فِيهِ مِئَةُ شِمْرَاخٍ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً".
(41) - 2532 - (م) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ،
===
من النخل (فيه) أي: في ذلك العثكال (مئة شمراخ، فاضربوه) أي: فاضربوا ذلك الرجل الضعيف بذلك العثكال (ضربة واحدة) أي: مرّة واحدة؛ فإنه يقوم كلّ شمراخ من الشماريخ المئة مقام ضربة؛ فإن ذلك يسقط عنه الحد؛ لضرورة ضعفه.
والعثكال - بكسر العين وسكون المثلثة - هو العذق؛ من أعذاق النخلة؛ وهو؛ أي: ذلك العذق على كلّ غصن من أغصانه شمراخ - بكسر الشين المعجمة وسكون الميم - وهو الذي عليه البسر، فلكل بسر خيط رقيق يسمى شمراخًا، وظاهره أن الحد لا يؤخر، بل يراعى فيه حال المحدود وطاقته، وقد جاء في بعض الطرق ما يفيد تأخيره.
فالجمع بينهما بأن يقال: من يرجى برؤه .. يؤخر، ومن لا يرجى برؤه .. لا يؤخر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سعيد رضي الله تعالى عنه، فقال:
(41) - 2532 - (م) (حدثنا سفيان بن وكيع) بن الجراح أبو محمد الرؤاسي الكوفي، كان صدوقًا إلَّا أنه ابتلي بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه، من العاشرة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا المحاربي) عبد الرَّحمن بن محمد بن زياد أبو محمد الكوفي، لا
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 135)
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ.
===
بأس به، وكان يدلس، قاله أحمد، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (195 هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة خمسين ومئة، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن يعقوب بن عبد الله) بن الأشج.
(عن أبي أمامة بن سهل، عن سعد بن عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سفيان بن وكيع، وهو متفق على ضعفه، غرضه: بيان متابعة المحاربي لعبد الله بن نمير.
وساق المحاربي (نحوه) أي: نحو حديث عبد الله بن نمير.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة.
والله سبحانه وتعالى أعلم
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 136)
(19) - (879) - بَابُ مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ
(42) - 2533 - (1) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
===
(19) - (879) - (باب من شهر السلاح)
(42) - 2533 - (1) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (241 هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (184 هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن سهيل بن أبي صالح) السمان أبي يزيد المدني، صدوق تغير حفظه في آخره، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقةٌ ثبت، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (101 هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة.
(قال) يعقوب بن حميد: (وحدثنا) معطوف على حدثنا عبد العزيز (المغيرة بن عبد الرَّحمن) بن الحارث بن عبد الله بن عياش - بتحتانية ومعجمة - ابن أبي ربيعة المخزومي المدني، صدوق فقيه يهم، من الثامنة، مات سنة ست أو ثمان وثمانين ومئة (188 هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 137)
عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَمُوسَى بْنِ يَسَارٍ،
===
(عن) محمد (بن عجلان) المدني، صدوق إلَّا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (148 هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عجلان مولى فاطمة بنت عتبة المدني، لا بأس به، من الرابعة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته أيضًا، وحكمه: الصحة.
(قال) يعقوب بن حميد: (وحدثنا أنس بن عياض) بن ضمرة، أو أنس بن عياض بن عبد الرَّحمن أبو ضمرة الليثي المدني، ثقةٌ، من الثامنة، مات سنة مئتين (200 هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي معشر) نجيح بن عبد الرَّحمن السندي - بكسر المهملة وسكون النون - ضعيف، من السادسة، وهو مولى بني هاشم، مشهور بكنيته، أَسَنَّ واخْتَلطَ، مات سنة سبعين ومئة (170 هـ)، ويقال: كان اسمه عبد الرَّحمن بن الوليد بن هلال. يروي عنه: (عم).
