أبي حمزة، ويونس بن يزيد(1)، فدل على أن في رواية ابن إسحاق تجوزاً وتسامحاً، وأن المقصود بها عن قصة عبدالله بن زيد.
وأخرج الترمذي من طريق مالك بن مغول، عن عبدالرحمن بن سعيد بن وهب، أن عائشة رضي الله عنها زوج النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالت: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} … " الحديث، ثم قال الترمذي: " وقد روي هذا الحديث عن عبدالرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نحو هذا "(2).
فعلق أحد الباحثين على كلام الترمذي هذا بأنه لم يقف عليه من حديث أبي هريرة، وإنما وقف عليه من رواية أبي هريرة، عن عائشة، وذكر في ذلك ما أخرجه ابن جرير من طريق عمرو بن قيس الملائي، عن عبدالرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: "قالت عائشة: يا رسول الله {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} … " الحديث(3).
ولم ينتبه الباحث إلى أن هذا الحديث لأبي هريرة، وليس لعائشة، فهو يحكي قصتها، لا يرويها عنها.
ولما ذكر أحد الباحثين حديث محمد بن عمرو الواقفي، عن محمد بن--------------------------------------------
(1). رواية ابن إسحاق أخرجها أحمد 4: 42، وابن خزيمة حديث (373)، ورواية معمر أخرجها عبدالرزاق حديث (1774)، ورواية شعيب أخرجها يعقوب الفسوي في "المعرفة والتاريخ" 1: 260، والبيهقي 1: 422، ورواية يونس أخرجها البيهقي 1: 414.
(2). "سنن الترمذي" حديث (3175)، وحديث عائشة أخرجه أيضاً ابن ماجه حديث (4198)، وأحمد 6: 159، 205.
(3). "تفسير ابن جرير " 18: 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
سيرين، عن محمد بن عبدالله بن زيد قال: ((أراد النبي صلى الله عليه وسلم في الأذان شيئاً فجاء عمي عبدالله بن زيد .... )) الحديث(1) - عبر هذا الباحث عن هذا الإسناد حين أراد أن يبين الاختلاف على محمد بن عمرو حيث رواه على أوجه أخرى - بقوله: "فقال مرة: عن محمد بن سيرين، عن محمد بن عبدالله بن زيد، عن عمه عبدالله بن زيد، كما عند البخاري في تاريخه".
والمؤاخذة على الباحث إن كان لا يدرك الفرق بين حكاية قصة الشخص، وبين الرواية عنه، أما إن كان يدرك ذلك، وأراد التسامح، دون أن يبني عليه شيئاً، فالخطب سهل، فإن الأئمة يتسامحون كثيراً في حكاية الرواية، كما يفعله الدارقطني في كتابه "العلل"، وذلك حين يسوق الاختلاف، يستخدم (عن)، وإن كان الراوي يحكي القصة، فإذا روى الدارقطني هذا رواية أتى بالإسناد كما هو(2)، فينتبه لذلك.
ولا شك أن الفرق بين الرواية عن الشخص، والرواية لقصته - من المواضيع الدقيقة في علم الرواية، فهو مزلة قدم، سواء للمتكلمين على الأسانيد، أو للرواة أنفسهم أيضاً، فحديث البهزي الذي تقدم التمثيل به قريباً جاء من رواية عباد بن العوام، ويونس بن راشد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، أن البهزي أخبره(3).
ولو صح هذا لم يستقم أن يقال: إن من قال فيه: عن عمير بن سلمة، عن--------------------------------------------
(1). "التاريخ الكبير" 5: 183، و"سنن البيهقي" 1: 399.
(2). ينظر مثلاً: "العلل" 1: 193 - 211.
(3). "علل الدراقطني " 4: الورقة 119.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
البهزي - أراد عن قصة البهزي، لأن في هذا الإسناد التصريح بتحديث البهزي به لعمير بن سلمة، لكن هذا التصريح لا يصح، ولذا قال ابن حجر: " يحتمل أن يكون ذلك وهماً منهما، ظنا أن قوله: عن البهزي على سبيل الرواية، فروياه بالمعنى، فقالا: حدثه "(1).
