أصلًا، ولو جاز التقييد مع فقد الوُصلة- لجاز تخصيص أحد العمومين باعتبار أن الآخر مخصوص، وهنا لا يجوز.
فإن قيل، وهو شبهة الخصم: الكفارات كلها جنس واحد، وهذا القدر يكفي للتعلق وتقييد البعض بالبعض، ألا ترى أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع وأطلقها في موضع آخر، فإنه قال: {وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} وقال: {وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ}، ثم جعل صفة العدالة شرطًا في الشهادات كلها. وكذا أطلق اليد في آية التيمم وقيدها بالمرافق في آية الوضوء. ثم حمل المطلق على المقيد بالإجماع. ولأن القرآن كله ككلمة واحدة، فإذا ثبت التقييد في البعض يثبت في الكل- ألا ترى أن الله تعالى قيَّد الذكر بالله تعالى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
في قوله: {والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا} وأطلقها في قوله: {والذَّاكِرَاتِ} ثم حمل المطلق على المقيد- كذا هذا.
ولنا:
- إن الكفارات، وإن اشتركت في الاسم، لكن اختلفت أسبابها وأحوالها، فجاز اختلافها في الإطلاق والتقييد -ألا ترى أنها اختلفت في البدل لاختلاف أسبابها- فكذا هذا.
- وأما الشهادة: فلا نقول: يحمل المطلق على المقيد، بل شرطنا العدالة في كل الشهادات، بدليل يقتضي ذلك.
- وأما تقييد اليد بالمرفق في باب التيمم-[فإنه] لا يحمل المطلق على المقيد، بل بدليل آخر، وهو بيان النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل، أو لأن بين التيمم والوضوء وُصْلة، لأن التيمم خلف عن الوضوء، فلا يخالفه فيما جعل خلفًا عنه.
- وقوله بأن القرآن كله ككلمة واحدة، قلنا:
* إن عنيت به أنه ككلمة واحدة في أنه يجب تقييد البعض بما قيد به البعض، فلسنا نسلم ذلك، وكيف يستقيم هذا وإنه لا يجب تقييد البعض بما قيد به البعض مخالفًا له في الحكم.
* وإن عنيت به أنه ككلمة واحدة في أنه لا تناقض فيه، وأن الكل صحيح فمسلم، ولكن لم يوجب هذا تقييد البعض بالبعض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
- وأما قوله تعالى: {والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا}. قلنا: هذا التقييد ثبت بدليل، وهو أنه خرج مخرج المدح والحث عليه: ألا ترى إلى قوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وأَجْرًا عَظِيمًا} فينصرف إلى ذكر الله تعالى لهذا المعنى. ولأنه ذكر معطوفًا على قوله تعالى: {والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا} وهذا يوجب التعليق والتقييد به.
أما ههنا-[فـ] أحدهما غير معطوف على الآخر، فلم يكن التقييد في البعض دليلًا على التقييد في البعض، فلا يقيد به.
فإن قيل: المطلق محتمل للمقيد، وفيه نوع احتمال وإجمال، والمقيد مفسّر ومحكم، فيجب حمل المحتمل والمجمل على المفسر والمحكم- قلنا: لا إجمال ولا احتمال في المطلق، بل له قضية محكمة معلومة على ما ذكرنا من قبل.
هذا إذا رجع في تقييد المطلق إلى نفس التقييد في المقيد.
(ب) - فأما إن رجع إلى ذلك بالقياس- فالكلام فيه من وجوه:
أحدها- إن تقييد المطلق نسخ لحكمه، وهو الإجزاء. لأن النص المطلق يقتضي الإجزاء بالفعل في مطلق الرقبة، أي رقبة كانت، على ما مرَّ. فإذا قيد بصفة الإيمان لم يبق الإجزاء بالفعل في مطلق الرقبة، ونسخ النص بالقياس لا يجوز. وهذا لأن قبل التقييد كان الإجزاء متعلقًا به لأجل أنه اعتاق رقبة. وبعد التقييد تعلق الإجزاء، لأنه إعتاق رقبة مؤمنة، فجرى التقييد بالصفة مجرى التقييد بإعطاء العشرة في أنه زيادة على النص، وإنه نسخ، لأن قبله يقتضي الإجزاء مع فقد هذه الزيادة، وبعده يرتفع هذا الحكم، وإزالة حكم شرعي نسخٌ له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
وثانيها- إن لم يكن هذا نسخًا بالقياس، لكنه قياس المنصوص على المنصوص، وهو باطل.
