فإنما تجوزه بشرط إشعار سابق أو بيان مقارن وغير ذلك، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم من الحمل على القبيح.
والله أعلم.
[ب- المجاز]
8 - باب في: إثبات المجاز في اللغة:
ذهب الأكثرون إلى ثبوت ذلك.
وحكى عن بعضهم منع ثبوته.
واختلافهم في ذلك إما أن يكون اختلافًا في المعنى أو في العبارة.
أما الاختلاف في المعنى- فمن وجهين:
أحدهما- أن يقولوا: إن أهل اللغة ما استعملوا هذه الأسامي فيما نقول إنه مجاز فيه، كاسم الأسد في الشجاع واسم الحمار في البليد - وهذه مكابرة لا يرتكبها أحد.
والآخر- أن يقولوا إن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البليد لكنهم قالوا إن اسم الحمار كما هو موضوع للبهيمة المخصوصة، فهو موضوع للبليد. وهو أيضًا بعيد، لأنا نعلم- كما نعلم باضطرار أن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البلد- نعلم باضطرار أيضًا أنهم استعملوه في البليد تبعًا وتشبيهًا له بالبهيمة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
وأن استحقاق البليد هذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة، فالبهيمة تستحق هذا الاسم لكونه موضوعًا لها، والبليد يستحقه لأنه شابهها، فاستحق اسمها- دلَّ عليه أن قائلًا لو قال "رأيت حمارًا" فهم منه البهيمة المخصوصة دون البليد، ولو كان الاسم موضوعًا لهما لكان لا يسبق إلى فهم السامع عند الإطلاق أحدهما دون الآخر.
فإن قيل: لما كانت الحقائق تعم المسميات، فلماذا تجوزوا بها عن محالها- قلنا لوجوه:
منها -أن في المجاز من الفصاحة والمبالغة في الوصف ما ليس في الحقيقة- ألا ترى أنه متى وصفنا الرجل البليد بأنه حمار، كان أبلغ في الإبانة عن معنى البلادة، من وصفنا له بأنه بليد.
ومنها- أن المجاز قد يكون بضرب حذف، فيستعمل طلبًا للتخفيف.
ومنها- أن الطباع قد تنفر عن بعض المعاني، فيتجافى الناس عن التصريح بذلك، فيكنون عنه باسم غيره، كالحدث المكني عنه باسم الغائط.
وغير ذلك.
وأما الاختلاف في العبارة:
فبأن سلموا أن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البليد وأن اسم الحمار غير موضوع للبليد، فاستحقاق البليد لهذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة. لكنهم قالوا: إذا عنى به البليد [فـ] لا نسميه مجازًا، بل نسميه مع القرينة حقيقة- فنقول لهم: لما سلمتم معنى المجاز، لم امتنعتم من تسميته مجازًا؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
فإن قالوا: لأن أهل اللغة لم يسموه بذلك- قلنا: أولًا -هذا ممنوع، فإن أهل اللغة قالوا في كتبهم: هذا الاسم حقيقة، وهذا الاسم مجاز. ثم إن لم يسمه أهل اللغة بذلك، لم يمتنع وضع اسم له، ليمتاز به [عن] غيره- ألا ترى أن أهل النحو سموا الضمَّة المخصوصة "رفعًا" والفتحة "نصبًا" وإن لم يسمه أهل اللغة بذلك، ولم يلحقهم بذلك عيب، بل حَسُنَ منهم ذلك، ليكون أداة لهم في ضبط لغتهم- فكذا هذا.
وقوله: إنَّا نسميه مع القرينة حقيقة- قلنا: هذا إن صح، فلا يمنع إطلاق اسم المجاز عليه على الانفراد. على أن وصف الكلام بأنه حقيقة أو مجاز راجع إلى اللفظ، والقرينة قد تكون شاهد حال أو غيره مما لا يكون فعلًا للمتكلم، فلا يجوز وضعه في الحقيقة والمجاز.
