في الوسع، ولو أجبنا عليه الصعود على كل حال ثم أوجبنا عليه نصب السلم كان في ذلك إيجاب ما لا ذكر له في الأمر- قلنا: لا معنى لقول القائل: إن الأمر يتقيد بنصب السلم سوى أنه يلزمه الصعود إذا كان السلم منصوبًا: ولا يلزمه إذا لم يكن منصوبًا، وهذا باطل، لأن الأمر المطلق يقتضي إيجاب الفعل على كل حال، وليس إيجاب الصعود عليه مع فقد السلم تكليف ما ليس في الوسع، لأنه يمكنه أن يتوسل إليه بنصب السلم.
قوله بأن ذلك إيجاب ما لا ذكر له في الأمر- قلنا: إن لم يكن له ذكر في الأمر، لكن الأمر يدل عليه، ألا ترى أن إيجاب المسبب إيجاب السبب، فإن من أمر عبده بإيلام زيد كان لك أمرًا بالضرب، لأن الألم لا يحصل إلا به. وكذا إيجاب ستر الفخذ، يقتضي إيجاب ستر شيء من الركبة، لأنه لا يحصل إلا به- كذا هذا.
فإن قيل: لستم بأن تتمسكوا بإطلاق اللفظ وتتوصلوا به إلى إيجاب شيء لا ذكر له في الأمر، بأولى من أن نتمسك بظاهر اللفظ لنفي وجوب ما لا ذكر له في الأمر ونتوسل به إلى تقييد الأمر ببعض الأحوال وإخراج الفعل من أن يكون واجبًا في بعض الأحوال. فإذن قد تساوينا في أن كل واحد منا يعمل بظاهر اللفظ من وجه، ويعدل عن ظاهر اللفظ من وجه، فلم كان ما قلتم أولى؟ - قلنا: بهذا السؤال سلمتم أن ما ذكرتم ترك لظاهر اللفظ، فأما إيجاب ما لا ذكر له في اللفظ، [فـ] لا يكون تركًا لظاهر اللفظ، لأن اللفظ كما لا نتعرض له بالإثبات لا نتعرض له بالنفي، وإيجاب شيء لا يتعرض له الأمر بالنفي، لا يكون تركًا لظاهر الأمر.
إذا ثبت هذا- نقول: قول القائل "افعل" يقتضي إيجاب الفعل على كل حال. فلو قلنا إنه يثبت الوجوب في بعض الأحوال، كان ترك العمل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
بظاهر اللفظ. وإذا ثبت الوجوب في جميع الأحوال، ثبت وجوب نصب السلم، كي لا يكون إيجاب ما ليس في الوسع.
وإذا ثبت هذا- نذكر الأشياء التي لا يتم الأمر إلا بها:
منها- أن من ترك واحدة من الصلوات الخمس، ثم نسيها، يجب عليه فعل الخمس، لأن فعل المتروكة واجب عليه، ولا يتمكن من ذلك إلا بفعل الكل، فيجب عليه الكل.
ومنها- إذا وقعت النجاسة في الماس وجب الامتناع عن استعمال المال، لأن الامتناع عن استعمال النجاسة واجب، ولا يتمكن من ذلك إلا بالامتناع عن استعمال الماء، فيجب عليه ذلك.
ومنها- أن ستر الفخذ يقتضي إيجاب ستر شيء من الركبة- على ما مرَّ.
ومنها- أن من طلَّق إحدى نسائه بعينها، ثم ذهبت عليه عينها، يجب عليه الامتناع عن الاستمتاع [بالكل]، لأن الامتناع عن الاستمتاع بالمطلقة واجب، ولا يتمكن من ذلك إلا بالامتناع عن الاستمتاع بالكل- والله أعلم.
19 - باب في: أن الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده؟ :
اعلم أن الخلاف في هذه المسألة إما أن يقع في الاسم، أو في المعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
أما الاختلاف في الاسم-[فـ] بأن يقال: إن الأمر بالشيء هل يسمى نهيًا عن ضده؟
وجوابنا: أنه لا يسمى بذلك، لأن أهل اللغة فصلوا بين الأمر والنهي في الاسم، وفرقوا بين قول القائل "افعل" وبين قوله "لا تفعل"، فسموا أحدهما "أمرًا" والآخر "نهيًا".