(عن محمد بن كعب) بن سليم بن أسد أبي حمزة القرظي المدني، وكان قد نزل الكوفة مدة، ثقةٌ عالم، من الثالثة، ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال: ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مات سنة عشرين ومئة (120 هـ) وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(وموسى بن يسار) المطلبي مولاهم المدني، ثقةٌ، من الرابعة. يروي عنه: (م د س ق).
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 138)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ .. فَلَيْسَ مِنَّا".
===
كلاهما رويا (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف، لأن فيه أبا معشر، وفائدة ذكره: بيان كثرة طرقه، ولذالك أخره.
(أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حمل) ورفع وشهر (علينا) أي: لأجل قتالنا وحربنا معاشر المسلمين (السلاح) أي: سلاح القتل والحرب؛ كالسيف والرمح والقوس .. (فليس) ذلك الحامل (منا) معاشر المسلمين؛ أي: من أهل ديننا إن استحل ذلك؛ فهو كافر، وإلا .. فالمعنى: فليس هو على هدينا وعملنا، فهو عاص مذنب ليس بكافر.
قال الأبي: وكان هذا جوابًا؛ لأن هديه أخص من مطلق اتباعه، فلا يلزم من كونه ليس على هديه إلا يكون من أمته؛ إذ لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
ويعني بحمل السلاح: حملها لا بحق وإن لَمْ يقاتل؛ كالمحاربين، يحملها ولم يقاتل، فلا يتناول حملها لنصرة من تجب نصرته من المسلمين.
قال النووي: كان ابن عيينة يكره تأويل هذا الحديث؛ لأن ترك التأويل أزجر وأردع. انتهى.
قال القرطبي: أي: من حمل علينا مقاتلًا؛ كما في الرواية الأخرى: "من سل علينا السيف .. فليس منا" ويعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وغيره من المسلمين، ولا شك في كفر من حارب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فيكون قوله عليه الصلاة والسلام: "فليس منا" أي: ليس بمسلم، بل هو كافر، وأما من حارب غيره من المسلمين متعمدًا مستحلًا من غير تأويل .. فهو أيضًا كافر؛ كالأول، وأما من لَمْ يكن كذلك .. فهو
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 139)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
صاحب كبيرة إن لَمْ يكن متأولًا تأولًا مسوغًا.
واعلم: أن مذهب أهل الحق إلا يكفر أحد من المسلمين بارتكاب كبيرة ما عدا الشرك، وعلى هذا فيحمل قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا" في حق مثل هذا على معنى ليس على طريقتنا ولا على شريعتنا؛ إذ سنة المسلمين وشريعتهم التواصل والتراحم لا التقاتل ولا التقاطع، ويجري هذا مجرى قوله صلى الله عليه وسلم: "من غشنا .. فليس منا" ونظائره، وتكون فائدته: الردع والزجر عن الوقوع في مثل ذلك؛ كما يقول الوالد لولده إذا سلك غير سبيله: "لست منك، ولست مني".
وكما قال الشاعر:
إذا حاولت في أسد فُجُورًا … فإني لست منك ولست مني
وفي "المازري": (في أمر) بدل (في أسد).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم: في كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حمل علينا السلاح .. فليس منا"، قال السندي: وحديث يعقوب بن حميد بن كاسب عن المغيرة بن عبد الرَّحمن انفرد به ابن ماجة، وحديث يعقوب بن حميد بن كاسب عن أنس بن عياض انفرد به ابن ماجة.
فدرجة هذا الحديث: الصحة؛ لصحة سنده إلَّا الأخير؛ كما مر، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 140)
(43) - 2534 - (2) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ الْبَرَّادِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ .. فَلَيْسَ مِنَّا".
===
(43) - 2534 - (2) (حدثنا عبد الله بن عامر بن البراد بن يوسف بن بريد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري) أبو عامر الكوفي، مقبول، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(قال) عبد الله بن عامر: (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (201 هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حمل) ورفع وشهر وأظهر (علينا) أي: لأجل قتالنا وحربنا معاشر المسلمين (السلاح) أي: آلة الحرب والقتال .. (فليس منا) أي: من أهل ملتنا؛ فهو كافر إن استحل ذلك الحمل، وإلا .. فهو عاص صاحب كبيرة يطالب بالتوبة.