وثالثها- إن كان هذا تخصيصًا للعام بالقياس، لكن تخصيص العام ابتداء لا يجوز، وإنما يجوز إذا كان قد خُصَّ منه بعضه، وبعض الكفارة لم يخصَّ منه شيء.
ولو كان مطلقًا قيد بعضه، وبين الخصم قياسًا صحيحًا يقتضي تقييده بوصف الإيمان، فنحن تجوز ذلك- إنما الكلام في حمل المطلق على المقيد لا بهذا الطريق.
والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
9
باب
المجمل والمبين
64 - [تعريفات]:
نحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ تُستعمل في هذا الباب، نحو قولنا: "مُجْمَل" و"مُبيَّن" و"بيان" و"مُفسَّر" و"نَصٌّ" و"ظاهر".
أما قولنا "مُجْمَل"- فيراد به ما يفيد جملة من أشياء. ومنه قولهم: "أجملت الحسابَ" أي جمعتُ. وعلى هذا المعنى يسمى العام "مجملًا" لأنه قد أجمل تحته المسميات.
وقد يراد به ما لا يُعرف [به] مراد المتكلم.
وحدُّه الصحيح في عرف الفقهاء أن "المجمل ما يراد به شيء معين في نفسه واللفظ لا يُعيِّنه".
ولا يلزم على هذا قوله: "اضرب رجلًا"، لأن هذا لا يسمى "مجملًا"، لأنا قلنا: يفيد شيئًا معينًا في نفسه. وثمَّة ما أفاد ضرب رجل معين، فإنه لو ضرب أي رجل شاء كان ممتثلًا. ولا كذلك قوله: "قرء"، لأنه أفاد شيئًا معينًا: إما "الحيض" أو "الطهر"، ولا يعينه. وكذلك اسم "الصلاة":
يفيد أفعالًا معينة واللفظ لا يعينها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
وأما "البيان"- فعلى نوعين. قد يكون عامًّا وقد يكون خاصًّا.
أما العام: فهو الدلالة على المراد، إما القول أو الفعل. ومنه قول القائل: "بيَّن لي فلان [كذا وكذا] بيانًا ظاهرًا": سمَّى كشف المراد بيانًا. ويقال: "دللتُ فلانًا على الطريق وبيَّنته له".
وأما الخاص: فهو، فيما تعارفه الفقهاء، "هو الدالُّ على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الإفادة".
وأما "المُبيَّن"- فقد يُستعمل في خطاب يفتقر إلى البيان ولحقه البيان. وقد يستعمل في خطاب مبتدأ مُستغنٍ عن البيان.
وكذلك "المُفسر"- وهو والمبين سواء، لأن معناه الكشف والإبانة. وقد يستعمل في خطاب مفتقر إلى التفسير، وقد ورد عليه التفسير. وقد يُستعمل في خطاب مبتدأ مستغن عن التفسير.
وأما "النص":
[فـ] قال بعضهم: هو كل خطاب عُرف مراده، سواء كان مستقلًا أو عُرف مراده بغيره.
وعلى هذا: يسمى "المجمل" الذي لحقه البيان نصًّا.
وحدُّه الصحيح: أن يشتمل على ثلاثة أشياء: أن يكون كلامًا. وأن يكون إفادته لمعناه ظاهرًا. وأن لا يتناول إلا ما هو نص فيه. وإن كان متناولًا لشيء واحد، كان نصًّا فيه. وإن كان متناولًا لأشياء، كان نصًّا فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
- أما اشتراط كونه كلامًا- فلأن أدلة العقول والأفعال لا تسمى نصوصًا.
- وأما اشتراط إفادته معناه على سبيل الظهور- فلأن النص عبارة عن الظهور: يسمى منصّه العروس "منصّة" لارتفاعها وظهورها.