فإن قيل: الأمر ليس بأمر لذات الصيغة، ولا النهي نهيًا لذات الصيغة، بل الأمر أمر لإرادة كونه أمرًا ولكونه طلبًا واستدعاء للفعل. والنهي نهي لإرادة كونه نهيًا ولكونه طلبًا واستدعاء للانتهاء. ولا يمتنع أن يراد بالصيغة الواحدة أن يكون أمرًا بشيء ونهيًا عن ضده، ولا أن يكون دلالة على طلب شيء أو على طلب الانتهاء عن ضده، فتكون الصيغة الواحدة أمرًا بالشيء حقيقة ونهيًا عن ضده حقيقة- قلنا:
- أما كون الأمر أمرًا لإرادة كونه أمرًا، وكون النهي نهيًا لإرادة كونه نهيًا، فقد أبطلناه من قبل.
- وأما كونه أمرًا لكونه طلبًا واستدعاء للفعل، وكونه نهيًا لكونه طلبًا واستدعاء للانتهاء، فلعمري هو كذلك، لكن بشرط أن يكون طلبًا للفعل بذاته لا بواسطة، وطلبًا للانتهاء بذاته لا بواسطة، كقوله "افعل" و"لا تفعل". وقوله "افعل" طلب للانتهاء عن ضده، بواسطة طلب الفعل. وقوله "لا تفعل" طلب لضد المنهي عنه، بواسطة طلب الانتهاء عنه، وعدم انفكاك المكلَّ عن أحدهما إلى الآخر، فإذن لا يتصور كون الصيغة الواحدة أمرًا ونهيًا حقيقة.
وأما الاختلاف في المعنى فمن وجهين:
أحدهما- أن يقال: هل في الأمر بالشيء صيغة النهي عن ضده، وهو قوله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
"لا تفعل"؟ . وجوابنا أنه ليس فيه ذلك، وهذا معلوم بطريق الحس.
والآخر- أن يقال: بأن الأمر بالشيء هل يقتضي تحريم ضده والمنع عنه؟ وجوابنا أنه يقتضي ذلك، لما ذكرنا أن الأمر طلب الفعل ومنع من الإخلال به، وكل فعل يوجب الإخلال بالمأمور به يكون ممنوعًا عنه بقضية الأمر، لأنه لو لم يكن كذلك لجاز الإقدام عليه، وفي جواز الإقدام عليه إباحة الإخلال بالواجب، وذا لا يجوز.
ومن نفى الوجوب عن الأمر، لا يمكنه أن يجعل الأمر بالشيء نهيًا عن ضده، لأنه: إن حمله على الندب لا يمكنه ذلك، لأنه لو اقتضى ذلك لكنا منهيين عن البيع وسائر الأفعال المباحة، لما أن أضدادها مأمور بها ندبًا. وإن حملها إرادة المأمور به لا يمكنه أن يجعلها نهيًا عن ضده أيضًا، لأن إرادة الشيء لا تقتضي نهيًا عن ضده. ألا ترى أن النوافل مرادة وأضدادها ليست بمنهية.
وأما النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟
فجوابنا: أن النهي عن الشيء يقتضي إيجاب ما لا يصح الإخلال بالمنهي عنه إلا به، لما ذكرنا- فبعد ذلك: إن كان له ضد واحد، بحيث لا يمكن الانصراف عنه إلا إليه، يجب عليه ذلك بعينه. وإن كان له أضداد، بحيث لا يمكنه الانصراف عنه إلا إلى أحدهما، يجب عليه الكل على البدل- على ما مرَّ.
20 - باب في: أن الأمر المطلَق، هل يقتضي تكرار الفعل المأمور به أم لا؟ :
ذهب أصحابنا ومعظم المتكلمين إلى أنه لا يقتضي التكرار، بل يقتضي فعل المأمور به فقط، وهو الفعل الذي تناول الأمر، مرة واحدة.
وذهب معظم أصحاب الشافعي رحمه الله إلى أنه يقتضي التكرار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
وقال بعضهم: نتيقن باقتضاء الفعل مرة واحدة، ونتوقف في الدوام والتكرار.
دليلنا في ذلك أن قول القائل "ادخل الدار" معناه "كن داخلًا في الدار"، لأن من دخل الدار يوصف بكونه داخلًا الدار، فإذا أمره بالدخول فقد أمره بأن يجعل نفسه على هذه الصفة، وهو [بـ] الدخلة الأولى جعل نفسه على هذه الصفة، فيسقط الأمر به. كمن قال لغيره "اضرب رجلًا" فضرب رجلًا واحدًا، يوصف بأنه ضارب رجل، ويسقط الأمر به- كذا هذا.
فإن قيل: هو بالدخلة الثانية يوصف بأنه داخل الدار، فهلَّا قلتم بدخوله تحت الأمر؟ أو توقفتم في دخوله تحت الأمر كما قاله البعض؟ - قلنا: هو بالدخلة الأولى يوصف بأنه داخل الدار على الكمال، فبعد ذلك: الدخلة الثانية تكرار لفائدة الأمر بعد استكمالها، فلا يُستفاد ذلك إلا بدلالة التكرار، أو بدلالة الاستغراق، كمن قال لغيره "اضرب رجلًا" فضرب رجلًا واحدًا: يوصف بكونه ضارب رجل على الكمال، فإذا ضرب آخر يكون ذلك تكرارًا لفائدة الأمر بعد استكمالها، فلا يستفاد إلا بدلالة التكرار، أو بدلالة الاستغراق- كذا هذا.