ومعنى الحديث: ليس على سيرتنا الكاملة وعملنا الفاضل؛ من التواصل والتوادد والتراحم؛ لأنه عمل التقاطع والتباغض.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من حمل علينا السلاح .. فليس منا.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 141)
(44) - 2535 - (3) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْبَرَّادِ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ،
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(44) - 2535 - (3) (حدثنا محمود بن غيلان) العدوي مولاهم أبو أحمد المروزي نزيل بغداد، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (239 هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (247 هـ). يروي عنه: (ع).
(ويوسف بن موسى) بن راشد القطان أبو يعقوب الكوفي، نزيل الري ثم بغداد، صدوق، من العاشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (253 هـ). يروي عنه: (خ د ت ق).
(وعبد الله) بن عامر (بن البراد) بن يوسف بن بريد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أبو عامر الكوفي، وقد ينسب إلى جده، مقبول، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(قالوا) أي: قال كلّ من الأربعة: (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي.
(عن بريد) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أبو بردة الصغير الكوفي، ثقةٌ يخطئ قليلًا، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (104 هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 142)
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَهَرَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ .. فَلَيْسَ مِنَّا".
===
(عن أبي موسى الأشعري) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو موسى: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهر) من باب منع؛ أي: أظهر (علينا) أي: لأجل قتالنا (السلاح) أي: آلة الحرب؛ أي: أخرجه من غمده وحمله على الناس .. (فليس منا) أي: من أهل ملتنا؛ لأنه كافر إن استحل ذلك، وإلا .. فهو عاص ذو كبيرة يطالب بالتوبة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حمل علينا السلاح .. فليس منا"، ومسلم في كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حمل علينا السلاح .. فليس منا"، والترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن شهر السلاح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله سبحانه وتعالى أعلم
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 143)
(20) - (880) - بَابُ مَنْ حَارَبَ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا
(45) - 2536 - (1) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ
===
(20) - (880) - (باب من حارب وسعى في الأرض فسادًا)
(45) - 2536 - (1) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي (الجهضمي) البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي أبو محمد البصري، ثقةٌ تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (194 هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حميد) بن أبي حميد الطويل أبو عبيدة الخزاعي مولاهم البصري، اختلف في اسم أبيه على عشرة أقوال: قيل: اسمه: تير، وقيل: تيرويه، وقيل: زاذويه، وقيل: طرخان، وقيل: مهران، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: مخلد، وقيل: غير ذلك، ثقةٌ مدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وأربعين ومئة (143 هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن ناسًا من عرينة) - مصغرًا بوزن جهينة - وهي من قضاعة، وحي من بجيلة، وحي من قحطان؛ والمراد هنا: هو الثاني، كذا ذكره موسى بن عقبة في "المغازي"، وقد وقع في بعض الروايات: أنهم كانوا من عكل - بضم العين وسكون الكاف - وهي قبيلة من تيم الرباب.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 144)
قَدِمُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ
===
وجمع بعض الرواة بينهما، فقال: (من عكل أو عرينة) بالشك؛ كما في "البخاري" في الوضوء، أو (من عكل وعرينة) بلا شك؛ كما في "البخاري" في المغازي، ويؤيده ما رواه أبو عوانة والطبري من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس قال: (كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل)، ولا يخالف هذا ما رواه البخاري في الجهاد والديات: (أن رهطًا من عكل ثمانية) لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم، فلم ينسب. هذا ملخص ما في "فتح الباري" (1/ 337)، فراجعه للتفصيل.
(قدموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وذكر ابن إسحاق في المغازي أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت غزوة ذي قرد، في جمادى الآخرة سنة ست.
وذكرها البخاري في المغازي بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة سنة ست، وذكرها الواقدي في "مغازيه" أنَّها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حبان وغيرهما، كذا في "الفتح".