- وأما اشتراط تناوله لما هو نص فيه -فلأن قول القائل "اضرب عبيدي" لم يقل أحد إنه نص في وجوب ضرب سالم منه، لأنه مُتناوَلٌ مع غيره.
إذا ثبت هذا، قلنا في حد النص: هو كلام يفيد معناه ظاهرًا ولا يتناول أكثر مما هو نص فيه.
فإن قيل: ألسنا نقول إن الله تعالى نص على إيجاب الصلاة وإن كان قوله "أقيموا الصلاة" مجملًا. قلنا: قوله: "أقيموا" ليس بمجمل في حق الإيجاب، فكان نصًا على الوجوب، لكنه مجمل في حق الصلاة، فلا جرم لا يسمى "نصًّا" في حق الصلاة بعد البيان.
وأما "الظاهر":
فما يفيد معناه على سبيل الظهور، سواء كان متناولًا له وحده أو مع غيره، وكان محتملًا للتأويل على بعض الوجوه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
وهو مفارق للنص من هذه الجهة، وإن كان مشاركًا له في اشتراط كونه كلامًا، واختصاصه بالكشف والظهور.
والله أعلم.
65 - باب في: معرفة ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج إليه:
- اعلم أن من البيان ما يكون عامًا، وهو الدلالة المطلقة.
- ومنه ما هو خاص وهو الدلالة على المراد بأدلة شرعية. وهذا القسم يعرفه الفقهاء.
فإن كان الكلام في الأول، فنقول:
كل ما يصح أن يعلم ولا يعلم باضطرار- يحتاج إلى البيان. لأن ما يصح أن يعلم ولا يعلم باضطرار لا سبيل للعبد إلى العلم به إلا بالبيان، فاحتيج إلى البيان. وما يعلم باضطرار فذاك مستغنٍ عن البيان، لأن العبد مستغن عن تحصيل ما هو حاصل له.
وإن كان الكلام في القسم الثاني [: الخاص] فنقول:
[إن الدلالة الشرعية فيه ضربان: مستنبطة وغير مستنبطة]:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
إن الأدلة التي هي مستنبطة [كالقياس، فلا إجمال فيها، فيقال: إنه يحتاج إلى بيان. وأما الدلالة غير المستنبطة فهي] ضربان: أقوال وأفعال.
- وأما الأفعال- فكلها محتاج إلى دلالة تدل على الجهات التي تقع عليها:
فمنها- ما يقترن بها دلالة تدل على الجهة التي تقع عليها، نحو صلاة النبي عليه السلام بأذان وإقامة: تدل على وقوعها فرضًا.
ومنها- ما لا يقترن بها دلالة فيحتاج إلى بيان آخر.
- وأما الأقوال- فضربان:
أحدهما- ما يكفي نفسه وصريحه على المراد في الدلالة على جهة الغرض.
والآخر- لا يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد.
أما الذي يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد- فلا يحتاج إلى البيان، لأنه لو احتاج إلى البيان لانتقض قولنا: إنه يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد.
وأما الذي لا يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد- فضربان:
أحدهما- لا يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد بوضع أهل اللغة.
والآخر- لا بوضع أهل اللغة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
فالول:
نحو الأسماء المشتركة- فإن قولنا: "قرء" غير موضوع لهما ولا لأحدهما بعينه، فنحتاج إلى البيان. وكذا قوله تعالى: {وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} فإن اسم "الحق" يقع على أشياء مختلفة الصفة، واللفظ لا يعينها واحتاج إلى البيان.
وأما الضرب الثاني:
فهو أن لا يكون مجملًا في نفسه، ولكن المتكلم استعمله في غير ما وضع له- وذلك ضروب:
منها- أن يُستعمل لفظ العموم في الخصوص، وذلك لا يخلو: إما إن خص منه شيء معلوم، أو خص منه شيء مجهول:
فالأول- يحتاج إلى بيان ما أريد منه وإلى بيان ما لم يُرد منه، وذلك نحو قوله: {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ} وتناوله قوله: "لم أُرِدْ قتل بعضهم"، وليس دخوله تحت أحد النصين أولى من دخوله تحت الآخر، فيحتاج إلى البيان في ذلك. ومنها قوله تعالى: {وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}: فهذه الآية لو اقتصرت على قوله: {وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ} لا تحتاج إلى البيان، فإذا قيد بصفة الإحصان، وهي مجهولة، صار ما تناوله الإحلال مجهولًا. ومنها قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلَاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}: لما قيده بالاستثناء، والمستثنى -وهو ما يتلى- مجهول، صار ما تناوله صدر الكلام مجهولًا محتاجًا إلى البيان.