فإن قيل: ما أنكرتم أن قول القائل "اضرب" معناه "افعل الضرب"، ولو كان كذلك يقتضي التكرار، لأن اللام للجنس: قلنا: إن قول القائل "اضرب" تصريف من "ضرب" لا من "الضرب" لأنه ليس فيه الألف واللام، ولأنه لو كان تصريفًا من الضرب لكان قول القائل "ضربَ زيدٌ" معناه أنه فعل الضرب، ولو كان كذلك لكان من أخبر بضرب زيد أن يفيهم منه تكرار الضرب، وليس كذلك، بل يُفهم منه الضرب مرة واحدة.
وأما الخصوم فقد تعلَّقوا بأشياء:
منها- أنهم قالوا: وجدنا أوامر في كتاب الله تعالى مطلقة، وأنها مقتضية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
للتكرار، مثل قوله تعالى: {وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ}. وقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} إلى غير ذلك.
ومنها- أن الأمر المطلق لا اختصاص له بزمان دون زمان، فيقتضي الفعل في جميع الأزمان لفقد الاختصاص.
ومنها- أن الأمر لو لم يقتض التكرار لما جاز الاستثناء، ولما جاز النسخ، لأن النسخ في المرة الواحدة بَدَاء، والاستثناء من الواحدة نقض الكلام، وحيث صحَّ النسخ والاستثناء علم أنه مفيد للتكرار.
ومنها- أن الأمر المطلق لو لم يقتض التكرار والفعل على الدوام، لكان النهي المطلق لا يقتضي الانتفاء، على سبيل الدوام، لأنه ضده، ولما كان النهي يقتضي الانتهاء على سبيل الدوام- فكذلك الأمر، إذ هو ضده.
والجواب:
أما الأول- قلنا: لا نسلم بأن التكرار في تلك المواضع عُقِل من ظاهر الأمر، بل بدلالة زائدة، وهو التصريح بالدوام والتكرار وما يجري مجراه. وقد أجيب عن هذا بأن التكرار في هذه المواضع استفيد من تكرار أسبابها- ألا ترى أنه لم يثبت التكرار في بعض المواضع، وهو المر بالحج، لنه سببه، وهو البيت، لا يتعدد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
وأما الثاني- قلنا: القائلون بالفور يقولون إن الأمر المطلق يختص بأول وقت الإمكان. والقائلون بالتراخي يقولون بأنه يقتضي إيجاب الفعل في جميع الأزمان، لكن على طريق البدل، وتناول الأمر تارة يكون على سبيل البدل، وفقد الاختصاص لا يدل على أحدهما.
وأما الثالث- قلنا: عندنا لا يجوز إلا إذا قامت دلالة تدل على أنه أراد به التكرار، فيتبين بالنسخ أن بعض المرات غير مراد. وأما الاستثناء- قلنا: القائلون بالفور لا يجوزون ذلك. والآخرون إنما يجوزون الاستثناء، لما مرَّ أن الأمر يتناول الأوقات لكن على البدل، فبالاستثناء يتبين أن بعض الأوقات غير مراد أصلًا.
وأما الرابع- قلنا: الأمر يقتضي النهي، لأن قول القائل: "كن داخلًا" موجود في قوله: "لا تكن داخلًا" وإنما زيد عليه حرف النفي، فجرى الأمر مع النهي مجرى قول القائل: "ليس في الدار رجل". ثم قول القائل: "في الدار رجل" يقتضي وجود رجل واحد في الدار. وقوله: "ليس في الدار رجل" يقتضي انتفاء جميع الرجال عنه، لأنه لو اقتضى نفي بعض الرجال كان فيه جمع بين فائدتيهما مع أنهما ضدان، وذا لا يجوز، فكذا هذا- وهذا:
[الأول]: لأن الأمر المطلق يقتضي أن المأمور به يوجد به مطلقًا، والنهي المطلق يقتضي أن المنهي عنه لا يوجد مطلقًا، وكلما وجد مرة فقد وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
والثاني: أن العادة فصلت بين الأمر والنهي: فإن السيد إذا قال لعبده: "لا تدخل" فهم منه الانتهاء على الدوام. ولو قال له: "ادخل" فهم منه الدخول مرة. والفقه في ذلك: هو أن حمل الأمر المطلق على التكرار والاستغراق يؤدي إلى تعطيل الأشغال كلها، لنه لا يتفرغ لغيره من الأفعال، وحمل النهي على الدوام لا يؤدي إلى ذلك، لنه يتفرغ للأشغال كلها مع الامتناع عن فعل معين على الدوام.