9 - باب في: حُسن دخول المجاز في كلام الله تعالى، وأن الله قد تكلم به:
ذهب الأكثرون إلى حُسن ذلك، وثبوته.
وذهب [بعض] أصحاب الظاهر إلى منع ثبوت ذلك.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وخاطبنا به، فاقتضى إنزاله القرآن بلغة العرب أن يخاطبنا بمثل ما يخاطب به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
بعضهم بعضًا، ومعلوم أنه قد يقع في مخاطباتهم المجاز كما يقع فيها الحقيقة، فحَسُنَ من الله تعالى أن يتكلم بالمجاز أيضًا، إلا ما فيه تنفير، كالكلام السخيف الذي ينسب قائله إلى العِيِّ، ومعلوم أن المجاز ليس هذا سبيله، بل أكثر الفصاحة يظهر بالمجاز.
فإن قيل: المجاز لا ينبئ عن المراد بنفسه، فورود القرآن به يؤدي إلى الالتباس كما ذكرنا، وذلك لا يجوز على الله تعالى- قلنا: نحن لا تجوز التكلم بالمجاز إلا بقرينة، وعند وجود القرينة يزول الالتباس.
فإن قيل: إن التكلم بالمجاز يشعر بالعجز عن التكلم بالحقيقة، وذا لا يجوز على الله تعالى- قلنا: إنما يشعر بذلك لو لم يجز التكلم بالمجاز مع القدرة على التكلم بالحقيقة، فأما إذا جاز ذلك فلا، وقد دللنا على جواز ذلك، لما في المجاز من زيادة الفصاحة والمبالغة في الوصف والاختصار في الكلام، على ما بيَّنا.
فإن قيل: لو حَسُنَ من الله تعالى أني تكلم بالمجاز، لجاز أن يسمى الله تعالى متجوِّزًا ومستعيرصا- قلنا: إنما لا يجوز إطلاق اسم المتجوز على الله تعالى من ارتكاب الحرام ومباشرة القبيح، فإن اسم المتجوِّز في العرف مستعمل في ذلك، وكذا إطلاق اسم المستعير، [لا يجوز، لنه] يوهم ما لا يجوز على الله تعالى، وهو أن يستأذن غيره لينتفع بملكه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
هذا دليل الجواز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
والدليل على أن الله تعالى قد تكلم بالمجاز- قوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ}: أطلق اسم "المريد" على الجدار، وهذا مجاز من الكلام. وقوله تعالى: {وجَاءَ رَبُّكَ} وهذا مجاز أيضًا، إلى غير ذلك.
فإن قيل: ما أنكرتم أن هذه الأسامي في اللغة مجاز عن هذه المعاني، لكن لما استعملها الله تعالى فيها صارت منقولة إليها، وصارت حقيقة شرعية، كاسم الصلاة والحج وغيره- قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يسبق إلى أفهام أهل الشرع عند سماع هذه الألفاظ معانيها التي أرادها الله تعالى ولا يحتاج إلى القرينة، كما في اسم الصلاة والحج، ومعلوم أنه لا يسبق إلى أفهام أهل الشرع عند سماع هذه الألفاظ تلك المعاني إلا بقرينة، فعلم أنه مجاز فيها.
10 - باب في: ذكر ما يفصل بين الحقيقة والمجاز:
اعلم أن الحقيقة تنفصل عن المجاز بحكم يختص كل واحد منهما.
فمن حكم الحقيقة أن تطرد في فائدتها على الحد الذي يفيدها، إما مطلقة أو مشروطة، إلا أن يمنع من ذلك مانع. مثال المطلقة: قولنا: "طويل":
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
يفيد ما اختص بالطول أي جسم كان. ومثال المشروطة: قولنا "أبلق" يفيد ما اجتمع فيه السواد والبياض بعد أن كان في الخيل خاصة.
وأما المجاز فلا يجب اطراده- ألا ترى أن وصفنا الرجل الطويل بأنه نخلة: لما كان بطريق المجاز، لا يجب اطراده، حتى لا يسمى ما عدا الرجل من الأجسام الطوال نخلة.
