عليهم، فشدد عليهم في ذلك لكي يتجشموا مفارقتها، وتنقطع العلاقة العادية بينهم وبينها، فلما زالت تلك الحقائق زال الحكم المشروع.
وكذلك احتجاج أصحابنا على أن تخليل الخمر محظور، بحديث أنس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال: لا».
فتقول الحنفية: إنما كان ذلك في ابتداء الأمر، لأجل شدة شغفهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 613)
بها، فحرم اقتناؤها للتخليل حسما للباب، فلما زالت تلك المهلكات زال تحريم الاقتناء للتخليل، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم أمر بكسر الدنان، وتخريق الظروف حينئذ، ولا يجب اليوم بالإجماع.
والجواب عند أصحابنا: أن الحكم إذا شرع لسبب فلا يلزم رفعه لارتفاع ذلك السبب، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالرمل في الطواف، إظهارا لجلد الإسلام حين قالت كفار قريش في عمرة القضاء: إن أصحاب محمد قد وهنتهم حمي يثرب، وقد زال هذا السبب، ثم لم يزل الحكم، فقد رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ورمل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 614)
أصحابه ولم يكن بمكة إذ ذاك مشرك.
وهذه المسألة: أعني مسألة تخليل الخمر، مما يتعلق بالنظر في جواز النسخ بالقياس، وفي ذلك خلف
ومثال ذلك: احتجاج أصحابنا على أن أسار السباع طاهرة، بما رواه جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أيتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضيت السباع كلها.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: إنما كان ذلك حين كانت السباع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 615)
حلالا فلما نسخت إباحة السباع نسخت طهارة أسآرها، فكأنهم قاسوا نسخ أحد الحكمين على نسخ الآخر، بناء على اتحادهما في العلة، فلما زال أحد الحكمين زال اعتبار علته، ولزم من ذلك زوا الحكم الآخر.
ونحن نقول: لا يلزم من نسخ أحد الحكمين نسخ الآخر، لأن الوصف الواحد يجوز أن يكون علة لحكمين من جهتين، فلا يلزم من رفع اعتباره من إحدى الجهتين رفع اعتباره من الجهة الأخرى، فيتعلق بما نحن فيه، إذا كان الدليل أو الخبر يتضمن حكمين، فهل يلزم من نسخ أحد الحكمين نسخ الآخر أو لا
والتحقيق فيه: أنه إن كان أحد الحكمين لا ارتباط بينه وبين الآخر إلا من حيث اشتمل عليها نص واحد من كتاب أو سنة، فإنه لا يلزم من رفع أحدهما رفع الآخر.
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن بيع الكلب حرام، بقوله صلى الله عليه وسلم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 616)
كسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث.
فيقول المخالف: قد نسخ خبث كسب الحجام بحديث أبي طيبة: أنه حجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه أجرته، فإذا نسخ خبث كسب الحجام نسخ خبث ثمن الكلب، فهذا وأمثاله ضعيف.
وأما إن كان بين الحكمين ارتباط وتلازم، فإنه يلزم من رفع احد الحكمين رفع الآخر، ومثاله: ما إذا ادعينا حد شارب النبيذ بالقياس على الخمر أو غيره.
فتقول الحنفية: قد نسخ الحد عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، فلما نسخ التحريم فيه لزوم وجوب الحد على شاربه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 617)
كذلك كل ما في معنى هذا المثال، كما إذا ادعينا جرحة الشاهد بفعل من الأفعال، فيقول: قد نسخ ذلك الفعل، فيلزم نسخ التجريح به.
وقد يكون الاستلزام خفيا أو مظنونًا، فيقع الخلاف، كما إذا احتج الشافعي رحمه الله تعالى على تحريم ثمن الكلب بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب وما وجب قتله فلا قيمة على متلفه، ومالا قيمة على متلفه فلا ثمن له.
فتقول الحنفية: قد نسخ حكم قتل الكلاب، فوجب بذلك القيمة على متلفه، وما لا قيمة على متلفه فلا ثمن له.
فتقول الحنفية: قد نسخ حكم قتل الكلاب، فوجب بذلك القيمة على متلفه، فإذا وجبت القيمة حل الثمن.