والثالث: أن النهي يدل على قبح المنهي عنه، والقبيح يجب الكف عنه أبدًا، أما الأمر [فـ] لا يدل على ما يوجب الإقدام عليه، على الدوام.
وأما من توقف في الحمل على التكرار- قال: إن الأمر المطلق محتمل للدوام والتكرار، بدليل أنه لو أراد به ذلك وقرن به دلالة التكرار يحمل عليه، وما احتمله اللفظ جاز أن يراد به، فيجب التوقف فيه.
ونحن نقول: لا نسلم احتماله للدوام والتكرار، بل الأمر المطلق لا يحتمل إلا الفعل مرة واحدة- على ما مرَّ. ولو قرن به دلالة التكرار، لا يكون بيانًا وتفسيرًا للفظ، بل زيادة متممة للكلام كقوله: "افعل هذا الفعل عشر مرات" أو "على الدوام" أو على ما يجري مجرى هذا الكلام، فهذه جملة مفيد للعدد والدوام، لا أنه موجب الأمر المطلق.
21 - باب في: أن الأمر المعلَّق بالشرط والصفة، هل يقتضي تكرار الفعل المأمور به إذا تكرر الشرط والصفة؟ :
اختلف الذاهبون إلى أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار فيه:
قال بعضهم: يقتضي تكراره عند تكرار الشرط والصفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
وقال بعضهم: لا يقتضيه- وهو المختار.
دليلنا في ذلك- أن المقتضى للوجوب هو الأمر دون الشرط والصفة، لن الشرط ليس بمؤثر بل هو ما يقف عليه تأثير المؤثر، والأمر في نفسه لا يقتضي التكرار، بل يقتضي الفعل مرة واحدة، فصار المقتضي للفعل مرة واحدة معلقًا بالشرط، وهو كالمرسل عند وجود الشرط، فلا يلزم تكرار الوجوب بتكرار الشرط- دلَّ عليها أن السيد إذا قال لعبده: "إذا دخلت السوق فاشتر اللحم" فإن هذا لا يقتضي تكرار الشراء بتكرار الدخول. وكذا لو قال لامرأته: "طلقي نفسك إذا دخلت الدار" أو قال لغيره: "طلق امرأتي إذا دخلت الدار": لا يتكرر الأمر بالطلاق بتكرار الدخول. وكذا قول القائل: "اضرب زيدًا" إذ كان لا يقتضي التكرار، فقوله: "اضربه إن كان قائمًا" لا يقتضيه أيضًا.
فإن قيل: ليس يمتنع أن يكون ما دخل تحت الشرط مؤثرًا، كما في قوله تعالى: {وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}. وقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ}. وقوله تعالى: {والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، وإذا لم يمنع ذلك [فـ] ليس لكم أن تقطعوا على نفي التكرار عند تكرار الشرط- قلنا: لفظ الشرط لا يدل على أن ما دخل تحته مؤثرًا، والكلام فيما إذا لم توجد دلالة أخرى، حتى لو وجد كان علة يتكرر الحكم بتكرره- يدل عليه: أن الخبر المعلق بالشرط لا يقتضي تكرار المخبر به بتكرره، فكذا الأمر- بيانه: أن قائلًا لو قال: "زيد سيدخل الدار إن دخلها عمرو"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
فدخل زيد الدار بعد ما دخلها عمرو مرارًا- يعد المخبر صادقًا، فلو كان تكرار الدخول من عمرو يقتضي تكرار الدخول من زيد، لما عُدَّ صادقًا- فثبت أن الخبر المعلق بالشرط لا يقتضي التكرار في المخبر به، بتكرره- فكذلك الأمر. والجامع بينهما أن معنى قول القائل: "زيد سيدخل الدار" أي سيكون داخل الدار، ومعنى قول القائل: "ادخل الدار" أي "كن داخلًا الدار"- ثم الخبر بجعل نفسه على هذه الصفة لا يقتضي تكرار المخبر به. وكذلك الأمر بجعل نفسه بهذه الصفة لا يقتضي تكرار المأمور به.
والمخالف في المسألة احتج بأشياء:
منها- أنهم قالوا: وجدنا الأوامر الواردة في كتاب الله تعالى معلقة بالشرط، مقتضية للتكرار، مثل قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. وقوله تعالى: {وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}. وقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا}. وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا}. وقوله تعالى: {والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} - علم أن قضية الأمر المعلق بالشرط هذا.