ومنها- المطلق الذي أريد به بعض المدة: يحتاج إلى البيان، لأن ظاهر اللفظ يقتضي ثبوته في كل المدة، فإذا أريد به البعض يحتاج إلى البيان.
ومنها- النكرة في موضع الإثبات، إذا أريد به بعض معين، نحو أن يقول: "اضرب رجلًا"، لأنه لا يدري أي رجل أراد، فيحتاج إلى البيان.
ومنها- الأسماء المنقولة عن معانيها إلى المعاني الشرعية.
ومنها- ألفاظ المجاز كاسم الأسد والحمار: إذا أُريد به الشجاع والبليد.
فهذه جملة ما يحتاج إلى البيان، وما لا يحتاج إلى البيان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
66 - باب: ما أخرج من المجمل وهو منه- نحو إرادة المعنيين بعبارة واحدة:
اعلم أن اللفظ المستعمل لا يخلو: إما إن أفاد فائدة واحدة، أو أكثر من فائدة واحدة.
[فـ] إن أفاد فائدة واحدة -فلا خلاف في جواز إرادتها كلها بعبارة واحدة.
وإن أفاد أكثر من فائدة واحدة- اختلفوا فيه:
ذهب جماعة من أهل الأصول إلى المنع من جواز إرادتهما بعبارة واحدة، في حالة واحدة.
وذهب بعض الفقهاء وجماعة من المتكلمين إلى جواز ذلك، إلا أن يتنافى الإرادتان، نحو استعمال صيغة "افعل" في الأمر والتهديد، لأن استعمالها في التهديد يوجب الكراهية وفي الأمر يوجب الإرادة، وبين الإرادة والكراهة تناف.
والمختار من المذهب: أن اللفظ إذا تناول شيئين على سبيل الحقيقة، أو أحدهما على سبيل الحقيقة والآخر على سبيل المجاز، أو كلاهما على سبيل المجاز- جاز أن يراد [أ] في الإمكان بعبارة واحدة، ولا يجوز ذلك في اللغة.
والدلالة على جواز ذلك في الإمكان أنه ليس بين إرادة الاعتداء من المرأة بالحيض وبين إرادة الاعتداد منها بالأطهار ما يمتنع [معه] اجتماعهما إذا لم يكن متكلمًا باسم "القرء". وكذلك يجب أن لا يكون بينهما ما يمنع اجتماعهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
إذا كان متكلمًا باسم "القرء"، لأن اللفظ لا يجعل ما ليس يمتنع ممتنعًا. وكذا ليس إرادة العقد بالنكاح وإرادة الوطء به ما يمنع من اجتماعهما إذا لم يكن متكلمًا باسم "النكاح". وكذا إذا كان متكلمًا باسم "النكاح".
فإن قيل: إن لم يكن بين معنيين منافاة- لم قلتم: إنه يجوز اجتماعهما واجتماع إرادتهما. وهذا لأن المانع من اجتماع الشيئين ليس هو المنافاة فقط، بل يجوز أن يمتنع اجتماعهما لأمر يرجع إلى الغير. ألا ترى أنه يتعذر على واحد منا إرادة تعظيم زيد والاستخفاف به بفعل واحد في حالة واحدة، وإن لم يكن بين هذين الفعلين منافاة، إذ لا منافاة بين القيام عند حضور زيد وبين شتمه مثلًا، وكذا هذا: امتنع اجتماع الإرادتين لأجل العبارة- وبيان التعذر من وجهين:
أحدهما- أن المستعمل للكلمة في المعنيين المختلفين قد استعملها فيما وضع لها، وعدل بها عن موضعها إلى غيره. واستعمال الكلمة في موضوعها مع العدول بها إلى غير موضوعها متنافيان، كإرادة الاقتصار على الشيء مع إرادة المجاوزة عنه.