ثم الحقيقة إنما يجوز اطرادها دون المجاز لوجهين:
أحدهما- أن واضع اللغة غنما وضع الاسم لما شاهده من المعاني. فلو قلنا لا يجب اطراده لانقطعت اللغة، وهذا لا يجوز، ولا كذلك المجاز. لأن الحقائق مستوعبة للمسميات، فلا يلزم من نفي اطراد المجاز انقطاع اللغة.
والثاني- أنا نعلم أن أهل اللغة إنما وضعوا اسم "الطويل" لما شاهدوه من الجسم، لاختصاصه بالطول. وكل جسم حصل فيه الطول يجب اطراد الاسم فيه- هذا معنى قولنا: إن القياس يجري في الحقائق، ولا كذلك المجاز، لن أهل اللغة ما وصفوا الرجل الطويل بأنه نخلة لاختصاصه بالطول فقط، بل لشدة اهتمامهم به، فدعاهم شدة اهتمامهم بذلك إلى المبالغة في وصفه بالتشبيه بغيره، ولا يجب تحقيق ذلك في كل طويل.
فإن قيل: أليس أن المجاز يطرد في نوعه حتى يسمى كل رجل طويل "نخلة"- قلنا: إن عنيت باطراد المجاز هذا، فلا نأبى ذلك، وإنما نعني بنفي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
اطراد المجاز أن يقر في نوعه ولا يتعداه، ولهذا لا يسمي كل طويل ((نخلة))، ولا كذلك الحقيقة: فإن أهل اللغة متى سموا الرجل الذي حصل فيه السواد
أسود، بطريق الحقيقة يجب اطراده، حتى يسمي كل الأجسام التي حصل فيها السواد ((سودا)).
ومما يفصل به بين الحقيقة والمجاز أنه إذا كان يسبق إلى فهم السامع عند سماع اللفظ معني من المعاني دون القرينة، كان حقيقة فيه. وإذا كان لا يسبق إلى فهمه عند سماع اللفظ معنى إلا بقرينة كان مجازة فيه. وإنما كان كذلك، لأن السامع لولا أنه اضطر في أن الواضعين وضعوا الاسم بذلك المعنى، لكان لا يسبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره، ومن حكم الحقيقة أن يحمل اللفظ على حقيقته ولا يعدل إلى المجاز إلا بقرينة صارفة، لأن الواضع إنما وضع الاسم لمعنى يتوسل به إلى غرضه بالإبانة عن ذلك، فلو لم يحمل عليه بغير قرينة بطل كونه دلالة على الغرض [و] وسيلة إلى المراد بنفسه، وفيه نقض / الغرض بالمواضعة - والله أعلم.
11 - باب - بيان طريق المجاز ووجوهه:
نعنى بطريق المجاز الأمر المصحح للمجاز والمحسن للتكلم به. وذلك هو الاختصاص بين المستعار له والمستعار عنه، أعني اختصاصا لأجله يُعرف المستعار له من المستعار منه، ودلالة ذلك من وجهين:
أحدهما - أن الفصاحة والبلاغة غرض مطلوب في المجاز، فإنا وجدنا أهل اللغة استعملوا المجاز في أشعارهم وخطبهم ومحاوراتهم لتحقيق معنى البلاغة والفصاحة، ومعنى البلاغة والفصاحة يحصل بتعريف الشيء باسم غيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وقد يحتاج إلى ذلك للمبالغة في الوصف، أو للاختصار في الكلام، أو للتحاشي عن التصريح بذكر المستعار له، لما فيه من كراهة الطبع، كما ذكرنا من قبل، وكان تعريف الشيء بذكر غيره بطريق المجاز من وجوه الفصاحة، إلا أنه كل شيء يذكر، لا يعرف به غيره، إذا لم يكن بينهما ضرب اتصال ونوع اختصاص معرِّف. ولهذا لا يحسن إطلاق اسم السماء على الأرض واسم الأرض على السماء. فإذا كان بين الشيئين هذا النوع من الاتصال والاختصاص حَسُنَ استعمال اسم احدهما في الآخر مجازًا، فثبت أن الاختصاص المعرِّف طريقُ المجاز، إلا أن لذلك وجوهًا: منها- المشابهة في المعنى الخاص، كما في الأسد مع الشجاع، والحمار مع البليد. ومنها- المجاورة كما في قولنا: جرى النهر، وسال الميزاب. ومنها- السببية، والمسببية، وغير ذلك.