ومن طريف ما وقع من ارتباك الباحث في فهم صيغة الرواية، أن أحد الباحثين سألني: هل سمع الحسن البصري، من الحسن بن علي رضي الله عنه؟ فسألته عن الباعث على سؤاله هذا، فذكر أن ابن أبي شيبة روى عن وكيع، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، قال: "جاء رجل إلى الحسن فقال: إني طلقت امرأتي ألفاً، قال: بانت منك العجوز"(2).
فلما تأملت الإسناد تبين لي أن الحسن الثاني هو الأول، وهو الحسن البصري، فقول الفضل بن دلهم أولاً: عن الحسن، أي أروي عن الحسن قولاً له في قصة، ثم أنشأ الفضل يحكي القصة ومعها قول الحسن.
ولا شك أن الباحث معذور في هذا، لغموضه، ويحتاج الباحث إلى كثرة قراءة في الأسانيد، فإن الرواة يتفننون في أساليب الرواية، وتكثر منهم الجمل المعترضة، وعطف الأسانيد بعضها على بعض دون تمييز(3).
وأما إذا كان الأمر ظاهراً، كما يصنع بعض الباحثين، حين يتكلمون عن الاتصال والانقطاع بين الراوي ونفسه، فيتكلمون على تدليس الراوي مع أن--------------------------------------------
(1). "تهذيب التهذيب " 8: 147، وانظر: "الإصابة " 7: 165.
(2). "مصنف ابن أبي شيبة" 5: 14.
(3). سيأتي شرح هذا في قسم "مقارنة المرويات" في الفصل الأول منه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
النص من كلامه هو، أو القصة وقعت له هو يحكيها تلميذه، فلا عذر له فيه حينئذ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
الفصل الثاني
سماع الراوي ممن روى عنه
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الطريق إلى معرفة سماع الراوي ممن روى عنه.
المبحث الثاني: اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
المبحث الأول
الطريق إلى معرفة سماع الراوي ممن روى عنه.
هناك ثلاث طرائق للتحقق من سماع الراوي ممن روى عنه يسلكها الباحثون، سأتناولها في هذا المبحث، موضحاً درجة الاعتماد على كل طريقة منها.
الطريقة الأولى: النظر في ترجمة الراويين في كتب الجرح والتعديل، للوقوف على أنه يروي عنه، فإن وجد الباحث في الترجمتين أو إحداهما أنه يروي عنه حكم بالاتصال بينهما، وإلا توقف في ذلك.
ولما كان أشهر الكتب عناية بهذا الجانب كتاب "تهذيب الكمال" للمزي - الذي هذّب به كتاب "الكمال" لعبدالغني المقدسي - صار الاعتماد عليه، فنرى كثيراً من الباحثين يستدل على الاتصال بين راوٍ وآخر بأن المزي ذكر في ترجمته أنه يروي عنه، أو العكس، كما يستدل بعضهم على الحكم بالانقطاع بينهما أو بأن فلاناً ليست له رواية عن فلان بعدم ذكر المزي لذلك.
وقد رأيت بعض الأئمة يفعل ذلك أيضاً بالنسبة للحكم بالاتصال، فقد ذكر البيهقي قول البخاري: "لا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعاً من قتادة"(1)، فتعقبه ابن التركماني بقوله: "ذكر صاحب "الكمال" أنه سمع من قتادة"(2).
والظاهر أن ابن التركماني يعني بذلك ذكر عبدالغني المقدسي لقتادة فيمن--------------------------------------------
(1). "سنن البيهقي " 1: 120، وقول البخاري رواه عنه الترمذي في "العلل الكبير "
1: 149.
(2). "الجوهر النقي " 1: 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
روى عنه أبوخالد الدالاني، واعتبر ذلك حكماً منه بالسماع.
ولما كان أشهر كتاب بيد الباحثين يعتني بمن روى عنه صاحب الترجمة أو روى عن صاحب الترجمة هو كتاب المزي فسأكتفي بالحديث عنه.
