(وعطاء مولى أم حبيبة، تابعي روى عنه إمام ثقة حافظ هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، فإذا ضممت له ذكر ابن حبان له في "الثقات" (5/ 201)، وتصحيح الحاكم له، ورواية النسائي له (4/ 164) فهو كاف لقبول حديثه، إذ إنه لم يأت بما يُنكر عليه.
وتذكَّر كلمة الذهبي في "الموقظة" (ص: 81): ومن الثقات الذين لم يخرَّج لهم في الصحيحين خلق، منهم: من صحح له الترمذي، وابن خزيمة، ثم من روى لهم النسائي … ).
قلت: أما رواية سعيد المقبري عنه، فلا تثبت، فقد تفرد بها محمد بن إسحاق بالعنعنة.
إلا أن المؤلف قال:
(ولا يضر هنا عدم تصريح محمد بن إسحاق بالسماع لأنه توبع، فللحديث طرق متعددة).
قلت: وهذه مغالطة واضحة، وتدليس بيِّن، فتلك الطرق التي يشير إليها المؤلف هي على ثلاثة أنواع:
الأول: الطرق التي اختلف فيها على محمد بن إسحاق التي ذكرها ابن أبي حاتم في "العلل" (2747) عن أبي زرعة الرازي، وعنه نقل المؤلف في كتابه (ص: 357)، فكلها من رواية ابن إسحاق بالعنعنة.
الثاني: الطرق التي وردت في الصحيحين ومسند أحمد وغيرها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
من كتب الحديث، فهذه الطرق وإن كانت متابعة لطريق ابن إسحاق إلا أنها قد تابعته على أصل الحديث فقط، دون الزيادة الأخيرة المنكرة التي هي محل الشاهد، وقد تقدَّم ذكر بعض هذه المتابعات عن أبي هريرة رضي الله عنه.
الثالث: وهي رواية أبي يعلى في "المسند" (11/ 462/ 6584):
حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن سعيدًا المقبري أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفس أبي القاسم بيده لينزلنَّ عيسى بن مريم إمامًا مقسطًا، وحكمًا عدلًا، فليكسرن الصليب، وليقتُلن الخنزير، وليصلحن ذات البين، وليذهبن الشحناء، وليُعرضن عليه المال فلا يقبله، ثم لئن قام على قبري فقال: يا محمد، لأجيبنه".
وقد تقعقع المؤلف بهذه الرواية مصححًا لرواية الحاكم، فقال (ص: 359):
(فالحاصل أن الحديث حسن على الأقل، خاصة مع وجود الطريق الذي في مسند أبي يعلى).
قلت: بل هذه الطريق ضعيفة، بل واهية، والآفة فيها من شيخ أبي يعلى أحمد بن عيسى وهو المصري، قال أبو داود: كان ابن معين يحلف إنه كذاب، وقال أبو حاتم: "تكلم فيه الناس،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
قيل لي بمصر: إنه قدمها، واشترى كتب ابن وهب، وكتاب المفضل بن فضالة، ثم قدمت بغداد، فسألت هل يحدِّث عن المفضل، فقالوا: نعم، فأنكرت ذلك، وذلك أن الرواية عن ابن وهب والرواية عن المفضل لا يستويان، وأما أبو زرعة فأنكر على مسلم إخراج حديثه في الصحيح، وقال: "ما رأيت أهل مصر يشكون في أنه .. " وأشار إلى لسانه، كأنه يقول الكذب.
وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ممن سمعوا منه، فهم أعلم به من غيرهم، بل الحكاية التي ذكرها أبو حاتم تقع موقع الجرح المفسَّر، ثم يمين ابن معين المغلَّظة أنه يكذب، لا تجعل ثمة احتمالًا بأن هؤلاء جميعًا تواردوا على الطعن في الرجل بمثل هذا الطعن الشديد دون حجة، وأما الخطيب فتمسَّك بقول النسائي فيه: "ليس به بأس"، فقال: "ما رأيت لمن تكلم فيه حجة توجب ترك الاحتجاج بحديثه".