والوجه الثاني- أن للمجاز وجوهًا كثيرة مختلفة الصور اتفقت في الاشتمال على ما ذكرنا من الاتصال والاختصاص، وذلك يدل على أن المصحح للمجاز في الكل هذا. بيان ذلك -أن المجاز قد يكون للمشابهة بين الشيئين. وقد يكون للمجاورة بينهما كما ذكرنا. وقد يكون لأجل السببية والمسببية، فإن اسم السبب قد يُستعار للمسبّب، كما في قوله تعالى: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا} أي المطر. ويقال: سقط السماء أي المطر. وقد يستعمل اسم المسبب للسبب كقوله تعالى: {إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}. وقال تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً ولْيَبْكُوا كَثِيرًا}: المراد به قلة السرور وكثرة الحزن، لأنهما مسببان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
للسرور والحزن. وقوله تعالى: {وامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} أي تعجبت، لأن الضحك مسبب التعجب. وقد يطلق اسم المدلول على الدليل [فـ] يقال: "سمعت علم فلان" أي عبارته الدالة على علمه. وقد يطلق اسم الآلة على الفعل كما في قوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}. وقد يطلق اسم الفاعل على الفعل والمصدر كقوله: "لحقته لائمة" أي ملامة ولوم. وقد يطلق اسم الفاعل على المفعول كقوله تعالى: {فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي مرضية. وقد يطلق اسم الفعل على المفعول كقولهم: "هذا الدرهم ضرب فلان" و"هذا الثوب نسج فلان". وقد يطلق اسم المكان على المتمكن فيه بطريق الحذف، كقوله تعالى: {واسْأَلِ القَرْيَةَ}. وقد يطلق اسم الشيء على ضده المختص بكونه ضدًّا له، كما يقال للديغ سليم وللأعمى بصير. وقد يطلق اسم بعض الشيء على كله كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}. ويقال: "فلان يملك كذا رأسًا من الغنم"- فثبت أن المجاز يستعمل في وجوه كثيرة مختلفة الصور، مع اتفاقها في نوع اختصاص معرَّف، فعلم أنه المصحح للمجاز في الكل.
فإن قيل: ما أنكرتم أن استعمال المجاز ليس له طريق معين، بل هو تابع للاختيار، فكل من اختار استعمال شيء في غيره، يصح منه ذلك- ألا ترى أن الله تعالى أطلق اسم المريد على الجدار بقوله تعالى: {جِداَرًا يُرِيدُ أَن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
يَنقَضَّ} وأي اختصاص بين المريد والجدار- قلنا: الدليل على اشتراط ما ذكرنا من الاختصاص المعرِّف للمجاز أنَّ فهم الشيء باسم غيره لا يحصل. وأما ما ذكر من المثال- قلنا: هذا إطلاق اسم المريد على الجدار الذي قرب سقوطه وانهدامه، وبينه وبين المريد اختصاص مشابهة، لأن الإرادة هو المعنى الذي يوجب تخصيص الشيء بالوجود، والجدار الواهي المائل قرب سقوط، وأوجب ذلك اختصاص سقوطه وانهدامه بالوجود، فكأنه أراد انقضاض نفسه وانهدامه، فجاز استعمال المجاز فيه.