وأبدأ بالقضية الثانية - وهي الحكم بالانقطاع بمجرد ذلك - إذ إن أمرها واضح جداً، فهي طريقة مخطئة تماماً، فالمزي وغيره لم يستوعبوا جميع من روى عن المترجم له، أو روى عنه المترجم له، ولا سبيل إلى استيعاب ذلك في أغلب الرواة، وقد حاول الإمام مغلطاي تتميم عمل المزي بإضافة ما يقف عليه ممن أغفلهم المزي في كتابه "إكمال تهذيب الكمال" فأفاد جداً، لكنه أيضاً لم يستوعب
وابن حجر في مختصره "تهذيب التهذيب" توقف عند عمل مغلطاي، وأشار إلى أن الفائدة إنما تكون لو تم استقصاء ذلك، ولا سبيل إليه، فعمد إلى حذف كثير ممن ذكرهم المزي(1)، ولايشك أحد أنه لو تمم عمل مغلطاي بإضافة من يقف عليه لكان أجود من المنهج الذي اختاره، لكن الشاهد هنا هو قوله: إنه لا سبيل إلى استيعابهم، وهذا حق، فعلى سبيل المثال ذكر المزي في ترجمة حماد بن سلمة من روى عنهم حماد، فبلغوا مائة واثنين وعشرين راوياً، فذكر أحد الباحثين أنه وقف على نحو هذا العدد ممن يروي عنهم حماد، لكن بعضهم قد ذكر المزي في تراجمهم أنه يروي عنهم(2).
وعليه فلا يصح الحكم بالانقطاع بمجرد أن المزي وبعده مغلطاي لم يذكرا--------------------------------------------
(1). "تهذيب التهذيب" 1: 4.
(2). "حماد بن سلمة ومروياته في مسند أحمد عن غير ثابت" لمحمد الفوزان ص 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
أحد الراويين في ترجمة الآخر، ويمكن اعتبار ذلك قرينة ولكن بحذر شديد.
وأما القضية الأولى - وهي الاستدلال بالذكر على الاتصال، فأما الجهة الأولى فلم أقف على نص عن المزي في هذا الموضوع، إلا أن هناك مواضع في كتابه قد يستدل بها على أنه يحكم بالاتصال بين الراويين، فمن ذلك أنه ربما تعقب صاحب الكتاب الأصل وهو عبدالغني المقدسي في ذكره لبعض من روى عنه المترجم له أو روى عن المترجم له، فقد ذكر عبدالغني في ترجمة (عبدالله بن نافع الصائغ) أنه يروي عن هشام بن عروة، ويروي عنه عبدالوهاب بن بخت - فتعقبه المزي قائلاً: "وذكر صاحب "الكمال" في شيوخه: هشام بن عروة، ولم يدركه، وفي الرواة عنه عبدالوهاب بن بخت، وفي ذلك - بل في إدراك الصائغ لزمانه - نظر … "(1).
وكذلك يفعل ابن حجر، يتعقب المزي أحياناً، من ذلك أن المزي ذكر فيمن روى عنهم عبدالله بن معقل بن مقرن: سالماً مولى أبي حذيفة، فقال ابن حجر: "وأطلق المؤلف روايته عن سالم مولى أبي حذيفة، والظاهر أنها مرسلة … "(2).
وكل ما تقدم أرى أنه غير كافٍ لنسبة ذلك - أي الحكم بالاتصال - إلى المزي، حتى يوقف على نص له هو في ذلك، إذ تحول - في حال عدم الوقوف - دون نسبة ذلك إليه عقبات، فهو يعنون لمن يريد ذكرهم بقوله: ((روى عن)) و ((روى عنه))، وهذا لا يفيد سوى إثبات ورود روايته عنه، ولا إشكال في--------------------------------------------
(1). "تهذيب الكمال" 16: 209.
(2). "تهذيب التهذيب" 6: 41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
ذلك، إذ هو قد روى عنه، أو في أقل الأحوال وردت الرواية عنه بذلك، لكن الكلام - بعد إثبات صحة الرواية عنه بذلك - في الاتصال، وقد جرت عادة الأئمة أن يعبروا بالرواية عن الشخص، ولا يريدون بذلك إثبات السماع والاتصال.