ومنها- اعتبارهم الشرط بالعلة، فقالوا: إن العلة إذا تكررت، يتكرر معلولها، فكذا الشرط، بل الشرط آكد من قِبَل أن الحكم ينتفي بانتفاء الشرط، ولا ينتفي بانتفاء العلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
ومنها- أن الأمر المعلق بالشرط لا اختصاص له بالشرط الأول دون الثاني والثالث، فيجب الفعل مع كل شرط لفقد الاختصاص.
ومنها- أن النهي المعلق بالشرط يقتضي الانتهاء مع كل شرط، على سبيل التأبيد- فكذا الأمر المعلق بالشرط.
[و] الجواب عنها:
أما الأول- قلنا: ليس في هذه الآي ما يدل على كون التكرار مستفادًا من ظاهرها، بل عرفنا التكرار فيها بدلالة أخرى، كما عرفنا التخصيص في بعض عمومات القرآن، بدلالة مخصصة- دلَّ عليه أن الأمر بالحج لا يقتضي التكرار، وإن علق بشرط متكرر، كقوله تعالى: {ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً}.
وأما قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ والزَّانِي}. وقوله تعالى: {والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ} - قلنا: ثم علم أن السرقة والزنا علة لوجوب الحد، والحكم يتكرر بتكرر العلة.
وأما الثاني- قلنا: هذا اعتبار فاسد، لأن العلة مؤثرة، والشرط ليس بمؤثر، ولا دليل يدل على وجود المؤثر، فلا يلزم تكرار الحكم بتكرره.
قوله: الحكم ينتفي بانتفاء الشرط ولا ينتفي بانتفاء العلة- قلنا: عندنا: لا فرق، فكما يجوز أن يثبت الحكم بعلة أخرى مع فقد هذه العلة، يجوز أن يوجد شرط آخر مكان هذا الشرط الأول، فيثبت الحكم معه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وأما الثالث- فالقائلون بالفور يقولون باختصاص الأمر بالشرط الأول، فلا يلزمهم هذا الكلام.
وأما القائلون بالتراخي- فلهم تفصيل، وهو أن الشرط الذي علق به الأمر: إما أن يغلب على الظن تجدده، وهو متمكن من الفعل، أو لا يغلب على الظن ذلك. ففي الوجه الثاني، كما في قول القائل: "أعط زيدًا درهمًا إن دخل الدار" يجب الفعل عند الدخلة الأولى، لأنه لو لم يجب وفي الدخلة الثانية شك، كان فيه تفويت المأمور به أصلًا. وفي الوجه الأول كما إذا قال: "أعطه درهمًا إن طلعت الشمس" يجب الفعل مع كل شرط على البدل لا على الجمع، وفقد الاختصاص عمله في ذلك، إلا أن يقوم دلالة من حيث العرف وغيره على طلب الفعل عند الشرط الأول على التعيين.
وأما الرابع- قلنا: قال بعض أهل الأصول: إن النهي يقتضي طلب الانتهاء مع الشرط فقط. ولئن سلمنا، فتكرار الانتهاء ثَمَّ، لا لتكرار الشرط، بل لأن مطلق النهي يقتضي الانتهاء على الدوام. فإذا علق بالشرط أفاد أهل هذه القضية عند الشرط، والفرق بين الأمر والنهي على ما مرَّ في الباب المتقدم.
22 - باب في: أن الأمر المطلق، هل يقتضي تعجيل الفعل المأمور به أم لا؟
ذهب بعض أصحابنا وجماعة من المتكلمين أنه يقتضي تعجيل الفعل المأمور به، ولا يجوز تأخيره عن أول أوقات الإمكان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
وذهب أصحاب الشافعي رحمه الله وعامة المتكلمين إلى أنه يجوز تأخيره عن الوقت الأول إلى ما بعده من الأوقات- إلا أن منهم من يجعل العزم على الفعل في الثاني بدلًا عن الفعل في الوقت الأول. ومنهم من لم يجعله بدلًا عنه.
والمذهب المختار أنه يقتضي وجوب فعل واحد، والأوقات كلها سواء في إيقاع الفعل المأمور به، بالأمر المطلق.