قوله: (قدموا المدينة) أخرج البخاري في المحاربين عن أنس قال: قدم رهط من عكل على النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في الصفة، وهذا يدلُّ على أنهم أقاموا في الصفة قبل خروجهم إلى إبل الصدقة.
وزاد في رواية يحيى بن أبي كثير: (فأسلموا)، وفي رواية أبي رجاء: (فبايعوه) على الإسلام.
(فاجتووا المدينة) أي: كرهوا هواء المدينة ومرضوا فيها.
قال ابن فارس: يقال: اجتويت البلد؛ إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في نعمة، وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة فيه، وهو المناسب لهذه القصة،
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 145)
فَقَالَ: "لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى ذَوْدٍ لَنَا فَشَرِبْتُمْ مِنْ ألْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا"، فَفَعَلُوا، فَارْتَدُّوا
===
وقال القزاز: (اجتووا) أي: لَمْ يوافقهم طعامها، وقال القرطبي: (اجتووها) أي: لَمْ توافقهم صحتهم، يقال: اجتوى البلد واستوبله واستوخمه؛ إذا سقم فيه عند دخوله. انتهى "أبي".
استوخموا المدينة وكرهوا الإقامة بها، لَمْ يوافقهم هواؤُها.
وحاصل ما ذكر: أنهم كانوا في هُزَالٍ شديد من الجهد والجوع، فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعمهم حتى صحت أجسامهم، ثُم ابتُلُوا بالاستسقاء: وهو انتفاخ البطن لمرض فانتفخت بطونهم، فزعموا أن مرضهم هذا من استيخامهم وكراهيتهم هواءَ المدينة، والله أعلم.
وهو مشتق من الجوى: وهو داء في الجوف.
(فقال) لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو خرجتم إلى) محل (ذود) وإبل (لنا) في خارج المدينة (فشربتم من ألبانها وأبوالها) .. لكان أقرب لكم إلى حصول صحتكم، فجواب لو محذوف، كما قدرناه، دل عليه ما بعده.
وفي الحديث: دلالة على جواز الخروج من البلد، الذي لا يوافق الرجلَ هواه تداويًا وعلاجًا، وكانت إبل الصدقة تَرْعى بذي الجَدَرِ ناحيةَ قُباء قريبًا مِن عَيْرٍ على ستة أميال من المدينة، ذكره ابنُ سعد في "طبقاته".
(ففعلوا) ما أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخروج إلى إبل الصدقة وشُرْبِ ألبانِها وأبوالها (فصَحُّوا) من مرضهم؛ كما في رواية مسلم؛ أي: فحصلت لهم الصحة والعافية من مرضهم، وإنما جاز لهم شرب ألبان إبل الصدقة؛ لأنَّها للمحتاجين والفقراء، وهم منهم (فارتدوا) وفي رواية مسلم:
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 146)
عَنِ الْإِسْلَامِ وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَاقُوا ذَوْدَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ فِي طَلَبِهِمْ فَجِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ،
===
(ثم ارتدوا) بثم بدل الفاء هنا، أي: ثم بعدما صحوا من مرضهم ارتدوا ورجعوا (عن) دين (الإسلام) إلى كفرهم (وقتلوا راعي) إبل (رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسار النوبي، ذكره العيني (واستاقوا) أي: ساقوا (ذوده) أي: إبله، أي: أخذوا إبله وقَدَّمُوها أمامَهم سائقين لها مطاردين إلى جهة بلادهم.
وفي رواية مسلم: (فبلغ ذلك) أي: ذلك الأمرُ الذي فعلوه من قتل الراعي وسوق الإبل (النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعدما ارتفع النهار (فبَعَث) أي: وأرسل (رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ناسًا من المسلمين نحو: عشرين فارسًا (إثْرهُمْ) أي: وراءهم (في طلبهم) وأخذهم فأُخذوا (فجيء بهم) أي: فأتي بهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: أَتَتْ سريةُ الطلب بالعرنيين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الواقدي (2/ 570) عن يزيد بن رُومان قال: حدثني أنس بن مالك قال: فخرجْتُ أَسْعَى في أَثارهم مع الغِلْمَانِ حتى لَقِيَ بهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغابةِ بمجمع السُّيولِ، فأمَرَ بهم، فقُطِعَتْ أيديهم وأرجلهم، وسُمِلَتْ أعينُهم، وصُلبُوا هناك.
