ومثل هذا يسميه الأصوليون: بالقياس المركب، ولو أثبت أصحابنا حكم المكاتب بنص لصح القياس.
الركن الثاني: العلة
والكلام في شروطها، وفي مسالكها، وهي ما ثبتت بها كون الوصف علة.
وأما شروطها: فلنعقد بها مسائل:
المسألة الأولى: يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي والحكم العدمي بالوصف العدمي إجماعا، وذلك كما نعلل وجوب الزكاة بملك النصاب، ونعلل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان.
وأما تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي ففيه خلاف بين أئمة الأصول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 673)
ومثاله: قياس أصحابنا الحاضر الصحيح في وجوب التيمم عليه على المسافر عند عدم الماء، فيقول: الحاضر لا ماء عنده فيجب عليه التيمم قياسًا على المسافر، فيقال: عدم الماء ليس علة في وجوب التيمم فإن الوصف العدمي لا يكون علة في الحكم الوجودي.
وكذلك - أيضا - لا يكون جزء من العلة، كجعل الطواعية جزء من علة القصاص فلذلك لم توجب الحنفية قصاصا على المكره لفقد علة القصاص لفقد جزئها وهو الطواعية.
وأما أصحابنا فيقولون: الطواعية في نفسها عدمية، لأنها عبارة عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 674)
عدم الإكراه، والعدم لا يكون علة ولا جزء علة، وإلى هذا ذهب جماعة من المحققين أعني أن العدم لا يكون علة ولا جزء علة.
قالوا: لأن العلة لا بد وأن تشتمل في نفسها على مصلحة تحصل عند مشروعية الحكم، والعدم في نفسه لا يكون مشتملا على مصلحة.
وأما تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي فهو بالتعليل المانع، لكن الأصوليين اختلفوا: هل من شرط التعليل بالمانع وجود المقتضى أو ليس من شرطه؟
فالأكثر على أن وجود المقتضى شرط، لأن الحكم إذا لم توجد العلة فيه يكون انتفاؤه لانتفائها لا لوجود المانع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 675)
وهذا كثيرا ما يقع في الجدل، وتتعلق به أبحاث كثيرة في كل مسألة ينفي فيها الحكم بالقياس على مسألة أخرى، ويجمع بينهما بوصف وجودي.
ومثاله: قول أصحابنا في الحلي: مال متخذ للقنية والامتهان، فلا تجب فيه الزكاة قياسًا على الثياب والعبيد.
فيقول الحنفي: قد عللتم بالوصف الوجودي - وهو الامتهان - في الحكم العدمي - وهو عدم وجوب الزكاة - فلا يصح ذلك إلا بعد أن تبينوا أن ذلك الوصف هو المانع من الزكاة، وفي ضمن دعواكم كونه مانعًا تسليمكم أن المقتضى موجود في صورة النزاع، فقد كفيتمونا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 676)
مؤونة إثبات علة وجوب الزكاة في صورة النزاع، وادعيتم أن المقتضى موجود في الأصل المقيس عليه، فعليكم بيان ذلك.
والجواب عند أصحابنا: أن المال نعمة تستحق شكرا، والإخراج منه لحق المنعم شكر، والزكاة إخراج منه فكانت شكرا، فصلح أن يكون ذلك المال في نفسه موجبًا للزكاة.
المسألة الثانية: يجب أن يكون الوصف الذي يقتضي الحكم ظاهرا لا خفيا، لأن الحكم في نفسه غيب، فإذا كان الوصف أيضا غيبا عنا لم يصح التعليل له، لأن العلة معرفة، والغيب لا يعرف الغيب، وهذا كما نعلل القصاص بالقتل العمد العدوان، فيقول المعترض: العمد من أفعال النفوس، وهو خفي لا يصح اعتباره في العلة بالاستقلال ولا بالجزئية، نعم، يعتبر عوضا منه ما يظن وجوده عنده ويسمى الوصف المشتمل عليه {مظنة}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 677)
ومثاله: إذا عللنا نقل الملك في العوضين بالتراضي بين المتبايعين، وقد قال تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} لكن الرضا وصف خفي، لأنه من أفعال النفوس، فيتعذر اعتباره بنفسه، ويرجع الاعتبار إلى الأمر الظاهر الدال عليه، كالإيجاب والقبول، فإن قول البائع: {بعتك} دليل على حصول الرضا منه بخروج المبيع عن ملكه، ودخول الثمن في ملكه، وكذلك قول المشتري: {قبلت}، دليل على خروج الثمن عن ملكه، ودخول المشتري في ماله، فأناط الشرع نقل الملك بالإيجاب والقبول، ولأجل أن المعتبر عندنا ما يدل على الرضا الذي هو المقصود بالأصل في الاعتبار، وكان الفعل - أيضا - قد يدل على الرضا كدلالة القول، كالمعاطاة الحاصلة بين المتبايعين، حكم أصحابنا بأن البيع ليس من شرطه الصيغة خلافًا للشافعية فإنهم لا يحكمون بانعقاد البيع إلا بالصيغة الدالة على الإيجاب والقبول.
