فقط؛ من جهة أنه صحيح لذاته، وأن معناه جاء من غير وجه، فله عاضد من غيره (1).
ولكثرة استعمال الترمذي لهذه الصيغة ظن كثير من الناس أنه أقدم من عرف عنه ذلك، وليس كذلك، بل وقع استعماله في كلام شيخه البخاري، كما نقل الترمذي عنه شيئاً من ذلك، وأبي حاتم الرازي، لكن قليلاً.
فمنه قول ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن شيبان، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن عبد الله بن حوالة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يجندون أجناداً؟ قال: " هو صحيح حسن غريب" (2).
وقال: سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن زيد بن واقد، عن مغيث بن سمي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: " محموم القلب، صدوق اللسان "، قالوا: صدوق اللسان نعرف، فما محموم القلب؟ قال: " هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا غل ولا حسد "، قالوا: من يليه يا رسول الله؟ قال: " الذي يشنأ الدنيا، ويحب الآخرة "، قالوا: ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن يليه؟ قال: " مؤمن في خلق حسن "، قال أبي: " هذا حديث صحيح حسن، وزيد محله الصدق، وكان يرى رأي القدر " (3).
* * *--------------------------------------------
(1) ذكر معنى ذلك ابن رجب في " شرح العلل " (1/ 388).
(2) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: 1001) .......
(3) علل الحديث (رقم: 1873).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 810)
الفصل الثاني
الحديث الحسن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 811)
المبحث الأول:
تعريف الحديث الحسن
الحديث الحسن في استعمال المتقدمين له، واقع على صورتين:
الصورة الأولى: ما تقاصر عن درجة الصحيح، من جهة قدر الإتقان في بعض رواته فيما لا يهبط عن درجة القبول غالباً، مع اعتبار سائر شروط الصحة (1).
والطريق إلى إدراكه: أنك تجده في الراوي الموصوف بالصدق، لكنه: إما أن يثبت له من الوهم والغلط ما نزل بحفظه عن درجة أهل الإتقان، غير أنه لم يزل فوق الضعف الذي يسقط بالرواية.
وإما أن يكون لم يرو إلا القليل ولم يتميز من مجموع ما روى أنه يلحق بالثقات، فيبقى دون الثقة.
والتحقيق:
أن الفصل بين مقبول ومردود في هذا المقام في غاية المشقة؛ لذلك كان هذا النمط من الرواة يشترط لقبول حديثه والحكم بحسنه شرطان زائدان على شروط الصحيح:--------------------------------------------
(1) انظر شرح علل الترمذي، لابن رجب (1/ 389 _ 390) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 813)
الأول: زيادة التحري لتحقيق شرط السلامة من العلل المؤثرة.
والثاني: البحث عن وجود ما يوافق روايته، فلو تفرد بمضمونها؛ كأن يأتي بحكم لم يأتي به غيره، ولا يعرف في قرآن أو سنة صحيحة كان الحديث بذلك من (قسم المردود).
ولهذا يعبر بعض أهل الحديث عن الراوي الذي خف ضبطه أو لم يتبين إتقانه بعبارة: (يكتب حديثه وينظر فيه)، وهذا الشرط ليس مطلوباً في حديث الثقة تام الضبط راوي الحديث الصحيح.
والصورة الثانية: الحديث يكون ناقصاً في شرط الاتصال، أو نازلاً في شرط الضبط عن حد من يقبل منفرداً، فيأتي معناه من وجه آخر صالح للاعتبار به، في نفس منزلته أو يقرب منها، بحيث إذا نظرت إلى كل من الوجهين منفرداً رددته، لكنك إذا جمعتهما قوى أحدهما الآخر، حيث سد كل منهما نقص الآخر.
وهذا هو الحديث (الحسن لغيره).
وهو في التحقيق: الضعيف المنجبر.