قال أنس: وإني لواقفٌ أَنظُر إليهم (فقَطع) النبي صلى الله عليه وسلم أي: أمرَ بقطع (أيديهم وأرجلهم) على الخلاف؛ أي: قَطعوا أيدي اليمنى وأرجل اليسرى؛ لحد المحاربة وللقصاص (وسمر) النبي صلى الله عليه وسلم (أعينهم) أي: أمر بسَمْرِ أعينهِم.
ومعنى سَمْرِها: كَحْلُها بمسامير مُحَمَّمَةٍ؛ ليذهب بصرها.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 147)
وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا.
===
وفي بعض الرواية: (سمل أعينهم) ومعنى سَمْلِها: شَدْخُ حَدَقتِها بأيِّ شيء كان أو بحديدة محُماةٍ، وقيل: سمَرَ وسملَ بمعنىً واحد؛ أي: فقَأَ وأذهب ما فيها؛ أي: أمَرَ بسَمْلها (وتركهم) رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: أمر بتركهم (بالحرة حتى ماتوا) والحرة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة.
وإنما ألقوا فيها؛ لأنَّها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا، كذا في "فتح الباري"، وإنما تركهم حتى ماتوا؛ لأنهم استحقوا عقوبة الإعدام بجنايتين: الحرابة والارتداد عن دين الإسلام؛ فأما قطع الأيدي والأرجل .. فكان حدًّا للمحاربة، أو قصاصًا لما فعلوه بيسار النوبي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما سمل الأعين .. فالجمهور على أنه كان قصاصًا، واستدلوا به على وجوب المماثلة في قصاص كلّ جناية.
والحنفية على أنه لا قود إلَّا بالسيف، فيحملون حديث الباب على التعزير والسياسة، أو على أنه منسوخ بأحاديث النهي عن المثلة.
ويدل على النسخ ما ذكره الترمذي في "جامعه": عن ابن سيرين أنه قال: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا قبل أن تُنْزَلَ الحدود.
وربما يعترض بعض مَلاحدةِ عصرنا على هذه القصة بأن العقوبة التي عاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم قاسية جدًّا، ولكنَّنا نرَى أن ما فعله العرنيون أَقْسَى منه كثيرًا وأبعد عن المروءة والإنسانيةِ؛ فإنهم لَمْ يرتدُّوا عن الإسلام فحَسْبُ، وإنما جازوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه على مننهم الجَسيمةِ مُجازاة لا تتصوَّرُ مِن إنسان يَحمِلُ قدرًا أدنى مِن المروءةِ والإنسانيةِ؛ إنهم أتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في حالة الجُوع والهُزال والمرضِ
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 148)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والسقام، فآواهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأطعمهم، ثُمَّ مَنَّ عليهم بإِرسالهم إلى إبلِ الصدقة، وأباح لهم ألبانَ لِقَاحِه، وهيَّأَ لهم كلَّ ما يحتاجون إليه من غِذَاءٍ صحِّيٍّ وهَواءٍ لطيفٍ ودواءٍ مُفيدٍ وَائْتَمَنَهم على رُعاته وأمواله، ولكنهم ارتدُّوا عن الإسلام، وانْتَهبوا الإبلَ، وقتَلُوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أيِّ ذنبٍ منه أو تقصيرٍ، وقطعوا يدَه ورجلهُ وسَملُوا عَيْنَه بأشواك.
والحَقُّ أنهم كانوا يستحقُّون أَقْسَى ما يكون من عذاب، ولكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يفعل بهم إلَّا مِثْلَ ما فعلوه براعي رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم المظلوم، فلا يقْدَحُ في إقامة مثلِ هذه العقوبة على مثل هؤلاء الظَّلمة الطُّغاة، إلَّا مَن أَعْمَتْهُ عداوةُ الإسلام والمسلمين.