فإن قيل: من جملة وجوه المجاز المشابهة في المعنى الخاص كما ذكرتم، فهل يشترط في هذا الوجه شرط آخر وراء نفس المشابهة، وهو أن يكون المعنى في المستعار منه أبلغ حتى يصح المجاز؟ قلنا: نعم فيه شرائط: بعضها شرط صحة المجاز، وبعضها شرط كمال الفصاحة فيه:
أما الأول- فمن شروطه أن يكون المعنى خاصًا في المستعار منه أعني أنه يوجد فيه، وعلى الحد الذي يوجد فيه لا يوجد في غيره، كالشجاعة في الأسد.
ومن شرطه- أن يكون المعنى في المستعار منه ظاهرًا، كالشجاعة في الأسد، لا كالبَخَر فيه.
وأما كون المعنى في المستعار منه أبلغ - فهو شرط كمال الفصاحة والبلاغة، كما في الأسد مع الشجاع، والحمار مع البليد، لا شرط نفس الاستعارة، لما مر ان معنى المجاز والمطلوب منه قد يحصل بدونه، لما مر من الوجوه.
والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
2
باب
في- بيان أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية
نبين عنى اللغة، ومعنى الكلام، واللفظ، والنطق- أولصا، فنقول:
اللغة- اسم لضرب مخصوص من ترتيب الحروف الدالة على المعاني، بحكم الوضع.
وإنما شرطنا كونها حروفًا ودلالتها بحكم الوضع، لأن الضحك والبكاء يدلان على الحزن والفرح، وصياح الديك يدل الدجاجة على استدعائها لالتقاط الحب، ولا يسمى ذلك لغة.
إذا ثبت هذا-[فـ] نقول: اختلاف اللغات من التركية والهندية والعربية باختلاف ترتيبها، فإن أهل كل لغة رتبوا عين هذه الحروف، لكن ترتيبًا مخالفًا للآخر، وتركيبًا مباينًا لتركيب الآخر.
وأما الكلام- فهو مأخوذ من الكلم، وهو الجرح الذي يؤثر في نفس المجروح، ومن كلم غيره فقد أثر في قلبه بتفهيم غرضه، فيسمى ذلك كلامًا.
وأما اللفظ -فأصله الرمي- يقال: "لفظت الناقة" إذا رمت من فيها ما التقمت من الحشيش، ويقال: "لفظ البحر بالجيفة" إذا رمى بها. فالواحد منا إذا تكلم فكأنه يرمي، فسمى قوله "لفظًا". وأما كلام الله تعالى، فلا يوصف به على الحقيقة، إلا أنه اشتهر في العرف إطلاق اسم اللفظ على القول، حتى لا يفهم منه سواه، فيصح قول القائل: "لفظ الآية كذا" و"لفظ القرآن كذا".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
وأما النطق- فهو إحكام العبارة. سميت المِنْطَقة بها، لأن الرجل يشد بها وسطه ويُحكمه. وهذا يتحقق في القول الصادر عن الله تعالى، إلا أنا لا نطلق ذلك عليه، لعدم التعبد به والاستغناء عنه.
* * *
إذا ثبت هذا-[فـ] نقول:
اختلف الناس: أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟
قال بعضهم: إنها كلها اصطلاحية.
وقال بعضهم: إنها كلها توقيفية.
وقال بعضهم: بعضها توقيفية، وبعضها اصطلاحية.
فالأولون- ذهبوا في ذلك إلى التعلق بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}: أخبر ان الأسماء كلها تعليم لآدم عليه السلام من الله تعالى. ولأن الاصطلاح على إبانة معنى بلفظ، من غير تقدم لغة، محال.
وأما الفريق الثاني-[فـ] ذهبوا في ذلك إلى التعلق بقوله تعالى: {ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} - وهذا يستدعي سابقة الاصطلاح على لغة، لأنه لو أخذت الأسامي سماعًا من الرسول لم يتحقق مجئ الرسول بلسانهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
ولأنه لو لم يكن لهم لغة يتفاهمون بها لا يفهمون قول الرسول، فلا يفيد إرسال الرسول إليهم.