الترمذي و (الحديث الحسن):
أول من جاء عنه تعريف (الحديث الحسن) هو الإمام الترمذي، ومعلوم أن له في كتابه " الجامع " مصطلحات مبتكرة، اضطرب العلماء بعده في تفسيرها، وهذا محل بيان (الحديث الحسن) عنده (1).
قال الترمذي: " ما ذكرنا في هذا الكتاب (حديث حسن)، فإنما أردنا به حُسن إسناده عندنا. كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم--------------------------------------------
(1) وسائر استعمالاته في محالِّها من هذا الكتاب، كقوله: (حديث حسنٌ صحيحٌ) و (حديثٌ غريب)، وقد ذكر ابنُ رجب ما تأوَّله المتأولون لتفسير المراد بتلك الاصْطلاحات، انظر: شرح العلل (388 _ 394).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 814)
بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً، ويروى من غير وجه نحو ذاك. فهو عندنا حديث حسن " (1).
وهذا يبينه ابن رجب بقوله: " الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم، إذا لم يكن أحد منهم متهماً، كله حسن، بشرط أن لا يكون شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة " (2).
وكونه جعل الشرط فيه: رواية معناه من غير وجه، فإذا قال: (حديث حسن غريب) فيعني غرابة لفظه من ذلك الوجه، وحسنه لمجيء معناه من وجه آخر (3).
قلت: وهذا التعريف من الترمذي يمكن إجراء هـ على صورة (الحسن لغيره)، إذ مجيء معنى الحديث من وجه آخر لا يطلب في رواية من ثبت حفظه بثبوت السلامة من الوهم، وإن كان في حفظه لين إنما تُطلب فيه السلامة من التفرد بما لا أصل له، وفرق بين الصورتين لا يخفى.
ولذا كان (الحسن لذاته) مندرجاً عند أكثر الأئمة تحت (الصحيح)؛ لاعتبار النظر عندهم إلى ذات الإسناد وذات المتن، وأنه نفس ما اعتبروه للحديث الصحيح لذاته.
والحديث الحسن بتعريف الترمذي هو الضعيف الصالح عند من تقدمه من أهل العلم.
قال ابن رجب: " كان الإمام أحمد يحتج بالحديث الضعيف الذي لم يرد خلافه، ومراده بالضعيف قريب من مراد الترمذي بالحسن " (4).--------------------------------------------
(1) كتاب (العلل) آخر " الجامع " (6/ 251).
(2) شرح العلل (1/ 384 _ 385).
(3) بيَّنه ابنُ رجب كذلك (1/ 386) .......
(4) شرح علل الترمذي (1/ 344).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 815)
قلت: وهذا نسبه كذلك ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى طريقة أحمد وغيره من الأئمة المتقدمين:
فقال ابن تيمية: " والترمذي أول من قسم الأحاديث إلى صحيح وحسن وغريب وضعيف، ولم يعرف قبله هذا التقسيم عن أحد، لكن كانوا يقسمون الأحاديث إلى صحيح وضعيف، كما يقسمون الرجال إلى ضعيف وغير ضعيف، والضعيف عندهم نوعان: ضعيف لا يحتج به، وهو الضعيف في اصطلاح الترمذي، والثاني: ضعيف يحتج به، وهو الحسن في اصطلاح الترمذي،. . ولهذا يوجد في كلام أحمد وغيره من الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف، كحديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري وغيرهما، فإن ذلك الذي سماه أولئك ضعيفاً هو أرفع من كثير من الحسن، بل هو مما يجعله كثير من الناس صحيحاً " (1).
وقال ابن القيم وهو يبين أصول مذهب أحمد: " الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثراً يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعاً على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس.
وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس " (2).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (18/ 140 _ 141 _ وفاء)، ونحوه في: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: 163) .......