أما القائلون بالفور-[فـ] تعلقوا بأشياء:
1 - منها:
أن الفعل قد وجب في الوقت الأول، وذلك يمنع جواز التأخير عنه. وإنما قلنا: إن الفعل قد وجب في الوقت الأول، لأن الأمر تناول الفعل في الوقت الأول، بدليل أن المكلف إذا أتى به في الوقت الأول كان إتيانًا بما تعبد به وسقط عنه التكليف، والتكليف إنما يسقط بإتيان ما تناوله الأمر، فلولا أن الأمر تناول الفعل في الوقت الأول، وإلا لم يكن إتيانًا بما تعبد به، ولما سقط عنه التكليف. ومتى تناوله الأمر كان واجبًا، إذ الأمر مقتضاه الوجوب، وإذا وجب الفعل في الوقت الأول [فـ] لا يجوز تأخيره عنه، لأنه لو جاز تأخيره عنه كان في ذلك نقض الوجوب وإلحاقه بالنافلة، ولا يقال بأن الفرق بينه وبين النافلة أن النافلة يجوز الإخلال بها مطلقًا، وهذا مما يجوز الإخلال به في الوقت الأول، إلا أن يغلب على الظن فواته إن لم يفعله، لنا نقول: إنما نلزمكم إلحاقه بالنافلة- بجواز التأخير في الوقت الأول، [لا أنه] كان مخيرًا بين الفعل والترك، وهذا هو حقيقة النافلة. ولا يقال: عندنا يجوز التأخير عن الوقت الأول لكن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
إلى بدل يقوم مقامه، وهو العزم على الفعل في الزمان الثاني، ويجوز تأخير الواجب إلى بدل يقوم مقامه.
وبيانـ[ـه] أن الأمر المطلق يجعل الأوقات كلها سواء في إيقاع الفعل المأمور به فيها، ولن يجعل ذلك إلا بأن يجوز التأخير عن الوقت الأول، والواجب لا يجوز تأخيره عن الوقت الواجب فيه إلا إلى بدل، فجعلنا "العزم" بدلًا عنه، لأن الأمة أجمعت أنه لو ترك الفعل في الوقت الأول يجب عليه أن "يعزم" على الفعل في الزمن الثاني، فقد قامت الدلالة على كون "العزم" بدلًا، ولم يقم على شيء آخر، فجعلنا "العزم" بدلًا عنه.
هذا هو حجة القائلين بجواز التأخير عن الوقت الأول إلى بدل، [و] لا يقال هنا، لأنا نقول: لمَّا سلمتم أن الواجب لا يجوز تركه إلا ببدل، فما الدليل على وجوب "العزم" بدلًا، لأن الأبدال لا يجوز إثباتها بالرأي، بل بدليل قاطع؟ وقيام الدليل على وجوب "العزم" لا يدل على كونه بدلًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
ثم الدليل على أن العزم لا يصلح بدلًا: أن البدل وجوبه على حذو الأصل، ليجري فعله مجرى فعله، وفي ذلك بطلان تعيين الوقت للعزم.
والدليل عليه أن العزم لو كان بدلًا لا يخلو: إما أن يقوم مقام الواجب ويسدُّ مَسدَّه في حصول المصلحة المطلوبة منه، أو لا يقوم مقامه ولا يسد مسدَّه:
فإن كان الأول-[فـ] ينبغي أن يسقط عنه الفعل بوجود العزم، لأن المصلحة من الواجب قد استوفيت بالعزم على الفعل.
وإن كان الثاني- فلا يصلح بدلًا عنه.
ولا يقال بأن "العزم" بدل عن الفعل في الزمان الأول، فيبقى الفعل في الزمان الثاني على ما هو عليه من المصلحة، لأنا نقول: الأمر عندكم لا يقتضي وجوب الفعل في جميع الأزمان، على الجمع، لأنه قول بالتكرار، وقد أبطلناه. ولا يمكن القول بأن الفعل في الزمان الأول يسقط بالعزم ويبقى الفعل في الزمان الثاني واجبًا، بل الأمر عندكم يقتضي وجوبَ فعل واحد في زمان غير عين، فإذا وجد في الوقت الأول ما يسد مسده في استيفاء المصلحة، ينبغي أن يسقط عنه التكليف، كما لو فعل المأمور به. وحيث لم يسقط، علم أن "العزم" لا يصلح بدلًا أصلًا.
2 - ومنها:
الاستدلال بألفاظ الطلاق والعتاق والنكاح، فإن أحكام هذه الألفاظ تثبت على الفور، فكذلك حكم الأمر. والجامع بينهما أن هذه الألفاظ تفيد أحكامها، والحكم إنما يثبت في الوقت، وليس للوقت فيها ذكر، فيثبت في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
أقرب الأوقات إليها. فكذا هنا: الأمر يقتضي إيجاب الفعل، والفعل إنما يقع في وقت، [ووقت] وقوعه [غير] مذكور، فيقع في أقرب الأوقات إليه.