من ذلك قول أحمد حين سأله أبوداود: عامر بن مسعود القرشي له صحبة؟ قال: "لا أدري، قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم"(1).
وقال أبوداود أيضاً: "قلت لأحمد: صالح مولى التوأمة؟ قال: لقيه مالك - زعموا - بعد ما كبر، قلت لأحمد: هو مقارب الحديث؟ قال: أما أنا فأحتمله وأروي عنه، وأما أن يقوم موضع حجة فلا"(2)، وأحمد لم يدرك صالحاً مولى التوأمة، فمعنى روايته عنه أي بواسطة.
وقال حرب بن إسماعيل: "قال أحمد بن حنبل: ابن جريج هو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج، وأبوه يروي عن عائشة، وذهب أحمد إلى أنه لم يلق عائشة"(3).
وقال ابن معين: "عمر بن معروف، شيخ من أهل الرأي، روى عنه جرير، ليس بشيء، روى عن عكرمة ولم يسمع منه شيئاً"(4).--------------------------------------------
(1). "سؤالات أبي داود" ص 184.
(2). "سؤالات أبي داود" ص 208، وآخر النص فيه هكذا: "وأما أن يقوم موضع مجد فلا"، والتصويب من المخطوط.
(3). "المراسيل" ص 131، وانظر أيضاً: "المراسيل" ص 170، فقرة (625).
(4). "معرفة الرجال" 1: 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وقال ابن المديني: "لم يسمع أبوقلابة من هشام بن عامر، وروى عنه"(1).
وقال أيضاً: "روى قيس بن أبي حازم عن بلال، ولم يلقه، وروى عن عقبة بن عامر، فلا أدري سمع منه أم لا"(2).
وقال ابن أبي حاتم: "سئل أبوزرعة عن عنبسة بن سعيد بن غنيم الكلاعي المدني، روى عن عكرمة، روى عنه عمر بن بشر بن السرح - قال: لم يسمع من عكرمة شيئاً"(3).
وقال ابن أبي حاتم: "قلت لأبي: عدي بن عدي سمع من الصنابحي؟ قال: روى عنه، فلا ندري سمع منه أم لا"(4).
وقال أيضاً: "سألت أبي عن: الأعمش عن عبدالرحمن هل سمع منه؟ فقال: قد روى عنه، ولم يسمع منه"(5).
وأما استخدامهم لعبارة (روى عن فلان)، و (روى عنه فلان) في--------------------------------------------
(1). "المراسيل" ص 109.
(2). "المراسيل" ص 168.
(3). "المراسيل" ص 161.
(4). "المراسيل" ص 153.
(5). "المراسيل" ص 84، و "جامع التحصيل " ص 229، وفسر العلائي عبد الرحمن بقوله: "أظنه ابن يزيد ".
وانظر أيضاً: "المراسيل " ص 46 فقرة (158)، ص 68 فقرة (238)، ص 208 فقرة (774)، ص 215 فقرة (813)، ص 216 فقرة (814)، ص 224 فقرة (845)، ص 226 فقرة (849)، ص 254 فقرة (944).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
المتصل فكثير جداً لا يحتاج إلى التمثيل له.
ومثل ذلك يقال في عبارة: (حدث عن فلان)، و (حدث عنه فلان)، قد يطلقونهما ويريدون بهما التحديث عنه بواسطة، من ذلك قول أحمد في خالد الحذاء: "حدث عن الشعبي، وما أراه سمع منه"(1).
وسئل ابن المديني عن القاسم بن عبدالرحمن هل لقي ابن عمر؟ فقال: "كان يحدث عن ابن عمر بحديثين، ولم يسمع من ابن عمر شيئاً"(2).
وقال أبوداود: "سمعت أحمد يحدث عن رباح بن أبي معروف"(3)، وهو لم يدرك رباحاً، فالمراد التحديث بالواسطة.
وقال أيضاً: "وسمعت أحمد يحدث عن المثنى بن الصباح"(4)، وهذا مثل سابقه.
