ذلك الشيء] باللفظ وحده، وأراد بهذه الأمور ما يقتضيه هذه الأمور، ولأنه لما أراد البعض باللفظ وحده، لم يبق شيء أراد [هـ] بهذه الأمور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
فإن قيل: أراد البعض باللفظ وحده، لكن عند هذه الأمور تصير هذه الأمور كالقرينة الحالية- قلنا: هذه الأمور من جنس الكلام، فنقول: على ما تدل عليه بالطريق الذي يدل عليه الكلام، لا على مثال قرينة الحال، فتصير هذه الأمور مع اللفظ دلالة على إرادة البعض بجهة واحدة، فلم يكن اللفظ بانفراده لا حقيقة ولا مجازًا، بل الجملة حقيقة في البعض- والله تعالى أعلم.
54 - باب في: أن العام المخصوص- هل يصح الاستدلال به فيما عدا المخصوص أم لا؟
اختلف أهل الأصول في أن العام المخصوص هل يصح الاستدلال به؟
قال بعضهم: لا يصح الاستدلال به أصلًا على كل حال.
وقال بعضهم: يصح على كل حال.
[و] قال بعضهم: يصح الاستدلال به في حال دون حال، واختلفوا في تفصيل تلك الحالة:
قال بعضهم: إن خصَّ بدليل متصل به، نحو الشرط والصفة والاستثناء، يصح الاستدلال به. وإن خص بدليل منفصل، لا يصح الاستدلال به- وهو قول أبي الحسن الكرخي رحمه الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
وقال بعضهم: إن كان المخصص منع تعليق الحكم بالاسم العام، وأوجب تعليقه بشيء لا ينبئ عنه الاسم: لا يصح الاستدلال به. وإن لم يمنع من تعلق الحكم بالاسم العام: يصح ذلك.
مثال الأول- آية السرقة، وهي قوله تعالى: {والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}: فإن قيام الدلالة على اشتراط الحرز والقدر يمنع من تعلق القطع باسم السارق، وأوجب تعليقه بشيء لا ينبئ عنه الاسم.
ومثال الثاني- قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ}: فإن قيام الدلالة على المنع من قتل معطي الجزية [لا] يمنع من تعلق القتل باسم المشرك.
والمختار- أنه يصح الاستدلال به فيما وراء المخصوص مطلقًا.
والدلالة على ذلك وجهان:
أحدهما- أن معنى قولنا: "يصح الاستدلال" هو أن يتوصل به إلى العلم بحكم ما عدا المخصوص، وهو قائم بعد التخصيص، لأن اللفظ متناول لما عدا المخصوص، أعني أنه دليل على إرادته بأصل الوضع، لأن اللفظ في الأصل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
موضوع للاستغراق وللكل، والكل ليس إلا آحاد [أ] اجتمعت، فجرى اللفظ في تناوله الآحاد مما دخل تحته، مجرى ألفاظ موضوعة لكل واحد من آحاده. فإذا خص البعض، بقي دليلًا على إرادة الباقي، بحكم الوضع. ولهذا المعنى صح الاستدلال قبل التخصيص، فصح قولنا: إنه يتوصل به إلى الحكم فيما عداه.
فإن قيل: العام بعد التخصيص يصير مجازًا على ما ذكرنا، فلا يصح التمسك فيما تناوله بحكم الوضع، لأن ذلك حمل له على حقيقته، ومحال أن يكون اللفظ مقررًا في موضوعه حائدًا عن موضوعه. ولأن اللفظ بالتخصيص يصير مجملًا، والتعلق بالجمل لا يصح. وبيان الإجمال أن الحكم قبل التخصيص كان متعلقًا بظاهر الاسم، وبعد التخصيص لم يبق متعلقًاب ظاهره- ألا ترى أن المخصوص شارك ما عدا المخصوص في الاسم وفارقه في الحكم، وجرى العام بعد التخصيص مجرى اسم الصلاة في أنه لما دخل فيها أفعال لا ينبئ عنها الاسم لغة، لا يصح التمسك به لإيجاب الصلاة الشرعية، فكذا هذا- قلنا: اللفظ إنما صار مجازًا من حيث إنه لم يوضع لما عدا المخصوص على الانفراد، لا أنه لم يوضع له أصلًا، وهذا النوع من المجاز لا يمنع من صحة الاستدلال به، على ما ذكرنا: أنه يدل على إرادة ما عداه.