وأما الفريق الثالث-[فـ] ذهبوا في ذلك إلى أن قدرًا منه يحتاج إليه بالتوقيف ليحصل البنية، والبحث على الاصطلاح. وكان ذلك توقيفًا، والثاني بعده اصطلاحًا.
هذا بيان الأقاويل- ونحن نقول:
الكلام في ذلك: إما أن يقع في الجواز، أو الوقوع.
أما الجواز- فكل هذه المذاهب في حيز الجواز، والإمكان:
أما الأول- فلأن من الجائز أن يخلق الله تعالى الأصوات والحروف، بحيث يسمعها واحد أو جماعة، ويخلق فيهم العلم الضروري: أنه قصد به الدلالة على المسميات.
وأما الثاني-[فـ] بأن يجمع الله تعالى دواعي جماعة يصطلحون عليه. وطريق ذلك أن يركب هذه الحروف، ويؤلف العبارات، ويريد به معنى، ويعرف المخاطب بالإشارة معها أو بتكرار اللفظ، كما يفعل الوالدان بالولد الطفل، وكما يفعله الأخرس بإعلام ما في ضميره بالإشارة وغير ذلك.
وأما الثالث- فإذا ثبت جواز كل واحد من هذين القولين، [فقد] ثبت جواز الثالث، لأنه مشتمل عليهما.
هذا هو الكلام في الجواز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
وأما الكلام في الوقوع- فالصحيح أن لا يحكم بواحد من الأقاويل في ذلك، لأنه لا يعرف إلا بنقل متواتر أو مشهور، ولم يوجد.
وأما الآية التي تعلق بها الفرق الأول-[فقد] اختلف أهل التأويل في تفسيرها:
قال بعضهم: المراد من الأسماء المسميات، يعني: علمه حقائق الأشياء وخواصها.
وقال بعضهم: المراد منه أسماء أجناس الحيوان من الجن والإنس وغيرهما- دلَّ عليه قوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
وقال بعضهم: المراد منه أسماء الملائكة.
ثم نقول: يحتمل أن المراد إلهامه وتحريك دواعيه إلى وضع الأسماء والهداية إلى اصطلاحها. فيضاف ذلك إلى الله تعالى بجهة التعليم. ولئن كان ذلك تعليمًا للأسامي حقيقة، لكن يحتمل أنها كانت موضوعة باصطلاح من قبله من الملائكة والجن، فعلمه الله تعالى ذلك.
وأما الآية التي تعلق بها الفريق الثاني -[فـ] قلنا: المراد منها -والله أعلم- رسول أرسل إلى قوم لهم لسان وتقدم لغة، وتقديره: إلا بلسان قومه إن كان لهم لسان. ولأن المراد منه الرسل بعد آدم عليه السلام، ليكون في كل زمان قوم يرسل إليهم. وأما آدم عليه السلام، [فـ] حين خلق لم يكن له قوم، وبعد زمان آدم عليه السلام ثبتت اللغات، إما توقيفًا أو اصطلاحًا -والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
3
باب
الحروف
اعلم أن الكلام ينقسم إلى: اسم، وفعل، وحرف.
فالاسم- ما يدلُّ على معنى غير مقترن بزمان، كقولنا: دار وفرس.
والفعل- ما يدل على معنى مقترن بزمان، كقولنا: ضرب يضرب.
والحرف- ما يفيد اتصال فائدة بفائدة، كقولنا: "رأيت زيدًا وعمرًا". فحرف الواو ههنا يفيد اتصال فائدة قولنا: رأيت زيدًا، بعمرو.
غير أن كل واحد من الحروف يختص بزيادة فائدة. وهي أنها تنبئ عن كيفية الاتصال.
وإذا ثبتـ[ـت] هذه القاعدة-[فـ] لا بد أن يتغير فوائد الخطاب بالحروف الداخلة عليه، وكان أكثر الغرض بهذا الكتاب، ذكر الخطاب الذي يستدل به على الأحكام، فأوجب ذلك أن نتكلم في الحروف أولًا. ثم في سائر الخطابات من المر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وما يتصل بذلك، والناسخ والمنسوخ وما يتعلق بذلك- فنقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
أما الحروف [فـ] منها:
حرف الواو:
- وهي تستعمل للجمع والاشتراك فقط، كقولك "رأيت زيدًا وعمرًا": أفاد أنهما اشتركا في الرؤية.