وقال أبو داود: "حدث قتادة عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم "(5).
وحينئذٍ فجعل صنيع المزي موافقاً لما عليه الأئمة، وأنه يريد مجرد الرواية، وقد تكون متصلة أو منقطعة - أولى، ما لم يقم دليل قوي على نقيض هذا.
ومما يدل أيضاً على أن المزي يقصد مجرد الرواية أنه يعقب ذكر بعضهم بقوله: ((لم يدركه)) أو ((مرسلاً))، أو ((يقال: مرسل))، ونحو ذلك.--------------------------------------------
(1). "المراسيل" ص 54، وانظر أيضاً: ص 78 فقرة (281)، ص 231 فقرة (863).
(2). "العلل" ص 67، و"المراسيل" ص 175.
(3). "سؤالات أبي داود" ص 232.
(4). "سؤالات أبي داود" ص 238، وانظر أيضاً: ص 316 فقرة (426).
(5). "سؤالات الآجري لأبي داود" 2: 138.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وقد يقول قائل: هذا يصلح دليلاً على نقيض قولك، إذ هو يدل على أن ما سكت عنه فقد حكم عليه بالاتصال، أما ما نبه عليه فلا إشكال فيه - فما الجواب عن هذا الإيراد؟
والجواب: أن المزي بعد أن يفرغ من سرد المذكورين في ترجمة الراوي يأخذ في ذكر ما قيل في الراوي، ومن ذلك أحكام الأئمة على سماعه من بعض من ذكرهم المزي وسكت عنهم، فينقل عنهم أو عن بعضهم نفي إدراكه، أو نفي سماعه، ويبعد جداً أن يكون اجتهاد المزي قد خالف الأئمة في كل من صنع بهم ما تقدم، فإنه كثير جداً، وكثير منه ظاهر الانقطاع، ولو افترضنا أن المزي خالف اجتهاده اجتهاد الأئمة فأقل الأحوال أن ينبه عند ذكر اسمه أن هناك من قال بأنه لم يدركه، أو لم يسمع منه، وهو لم يفعل ذلك.
فإن قال معترض: ما نقل المزي في سماعه ممن روى عنه كلاماً للأئمة ألحقناه بمن نص على ذلك عند ذكر اسمه، لكن ما لم ينقل في سماعه شيئاً لم لا نقول إنه حكم بالاتصال؟
والجواب: أن هذا يفعله بعض الباحثين، يجعل عدم اعتراض المزي على الرواية دليلاً على ثبوت السماع عنده، وهذا في رأيي غير سليم، ذلك أن عبارة ((روى عن)) و ((روى عنه)) لا تفيد سوى وجود الرواية، فيبقى ثبوتها، ويبقى ثبوت الاتصال، كما تقدم آنفاً، وحينئذٍ فتحميل المزي تبعة الحكم بالاتصال بمجرد أنه لم يعترض فيه بعد، فهو لم يدّع استيفاء أقوال الأئمة في إثبات السماع ونفيه، وإنما ذكر من ذلك نتفاً، وأضاف ابن حجر زيادات كثيرة، وترك ابن حجر أيضاً قدراً لا بأس به يجده الباحث هنا وهناك، وعليه فهذا ومن أثبت المزي الكلام فيه بابه واحد، لأن وقوف المزي على ما قيل في سماعه ممن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
روى عنه أو عدم وقوفه لا يغير من الأمر شيئاً.
ومما يؤكد ما تقدم أن جمع من روى عنه المترجم له، ومن روى عن المترجم له تم من الأسانيد التي في كتب الحديث المختلفة، فإذا وقف المزي على إسناد فيه رواية المترجم له عن شخص أثبت ذلك في ترجمته، وقد يكون اعتمد في ذلك على الإسناد الذي مع الباحث، وحينئذٍ فالباحث يستدل بشيء قد اعتمد أصلاً على ما يريد الباحث الاستدلال له، فيكون المستدل له عين الدليل، وهذا هو الدور، وهو خلل في الاستدلال.