قلت: ما ذكرناه مما تقدَّم يوجب ذلك ولا شك، والظاهر أن النسائي لم يظهر له من أمره ما ظهر لهؤلاء الجهابذة.
وأما الحافظ ابن حجر، فقال:
"إنما أنكروا عليه ادعاء السماع، ولم يُتهم بالوضع، وليس في حديثه شيء من المناكير".
قلت: هو وإن لم يُتهم بالوضع، فادعاؤه للسماع سرقة، وهذا جرح شديد ولا شك، وأما المناكير، فيكفي جمعه في الرواية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
بين المفضل بن فضالة، وابن وهب.
فإن قال قائل: قد أخرج له الشيخان.
قيل له: إخراجهما عنه إما متابعة وإقرانًا كما عند البخاري كما في "هدي الساري" (ص: 384)، أو ما وافق فيه الثقات، كما عند مسلم، فإنه لما أنكر أبو زرعة إخراج مسلم لحديثه، قال مسلم كما في "تاريخ بغداد" (4/ 274) بسند صحيح:
إنما قلت صحيح، وإنما اْدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إِلا أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.
وإن سلَّمنا للمؤلف بصحة السند أو حسنه، فلا بد من اعتبار الاختلاف في الحديث على سعيد المقبري، فقد خالف حميد بن زياد محمد بن إسحاق، وكلاهما صدوق، فيبقى الترجيح بينهما بأمر آخر بخلاف الضبط، وهو العنعنة، فأما ابن إسحاق فقد عنعنه وهو مدلِّس، وأما حميد فقد سمعه من سعيد، فروايته ولا شك مقدَّمة على رواية ابن إسحاق، وعليه فالذي يثبت تبعًا لهذا التسليم رواية حميد، ولفظ الشطر الأخير فيها:
"ثم لئن قام على قبري فقال: يا محمد لأجبته".
وهذا لا يدل على أن عيسى عليه السلام سوف يقوم على قبره ولابد، ولو كان فلا يُثبت أنه سوف يشد إليه الرحل لأجل هذا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
ومن ثمَّ فوجه الدلالة من هذا الحديث ضعيف.
وعلى ما تقدَّم يتبين أن رواية سعيد المقبري عن عطاء مولى أم صبيَّة غير محفوظة، فلا تُعتمد في التوثيق، وحتى لو كانت محفوظة فالمستقر عند جماهير العلماء أن رواية الثقة عن غيره لا تُعدُّ توثيقًا له كما ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص: 112)، وقد أورد فيه بابًا في ذكر الحجة على أن رواية الثقة عن غيره ليست تعديلًا له.
وأما توثيق ابن حبان، وتصحيح الحاكم فقد تقدَّم بحثه وأنه لا يعتبر بهما، لا سيما الحاكم، فإنه أشد تساهلًا من ابن حبان، وابن حبان لم يذكر من أمره ما يدل على أنه قد سبر حاله، وتتبع حديثه، وهو قليل الحديث، لا يُعرف له إلا حديثه عن أبي هريرة الذي هو قيد البحث، وحديث آخر عن أبي هريرة في فضل السواك عند النسائي في "السنن الكبرى" كما في "التحفة" (10/ 280) من طريق: محمد بن إسحاق أيضًا، عن سعيد المقبري، عن عطاء، عن أبي هريرة.
وهذا الخبر أيضًا غير محفوظ، والوهم فيه من ابن إسحاق، فقد خالفه عبيد الله بن عمر العمري، وهو إمام حافظ ثقة مقدَّم، ولا يُقارن به محمد بن إسحاق.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ابن إسحاق قد وهم في رواية هذين الحديثين، وأن عطاء هذا لا يُعرف إلا من هذا الوجه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
المنكر، فهو مجهول العين ولا ريب.