(2) إعلام الموقعين (1/ 31 _ 32)، معنى هذا أيضاً في كتاب " الفروسية " (ص: 67).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 816)
قلت: ومن هذا القبيل ما حكاه ابن أبي حاتم الرازي في ترجمة (مخلد بن خفاف الغفاري)، قال: سئل أبي عنه؟ فقال: " لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب، وليس هذا إسناد تقوم به الحجة " يعني الحديث الذي يروي مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الخراج بالضمان، " غير أني أقول به؛ لأنه أصلح من آراء الرجال " (1).
وهذا الحديث يتقوى بالطرق عند جماعة من العلماء، والعلة في هذا الإسناد من جهة عدم شهرة مخلد، فمثله يحسن حديثه في غير الأحكام، أما في الأحكام كهذا الحديث فيحتاج إلى عاضد، وقد جاء ما يشده ويدفع عن مخلد فيه التفرد (2).
وهذا النوع من الحديث كان الأئمة من السلف يصيرون إليه عند فقدهم ما هو أولى منه، وبينت في (المرسل) أن احتجاج من احتج به من أكثرهم كان من هذه الجهة، لا من جهة اعتقاد ثبوته في لفظه وروايته.
وحاصل ما تقدم أن (الحسن) يندرج تحته نوعان:
الأول: الحسن بتعريفه الذي صدرت به، وهو ما عاد الفارق بينه وبين (الصحيح) إلى قدر الإتقان فيمن ترجح حفظه ولم يتفرد بأصل.
وهذا هو (الحسن لذاته).
والثاني: المروي من وجه لين أو ضعيف لم يبلغ السقوط، جاء معناه من وجه آخر صالح للاعتبار به، فتقوى به.
وهذا هو (الحسن لغيره)، وهو رواية الضعيف المنجبرة.
وكيف يتقوى الحديث الضعيف بتعدد الطرق حتى يلحق بالمقبول من الحديث؟ بيانه في (الفصل الثالث) من (الباب الثاني).--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل (4/ 1 / 347).
(2) بما تحريره في كتابي (نُصوص المعاملات الماليَّة) يسَّر الله إتمامه .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 817)
وقد قال السخاوي: " قال النووي رحمه الله في بعض الأحاديث: وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة، فمجموعها يقوي بعضها بعضاً، ويصير الحديث حسناً، ويحتج به، وسبقه البيهقي في تقوية الحديث بكثرة الطرق الضعيفة، وظاهر كلام أبي الحسن ابن القطان يرشد إليه، فإنه قال: هذا القسم لا يحتج به كله، بأن يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر القرآن، واستحسنه شيخنا " يعني ابن حجر، وأشار إلى أنَّ مذهب ابن دقيق العيد التوقف (1).
قلت: واعلم أنه لم يذهب أحد من متقدمي أئمة الحديث، ولا متأخري المحققين منهم إلى أن قبول مثل هذا الحديث هو من جهة اشتمال الإسناد على شروط القبول، وإنما بإقرار جميع من تعرض إلى هذا النوع: هو حديث ضعيف لذاته، لكنهم وجدوا الضعف مما أشار إليه تعريف الترمذي للحديث الحسن بقوله: " لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً، ويروى من غير وجه نحو ذاك "، فيطلبون فيه وجود ما ذكره الترمذي على التحقيق.
وبعض المتأخرين توسعوا، وأهملوا اعتبار هذه الأوصاف، فقووا أحاديث بممجرد تعدد الطرق، وتسهلوا في درجات الرواة، كما وقع لمثل السيوطي رحمه الله وغيره.
واعلم أنه لا حاجة بك أن تقول فيما يتقوى عندك بهذا الطريق بعد اعتبار شروطه: (حديث حسن لغيره) كما لا حاجة للقول في الصورة الأولى: (حديث حسن لذاته)، وإنما جرى عمل المتقدمين وأكثر المتأخرين على إطلاق القول: (حديث حسن).
* * *--------------------------------------------
(1) فتح المغيث (1/ 69) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 818)
المبحث الثاني:
تاريخ هذا (المصطلح)
يعزو كثير من المتأخرين استعمال مصطلح (الحديث الحسن) بمعنى: الحديث النازل عن درجة (الصحيح) دون الرد، إلى الإمام الترمذي صاحب " الجامع ".
