الشرط الثالث: أن لا يكون بيانا لما ثبت مشروعيته، فإنه إذا كان بيانا فحكمه تابع لما هو بيان له، فقد يكون البيان بالقول، كقوله صلى الله عليه وسلم، صلوا كما رأيتموني أصلي، فإنه بيان لقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: خذو عني مناسككم، وقد يكون البيان بقرينة، كما روى: أنه صلى الله عليه وسلم قطع السارق من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 573)
الشرط الرابع: أن لا يكون قد علم حكمه قبل ذلك، فإنه إن علم أنه واجب أو سنة في أصل المشروعية له فأمته مثله.
فإذا تقررت هذه الشروط فنقول:
أما القسم الأول: وهو الذي يظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى: فلا يخلو إما أن يثبت الفعل إجمالا في محل الحكم، أو تفصيلا.
أما الإجمال: فكاحتجاج الشافعية على أن مسح الرأس يستحب فيه التكرار ثلاثا، بما روى: أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 574)
فيقول أصحابنا: هذا ليس بصريح في تكرار المسح، بل الظاهر أنه لا يتناوله، لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة، والنظافة مخصوصة بالغسل، فكأنه قال: غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثلاثا.
والجواب عند الشافعية أن الوضوء في لسان الشرع يتناول مسح الرأس، ويتأيد هذا بما ورد في الخبر من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ومعلوم أن الصلاة لا تقبل إلا بوضوء مشتمل على مسح الرأس، فعلمنا، أن الوضوء مشتمل على مسح الرأس في قوله توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ثلاثاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 575)
وأما التفصيل: فكاحتجاج أصحابنا على وجوب الطهارة في الطواف بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وهو على طهارة.
فتقول الحنفية: لا يلزم من ذلك الوجوب، لأن فعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على الوجوب، والجواب عند أصحابنا: إما بيان أنه دليل على الوجوب بما يذكرونه في أصول الفقه، وإما أنه بيان للطواف الوجب في قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} وهو من المناسك وقد قال صلى الله عليه وسلم: {خذوا عني مناسككم} وإذا كان بيانا للواجب فهو واجب.
ومثال ذلك: احتجاج أصحابنا على الوجوب القيام في الخطبة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 576)
بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما.
والحنفية لا تحمل فعله صلى الله عليه وسلم على الوجوب، فلا توجب القيام، وأصحابنا يبينون أنه للوجوب بما في أصول الفقه، ويرون أنه بيان لصلاة الجمعة، وتابعها الواجب، وبيان الواجب واجب.
ومثال ذلك: احتجاج الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا على وجوب الترتيب في الوضوء، بما روى: أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه، وربما يثبتون، أنه توضأ مرتبًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 577)
بطريقة أخرى، فيقولون: لو لم يتوضأ مرتبا لتوضأ منكسا، ولو توضأ منكسا لوجب التنكيس لأن فعله صلى الله عليه وسلم دليل على الوجوب، فدل أنه توضأ مرتبًا، وإذا توضأ مرتبا كان الترتيب واجبا، لما تقدم من دلالة فعله صلى الله عليه وسلم على الوجوب.
وأما القسم الثاني: وهو الذي لا يظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى: فغاية ما يدل عليه جواز الفعل، وهذا كاحتجاج الحنفية على جواز نكاح المحر، بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 578)
محرم. فإذا كان ذلك مباحًا في حقه فهو في حقنا كذلك، وقد أباح له صلى الله عليه وسلم نكاح زوج دعيه زيد بن حارثة بقوله سبحانه: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، وعلله بقوله سبحانه: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، فأفادت العلة اقتداءنا به في الإباحة ورفع الحرج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 579)
خاتمة
ويلحق بالفعل في الدلالة الترك فإنه كما يستدل بفعله صلى الله عليه وسلم على عدم التحريم، يستدل بتركه على عدم الوجوب.
وهذا كاحتجاج أصحابنا على عدم وجوب الوضوء مما مسته النار بما روي أنه صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى، [ول يتوضأ.
وكاحتجاجهم على أن الحجامة لا تنقض الوضوء، بما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 580)
روي: أنه صلى الله عليه وسلم احتجم ولم يتوضأ وصلى.
ومما يلحق به أيضا في الدلالة على عدم الحكم، سكوته صلى الله عليه وسلم على حكم لو كان مشروعا لبينه.