قوله: في أول الحديث: (إن أناسًا من عرينة … ) إلى آخره، اختلفت الروايات عن البخاري: ففي بعضها: (من عكل أو عرينة)، وفي بعضها: (من عكل)، وفي بعضها: (من عرينة) كما عند المؤلف، وفي بعضها: (من عكل وعرينة) بواو العطف، وهو الصواب، ويؤيده: ما رواه أبو عوانة والطبري عن أنس أنهم كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل، ولا يخالف هذا رواية: (ثمانية) لاحتمال أن يكون الثامنُ من غير القبيلتَينِ، وكان من أتباعهم فلم ينسب. انتهى مختصرًا، وقد سبق مِنَّا ذِكْرُ هذا الجمع في أول الحديث، ولكن أَعَدْنَاه هنا؛ لئلا يَغْفَل عنه القارئُ.
قوله: "لو خرجتم إلى ذود لنا فشربتم من ألبانها وأبوالها"، وأخرج البخاري من رواية وهيب عن أيوب: (أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أَبْغِنَا رِسْلًا) أي: اطلُبْ لنا لبنًا (فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أَجِدُ لكم إلَّا أن تلحقوا بالذود" ثم ظاهر هذه الرواية: أن العرنيين خرجوا إلى إبل الصدقة، ويعارضه رواية
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 149)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أبي رجاء عند البخاري، وفيها: (هذه نعَمٌ لنا تَخْرُج فاخرجوا فيها)، وروايةُ أيوب في الوضوء: (فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بلِقاحٍ)، ورواية وُهيب في المحاربين: (إلَّا أن يَلْحَقُوا بإبلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وظاهرُ هذه الروايات: أنَّ اللقَاح كانت للنبي صلى الله عليه وسلم، فجَمَع بينهما الحافظُ في "الفتح" (1/ 338) بأن إبلَ الصدقة كانت تَرْعَى خارجَ المدينة، وصادَفَ بَعْثُ النبي صلى الله عليه وسلم بلقاحه إلى المرعى طلبَ هؤلاءِ النفرِ الخروجَ إلى الصحراء؛ لشربِ ألبانِ الإبل، فأمرهم أَن يَخْرجُوا مع راعيه، فخرَجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا؛ مِن قتلِ رِعَاء إبل الصدقة، وقتلِ راعي لِقاح النبي صلى الله عليه وسلم، وسوقِ إبل الصدقة ولقاحِ النبي صلى الله عليه وسلم.
ويجمع أيضًا بينَ روايةِ: (فقتَلُوا الرعَاءَ) بالجمعِ، وبين رواية: (فقتلوا الراعِيَ) بالإفراد: بأنَّ المراد بالرِعاء: رِعاءُ إبلِ الصدقة، وبالراعي: راعي لقاح النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو يسار النوبي؛ كما مر، فلا معارضة؛ لأنهم قتلُوا وساقوا الكلَّ. انتهى بزيادة.
ويحتمل أن تكون إبل الصدقة نسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة كونه صلى الله عليه وسلم متوليًا لها.
ودل الحديث على جواز انتفاع مستحق الزكاة من إبل الصدقة بشرب لبنها؛ لأن العرنيين كانوا أبناء السبيل، ولهذا أخرجه البخاري في الزكاة، وترجم عليه: (بابُ استعمال أبوال إبل الصدقة وألْبانِها لأبناءِ السبيل).
قوله: "فشربتم من ألبانها وأبوالها" أما شرب لبن إبل الصدقة .. فلِمَا ذكَرْنا مِن أنهم كانوا أبناءَ السبيل، وأما شرب لبن لِقاح النبي صلى الله عليه وسلم ..
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 150)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فَلِتَحقُّقِ الإذنِ منه صلى الله عليه وسلم، وأما شرب أبوال الإبل .. ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: مسألةُ بول ما يؤكل لحمه.