نعم، تقسيم الحديث المقبول إلى: صحيح، وحسن، لم يكن شائعاً قبل الإمام الترمذي، وكان بعض من تقدم قبله من أئمة الحديث يرون الحديث الحسن درجة من الضعف كما تقدم عن أحمد وغيره فيما كانوا يقدمونه على القياس، ولم يكن مرادهم الضعيف المردود.
فلما جاء الترمذي أظهر الاصطلاح بجعل (الحسن) أحد قسمي المقبول.
والتحقيق: أنه مسبوق إلى استعمال هذا المصطلح بالمعنى الذي قصد إليه، سبقه به أئمة الحديث، لكنه لم يتحرر يومئذ بتعريف، وفضل الترمذي أنه أول من صاغ قانونه، وحرر تعريفه.
فممن استعمله قبله أو من معاصريه من أئمة الحديث:
(1) الإمام مالك بن أنس، وهو أقدم من عرف عنه ذكر (الحديث الحسن).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 819)
وذلك فيما أخرجه الحافظ ابن أبي حاتم الرازي (1) قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: سمعت عمي (يعني عبد الله بن وهب) يقول: سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد القرشي، قال:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه ".
فقال: " إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة " ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع.
وهذا الحديث لو تتبعته صرت إلى أنه (حسن) بالمعنى الاصطلاحي، مع أن الاصطلاح لم يعرف بعد.
(2) الإمام علي بن المديني.
ومما جاء عنه في ذلك في حديث عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان ذا وجهين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة "، قال ابن المديني: " إسناده حسن ، ولا نحفظه عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الطريق " (2).
(3) الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب " الصحيح ".
فقد نقل عنه الترمذي تحسينه لعدة أحاديث، وذلك في كتابي " الجامع " و " العلل الكبير "، جميعها مما يتطابق مع تعريف الحديث الحسن بما تقدم، وعنى به البخاري درجة في الثبوت، منها: حديث عثمان في تخليل اللحية--------------------------------------------
(1) في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: 31 _ 32) .......
(2) نقله المزِّي في " تهذيب الكمال " (29/ 482).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 820)
في الوضوء، وحديث ابن عباس في تخليل الأصابع، وحديث عائشة في " ويل للأعقاب من النار " في الوضوء كذلك، وغيرها.
(4) أبو حاتم الرازي، فحكم به على الحديث المعين، قوله في ترجمة (عمرو بن محمد) الراوي عن سعيد بن جبير: " هو مجهول، والحديث الذي رواه عن سعيد بن جبير فهو حسن " (1).
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه شعبة والليث عن عبد ربه بن سعيد، واختلفا: فقال الليث: عن عمران بن أبي أنس.
وقال شعبة: عن أنس بن أبي أنس.
واختلفا: فقال الليث: عن ربيعة بن الحارث.
وقال شعبة: عن المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الصلاة مثنى مثنى، تخشع، وتضرع، وتمسكن، وتقنع بيديك _ يقول: يرفعهما _ وتقول: يا رب، يا رب، فمن لم يفعل ذلك لم يفعل ذلك فهيَ خداج ".
قال أبي: " ما يقول الليث أصح؛ لأنه قد تابع الليث عمرو بن الحارث، وابن لهيعة، وعمرو والليث كانا يكتبان، وشعبة صاحب حفظ ".
قلت لأبي: هذا الإسناد عندك صحيح؟ قال: " حسن ".
قلت لأبي: من ربيعة بن الحارث؟ قال: " هو ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ". قلت: سمع من الفضل؟ قال: " أدركه ". قلت: يحتج بحديث ربيعة بن الحارث؟ قال: " حسن ". فكررت عليه مراداً فلم يزدني على قوله: " حسن "، ثم قال: " الحجة سفيان وشعبة ".