- وقد تستعمل للاستئناف، كما في قوله تعالى: {ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَاّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ} إذا وقع الابتداء بقوله: "والراسخون".
- وقد تستعمل لتحسين النظم وتزيين الكلام، كما في قوله تعالى: {ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وهَارُونَ الفُرْقَانَ وضِيَاءً} أي ضياء. وليس هو للابتداء وللعطف، بل هو وصف القرآن بكونه ضياء. وقد يسميه بعض أهل اللغة "واو لغو"، لكنا كرهنا ذلك، لكونه مستعملًا في القرآن.
- وقيل: إنه قد يكون بمعنى "أو" كما في قوله تعالى: {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ} ومعناه: أو ثلاث أو رباع. إلا أنا نقول إنه للجمع في هذا الموضع، لأن الله تعالى وصف جنس الملائكة بأنهم أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فاقتضى أن يكون البعض على الصفة الثانية والبعض على الصفة الثالثة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
فأفاد الجمع أي اجتمع ذلك في كل الملائكة، ولا خلاف في كل الملائكة، إنما الخلاف في أن الواو العاطفة في الأصل لأي معنى؟ .
فعندنا- للجمع المطلق من غير التعرض للترتيب والقران.
وقال بعض الشافعية- إنها للترتيب.
دليلنا في ذلك: أن من قال لغيره "رأيت زيدًا وعمرًا"- هذا لا يفيد تقديم رؤية زيد. على رؤية عمرو- ألا ترى أنه لو قال "وعمرًا بعده" أفاد فائدة مجددة. ولأنها لو أفادت الترتيب لكان قوله "رأيت زيدًا وعمرًا قبله- أو معه" مجازًا أو مناقضة من الكلام، كقول القائل: "رأيت زيدًا ثم عمرًا معه- أو قبله"، وأهل اللغة لم يجعلوا هذا مجازًا من الكلام ولا مناقضة، فدل أنها لا تفيد الترتيب.
دليل آخر: إن أهل اللغة قالوا إن واو العطف في الأسماء المختلفة يجري مجرى واو الجمع وياء التثنية في الأسماء المتفقة. لنهم متى لم يتمكنوا من الجمع في الأسماء المختلفة بواو الجمع استعملوا واو العطف ليفيد الجمع والاشتراك. ثم قول القائل: رأيت الزيدين" أو "جاءني الزيدون" لا يقتضي الترتيب بل يقتضي الاشتراك والجمع المطلق، فكذا قوله: "رأيت زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا" يفيد ذلك أيضًا.
فإن قيل: لا يمتنع أن تكون الواو العاطفة تجري مجرى واو الجمع في إفادة الجمع والاشتراك، ثم تختص بإفادة الترتيب، كـ- ثم والفاء: فإنهما يجريان مجرى واو الجمع في إفادة الجمع، ثم يختصان بزيادة فائدة وهو الترتيب- قلنا: أهل اللغة خصوا الواو العاطفة في أنها تجري مجرى واو الجمع، ولو كانت مفيدة للترتيب، كـ- ثم والفاء، لقالوا ذلك في: ثم والفاء، ولما قالوا ذلك في الواو دون ثم والفاء- عرفنا أنه يفيد الاشتراك فقط.
والذاهبون إلى الترتيب قالوا: إن قالوا القائل: "رأيت زيدًا وعمرًا" يفيد تقديم رؤية زيد على رؤية عمرو أولًا، لما بدأ بالإخبار برؤية زيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
دل عليه قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}. وقوله تعالى: {إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} للترتيب. فعلم أن الواو في الأصل للترتيب.