3 - ومنها:
أن جواز التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة. وبيانه: أنه لو جاز التأخير إما أن يجوز التأخير لا إلى غاية أو إلى غاية: الأول- باطل، لأنه ينقض الوجوب، والثاني- لا يخلو: إما أن تكون الغاية معينة أو موصوفة. مثال المعينة: أن يقول "افعل إلى وقت كذا" أو "إلى الوقت الفلاني" وهذا مما لا قائل به، ولم تقم الدلالة عليه، لأن الأمر لا يختص ببعض الأوقات دون البعض. والمراد بالموصوفة: الوقت الذي لو أخر عنه غلب على ظنه فواته. وذلك الظن لا يخلو: إما أن يكون صادرًا لا عن أمارة، أو يكون صادرًا عن أمارة- الأول باطل لأن الظن الذي لا يستند إلى أمارة لا يجوز بناء الحكم عليه، وهو بمنزلة الظن السوداوي. وإن كان صادرًا عن أمارة مثل علو السن أو المرض، فهذا باطل أيضًا، لأنه يؤدي إلى أن من مات فجأة لا شيء عليه، مع أن ظاهر الأمر يتناوله، وأنه يقتضي الإيجاب. فثبت أن جواز التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة، فكان باطلًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
4 - ومنها:
أن الأمر بالفعل يوجب الفعل واعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال، ثم وجوب الاعتقاد والعزم ثابت على الفور. وكذلك وجوب الفعل، لأن الكل موجب الأمر.
ونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه، فنقول:
الأمر المطلق بالفعل يتناول الفعل، وليس فيه تعرض للزمان أصلًا، فإن قول القائل: "اضرب" يفهم منه الضرب دون الزمان، لأن الزمان من ضرورة الفعل كالمكان، وهو كالشخص المضروب في الضرب، وآله الضرب. ثم الأمر بالضرب لا يقتضي مضروبًا معينًا ولا آلة معينة، ولا في مكان معين- وكذا الزمان، فيقتضي إيجاب الفعل في زمان ما، ففي أي زمان يأتي به، يصير آتيًا بالمأمور به، وهذا يمنع الفور والتعجيل.
فإن قيل: للأمر اختصاص بالزمان الأول في حق إفادة الوجوب، لأنه متصل بزمان وجود الأمر، والوجوب فائدة الأمر وثمرته، والشيء إذا صادف وقتًا فثمرته وفائدته تصادف ذلك الوقت، لاختصاصه به وجودًا من بين سائر الأوقات. وصار كالطلاق والعتاق والنكاح مع أحكامها- قلنا:
- لا نسلم بأن للأمر اختصاصـ[ـًا] بالوقت الأول من أوقات الفعل- بيانه: أن الاختصاص إما أن يكون من حيث الوجود، أو من حيث الذكر والاقتضاء:
* واختصاص الأمر، من حيث الوجود، بالزمان الذي وجد فيه، وفي الزمان [الذي] وجد فيه الأمر- لا يتصور الوجوب، لأن الفعل إنما يجب ويوجد بعد الأمر، وبعد ذلك انعدم في نفسه، فلا يكون له اختصاص الوجود بزمان آخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
واختصاصه من حيث الذكر والاقتضاء، بأن يصير بعض الأوقات فيه مذكورًا- فليس في الأمر ذكر واقتضاء لوقت ما على ما مرَّ. [و] ينفي هذا القدر أن الوقت الأول أقرب إلى زمان وجود الأمر، ولكن هذا لم يوجب اختصاص الوجوب به، وهذا هو عين المسألة.
- وأما ألفاظ الطلاق والعتاق والنكاح- ففيها اختصاص واقتضاء بالزمان الماضي والحال، فإنه قوله: "أنت طالق" وصف لها وإخبار عن كونها طالقًا في الماضي أو في الحال، كقوله: "أنت قائم" أو "قاعد"، والشرع جعله إنشاء في الزمان الذي يقتضيه الوصف لغة.
- أما قوله "افعل" -[فـ] طلب الفعل في المستقبل من غير تعرض لزمان، على ما مرَّ.
- وقولكم إن المر إذا صادف وقتًا فثمرته تصادف ذلك الوقت- قلنا: قد ذكرنا أنه لا يتصور مصادفة الوجوب في زمان مصادفة الأمر، لأنه يثبت بعده حكمًا له.
- ثم نقول: الأمر كما ذكرت أن ثمرة الشيء تصادف زمانًا اتصل به، لكن الخلاف في ثمرة الأمر: أن ثمرته الوجوب على الفور أو التراخي؟ ، فيعود الكلام إلى أول المسألة.
وأما الجواب عن كلام المخالفين:
أما الأول- قلنا: أيش عنيتم بقولكم: إن الفعل قد وجب في الوقت الأول؟ :
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
- إن عنيتم به أنه لزم المكلف [فعله فيه] ومنع من التأخر عنه، فهو موضع النزاع، وقد نفيناه بما ذكرنا أن المر المطلق لا اختصاص له بوقت دون وقت.