قلت: فعبد ربه بن سعيد؟ قال: " لا بأس به ". قلت: يحتج بحديثه؟ قال: " هو حسن الحديث " (2).--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل (3/ 1 / 262) .......
(2) علل الحديث (رقم: 365).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 821)
قلت: حكم أبي حاتم على راو بكونه (حسن الحديث) كثير، يأتي قريباً بعض مثاله.
قلت: والأشبه أن يكون ما اصطلحه الترمذي في عد الحديث الحسن قسيماً للصحيح في جملة الحديث المقبول، مما أخذه عن شيخه البخاري، وأخذه البخاري عن شيخه علي بن المديني.
ولا نعلم أحداً من أئمة هذا الشأن عاب على الترمذي هذا الاصطلاح عند ظهوره منه، بل إن من جاء من بعد قد تواردوا على متابعة الترمذي في استعماله.
ويعتضد ما بينته عن الترمذي في معنى (الحسن) وعمن سبقه إليه أو وافقه فيه: ما شاع من استعمال إطلاق وصف (حسن الحديث) على الراوي، فمن تأمل أحوال من أطلقت عليه هذه العبارة عند متقدمي العلماء وجدها صفة من يحكم على حديثه بالحسن الاصطلاحي.
فمن ذلك:
(1) قال أحمد بن حنبل في (شهر بن حوشب): " ما أحسن حديثه " ووثقة، قال: " روى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حساناً " (1).
(2) وقال أبو داود في (أشعث بن عبد الرحمن): " حسن الحديث " (2).
(3) وقال أبو حاتم الرازي في (عبد الله بن عبد الملك بن أبي عبيدة المسعودي): " حسن الحديث، لا بأس به عنده غرائب عن الأعمش " (3).
(4) وقال أبو حاتم في (محمد بن راشد المكحولي): " كان صدوقاً، حسن الحديث " (4).--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل (2/ 1 / 383).
(2) سؤالات الآجرِّي (النص: 312).
(3) الجرح والتعديل (2/ 2 / 105).
(4) الجرح والتعديل (3/ 2 / 253).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 822)
(5) وقال أبو حاتم في (محمد بن عبد الله المرادي): " شيخ لشريك، حسن الحديث، صدوق " (1).
وعلى نفس المعنى جرى الناقد أبو أحمد بن عدي في تحرير عبارات المتقدمين، وإن كان قد جاء بعد الترمذي لكنه كان على سنن السابقين، ومن أمثلة كلامه في ذلك:
نقل عن يحيى بن معين قوله في (إبراهيم بن سليمان أبي إسماعيل المؤدب): " ضعيف "، ثم قال: " هو عندي حسن الحديث، ليس كما رواه معاوية بن صالح عن يحيى، وله أحاديث كثيرة غرائب حسان، تدل على أن أبا إسماعيل من أهل الصدق، وهو ممن يكتب حديثه " (2).
وقال ابن عدي في (أبان بن يزيد العطار): " هو حسن الحديث متماسك، يكتب حديثه، وله أحاديث صالحة عن قتادة وغيره، وعامتها مستقيمة، وأرجو أنه من أهل الصدق " (3).
وقال ابن عدي في (بريد بن عبد الله بن أبي بردة الأشعري) وقد ذكر له حديثاً تفرد به: " هذا طريق حسن، ورواة ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم، وأرجو أن لا يكون ببريد هذا بأس " (4).
ولابن عدي بمثل المعنى في رواة آخرين (5).
قلت: وقول ابن عدي: (يكتب حديثه) ولم يقل: (يحتج به)؛ لأن--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل (3/ 2 / 309) .......
(2) الكامل (1/ 404).
(3) الكامل (2/ 73).
(4) الكامل (2/ 247).