وأما تصحيح الحاكم، فزيادة على ما تقدَّم بيانه، من عدم الاعتداد به، فقد أقر المؤلف نفسه أنه قد تساهل في تصحيحه الأحاديث في المستدرك.
قال المؤلف (ص: 153):
(تساهل الحاكم خاص بالحكم على الأحاديث في المستدرك، فإنه - رحمه الله تعالى - أدركته المنية قبل أن ينقحه كُلَّه كما هو معلوم في مكانه).
قلت: قد بيَّن الذهبي ما في ذلك، فقال في ترجمة الحاكم من "السير" (17/ 175):
"في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها".
وقال في ترجمته من "الميزان" (3/ 609):
"إمام صدوق، لكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة، ويُكثر من ذلك، فما أدري هل خفيت عليه، فما هو ممن يجهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
ذلك".
وقال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (5/ 264) معتذرًا عن ذلك:
"قيل في الاعتذار عنه: إنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها".
قلت: فلأجل ذلك كله لا يجب الاحتجاج بتصحيح الحاكم إذا انفرد، لا سيما أيضًا مع شهرته بالتساهل في التوثيق عمومًا داخل المستدرك وخارجه، وقد تقدَّم بيان ذلك بالأدلة الجليَّة.
وأما تلك القاعدة التي نقلها المؤلف عن الذهبي، فلا تعني بأن كل من خرَّج له النسائي فهو محتج به عنده، فإنه إن كان كذلك فلا شك أن عبارة ابن السكن في وصف كتابه بالصحة لها وجه! ! وليس كذلك، بل قد أنكر العلماء عليه ذلك، وقد تقدَّم بيانه بما يُغني عن الإعادة هنا.
وإنما غاية ما ذكره الذهبي أن البخاري ومسلمًا قد خرَّجا لجملة من الثقات، لا لكلهم، فعدم ذكر الراوي في الصحيح لا يقدح في توثيقه، بل في جامع الترمذي جملة من الثقات ممن وصف الترمذي حديثهم بالصحة، بقوله: "حديث صحيح"، وليس من قال فيهم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
"حديث حسن صحيح"، فإن هذا مختص بالأحاديث التي ورد عمل أهل العلم بمدلولها، أو من صحح لهم ابن خزيمة، أو من روى لهم النسائي وهم من الثقات، وهذا قول مجمل، وإلا فهذا القول لا ينافي أن بعض الرواة قد صحح لهم ابن خزيمة وضعفهم الجمهور، ومثله الترمذي، وكذا النسائي، فكم خرَّج عن رواة ضعفاء ومجاهيل.
ومما يدل على أن عبارة الذهبي تخرج هذا المخرج الذي ذكرناه أنه هو نفسه قال في عطاء هذا: "لا يُعرف"، فإن كانت هذه القرائن التي ذكرها في كتابه "الموقظة" ونقلها عنه المؤلف تخرج المخرج الذي أوهم به المؤلف فلماذا لم يوثقه الذهبي؟ ! !
بل غاية ما ذكره فيه في "الكاشف" أنه قال: "وُثِّق"، وقد تقدَّم بيان ما في هذا اللفظ من التمريض المانع من الاعتبار بتوثيق من وثقه، وهو غالبًا ما يشير به إلى من وثقه ابن حبان، أو بعض المتساهلين، أو من وثقه بعض من يطلق وصف التوثيق على العدالة كابن معين - رحمه الله تعالى - إذا لم يتابعه غيره من المعتبرين.