والافتراض بأن المزي درس جميع ما يثبته من ذلك ولم يكتف بوجود ذلك في الأسانيد - فيه بعد، كما تقدم في الاعتراض عليه من كلام ابن حجر.
ومن ذلك أيضاً أن المزي ذكر في ترجمة (محمد بن قيس اليشكري) أن من الرواة عنه: حماد بن سلمة(1)، ويظهر أنه أخذ ذلك من بعض الأسانيد، فهو كذلك في إسناد عند الطبراني في "المعجم الكبير"(2)، فتعقب ابن حجر المزي في ذلك، وذكر أن ابن المديني نص على أن هذا الراوي تفرد بالرواية عنه حميد الطويل(3)، وعليه يكون حماد بن سلمة يروي عنه بواسطة خاله حميد، وسقط حميد من هذا الإسناد.
فالخلاصة: أنه من الأهمية بمكان ألا يجعل الباحث ذكر الراوي فيمن روى عنه المترجم له دليلاً على الاتصال، وإنما يجعله قرينة على الاتصال فقط،--------------------------------------------
(1). "تهذيب الكمال" 26: 327.
(2). "المعجم الكبير" 24: 435 حديث (1064).
(3). "تهذيب التهذيب" 9: 415.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وتقوى هذه القرينة إذا كان صاحب الكتاب عرف عنه بالاستقراء حرصه على ذكر من سمع منهم المترجم له، ومن سمعوا منه، مثل "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم.
الطريقة الثانية: كلام أئمة النقد في سماع بعض الرواة ممن رووا عنه نفياً وإثباتاً، فقد تكلموا في هذا كثيراً، وتصدى أئمة للتأليف في هذا، وجمع كلامهم، فألف ابن أبي حاتم كتابه "المراسيل"، والعلائي كتابه "جامع التحصيل في أحكام المراسيل"، ثم أبوزرعة بن العراقي كتابه: "تحفة التحصيل بأحكام المراسيل"، وكلها مطبوعة.
كما يوجد كلامهم في الكتب التي جمعت أقوالهم في الراوي مثل "تهذيب الكمال" للمزي، و " إكمال تهذيب الكمال " لمغلطاي، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر.
وبعض كلامهم في ذلك لا يزال منثوراً في كتب العلل، والسؤالات، وتواريخ الرجال، والجوامع، والسنن، وغيرها.
وعلى الباحث أن يبذل جهده ما استطاع في الوقوف على كلامهم، فقد اختصروا لنا الطريق، ورأيت من بعض الباحثين الذي يتصدون للتصحيح والتضعيف تقصيراً واضحاً في هذا الجانب.
وأعلى ذلك أن يقف الباحث على نص عن الراوي أنه لم يسمع ممن روى عنه، كما في قول عاصم بن أبي النجود: "قلت لأبي العالية: من أكبر من رأيت؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
قال: أبوأيوب، غير أني لم آخذ منه"(1).
وقال مشاش: "قلت للضحاك: سمعت من ابن عباس؟ قال: لا، قلت: رأيته؟ قال: لا"(2)، وقال عبدالملك بن ميسرة: "قلت للضحاك: سمعت من ابن عباس شيئاً؟ قال: لا، قلت: فهذا الذي تحدث به؟ قال: عنك، وعن ذا، وعن ذا"(3).
وقال سفيان بن عيينة: "قلت لعمرو بن دينار: رأيت الأسود بن يزيد؟ قال: نعم، قلت: حفظت عنه شيئاً؟ قال: لا"(4).
وقال شعبة: "كنت عند أبي إسحاق الهمداني فقال له رجل: إن شعبة يزعم أنك رأيت علقمة، ولم تسمع منه، قال: صدق شعبة"(5).
وروى حسين المعلم قال: "لما قدم علينا يحيى بن أبي كثير وَجَّه إليَّ مطر: أنِ احمل الدواة والقرطاس وتعال، قال: فأتيته، فأخرج إلينا صحيفة أبي سلام، فقلنا له: سمعت من أبي سلام؟ قال: لا، قلت: فمن رجل سمعه من أبي--------------------------------------------
(1). "المراسيل" ص 58.