والجواب:
أما الأول- قلنا: هذا يقتضي أن يكون الترتيب مستفادًا بالبداية بالإخبار برؤية زيد لا بحرف الواو، والكلام فيه. ولأنه يلزم هذا القائل أن قول القائل "رأيت زيدًا. رأيت عمرًا" يفيد الترتيب. ثم نقول: لا يمتنع أن يكون غرضه الإخبار برؤية زيد ثم بدا له أن يخبر برؤية عمرو فأخبر به، أو يحتمل أنه بدأ بافخبار برؤية زيد لمحبته. أو لأن اهتمامه بافخبار برؤية زيد أشد. أو لأن اهتمامه بافخبار برؤيتهما على السواء، إلا أنه بدأ بما اتفق.
وأما الثاني- قلنا: استفدنا الترتيب في هذه المواضع بدلالة منفصلة- وهو بيان النبي عليه السلام قولًا وفعلًا. وكذا في السعي بين الصفا والمروة، فإن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم ذلك، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أبدؤوا بما بدأ الله تعالى". وهذا دليلنا، لن الواو لو كان للترتيب لما أشكل عليهم ذلك.
ومنها- حرف "أو":
وهي مستعملة:
- بمعنى التخيير، كقولك: "جالس زيدًا أو عمرًا": كنت خيرته في المجالسة مع كل واحد منهما.
- وبمعنى التشكيك، كقولك: "للمت على زيد أو عمرو". وكنت شككت فيمن سلمت عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
- وبمعنى "ولا"، بأن دخلت بين الشيئين في النفي: قال الله تعالى: {ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا}. معناه: ولا كفورًا.
- وبمعنى كلمة "حتى"، بأن دخلت بين النفي والإثبات- قال الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}. بمعنى حتى يتوب عليهم، وتقول للغريم: "لا أفارقك أو تعطيني حقي" بمعنى "حتى".
وحاصلة أن هذه الكلمة في الأصل:
- للإبانة عن أحد المذكورين لا على التعيين، والتخيير، والتشكيك من مواجب ذلك.
- وكذا أفاد به نفي الثاني إذا دخل بين النفيين، لأنه متى تناول أحدهما منكرًا في النفي، والنكرة في موضع النفي تعم، أفاد انتفاءهما جميعًا.
- وكذا معنى الغاية إذا دخلت بين الإثبات والنفي: ففي حق الإثبات يفيد أحدهما، إما الثابت أو النفي، فإذا وجد المثبت انتهى الكلام، وهو معنى الغاية.
ومنها- كلمة "مع":
وهي للقران- يقول: "رأيت زيدًا مع عمرو": أفاد رؤيتهما في زمان واحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
ومنها- كلمة "بعد":
وهي للتأخير من غير تقدير زمان- تقول: "رأيت زيدًا بعد عمرو": فإنه أفاد أن رؤية زيد متأخرة عن رؤية عمرو، من غير تقدير زمان.
ومنها- كلمة "قبل":
وهي للتقديم من غير تقدير زمان، كقولك: "رأيت زيدًا قبل عمرو" أفاد رؤية زيد متقدمًا على رؤية عمرو، من غير تقدير زمان.
ومنها- كلمة "ثم":
وهي للتراخي. أي للتأخير بزمان يوجب الفصل بينهما كقولك: "رأيت زيدًا ثم عمرًا": أفاد رؤية عمرو متأخرة عن رؤية زيد بزمان يمنع اتصاله به عرفًا.
وقد يتجوز به، فيستعمل مكان حرف الواو، كما في قوله تعالى: {فَإلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ}. أي والله شهيد على ما يفعلون، لأنه لا يجوز أن يكون الله شهيدًا بعد أن لم يكن.
ومنها- حرف "الفاء":
وهي للتعقيب مع الوصل، أي لثبوت الثاني عقيب الأول متصلًا به. كقولك: "رأيت زيدًا فعمرًا"، إذا كان رؤية عمرو متصلة برؤية زيد أو متأخرة عنه بزمان لا يمنع الوصل في العادة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)