وفي ختام تحقيق القول في هذا الحديث أقول: قد وقع للمؤلف وهم قبيح ثبت عليه طيلة الترجمة، وهو أنه قال: "عطاء مولى أم حبيبة" جريًا على ما وقع من خطا وتصحيف في رواية الحاكم، والصواب كما في غالب كتب التخريج والرجال والعلل: عطاء مولى أم صُبَيَّة، وكذا ضبطه الحافظ في "التقريب"، وقبله الدارقطني في "العلل".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
الحديث الثامن عشر
وهو حديث:
"لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
وقد تقدَّم تخريجه في قسم الأدلة، وأسهب المؤلف أيما إسهاب في ذكر طرقه، وشواهده، والذي يعنيني هنا أن أنبه على روايتين من الروايات التي أوردها المؤلف، وإن كنا قد أشرنا إلى إحداها من قبل، وهاتان الروايتان، هما:
الأولى: ذكرها المؤلف (ص: 363)، وهي في المسند بسند حسن عن شهر بن حوشب، قال: أقبلت أنا ورجال من عمرة، فمررنا بأبي سعيد الخدري، فدخلنا عليه، فقال: أين تريدون، قلت: نريد الطور، قال: وما الطور؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"لا تُشد رحال المطي إلى مسجد يُذكر الله فيه إلا ثلاثة مساجد … ".
الثانية: ذكرها المؤلف (ص: 371) من حديث قزعة، قال:
سألت ابن عمر: آتي الطور؟ قال: دع الطور، ولا تأتها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وقال: لا تشدوا الرحال إلا ثلاثة مساجد.
وصححه المؤلف.
قلت: هاتان الروايتان دليل قوي على ما تقدَّم ذكره من أن المسجد إذا أُطلق أريد به مكان العبادة، وما يُقصد للتقرب، وإن كان بيتًا، أو قبرًا، وفي هذين الأثرين تحريم السفر إلى مواطن قبور الأنبياء ومقامات الصالحين، وما يؤتى للتقرب عنده للعبادة، بل في حديث أبي سعيد الخدري المرفوع: "لا تُشد رحال المطي إلى مسجد يُذكر الله فيه إلا ثلاثة مساجد … "، دلالة ظاهرة على ذلك، من قوله: "مسجد يُذكر الله فيه"، والمسجد لفظ عام، وقد أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم على قبور الأنبياء، فقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم على عموم الأرض، فقال:
"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
وقد تقدَّم أيضًا أنه يطلق على بيوت الموتى وهي القبور، وهذا هو فهم الصحابة، فليعتبر به أولو الأبصار والأفئدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
الباب الثالث طعن المؤلف بالباطل في أئمة العلماء من المعاصرين
طعنه في الشيخ عبد العزيز بن باز
طعنه في الشيخ أبي بكر الجزائري
طعنه في الشيخ صالح الفوزان
طعنه في محدِّث العصر الألباني
والرد عليه في ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
طعن المؤلف في أئمة العلم
دأب المؤلف في غالب كتابه على الطعن في شيخ الإسلام ابن تيمية، سواءً في المسألة التي هي قيد البحث أو في مسائل أخرى أجنبية عن الكتاب.
وقد التزم في ذلك بمنهج مشايخه من الغماريين والكوثريين الذين دأبوا في عامة مؤلفاتهم على مثل ذلك، ليس في شيخ الإسلام ابن تيمية فحسب، بل وفي عامة أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
وزاد على ذلك فبث حقده الدفين على علماء الدعوة المعاصرين من أهل السنة والجماعة، من مشاهير أئمة الأمصار فكال لهم النقد والازدراء وسوء الأدب والسخرية، من هؤلاء:
الشيخ العلَّامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، والعلَّامة الألباني، محدِّث الديار الشامية، وحافظ العصر، والشيخ الصالح محمد الصالح العثيمين، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ أبي بكر الجزائري - حفظهم الله أجمعين -.
فذكر جملة من كلامهم في هاتين المسألتين، ذكر الساخر البذيء ألزمه الله تعالى بما يستحق في الدنيا والآخرة، وألزم أحدهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
واتهمه بتكفير المسلمين، وهو الشيخ الجزائري - حفظه الله -، ثم زاد الطين بلة فنسبه إلى الخوارج!!، ووصف الشيخ الفوزان - حفظه الله - بأن دعوى البدعة والشرك عنده سهلة جدًّا، وغير ذلك من الأوصاف الذميمة، والاتهامات الباطلة.