(5) انظر مثلاً قوله في: سعيد بن سالم القدَّاح، وعبد الله بن لَهيعة، وعبد الله بن عُثمان بن خثيم، ومُحمد بن دينار الطاحي، ومُحمد بن عيسى بن القاسم بن سُميع (الكامل 4/ 454، و 5/ 253، 268، و 7/ 414، 489) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 823)
من كان (حسن الحديث، صدوقاً) لا يصلح الاحتجاج بخبره ابتداء حتى ينظر فيه، فيعرف أنه محفوظ، وإنما تكون عبارة (يكتب حديثه) جرحاً لو جاءت مفردة، أو مضمونة إلى لفظ جرح.
نعم، ربما قال الناقد في الراوي (حسن الحديث) وهو من الثقات المتقنين، كما قال أحمد بن حنبل في أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج: " شعبة حسن الحديث عن أبي إسحاق، وعن كل من يحدث عنه " (1)، وقال في (عيسى بن يونس بن أبي إسحاق): " حديثه حسن " (2)، وقال العجلي في (سفيان بن عيينة): " كان حسن الحديث " (3)، وقال أحمد بن حنبل في (زيد بن أبي أنيسة): " إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، وهو على ذلك حسن الحديث " (4)، وقال علي بن المديني: " ليس أحد أثبت في سعيد بن أبي سعيد المقبري من ابن أبي ذئب وليث بن سعد ومحمد بن إسحاق، هؤلاء الثلاثة يسندون أحاديث حساناً، ابن عجلان كان يخطئ فيها " (5).
غير أن هذا قليل، فيكون التأصيل: أن من قيلت فيه عبارة (حسن الحديث) فهو صدوق حسن الحديث على المعنى الاصطلاح، حتى تدل قرينة على عدم إرادة ذلك.
ومن دلالة القرينة على عدم إرادة ذلك مثلاً قول ابن عدي في (حسام بن مصك): " عامة أحاديثه إفرادات، وهو مع ضعفه حسن الحديث، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق " (6).--------------------------------------------
(1) تقدمة الجرح والتعديل (ص: 176).
(2) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (2/ 197).
(3) معرفة الثقات (النص: 631).
(4) الضعفاء، للعقيلي (2/ 74)، قلت: وزيد ثقة، وأحسب النكارة التي عنى أحمد التفرد، فإنه ربما أراد ذلك.
(5) معرفة الرجال، لابن مُحرزٍ (2/ 207).
(6) الكامل (3/ 366).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 824)
فسائر قول ابن عدي مع النظر في كلام غيره من نقاد الحديث في (حسام) هذا، يتبين أن حسن الحديث هنا لم يرد به المعنى الاصطلاحي له، إنما ما يكون من حديث الراوي صالحاً للاعتبار.
خلاصة ما تقدم:
استعمال مصطلح (الحديث الحسن) قديم لأهل العلم بالحديث، واقع في كلام المتقدمين، يعنون به مرتبة من مراتب القبول والاحتجاج، وإنما كان للترمذي فيه فضل الإبراز والتعريف.
تنبيهان:
الأول: وقع إطلاق لفظ (حديث حسن) في كلام بعض المتقدمين، يعنون به الغريب، وليس هذا من المعنى الاصطلاحي في شيء، والقرينة هي التي أخرجت المراد به عن المعنى المتقدم.
فمن ذلك:
قول وكيع بن الجراح: " كل حديث حسن عبد السلام بن حرب يرويه " (1).
فهو يشير إلى أفراده وروايته الغرائب، وليس هذا من الحسن الاصطلاحي.
ومن هذا ما حدث به أمية بن خالد، قال: قلت لشعبة: ما لك لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: " تركت حديثه "، قال: قلت: تحدث عن فلان وتدع عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: " تركته "، قلت: إنه كان حسن الحديث، قال: " من حسنها فررت" (2).--------------------------------------------
(1) أخرجه العُقيلي (3/ 70) بإسناد صحيح .......