فهذا استلزم خفي، يقبل المنع، مع أنه لا يلزم من وجوب القيمة على القاتل جواز البيع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 618)
خاتمة
اعلم أن الناسخ قد ينسخ: إما بغير الحكم الأول، وإما بمثله، فقد نسخ صوم يوم عاشوراء بالتخيير بين صوم رمضان والإطعام، ثم نسخ ذلك التخيير بالتعيين، وقد صح أن نكاح المتعة قد أباحه الله تعالى، ثم حرمه ثم أباحه ثم حرمه، ثم أباحه ثم حرمه فاستقر فيه التحريم، ذكر ذلك ابن حزم وهو ثقة في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 619)
النقليات.
فهذا تمام الكلام في النسخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 620)
الباب الرابع: في كون الأصل النقلي راجحا
اعلم أن الترجيح يقع: إما من جهة السند، وإما من جة المتن، فهذا فصلان:
الفصل الأول: في ترجيحات السند
وله عشرة أسباب:
السبب الأول: كبر الراوي
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الإفراد بالحج افضل،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 621)
بحديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج حين أحرم.
فتقول الحنفية: هذا معارض بحديث أنس: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا.
والجواب عند أصحابنا: أن ابن عمر كان في حجة الوداع كبيرا وكان أنس صغيرا، فكانت رواية ابن عمر ارجح، وقد روي الثقات عن زيد بن أسلم وغيره، أن رجلا أتى ابن عمر فقال: بم أهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 622)
رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: ألم تأت العام الأول؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك يزعم، أنه قرن فقال ابن عمر: إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء - وهن مكشفات الرؤوس - وإني كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسنى لعابها، أسمعه يلبي بالحج، وإنما كانت رواية الكبير أرجح، لأنه أثبت وأضبط لما يرويه.
السبب الثاني: أن يكون الراوي لأحد الخبرين أعلم وأتقن من الراوي الآخر،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 623)
ومثاله: احتجاج أصحابنا على ان الإفراد بالحج أفضل، بحديث عائشة، فإذا عورض بحديث أنس، قلنا في الجواب: إن عائشة أعلم وأتقن من أنس.
السبب الثالث: أن يكون الراوي مباشرا للقصة بنفسه، فروايته أرجح من غير المباشر، لأن المباشر أقعد بما باشر، وأعرف وأثبت.
ومثاله: ترجيح أصحابنا رواية أبي رافع، على رواية ابن عباس، قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 624)
أبو رافع: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة - وهو حلال -، وبني بها، وهو حلال - وكنت أنا الرسول بينهما، وقال ابن عباس: تزوجها وهو محرم، فأبو رافع باشر القصة فهو أولى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 625)
السبب الرابع: أن يكون أحد الراويين صاحب الواقعة فهو أولى.
ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث ميمونة قال: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان، على رواية ابن عباس المذكورة.
السبب الخامس: أن يكون أحد الراويين أكثر صحبة، فالأكثر صحبة أولى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 626)
ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث عائشة، وأم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام، ثم يصوم، على رواية أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أصبح جنبا فلا صوم له، وهذا لأن الأدوم صحبة أعرف بما يدوم من السنن وما لا يدوم، ولذلك لما بعث مروان بن الحكم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 627)
إلى أبي هريرة من يرد عليه ما روى بحديث عائشة وأم سلمة، قال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال أبو هريرة: هما أعلم.
السبب السادس: كثر رواة أحد الخبرين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 628)
ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث إيجاب الوضوء من مس الذكر على حديث طلق بن علي، وهو قوله صلى الله عليه وسلم، هل هو إلا بضعة منك، فإن حديث إيجاب الوضوء، رواه أبو هريرة وابن عمر، وزيد بن خالد، وسعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وعائشة وأم سلمة، وأم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 629)
حبيبة، وأروى وما كان أكثر رواة كان أرجح وقد قيل: لا يقع بكثرة الرواة ترجيح كما لا يقع بكثرة الشهود ترجيح.
السبب السابع: أن يكون أحدهما أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كترجيح أصحابنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 630)
حديث ابن عمر في إفراد الحج، على حديث أنس، وقد تقدما.
السبب الثامن: كون الراوي سمع الحديث من غير حجاب، كترجيح أصحابنا حديث القاسم، وعروة عن عائشة، أن بريرة عتقت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 631)
وزوجها عبد، على رواية الأسود عن عائشة: "أنها عتقت وزوجها حر".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 632)