ووصف الشيخ ابن عثيمين - حفظه الله ورعاه - بالجهل والتعالم، واتهمه بتكفير المسلمين، وبالضحك بفتاويه على البسطاء من العامة والعياذ بالله.
وإنما أردت في ختام كتابي هذا أن أذكر للقارئ الكريم بعض تلك العبارات السمجة الوقحة التي استخدمها المؤلف مع أئمة العلماء، تدليلًا على ما يكنه صدره من الغل الشديد، والحقد الكبير لأئمة أهل السنة والجماعة وأصحاب الاعتقاد السليم من السلفيين، حفظهم الله أجمعين.
طعنه في الشيخ أبي بكر الجزائري - حفظه الله -:
قال المؤلف (ص: 59):
(إِن أبا بكر الجزائري قد اعتمد على نفسه، فزاد الطين بلة، وكفَّر قسطًا وافرًا من المسلمين، فقال ما نصه:
"إن دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، والتوسل بجاههم لم يكن في دين الله تعالى قربة ولا عملًا صالحًا فيتوسل به أبدًا، وإنما كان شركًا في عبادة الله محرمًا يخرج فاعله من الدين، ويوجب له الخلود
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
في جهنم" انتهى بحروفه من كتابه "عقيدة المؤمن" (ص: 144).
والصحيح أن المؤمن لا يعتقد ذلك في إخوانه المؤمنين الذين يعتقدون ألا مؤثر إلا الله جل وعز، وغاية عملهم أنهم علموا منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه فتوسلوا به، واتبعوا الأدلة الصحيحة، وقد تأسوا في ذلك بالصحابة رضوان الله عليهم.
وقد أخطأ أبو بكر الجزائري، فكفَّر عباد الله الصالحين، وهذا التكفير الجزاف لا ارتباط له بكتاب أو سنة، ولا بما عليه السواد الأعظم، ولم يقل ذو عقل ودين بمقولته الفاسدة إِلا من كان على رأي الخوارج، نسأل الله العافية.
وللأسف قد طبعَ كتابه مرات، وليتأمل القارئ المنصف كم من المسلمين فُتنوا بهذا الباطل).
قلت: هذا تمويه واضح من المؤلف، فإن الشيخ الجزائري حفظه الله تعالى إنما خص الحكم بالتكفير بمن أشرك مع الله تعالى في الدعاء والاستغاثة، أو بمن دعا غير الله تعالى، أو استغاث بغير الله تعالى، وهذا كله عند أهل العلم من الشرك البيِّن، وهو منتشر انتشارًا كبيرًا لا سيما عند قبور الصالحين والأولياء ومن يعتقد فيهم العامة وإن كانوا من أهل الفساد والريب، بل ومنهم من يعتقد في هؤلاء أن لهم القدرة على تسيير بعض شئون الكون، فضلًا عن إبراء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
المرضى، وإعادة الضائع، وإرشاد الضال، وغيرها من الأمور.
وكلام الجزائري - حفظه الله - مختص بهؤلاء، وأما ذكره التوسل ضمن كلامه، فلا يدل على أنه يذهب إلى وصف من يعتقد جواز التوسل بالصالحين من غير دعاء لهم أو استغاثة بهم إلى الكفر من وجهين:
الأول: أنه عطف التوسل بـ "واو العطف" على ما قبلها من دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، فهذا ظاهر أنه أراد بذلك مجموع تلك الأفعال معًا، لا كل فعل على وجه الخصوص، ومن ثمَّ فهذا محمول على دعاء غير الله تعالى المشوب بالتوسل الذي يعتقد فيه صاحبه تأثير المتوسل به في الأسباب، وأنه قادر على النفع والضر.
ثم وجدت عنه - حفظه الله - ما يؤيد ذلك، فقد بيَّن في كتاب آخر أن التوسل عنده الذي يُحكم على صاحبه بالكفر هو دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بهم، ولا خلاف بين أهل العلم على كفر من عبد غير الله، أو صرف أي نوع من العبادة إلى غيره تعالى.