ومثاله احتجاج الشافعية على أن من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه، بما روى أن رجلا قال: يا رسول الله نسيت وأكلت وشربت وأنا صائم، فقال: الله أطعمك وسقاك، قالوا: فلو كان القضاء واجبًا لبينه صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 581)
وكذلك: احتجاجهم على أن المرأة لا كفارة عليها في الوقاع في رمضان، بما روي أن رجلا قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال صلى الله عليه وسلم اعتق رقبة، فلو وجبت على المرأة كفارة لبينها، صلى الله عليه وسلم، ولأمره بتبليغ ذلك لأهله كما أمر أنيسا في حديث الرجل الذي فجرت امرأته، فقال: واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 582)
واعلم: أن من شرط هذا الاستدلال بيان أن الوقت وقت حاجة للبيان، بحيث يكون التأخير معصية، فلذلك لم نقل نحن بسقوط القضاء عمن أفطر ناسيًا، ولا بسقوط الكفارة عن المرأة في الوقاع، ونرد ما احتجت به الشافعية: بأن القضاء والكفارة غير واجبين على الفور فلا يلزم من تركه صلى الله عليه وسلم بيان الحكم على الفور سقوط الحكم، وإنما أمر أنيسا على الفور، لأنه حد بلغ] الإمام فبيانه يوجب عليه القيام به في الفور.
وهذا تمام الكلام على قسم الفعل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 583)
القسم الثالث من أقسام المتن التقرير
اعلم أن النبي صلىى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ ولا على المعصية، لأن التقرير على الفعل معصية، فالعاصم له من فعل المعصية، عاصم له من التقرير عليها.
ومن شرط التقرير الذي هو حجة:
أن يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم ويكون قادرا على الإنكار.
وأن لا يكون قد بين حكمه قبل ذلك بيانا يسقط عنه وجوب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 584)
الإنكار، فإذا تقرر هذا، فالإقرار إما على الحكم، وإما على الفعل، فهذا فصلان:
الفصل الأول: إذا وقع الحكم بين يديه صلى الله عليه وسلم فأقره على ذلك، كان دليلا على أنه حكم الشرع في تلك المسألة، وذلك كاحتجاج أصحابنا على أن حكم قذف الزوج لزوجته الحد، وأن اللعان مسقط له، خلافا للحنفية القائلين بأن حكمه اللعان، فإن تعذر وجب الحد، بقول العجلاني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 585)
للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يجد مع امرأته رجلا، إن قتل قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت عن غيظ، فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فدل على إصابته في الحكم.
وفي معنى هذا التقرير: تقريره صلى الله عليه وسلم على حجة يحتج بها بين يديه كما احتج مجزز المدلجي بالشبه، فقال حين رأي أقدام زيد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 586)
وأسامة وقد غطيا رؤوسهما، إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم قد فهموا الصواب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بتركه الإنكار، ألا ترى إلى حديث جابر قال: أحلف بالله بأن ابن صياد هو الدجال، لأني سمعت عمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 587)
يحلف بالله بأن ابن صياد هو الدجال، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه.
الفصل الثاني: اعلم أن الفعل: إما أن يكون واقعا بين يديه صلى الله عليه وسلم وإما أن يكون واقعا في زمانه صلى الله عليه وسلم، والواقع في زمانه: إما أن يكون مشتهرا، وإما أن يكون خفيا فهذه ثلاث مسائل.
المسألة الأولى الفعل الواقع بين يديه صلى الله عليه وسلم
ومثاله: احتجاج الشافعية على قضاء فوائت النوافل في الأوقات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 588)
الممنوعة بما روي قيس بن قعد، قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي ركعتين بعد صلاة الصبح، فقال: ما هاتان الركعتان يا قيس، فقلت يا رسول الله: لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما، هاتان الركعتان، فسكت صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 589)
المسألة الثانية: ما وقع في زمانه صلى الله عليه وسلم وكان مشهورا
ومثاله: احتجاج الشافعية على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل بما روي: أن معاذا كان يصلي العشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم وهي له تطوع ولهم فريضة. وليس هذا في القوة كالأول، لاحتمال أن يكون لم يبلغه صلى الله عليه وسلم، وإن كان الغالب على الظن بأن الغالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم الأئمة الذين يصلون في قبائل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 590)
المدينة، لا سيما وقد ورد في الخبر: أن أعرابيا شكا معاذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما يطول في الصلاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أفتان أنت يا معاذ.
المسألة الثالثة: وهو ما وقع في زمانه صلى الله عليه وسلم وكان خفيا.
ومثاله: احتجاج بعض العلماء على أن التقاء الختانين من دون إنزال لا يوجب الغسل، بقول بعض الصحابة رضوان الله عليهم:
كنا نكسل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نغتسل، وهذا يقوي فيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 591)
احتمال عدم علمه صلى الله عليه وسلم، فلذلك كان الصحيح: أن مثل هذا ليس بحجة بخلاف الأولين.
فهذا تمام الكلام في التقرير، وبه تم الكلام في اتضاح الدلالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 592)