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: 146) والعقيلي في " الضعفاء " (3/ 32) وابن عدي في " الكامل " (6/ 525) _ ومن طريقه: البيهقي في " الكبرى " (6/ 106) _ والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: 1296) وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 825)
والثاني: وقع في كلام بعض العلماء إطلاق وصف (حديث حسن) يريدون به حسن السياقة لا الثبوت، وهذا ليس بجيد ممن فعله؛ لأنه يشكل ويلتبس بالاصطلاح، لكنه قليل نادر.
منه قول الحافظ أبي عمر ابن عبد البر بعد إيراده حديثاً هو عند أهل العلم موضوع من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا العلم، فإن تعليمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح " في سياق طويل، قال: " هو حديث حسن جداً، ولكن ليس له إسناد قوي " (1).
* * *--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم وفضْله (1/ 55).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 826)
المبحث الثالث:
تطبيق لتحقيق شروط حسن الحديث
تطبيق للحديث الحسن لذاته:
قال الإمام أبو داود السجستاني (1): حدثنا مؤمل بن الفضل، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من أحب لله، وأبغض لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان ".
حال الإسناد من حيث أحوال الرواة واتصاله:
شيخ أبي داود مؤمل وشيخه ابن شابور وشيخه يحيى ثقات، سمع مؤمل من شيخه، وابن شابور لا يعرف بتدليس، ثم هو وشيخه وسائر الإسناد رواة دمشقيون لا ينكر لقاء بعضهم بعضاً وسماع بعضهم من بعض.
وأما القاسم فهو ابن عبد الرحمن تابعي، ويعرف ب " صاحب أبي أمامة " معروف السماع منه، وهو عدل، لكنهم تكلموا في ضبطه وإتقانه، ولينوا روايته، ومنهم من أطلق ضعفه، كما أن منهم من وثقه، وحين تبحث عن--------------------------------------------
(1) في " سننه " (رقم: 4681) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 827)
سبب التضعيف المطلق تجده أن بعض الرواة الضعفاء رووا عنه أحاديث منكرة، ليس البلاء فيها من جهته، إنما من جهتهم، وأمره في التحقيق كما وصفه البخاري أن أحاديث الثقات عنه كيحيى بن الحارث مقاربة، وهذا وصف يعني القبول بحيطة، إذ هذه درجة من في حديثه لين مع الصدق، وهي درجة من يقال في حديثه: (حسن).
ولنأتِ إلى النظر في الشرطين المذكورين آنفاً لقبول حديث الصدوق، فتأملنا فوجدنا الإسناد سالماً إلى القاسم، وأما هو فوجدناه صاحباً لأبي أمامة لا ينكر أن يسمع من أبي أمامة ما لم يسمعه غيره منه، لكنا نخشى من التفرد بما روى من العلم، فمثله لو استقل بحفظ حكم لا يعرف في كتاب ولا سنة ثابتة من غير طريقة فإنه لا يقبل منه؛ إذ يقال: أين كان حفاظ الأمة لم يعرفوه وعرفه القاسم وحده؟ فبحثنا في متن هذه الرواية فلم نجده روى ما يسنتكر معناه، وهذا مقدار كاف للحكم بحسن حديثه.
لكن البحث أوجدنا غير أبي أمامة روى نحو ما روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتيقنا حسن حديثه، بل زاده ذلك قوة حتى ارتقى به إلى درجة (الحديث الصحيح لغيره).
وذلك ما أخرجه أحمد وغيره (1) من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه ".--------------------------------------------
(1) هو في " مسند أحمد " (3/ 440)، كما أخرجه الترمذي في " جامعه " (رقم: 2521) وأبو يعلى في " مسنده " (رقم: 1485) والحاكم في " مستدركه " (رقم: 2694) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 828)
المقرئ وشيخه سعيد من ثقات المصريين ومتقنيهم، وقد بينا السماع، على أنهما لم يعرفا بتدليس، وأبو مرحوم هذا مصري لا بأس به، أطلق ابن معين تضعيفه بعبارة مجملة فسرتها عبارة النسائي فيه، قال: " أرجو أنه لا بأس به "، وهذا هو الصدوق الذي في حفظه لين، والذي يحسن حديثه بعد النظر والتحري، وشيخه سهل هذا لا بأس به إذا روى عنه من يعتد به، وأبوه معاذ الجهني صحابي، فحيث أثبت التحري أن هذين الصدوقين أبا مرحوم وسهلاً رويا ما له أصل من حديث غيرهما، فحديثهما حسن.