والثاني- أن المستعمل للكلمة في غير موضوعها لا بد أن يضمر فيها "كاف" التشبيه أو ما يجري مجرى الكاف، لأن قول القائل: "رأيت الأسد" وهو يريد الشجاع معناه: "رأيت ما هو كالأسد" والمستعمل لها في موضوعها لا يضمر كاف التشبيه، ومحال أن يضمر فيه كاف التشبيه ولا يضمر فيه ذلك.
قلنا:
إذا ثبت أنه ليس بين المعنيين تناف-[فـ] لا يمتنع اجتماعهما لأجل العبارة، لأن العبارة ليست إلا الكلام الدال على المراد بالشيء، ويجوز أن يكون الشيء الواحد دلالة على شيء واحد وعلى أشياء. ألا ترى إلى قوله عليه السلام: "الفخذ عورة" دلَّ على وجوب ستر الفخذ وستر بعض الركبة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
بخلاف إرادة [تعظيم زيد] مع إرادة استخفافه، لأنـ[ـه] بين التعظيم والاستخفاف تناف، لأن التعظيم ينبئ عن ارتفاع حاله والاستخفاف ينبئ عن اتضاع حاله، وبين كونه مرتفع الحال وبين كونه متّضع الحال تناف- ألا ترى أنه يتعذر اجتماعهما على فعلين. وإذا ثبت أنـ[ـه] بين وجوديهما تناف، تعذر اجتماع الدواعي إليهما، فيتعذر الجمع بين إرادتيهما، لأن الإرادة تمنع الداعي. أما هنا [فـ] ليس بين الانتهاء عن العقد وبين الانتهاء عن الوطء تناف. وكذا ليس بين الاعتداد بالأطهار وبين الاعتداد بالحيض تناف، فلا يتصور إرادتهما في حالة واحدة.
قوله: المستعمل للكلمة في المعنيين استعملهما في موضوعها وعدل بها عن موضوعها: إن عنى به أنه أراد إيقاعه دليلًا على غير ما وضع له، كما أراد إيقاعه دليلًا على ما وضع له- لم قلت إن ذلك ممتنع، وفيه وقع النزاع؟ .
وإن عنى به أنه أراد استعمالها في غير ما وُضع له، وقصد ترك استعمالها فيما وُضع لها، فلا نسلم أنه عدل عن موضعها إلى غير موضعها على هذا التفسير، بخلاف إرادة الاقتصار وإرادة المجاوزة، لأن الاقتصار على الشيء ليس إلا ترك المجاوزة، والمجاوزة هي ترك الاقتصار، وفيه منافاة -أما هنا [فـ] بخلافه- على ما مرَّ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
وأما البيان الثاني- قلنا: نعني بإضمار "كاف" التشبيه أن يقصد بالاسم إلى ما هو كالأسد، فلا يمتنع أني قصد بالاسم إلى الأسد، إلى ما هو كالأسد، فلا يوقع الاسم دليلًا عليهما. وإن عني به شيئًا آخر فلا نسلم الإضمار، على ذلك التفسير.
هذا هو الكلام في الجواز والإمكان العقلي.