قال الشيخ أبو بكر الجزائري في كتابه "وجاءوا يركضون مهلًا يا دعاة الضلالة" (ص: 74):
"كان سلف الأمة الصالح، نبيها وصحابته وتابعوهم وتابعو تابعيهم بإحسان كل يتوسل إلى الله تعالى في قضاء حوائجه من جلب خير، أو دفع ضر بإيمانه، وعمله الصالح، وذلك إلى أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
جاء عصر الفتن، ونجم قرن التصوف، يحمل رايته غلاة الباطنية والزنادقة، ومشايخ الطرق، فأحدثوا في التوسل إِلى الله تعالى بدعًا وضلالات كادوا يقضون بها على روح الإسلام، فعبدوا الأولياء بذبح القربات، والنذر لهم والاستغاثة بهم، والاستشفاع والتبرك بأضرحتهم".
فأطلق التوسل على هذه العبادات الشركية، وهو محتمل، لعموم لفظ التوسل، فهو يُطلق على كل ما يتقرَّب به العبد إلى ربه.
الثاني: باعتبار أن هذه الأشياء الثلاثة قد ذكرها الشيخ أبو بكر الجزائري كلًّا على وجه الخصوص، منفردًا، فلا يلزم أن يكون كل هذه الثلاثة قد أُشربت هذا الحكم، بل يجوز أن لا يُشرب أحدها هذا الحكم.
كما في قوله تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].
والجمهور قد استدلوا بهذه الآية على نجاسة الخمر، مع أن ثمة أنواع أخرى قد ذُكرت معها، ليس لها نفس الحكم من حيث الطهورية والنجاسة، وإنما تنصرف النجاسة في حقها إلى النجاسة المعنوية، وروى ابن جرير في "التفسير" (10/ 565) بسند صحيح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
عن ابن زيد رحمه الله قال:
{رِجْسٌ}: الشر.
وليعلم القارئ الكريم أن صنيع المؤلف من كيل الاتهامات للشيخ أبي بكر الجزائري لم يكن عن غيرةٍ على السنة، وإنما عن حقد دفين قديم، بين شيخه الغماري وبين أبي بكر الجزائري أيده الله، منذ عشرات السنوات لما هب الشيخ أبو بكر الجزائري بالرد على جماعة من القبوريين الذين ألفوا مؤلفًا يروجون به ضلالاتهم على عوام الناس، وقاموا بتوزيعه، وانظر تمام هذه القصة بقلم الشيخ الجزائري رحمه الله في كتابه:
"وجاءوا يركضون … مهلًا يا دعاة الضلالة".
فكان ماذا؟ ! قام الغماري بالأخذ بيد هؤلاء القبوريين، وقدَّم لهم، ومما جاء في تقديمه - كما ورد في الكتاب المذكور (ص: 88) -: "قد وقفت على كتابك "إعلام النبيل بما في شرح الجزائري من التلبيس والتضليل" فوجدته قد أحكم الرد، وأتقن النقض لتلك الوريقات التافهة التي نشرها، وأضاع بها الوقت والمال أبو بكر جابر الجزائري في الرد على فضيل العلَّامة المتقن الشريف الدكتور محمد بن علي المالكي".
هل تعلم أيها القارئ الكريم ماذا حوى هذا الكتاب الذي قرَّظه وقدَّم له الغماري شيخ المؤلف؟ ! !
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
قد حوى الدعوة إلى دعاء غير الله، والاستغاثة بالأولياء والصالحين، وطلب الدعاء منهم، والاستغفار لهم.