تطبيق للحديث الحسن لغيره:
أخرج ابن حبان وغيره (1)، من حديث الصلت بن مسعود، قال: حدثنا مسلم بن خالد، قال: حدثنا شريك بن أبي نمر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس للنساء وسط الطريق ".
فهذا الحديث بهذا الإسناد ليس بالقوي، اختل فيه من شروط القبول شرط الضبط في أحد رواته، وهو مسلم بن خالد، وهو المعروف بالزنجي، كان سيء الحفظ، ضعيفاً فيما يتفرد به.
لم نجد بعد النظر في الإسناد علة سوى ذلك، فقلنا: ما نخشاه من سوء حفظ مسلم فجائز أن يندفع بالوقوف على الحديث لفظاً أو معنى من غير طريقه.
فوجدنا الحديث أخرجه الدولابي وغيره (2) من طريق محمد بن يوسف--------------------------------------------
(1) صحيح ابن حبان (12/ 415 _ 416 رقم: 5601). وأخرجه ابن أبي عاصم في " كتاب الديات " (ص: 190) وابنُ عدي في " الكامل " (5/ 9) ومن طريقه: البيهقي في " الشعب " (6/ 174 رقم: 7823) من طريق الصلْت، به.
(2) أخرجه الدولابي في " الكنى والأسماء " (رقم: 273) والبيهقي في " الشعب " (رقم: 7821) وله عنده متابعة هاشم بن القاسم لسُفيان عن ابن أبي ذئب .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 829)
الفريابي، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن الحكم، عن أبي عمرو بن حماس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس للنساء سراة الطريق ".
والسراة فسرها بعض الرواة: وسط الطريق.
وهذه طريق ثابته إلى ابن أبي ذئب.
لكن أدخل مرة بينه وبين الحارث: ابن شهاب الزهري، كما أخرجه الطبراني بإسناد فيه لين (1)، ولو صحت الزيادة فالزهري هو الحافظ الإمام، والحارث بن الحكم هو الضمري يعتبر بحديثه، صالح للاعتبار، لم يجرح، ووثقه ابن حبان (2)، وإن كان المحفوظ رواية ابن أبي ذئب عنه لا الزهري، فابن أبي ذئب لم يكن يروي إلا عن ثقة سوى رجل واحد، ليس الحارث بن الحكم به، وابن حماس غير مشهور، ففيه لين بهذا الاعتبار، ثم إن شرط الاتصال إلى منتهى الإسناد قد تخلف، فهذا مرسل، ولم يصب من جعل لابن حماس صحبة.
وقد روي من طريق ابن حماس متصلاً بإسناد دون هذا.
أخرجه أبو داود وغيره (3) من طريق عبد العزيز بن محمد الداروردي، عن أبي اليمان الرحال، عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو--------------------------------------------
(1) في " المعجم الأوسط " (4/ 34 رقم: 3042).
(2) الثقات (6/ 172).
(3) هو في " سنن أبي داود " (رقم: 5272)، وأخرجه كذلك: البيهقي في " الآداب " (رقم: 971) و " الشعب " (رقم: 7822) والمزي في " التهذيب " (12/ 401 _ 402) جميعاً من طريق الدراوَرْدي به.
وللمزي أيْضاً من طريق الدراوردي عن أبي اليمان عن شداد عن أبي أسيد، باللفظ المختصر، أسْقط من إسناده السابق رجلين، وهو راجعٌ إلى نفس العلة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 830)