والدليل على أنه لا جواز له من جهة اللغة- أن أهل اللغة وضعوا اسم الحمار للبهيمة وحدها وتجوزوا به في البليد وحده، ولم يستعملوه في كلا المعنيين أصلًا، بدلالة أنه لا يفهم من اسم "الحمار" البليد والبهيمة جميعًا. ولو كان مستعملًا فيهما جميعًا لكان يجب أن يفهم ذلك. وإذا لم يكن الاسم مستعملًا فيهما لا يجوز للمتكلم أن يستعمله فيهما لأنه خلاف أهل اللغة، ولا يجوز ذلك مع أنه يتكلم بلغته. وكذا اسم "القرء": غير موضوع للحيض والطهر جميعًا، لأنه لو كان كذلك لكان المستعمل في أحدهما متجوزًا، وإجماع أهل اللغة على خلاف ذلك. وكذلك لو قال "قرءان" لا يفهم منه أربعة: اثنان من الطهر واثنام من الحيض، ولا يفهم من الثلاثة ستة. وإذا لم يكن موضوعًا لهما لا يجوز للمتكلم أن يستعمله فيهما مع أنه متكلم بلغتهم. فإن قيل اسم "القرء" يصلح لكلا المعنيين فيجوز حمله عليهما جميعًا كقوله: "اضرب رجلًا" لما صلح هذا الاسم لكل واحد نم آحاده على البدل -فكذا هذا- قلنا: إن عنيت به الصلاحية: [أي] أن الاسم موضوع لهما أو يستعمل فيهما جميعًا، فقد أبطلناه. ولا كذلك قوله "اضرب رجلًا" لأن اللفظ أفاد فائدة واحدة، وهو ضرب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
من اختص بهذا الاسم، وهذه الفادة سائغة في الكل، فصح أن يراد به الكل على البدل. أما هنا [فقد] اختلفت فائدة اللفظ، لأن فائدته في الحيض الحيضُ وفي الطهر الطهرُ، فلا يجوز أن ينتظمهما اسم واحد. نظير هذا: من ذلك أن يقال للمرأة "اعتدي [بـ] ما يُسمَّى قرءًا" وهذا [تخيير] لها أن تعتد بكلا المعنيين، لأنه علق الاعتداد بما يسمى "قرءًا" وكلا المعنيين يتفقان في فائدة وضعت له، وجرى ذلك مجرى قولنا: "اضرب رجلًا" بخلاف قوله: "اعتدى بقرء" لأنه اختلف فائدة اللفظ في الموضعين، لأنه تناول الحيض لأنه حيض، وتناول الطهر لأنه طهر، فلا يجوز أن ينتظمهما لفظ واحد.
وأما المخالف:
- فقد احتج بما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: "قبلة الرجل لامرأته توجب نقض الوضوء" وأوجب التيمم على الجنب- وهذا يدل على أنه حمل قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} على الجماع على المسَّ باليد.
- واحتج أيضًا بأن قوله تعالى: {والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} أريد به الاعتداد بالحيض والطهر جميعًا، حتى جاز لها تقليد من يرى الاعتداد بالحيض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
وتقليد من يرى الاعتداد بالطهر، وأيًّا ما فعلت فقد فعلت ما أراد الله تعالى. وإن كانت من أهل الاجتهاد، فأيهما أدى اجتهادها إليه، كان المطلوب منها ذلك.
والجواب:
أما الأول- قلنا: لا يمتنع أن ابن عمر رضي الله عنهما إنما أوجب التيمم على الجنب بالسنة، لا بهذه الآية. أو حمل الآية على مطلق المسَّ، وفي الجماع مسٌّ، فكانت فائدة الاسم فيهما متجددة.
وأما الثاني- فالجواب عنه من وجوه:
أحدها- أن مراد الله تعالى واحد، وليس كل مجتهد أو مقلد للمجتهد مصيبًا للحق وكما هو مراد الله تعالى، إلا أنه إذا أخطأ يعذر في ذلك، لما نذكر في باب القياس إن شاء الله تعالى.
وثانيها- أن الله تعالى تكلم بالآية مرتين: فمرة أراد الطهر ومرة أراد الحيض [عند] من أدى اجتهاده إليه أو يقلد من أدى اجتهاده إليه.
وثالثها- إن صح أنه أرادهما بلفظة واحدة، فيكون قيام الدلالة على ذلك دليلًا على أن الاسم انتقل عن موضوعه بالشرع، وصارت حقيقة شرعية- والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
67 - باب في: ما أُلحق بالجمل وليس منه:
فمن ذلك- التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان نحو قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ … }. وقوله: {وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ … }. وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ … }.
ذهب جماعة من المتكلمين إلى أنه مجمل لا يصح التمسك به.
وذهب أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه ليس بمجمل، [فـ] يصح التعلق به.