استدل مالك رحمه الله تعالى بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، أمَّا بول الإبل .. فاستدلُّوا على طهارته بهذا الحديث، وأما بول غيرِها مما يؤكل لحمهُ .. فبالقياس عليه، وهو قولُ أحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن من الحنفية، والإِصْطَخْرِي والرُّويانِي من الشافعية، وبه قال الشعبي وعطاء والنخعي والزهري وابنُ سيرين والحكَمُ والثوريُّ.
وقال أبو داوود ابن علية: بول كلّ حيوان وإن كان لا يؤكل لحمه طاهر إلَّا بول الآدمي.
وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وجَمْعٌ كثير من العلماء: الأبوالُ كلُّها نجسة إلَّا ما عُفِي عنه من القدر القليل، وهذه المذاهب مأخوذة من "عمدة القاري" (1/ 919).
وأجاب الحنفيةُ والشافعية عن قصة العرنيين بأجوبة:
الأول منها: أنَّ شربهم للأبوال كان على سبيلِ التداوي للضرورة؛ كما أُجِيزَ لبس الحرير في الحرب أو للحكة، وقد أصيبوا بمرض الاستسقاء، ولأبوال الإبل تأثير في ذلك؛ فإنها كانت تَرْعَى الشيحَ والقَيصُوم، والإبلُ التي ترعى ذلك تنفعُ ألبانها وأبوالُها في بعض أنواع الاستسقاء، وقد أخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 65) عن ابن عباس مرفوعًا: إن في أبوال الإبل وألبانها شِفاءً لِذَرَبَةِ بطونهم.
والثاني: أن قصة العرنيين متقدمةٌ نَسخ حكْمَها أحاديث دالة على نجاسة الأبوال، والنسخ وإن كان لا يَثبت بِمُجَرَّدِ الاحتمالِ عند عدم عِلْمِ التاريخ،
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 151)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولكن احتمالُ النسخ إذا تأيَّدَ بقرائن قوية يَكْفِي لإبطال الاستدلال بما جاء في الروايات مخالفًا للأصولِ الكلية والرواياتِ المشهورة، وتُوجد ها هنا قرائنُ تُقوِّي احتمالَ النسخ.
فمنها: أن قصةَ العرنيين وقعت سنةَ ست؛ كما قدمنا، وحديثَ نجاسة البول مروي عن أبي هريرة؛ كما سيأتي، وأن أبا هريرة أسلم سنة سبع، ثم من المعلوم المشاهدِ في الأحاديث أنَّ الإحكام قد انتقلَتْ في الأنجاس من السهولةِ إلى الصعوبة، فهناك أشياء كثيرة اعتُبرت طاهرةً غيرَ مفسِدة للصلاة في مبدأ الإسلام، ثم جاء الحكْمُ بنجاستها؛ فمن جملتها ما أخرجه البخاري في رقم (240) عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قصةِ وَضْعِ أبي جهل سلا جزور على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُصل ساجدٌ، وقد ثبَت أنه صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْطَع صلاتَه، بل اسْتَمرَّ فيها؛ كما ذكره الحافظُ في "الفتح" (1/ 351).
وادَّعى ابن حزم أن هذا الحديث منسوخ بما روي في نجاسة النَّجْوِ والدمِ، فهذه القرائن مما يُقوّي احتمالَ النسخ، وعند هذا الاحتمال القويِّ لا يَتِمُّ الاستدلالُ بحديث الباب على طهارة البول الذي ورد في نجاستِه أحاديث كثيرةٌ.
والوجه الثالث: في الاعتذارِ عن حديث الباب أنه يحتمل أن الأمر بشُرْب الألبان واستنشاقِ الأبوال، وإنما عَطفَ الأبوال على الألبان بطريق التضمين، والتضمينُ أن يُعطف معمولُ عامل محذوف على معمول عامل مذكور؛ كقوله: (علفتها تبنًا وماءً باردًا)، والمراد علفتها تبنًا وسقَيْتُها ماء باردًا، وقد أَوْضَحه ابن هشام في "مغني اللبيب" في أوائل الباب الخامس من الجزء الثاني.