- وإن عنيتم به صيرورة الفعل مصلحة مسقطعة للواجب، فمسلم، ولكن لم قلتم بأن هذا يمنع جواز التأخير؟
قوله: بأنه ينقض الوجوب ويلحقه بالنافلة- قلنا: إنما يلحقه بالنافلة إذا كان يخرجه عن كونه مصلحة مسقطة للفرض، وفعله في الوقت الأول مصلحة مسقطة للفرض، والفعل في الثاني كذلك، وهو بدل عن الفعل في الأول، والواجب يجوز تأخيره إلى ما يسد مسده في المصلحة ولا يلحقه ذلك بالنافلة، كما في الكفارات الثلاث على ما ذكرنا.
فإن قيل: الأمر متى تناول الفعل في الوقت الأول لم يبق متناولًا للفعل فيما بعده، إذ لو قلنا بأنه يتناول الفعل في الوقت الثاني يكون تكرارًا لمقتضى الأمر، والأمر لا يقتضي التكرار، ومتى لم يكن متناولًا إلا الفعل في الزمان الأول، فجواز التأخير مؤدٍ إلى ما ذكرناه. وليس لكم أن تقولوا إن المفعول في الثاني والثالث [بدل] عن المفعول في الأول، فالتأخير عن الوقت الأول لا يكون تفويتًا للمأمور به- لأنا نقول: إن أفعال العباد [التي] تختص بالأوقات لا يجوز عليها التقدم والتأخر، فما يصح أن يوجد مرة في وقت، لا يصح أن يوجد مرة في وقت آخر. ومتى كان المفعول في الوقت الثاني [بدلًا] عن المفعول في الوقت الأول، لو قلنا بأنه يتناوله في الثاني، يؤدي إلى التكرار- قلنا: الأمر تناول فعلًا واحدًا، لكنه تناول فعلًا، له صورة مخصوصة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
من الأفعال، لا الفعل المعين، لأن المكلف لا يميز ذلك، ومتى يتناول فعلًا واحدًا على صورة مخصوصة، والفعل في الزمان الثاني والثالث على صورة مخصوصة، فإذا فعل في أي وقت، فقد فعل فعلًا له صورة مخصوصة، فيسقط الأمر. كما إذا قال لغيره: "ادفع درهمًا إلى رجل"، فإذا دفع أي درهم شاء إلى أي رجل شاء، سقط عنه الأمر، لأنه مأمور بدفع شيء له صورة [مخصوص] إلى شخص له صورة مخصوصة، وقد وجد، فكذا هذا. على أن نقول: الأمر عندنا لا يقتضي التكرار: على معنى أنه لا يقتضي وجوب الأفعال على الجمع، بحيث لو فعل الواحد يجب عليه غيره. أما يقتضي التكرار على معنى أنه يقتضي وجوبها على البدل، فأيها فعل يسقط الأمر، وهو بمنزلة قوله: "افعل في أي وقت شئت" [فإنه] تناول فعلًا واحدًا، وحكمه ما ذكرنا- كذا هذا.
وأما الثاني- قد ذكرنا أن هذه الألفاظ موضوعة في اللغة للإخبار، والشرع جعلها إنشاء في الحال، وليس من ضرورة أن يثبت الشرع حكمًا على الفور في موضع، أن يكون المر المطلق، على الفور. على أن هذا إثبات موجب اللفظ بدليل آخر، ولا كلام فيه، إنما الكلام في موجب اللفظ. ولن هذا إثبات موجب اللفظ قياسًا على موجب لفظ آخر، وذلك ممتنع. ولو جاز ذلك، فقياس هذا على الخبر أولى- وبيانه: أن من قال: "زيد سيدخل الدار" فدخلها بعد مدة، يعدُّ صادقًا، فكذا الأمر، لأن معنى قول القائل: "زيد سيدخل الدار" إخبار عن إيقاع الدخول، كما أن قول القائل: "ادخل" حثٌّ على إيقاع الدخول. ثم الخبر عن الإيقاع: لا يقتضي وجود المخبر على الفور، فكذا الحث على الإيقاع: لا يقتضي الفعل على الفور أيضًا.
وأما الثالث- فنقول: عندنا يجوز تأخير الفعل إلى غاية أن يغلب على الظن فواته بأمارة، وهذا لما مرَّ: أن الأمر تناول فعلًا واحدًا في زمان غير معين، وإذا كان كذلك، فالواجب في الحكمة أن يعين الله تعالى وقتًا يتضيق فيه الوجوب، وإلا لم يكن للعبد سبيل إلى معرفة ما كُلِّف به. فإذا وجدنا الأمارة، نحكم بأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)