والحنفية يفرقون بين الأشياء النفيسة فيعتبرون في بيعها الصيغة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 678)
ولا يكتفون فيها بالمعاطاة، وأما الأشياء الحقيرة، فتكفي فيها المعاطاة عندهم، وهذا استحسان، ووجهه: أن الصيغة أدل على الرضا من المعاطاة، فمن المناسب أن يعتبر في الأشياء النفيسة ما هو أدل تحصينًا للبيع، وصونًا له عن خلل التجاحد في الرضا.
المسألة الثالثة: يجب أن يكون وصف العلة منضبطًا غير مضطرب، ومعناه أن الأشياء التي تتفاوت في نفسها كالمشقة، فإنها تضعف وتقوى إذا أناط الشرع الحكم بها، فلابد من ضبطها.
ومثاله: السفر، فإن الشرع رخص للمسافر في القصر والإفطار لأجل المشقة، لكن المشقة المعتبرة في القصر غير منضبطة، لأنها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 679)
تتفاوت بطول السفر وقصره، وكثرة الجهد وقلته، فلا يحسن إناطة الحكم بها، فاعتبر الشرع ما يضبطها وهو السفر أربعة بُرُد، فلذلك لم يلتحق به غيره من الصنائع الكادة.
المسألة الرابعة: اختلفوا في اشتراط الاطراد في العلة، ومعناه: أنه كلما وجدت العلة في صورة من الصور وجد معها الحكم، فمن اشترطه جعل النقض مفسدا للعلة، والنقض: أن يوجد الوصف في صورة من الصور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 680)
ولا يوجد معه الحكم.
والتحقيق فيه التفصيل، فإن كان تخلف الحكم عند ذلك الوصف لا لمانع يعارض العلة، فلذلك النقض يفسد العلة.
ومثاله: تعليل حرمان القاتل من الميراث، بأنه استعجل غرضه قبل أوانه فعوقب بحرمانه، فيطرد أصحابنا هذه العلة في الناكح في العدة، فيحكمون عليه بتأبيد التحريم، معاملة له بنقيض قصوده كما عومل القاتل لموروثه بنقيض مقصوده.
فتقول الحنفية والشافعية: هذه العلة منقوضة بأم الولد إذا قتلت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 681)
سيدها لاستعجال العتق فإنها تعتق، ورب الدين إذا قتل المديان لاستعجال الدين فإنه يتعجله، فقد انتقضت العلة.
وأما إن كان تخلف الحكم في صورة النقض لمانع، فإن ذلك لا يبطل العلة.
ومثاله: احتجاج أصحابنا على وجوب الزكاة في مال الصبي بأنه مالك النصاب فوجب في ماله الزكاة قياسا على البالغ.
فتقول الحنفية: هذه العلة منقوضة بصورة الدين، فإن المديان يملك النصاب ولا تجب عليه الزكاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 682)
والجواب عند أصحابنا: أن الدين يمنع من وجوب الزكاة، لأنه إذا ازدحم حقان على مال واحد قدم أقواهما، وحق الغرماء أقوى من حق الفقراء، لأن المستحق إذا تعين ترجح على مستحق لم يتعين.
المسألة الخامسة: اختلفوا في اشتراط الانعكاس في العلة، ومعناه: أنه كلما انتفت العلة انتفى الحكم، فمنهم من يشترطه، ويمنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، ومنهم من لا يشترطه، ويجيز تعليل الحكم الواحد بعلتين كتعليل إيجاب الوضوء بالبول والغائط والريح، وتعليل حرمة النكاح بالقرابة والصهر والرضاع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 683)
وكذلك اختلفوا إذا اجتمعت العلل هل ينسب إلى جميعها أو يبقى كل واحد منها علة كما كان حالة الانفراد.؟
وعلى ذلك اختلفوا في الأولياء في النكاح إذا اجتمعوا وكانوا في درجة واحدة، فقيل: يعقدون جميعا بعقد واحد، وقيل: يعقد أي واحد منهم كما لو انفرد.