ويؤيده ما ورد في بعض طرق الحديث عند النسائي في "سننه" (2/ 167)
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 152)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من غير ذكر الأبوال، ولفظه: (فبعث بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه؛ ليشربوا من ألبانها، وكانوا فيها … ) إلى آخره، وكذلك لَمْ يذكر لفظ الأبوال في حديث أنس عند الطحاوي من طريق عبد الله بن بكر عن حميد عن أنس، ذكره البنورِيُّ في "معارف السنن" (1/ 275)، ثم قال: وعلى هذا يكاد أن يكون ذكر الأبوال مع الألبان في سياق أمره صلى الله عليه وسلم من تصرف الرواة، فيكون صلى الله عليه وسلم أمر بشرب ألبانها واستنشاق أبوالها، ولعلهم شربوا أبوالها أيضًا، فوقع التعبير بهما معًا في سياق الأمر؛ نظرًا إلى ما وقع، لا أنه صلى الله عليه وسلم أمر بهما معًا.
وبالجملة: فلا يستقيم الاستدلال بحديث الباب على طهارة أبوال الإبل عند وجود هذه المحامل القوية.
وأما أدلة نجاسة الأبوال .. فكثيرة؛ منها: ما أخرجه الترمذي في الأطعمة من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها؛ والجلالة: التي تأكل الجلة؛ وهي البعرة؛ كما في "القاموس" وغيره، فكان سبب النهي هو أكلها البعرة، فعلم أنه نجس؛ حيث سرت نجاستها إلى لحمها.
ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: "استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه" أخرجه ابن ماجة والدارقطني والحاكم في "المستدرك" (1/ 183)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، ومنها غير ذلك.
المسألة الثانية: مسألة التداوي بالمُحرم.
واستدل بحديث الباب من أجاز التداوي بالمحرمات والأنجاس، والمذاهب
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 153)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في هذا الباب مختلفة؛ فمذهب الحنابلة عدم جواز التداوي بالمحرمات مطلقًا، قال ابن قدامة: ولا يجوز التداوي بمحرم، ولا يستثنى فيه محرمٌ؛ مثل ألبان الأُتُنِ ولحم شيء من المحرمات، ولا شربُ الخمر للتداوي به؛ لما ذكرنا من الخبر.
وأما الشافعية .. فيجوز التداوي عندهم بالمحرمات غير المسكر إلَّا إذا تعين الشفاء فيها، فأما التداوي بالمسكر .. فلا يجوز عندهم أيضًا.
قال النووي في "المجموع شرح المهذب" (9/ 52) مذهبنا: جواز التداوي بجميع النجاسات سوى المسكر، ودليلنا حديث العرنيين، وهو في "الصحيحين" كما سبق، وهو محمول على شربهم الأبوال للتداوي؛ كما هو ظاهر الحديث، وحديث: "لَمْ يجعل الله شفاءكم" .. محمول على عدم الحاجة إليه؛ بأن كان هناك ما يغني عنه ويقوم مقامه من الأدوية الطاهرة.
وقال البيهقي: هذان الحديثان إن صحا .. حملا على النهي عن التداوي بالمسكر وعن التداوي بالحرام من غير ضرورة؛ للجمع بينهما وبين حديث العرنيين.
وأما المالكية .. فمذهبهم في هذا الباب كمذهب الحنابلة؛ فإنهم لا يجوزون التداوي بالمحرم بحال.
ويقول القرطبي في "تفسيره" من سورة البقرة (2/ 213): وإن كانت الميتة قائمة بعينها .. فقد قال سحنون: لا يتداوى بها بحال ولا بخنزير؛ لأن منها عوضًا حلالًا، بخلاف المجاعة، وكذلك الخمر لا يتداوى بها.
وأما الحنفية .. فقد اختلف أقوال علمائهم في المسألة: فالمشهور عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يجوز التداوي بالمحرم.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 154)