(2). "أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 683، و"المراسيل" ص 94، و"الجرح والتعديل" 3: 458.
(3). "أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص 683، و"المراسيل" ص 95، و"الجرح والتعديل" 3: 459، 8: 333.
(4). "تاريخ أبي زرعة الدمشقي " 1: 511.
(5). "العلل ومعرفة الرجال" 3: 365، و"المعرفة والتاريخ" 2: 562، و"المراسيل" ص 145، و"الكامل" 1: 86.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
سلام؟ قال: لا"(1).
وقال هشيم: "قال لي الحجاج بن أرطاة: سمعت من الزهري؟ قلت: نعم، قال: لكني لم أسمع منه شيئاً"(2).
وروى أحمد عن سفيان بن عيينة قوله حين أراد أن يروي عن آدم بن علي: "ذُكر عن آدم بن علي، قال (يعني سفيان): وقد رأيته ولم أسمع منه"(3).
في أشياء كثيرة من هذا القبيل.
ويلي ذلك أحكام أئمة النقد بأن فلاناً سمع من فلان، أو لم يسمع منه.
وربما لم يقف الباحث على كلام لهم في خصوص رواية الراوي عمن روى عنه في إسناده المعين، لكن يجد من كلامهم ما يفيده في هذا، وذلك مثل الكلمات المجملة في بعض الرواة، كقول ابن معين حين سئل عن محمد بن إبراهيم بن الحارث هل لقي أحداً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال: "لا، لم أسمعه"(4)، فعلى هذا فكل ما يأتي عن محمد من روايته عن أحد من الصحابة فهو منقطع.
ومثله قول ابن معين وسئل عن عطاء الخراساني هل لقي أحداً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال: "ما سمعت"(5)، وفي رواية:--------------------------------------------
(1). "المراسيل" ص 240.
(2). "المراسيل" ص 47.
(3). "العلل ومعرفة الرجال" 2: 64، و"المراسيل" ص 85.
(4). "معرفة الرجال" 1: 129.
(5). "معرفة الرجال" 1: 129.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
"لا أعلمه"(1).
وقول ابن المديني: "إبراهيم النخعي لم يلق أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم … ، وقد رأى أباجحيفة، وزيد بن أرقم، وابن أبي أوفى، ولم يسمع منهم"(2).
وكذا قال أبوحاتم في إبراهيم: "لم يلق أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة، ولم يسمع منها شيئاً، فإنه دخل عليها وهو صغير، وأدرك أنساً، ولم يسمع منه"(3).
وقال البخاري في سليمان بن موسى الدمشقي: "لم يدرك أحداً من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم "(4).
وقال أبوحاتم في محمد بن عبدالله الشعيثي: "لم يدرك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً"(5).
ويشبه هذا ما إذا نص الإمام على من سمع منهم الراوي ونفى من عداه، أو في قوة كلامه نفي ذلك، كما في قول أحمد حين سئل عن سماع أبي الزناد من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "نعم، سمع من ربيعة--------------------------------------------
(1). "المراسيل" ص 157.
(2). "العلل" ص 65، و"المراسيل" ص 9.
(3). "المراسيل" ص 9، و"الجرح والتعديل" 1: 11.
(4). "العلل الكبير" 1: 313.
(5). "المراسيل" ص 182.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
بن عباد"(1).
وقال ابن المديني: "لم يلق القاسم بن عبدالرحمن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير جابر بن سمرة"(2).
وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: قد سمع زرارة من عمران بن حصين، ومن أبي هريرة، ومن ابن عباس، قلت: ومَنْ أيضاً؟ قال: هذا ما صح له"(3).
وقال أبوحاتم أيضاً: "عمرو بن مرة لم يسمع من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من ابن أبي أوفى"(4).