وقد اختلفت الشافعية: فيمن أحدث حدثين، فنوى رفع أحدهما ونسي الآخر، فمنهم من قال: لا يجزئه، لأن كل واحد منهما له مدخل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 684)
في إيجاب الوضوء، فلا يجزيء رفع احدهما عن رفع الآخر في النية، وقيل: يجزئه لتداخلهما، وأنهما في حكم الحدث الواحد، وقيل: إن نوى أول الحدثين أجزأه، لأنه الموجب للوضوء، والثاني لم يصادف محلا يوجب فيه الحكم، وإن نوى آخر الحدثين لم يجزئه، لأنه نوي ما لا تأثير له في الإيجاب.
المسألة السادسة: اختلفوا في اشتراط التعدية في العلة، وهو أن توجد في محل آخر، غير محلها الذي نص الشرع عليه.
فالحنفية يشترطونها، وأصحابنا وأصحاب الشافعي لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 685)
يشترطونها بل يرون أن الدليل إذا دل على اعتبارها كانت علة الحكم الثابتة في محلها سواء كانت موجودة في غيره أو لم تكن.
ومثاله: تعليل أصحابنا تحريم الربا في النقدين بكونها أصلا في الثمينة، فلو دخلها الربا لافتقر إلى شيء آخر يتقومان به.
فتقول الحنفية: هذه علة قاصرة، لا فائدة فيها، لأن الفائدة إن كانت في الأصل فالحكم في الأصل إنما ثبت بالنص لا بها، وإن كانت في غير الأصل فباطل، لأن الفرض أن لا فرع لها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 686)
والجواب عند أصحابنا: أن الحكم في الأصل إنما ثبت بها، بمعنى أنها الباعثة عليه، والنص معرف لا موجب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 687)
خاتمة
اعلم أنهم اختلفوا في حكم الأصل، فأصحابنا وأصحاب الشافعي يرون أن حكم الأصل ثبت بالعلة، واصحاب أبي حنيفة يقولون: إنما ثبت الحكم في الأصل لا بالعلة.
فمن الأصوليين من يزعم أن الخلاف في ذلك لفظي، لا فائدة فيه، ومنهم من يني على ذلك فروعا، ويجعل الخلاف في المعنى.
فقال: إذا احتج أصحابنا على تحريم قليل النبيذ بالقياس على قليل الخمر، فللحنفية أن يقولوا: قليل الخمر إنما ثبت بالنص، وإذا احتجت الحنفية على إباحة النبيذ غير المسكر: بأن على التحريم في النبيذ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 688)
إنما هو الإسكار، وقد انتفي في القليل الذي لا يسكر، فيلزم أن لا يكون حرامًا، وهو خلاف الإجماع.
فللحنفية أن يقولوا: قليل الخمر عندنا وكثيره لم يحرم بالعلة، وإنما حرم بالنص، قال: وكذلك تقول الحنفية: علة الربا في النقدين إنما هو الوزن، ويلحقون بذلك كل ما يوزن من النحاس والحديد والرصاص وغير ذلك، وما خرج عن الوزن بالصياغة كأواني النحاس والرصاص والحديد لا ربا عندهم فيه، قالوا: لأن العلة عندنا إنما هي الوزن، وقد انتفت في المصوغ.
فيقول لهم أصحابنا: هذا يلزمكم فيما يصاغ من الذهب والفضة أن لا يكون فيه ربا، فللحنفية ان يقولوا: حكم الربا في النقدين ثبت عندنا بالنص لا بالعلة فخرج تحريم الربا في المصوغ منهما دون غيرهما
وأما مسالك العلة: وهي الأدلة الدالة على أن الوصف علة في الحكم فهي خمسة مسالك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 689)
المسلك الأول: النص
وهو قسمان: صريح وإيماء
فالصريح: أن يأتي الشارع بصيغة العلة، كقوله سبحانه: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} وكقوله صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت عليكم. وقوله صلى الله عليه وسلم: تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم، في المحرم الذي وقصت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 690)
به ناقته: لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. وكقوله في الشهداء يوم أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وجراحهم تشخب دما. فهذا وأمثاله صريح في التعليل ولذلك عدت الشافعية هذين المسلكين إلى كل محرم وشهيد.
ومثله قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ملكت نفسك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 691)
فاختاري"، وهو كثير.
وأما الإيماء فهو مراتب.
المرتبة الأولى: أن يذكر صلى الله عليه وسلم مع الحكم وصفا يبعد أن يأتي به لغير التعليل، كقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: إنها ليست بنجس،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 692)