وأما قوله: بأنه صار مجملًا- قلنا: لا كذلك، لأن المجمل ما لا يعرف مراده، وقد ذكرنا أن التخصيص يُعلم أن المراد منه الباقي، لأنه متناول له بحكم الوضع.
قوله: المخصوص شارك غير المخصوص في ظاهر الاسم- قلنا: فلو خلينا وظاهر الاسم، لكنا لا نفصل بينهما، إلا أنا امتنعنا من تعليق الحكم به في المخصوص، لمانع، ولا مانع فيما عداه، فيتعلق به، بخلاف اسم "الصلاة"،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
لأنه ليس من الصلاة ما ينبئ عنه الاسم لغة، بل المراد منه الأفعال المعهودة، فلا يصح التمسك به، لإثبات حكمه فيما هو المراد باللفظ، لنه غير معلوم باللفظ لغة.
والوجه الثاني- إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال: نتمسك في الجمع بين الأختين المملوكتين بقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، وقوله تعالى: {وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ}، ويقول: "أحلتهما آية وحرمتهما آية فالتحريم أولى". ومعلوم أن قوله عز وجل: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} خصَّ منه البنت والأخت من الرضاع. وعن عثمان رضي الله عنه أنه كان يتمسك على هذا الوجه. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يتمسك بقوله تعالى: {وأُمَّهَاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} في التحريم بالرضعة الواحدة، وردَّ لذلك خبر ابن الزبير رضي الله عنه وهو قوله: "لا تُحرِّم الرضعة والرضعتان"- إلى غير ذلك من وجوه الاستدلال بالعمومات المخصوصة. ولم يُنقل عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فكان إجامعًا.
وأما من فصل بين ما يمنع تعلق الحكم باسم عام وبين ما لا يمنع-[فـ] قال بأن قيام الدليل على اشتراط الحرز والمقدار أوجب تعليق الحكم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
بأمر لا ينبئ عنه الاسم- ألا ترى أنه لا يجوز لنا أن نُقدم على قطع السارق إلا بعد أن نعرف أنه سرق مالًا مقدرًا من حرز، ولو شككنا فيه لا يجوز قطعه. فلم يكن ظاهر لفظ العموم كافيًا في الدلالة على الحكم، فلا يصح التعلق به، بخلاف سائر العمومات المخصوصة، لأن ظاهر اللفظ دليل عليه، إلا أن دلالة التخصيص أوجبـ[ـت] خروج بعض المسمى، فبقي ظاهر اللفظ معمولًا به فيما وراءه.
والجواب:
قلنا: لا فرق بينهما، فإن قوله تعالى: {والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ} يتناول كل سارق، سرق قليلًا أو كثيرًا، من حرز أو غيره- فيصح الاستدلال به على وجوب القطع على كل من اختص بهذين الشرطين، لأنه سارق، ولا مانع يمنعه من قطعه- ألا ترى أنا لو خلينا وظاهر النص، لكنا نجوز قطع سارق لم يختص بهذين الشرطين، فكان الحكم متعلقًا بما ينبئ عنه السام.
قوله: لا يجوز لنا أن نُقدم على قطع السارق إلا بعد أن نعرف هذين الشرطين- قلنا: إنما لا يجوز ذلك لنعرف دليل أنه غير داخل تحت التخصيص، لا لنعرف أنه داخل تحت القطع.
والقول في هذا، وفي سائر العمومات المخصوصة، سواء، فإن قوله تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)