وإذا لم يجد الباحث نصاً لإمام يستفيد منه مباشرة في إثبات أو نفي السماع لراو ممن روى عنه فبإمكانه أن يستخدم طريقة التخريج على أقوال النقاد، وقد جاءت نصوص عن النقاد، استخدم النقاد أنفسهم فيها هذه الطريقة، والتخريج هنا له صورتان:
الصورة الأولى: أن يعرف أنه لم يدرك راوياً ولم يسمع منه، فمن باب أولى أن لا يدرك من مات قبله، فقد سأل أبو طالب أحمد عن سماع محمد بن علي من أم سلمة، فقال: "لا يصح أنه سمع"، ثم سأله عن سماعه من عائشة، فقال: "لا،--------------------------------------------
(1). "مسائل إسحاق" 2: 199.
(2). "العلل" ص 63، و"المراسيل" ص 175.
(3). "المراسيل" ص 63.
(4). "المراسيل" ص 147، وانظر أيضاً: ص 211 فقرة (789)، و"الجرح والتعديل" 6: 257.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
ماتت عائشة قبل أم سلمة"(1).
وقال البخاري لما سأله الترمذي عن سماع أبي البختري من سلمان: "لا، لم يدرك أبو البختري علياً، وسلمان مات قبل علي"(2).
ومراد البخاري أن عدم إدراك أبي البختري لعلي ثابت لا شك فيه - كما سيأتي قريباً في كلام شعبة، وكذا غيره من النقاد -(3) فعدم إدراكه لسلمان - وقد مات قبل علي - من باب أولى.
وعلى هذه الصورة في التخريج يعول المتأخرون كثيراً، كالعلائي، والذهبي، وابن رجب، وابن حجر، كما في قول العلائي بعد أن ذكر عن ابن معين أن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة، وعن أبي زرعة أنه لم يلقه(4): "وروى له النسائي عن أبي أيوب، وأبي قتادة رضي الله عنهما، والظاهر أن ذلك مرسل"(5).
وروى خليد بن عبد الله العصري، عن علي، وسلمان، وأبي ذر وغيرهم، فقال إسحاق بن منصور: "وسألته (يعني ابن معين) قلت: خليد العصري لقي--------------------------------------------
(1). "المراسيل" ص 185.
(2). "العلل لكبير" 2: 964.
(3). "المراسيل" ص 74، 76 - 77.
(4). "تاريخ الدوري عن ابن معين " 2: 540، و" المراسيل" ص 189.
(5). "جامع التحصيل" ص 332، وانظر أيضاً: "سير أعلام النبلاء" 5: 353، و" تهذيب التهذيب" 9: 474.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
سلمان؟ قال: لا، قلت: إنه يقول: لما ورد علينا، قال: يعني البصرة"(1).
قال ابن حجر بعد أن ساق هذا: "وعلى هذا فيبعد سماعه من علي، وأبي ذر"(2).
وذكر المزي في ترجمة (عمر بن الحكم بن ثوبان) أنه يروي عن أسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وكعب بن مالك، وذكر جماعة(3)، فنقل ابن حجر عن ابن المديني قوله: " لم يسمع من أسامة بن زيد، ولم يدركه "، ثم قال ابن حجر: " وإذا لم يدرك أسامة فهو لم يدرك سعد بن أبي وقاص أيضاً، ولا كعب بن مالك "(4).
وسماعه من سعد بن أبي وقاص جاء إنكاره عن يحيى بن سعيد القطان(5)، فالظاهر أن ابن حجر لم يقف عليه، فاستدل عليه بكلمة ابن المديني.
وأخرج ابن ماجه من طريق ميمون بن مهران، عن أبي هريرة، وعائشة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً))(6).
فمن السهل جداً تعليله بالانقطاع، وأن ميموناً لم يدركهما، أخذاً من قول--------------------------------------------
(1). "المراسيل" ص 55.
(2). "تهذيب التهذيب" 3: 159.
(3). "تهذيب الكمال " 21: 307.
(4). "تهذيب التهذيب " 7: 436، وكلمة ابن المديني ذكرها أيضاً ابن العراقي في "تحفة التحصيل " ص 239، وزاد فيها: "روى عن مولى أسامة، عن أسامة ".
(5). "المراسيل " ص 138، و "الجرح والتعديل " 1: 245.
(6). "سنن ابن ماجه" حديث (415).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)