فالأولون ذهبوا في ذلك إلى أن ظاهر النص يقتضي تحريم فعل الأمهات وفعل الميتة والدم، لأن التحريم يختص بالأفعال، لأنه عبارة عن المنع. ومعنى ذلك أن الفعل بحاله ليس لفاعله أن يفعله- كتحريم الأكل والشرب وغير ذلك: منع من تحصيل هذه الأفعال، فكذا هذا. وإيجاد الأعيان ليس في وسع العباد إذا كانت معدومة، فكيف بعد وجودها، وكان المراد غير ما اقتضاه الظاهر، فكان مجملًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
فإن قال بأن المراد من تحريم العين تحريم الفعل فيه- قلنا: هذا خلاف اللفظ، ولأن العين تقبل عدة من الأفعال، ولا يمكن حمله على الكل، وليس البعض أولى من البعض، فكان مجملًا.
إلا أنَّا نقول: اللفظ إنما يكون مجملًا إذا لم يكن له معنى معلوم، في اللغة أو في العرفز والمراد من تحريم الأعيان معلوم عرفًا، وهو تحريم الأفعال المختصة بها، فتحريم الأم تحريم الاستمتاع بها، وتحريم الميتة والدم تحريم أكلها، وتحريم الثوب تحريم لبسه، وتحريم الدار تحريم الدخول والسكنى فيها- هذا هو المفهوم عرفًا من غير سابقة بيان. ولا يمتنع أن لا يكون اللفظ للشيء في اللغة ثم يفيده من جهة العرف، كاسم الغائط: يفيد المكان المطمئن في اللغة، ثم يفيد قضاء الحاجة في العرف.
ومنها- حرف النهي الداخل على الفعل إذا لم يكن على صفة. نحو قوله عليه السلام: لا صلاة إلا بطهور -ولا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل- ولا نكاح إلا بشهود -ولا شهادة لمتهم- والأعمال بالنيات -ولا عمل إلا بالنية- ونظائر هذا كثيرة.
قال بعض المتكلمين: إنه مجمل لا يصح التعلق به، لأن ظاهره يقتضي نفي صورة هذه الأفعال حقيقة، وإنها لا تنتفي، فكان المراد نفي حكمه، وحكمه شيئان: أحدهما: الإجزاء، والثاني الكمال والفضيلة، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان مجملًا. ولا يقال إنه يحمل على الكل، لأنا نقول: الحكم غير مذكور لا على سبيل العموم ولا على سبيل الخصوص، فلا يمكن حمله على الكل، لأنه ليس البعض بأولى من البعض، ولأن الحمل على نفي الكمال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
يناقض الحمل على نفي الإجزاء، لا أن في نفي الكمال إثبات أصل الأجزاء، فكان مجملًا.
إلا أنا نقول: لا إجمال في هذه الأفعال، لأن المراد بها معلوم. وبيانه- هو أن اللفظ يقتضي نفي كل صلاة بدون الطهور، ونفي كل صوم بدون النية، ونفي كل نكاح بدون الشهود، ونفي كل شهادة صدرت عن المتهم، ونفي كل عمل لمن لم يقترن به النية -لأنها نكرة في محل النفي- إلا أن الحاصل من هذه الأفعال نوعان: نوع هو مشروع أي موصوف بالاعتبار الشرعي المقتضي لحكمه، ونوع هو غير مشروع أي غير معتبر في اقتضاء الحكم. إلا أن النوع الثاني غير مراد بالإجماع فصار النوع الأول مرادًا. فكان هذا من باب التخصيص، لا من باب الإجمال. ففي باب الصلاة والطهور: الصلاة الفاسدة غير مرادة، فتعينت الصلاة الجائزة. وفي الصوم والنية من الليل: الصوم الذي لا كمال له ولا فضيلة غير مراد، فتعين الموصوف بوصف الكمال. وفي النكاح: النكاح الفاسد غير مراد، فيتعين الصحيح. وفي الشهادة: الشهادة التي لا اعتبار لها ولا أثر لها في وجوب القضاء ليسـ[ـت] بمراد، فتعين النوع الآخر مرادًا. وفي العمل مع النية: العمل العاري عن اعتباره في اقتضاء الأجر والثواب غير مراد، فتعين النوع الآخر مرادًا. وفي العمل مع النية: العمل الحسي العاري عن اعتباره في اقتضاء الثواب والأجر غير مراد، فتعين النوع الآخر.
ويمكن التعلق بهذا الوجه في قوله عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"- إن الضرر نوعان: نوع هو حرام، ونوع ليس بحرام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)