قد حوى الرد على الشيخ الجزائري في رده لقول البكري: "فأنت باب الله"، وحوى الرد على الجزائري في إنكاره قصيدة البكري التي ورد فيها:
فَلُذْ به من كل ما تشتكي … فهو شفيع وأينا يقبل
وناده إن أزمة أنشبت أظـ … ـفارها واستحكم المعضل
فلا يهولنك أيها القارئ الكريم ما يروِّجه المؤلف من عبارة أن التوسل فيه خلاف مشهور، فليس هذا التوسل الذي يرومه القوم هو الذي فيه الخلاف، إن صح الخلاف!! فتوسل القوم أصله دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأموات، وغيرهم، فالله الله ما أعظم البلية بمثل هذه التدليسات والتمويهات.
ولكن هل اقتصر المؤلف على الطعن في الشيخ الجزائري، لا بل تعداه إلى أئمة مشايخ السلفيين من أهل السنة والجماعة، ووجَّه حرابه المسمومة إليهم، يظن بذلك أن يغتالهم، كلا والله، فإن حراب الباطل زاهقة، وصدور المؤمنين عامرة بالإيمان قوية به لا تنشب فيها رماح الباطل أبدًا.
* طعنه في الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -:
تهكَّم المؤلف علي الشيخ الفوزان - حفظه الله - فقال (ص: 54)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
بكل صلافة:
(فأفاده بعضهم -[وقال في الحاشية: هو صالح الفوزان]- بقوله المضحك المبكي: التوسل في الدعاء بذوات الصالحين أو حقهم أم جاههم يعتبر أمرًا مبتدعًا، ووسيلة من وسائل الشرك، والخلاف فيه يعتبر خلافًا في مسائل العقيدة لا في مسائل الفروع، لأن الدعاء فيه أعظم أنواع العبادة ولا يجوز فيه إلا ما ورد في الكتاب والسنة .. الخ.
قلت: لا يخفى أن الأحاديث والآثار الصحيحة والحسنة ترد قوله، ولو استحضر هذا المجيب حديثًا واحدًا منها، وليكن حديث توسل الأعمى بالنبي صلى الله عليه وسلم، واستعمال عثمان بن حنيف له، وزيادة حماد بن سلمة الصحيحة، وكان مع استحضاره منصفًا وترك تقليد غيره لأعرض عما تفوه به ..... ).
وقال (ص: 56):
(ثم رأيت المجيب عن السؤال أعني صالحًا الفوزان يقول في رسالة له مطبوعة باسم "تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهبًا" عن التوسل: إنها لمسألة خطيرة تمس العقيدة، وتجر إلى الشرك، فكيف تكون هينة. ا. هـ.
قلت: هوِّن على نفسك يا شيخ، فإذا كان التوسل يجر إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
الشرك، فقل لي بربك: هؤلاء الأئمة الذين توسلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم أحمد بن حنبل وغيره من السلف، ومن بعدهم، هل علمت أنهم انجروا إلى الشرك؟ ! حاشاهم من ذلك وهم أئمة الدين، وكلامك يعني أن التوسل يستلزم بالضرورة الانجرار للشرك، وهو لازم باطل لا ينكره إلا مكابر).
ثم قال في الحاشية:
(هو صالح الفوزان، ودعوى البدعة والشرك عنده سهلة جدًّا،
حتى أنني رأيت منسكًا له عدَّ فيه الدعاء عند القبر الشريف من الأخطاء العظيمة، لأنه وإن كان الداعي لا يدعو إلا الله بدعة ووسيلة إلى الشرك، كذا في منسكه (ص: 52)، وغير خفي أن الدعاء عند القبر الشريف تضافرت النقول عليه عن السلف والخلف، وابن تيمية نقل الدعاء عند القبر الشريف عن جماعات في رده على العلَّامة الأخنائي).
قلت: والجواب عن هذه الطعون كما يلي:
أولًا: إن وصف الشيخ الفوزان - حفظه الله - للتوسل بذوات الصالحين وحقهم بالبدعة هو الذي تؤيده الأدلة، ذلك لأن الأحاديث والآثار التي حشدها المؤلف ما بين مردودة من جهة الدلالة كما في استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما فإنما هو توسل بدعاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)