العباس رضي الله عنه كما بيناه هنالك تفصيلًا، وكما في حديث الضرير، فإنما هو استشفاع بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، لا بجاهه كما تقدَّم تقريره في موضعه، وما بين مردودة من جهة السند وهي غالب الأحاديث التي احتج بها، وإن نافح عنها منافحة المستميت.
ثانيًا: التهويل بنسبة القول بالتوسل إلى أحمد، وجماعة من السلف، فيه نظر شديد، فإن عبارة الإمام أحمد رحمه الله كما تقدَّم بيانه مجملة، وهي تحتمل التوسل بالاتباع والإيمان به صلى الله عليه وسلم، كما تحتمل التوسل بجاهه عليه السلام، ومتى طرأ الاحتمال سقط الاستدلال، إلا أن الوجه الأول هو الأقرب للصواب، لأن الإمام أحمد رحمه الله قد نهى عن الاستعاذة بالمخلوق، وهي تنزل بمنزلة الدعاء، فكذلك الدعاء لا يكون بالمخلوق.
وثمة مسألة مهمة وهي: أن هذه المسألة مع خطورتها وعظم أمرها لم يستفض النقل فيها عن الإمام أحمد رحمه الله إلا ما ورد ضمن منسك المروزي هذا، وإن كان بعض أهل العلم قد نقل عنه كابن تيمية، وابن عبد الهادي، وغيرهما، إلا أنه لم يصلنا سنده حتى نتبين صحة نسبته إلى الإمام أحمد رحمه الله، فإنه قد نُسبت إليه بعض الكتب كرسالة الاصطخري وغيرها، قد حوت أحرف منكرة في الاعتقاد والسنة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الإمام أحمد رحمه الله كان ينهى عن وضع الكتب، لا سيما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
تلك التي حوت آراء الرجال، وكان يعدها من البدع كما ورد في "مسائل" إسحاق بن إبراهيم بن هانئ وغيره، وأما الكتب التي صنفها فإنما كانت على طريقة المحدثين، بخلاف هذا المنسك الذي يخلو من ذلك، وهذا يُلمح للباحث الفطن التمهل في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد رحمه الله.
وأما نسبة القول بجواز التوسل إلى جماعة من السلف، فقد تقدَّم الجواب عنها في موضعه، وبينا أن ما روي في ذلك عن السلف لا يصح.
ثالثًا: تعقب المؤلف على الشيخ الفوزان في قوله: "إنها لمسألة خطيرة تمس العقيدة، وتجر إلى الشرك" في غير محله، فإن قول الشيخ الفوزان قول وجيه يعضده الشرع والواقع.
فأما تعضيد الشرع له: فقد تقدَّم ذكر الأدلة على المنع من التوسل، وكيف انجر قوم نوح عليه السلام إلى عبادة الأصنام بالغلو في الصالحين، وفي العبادة عند القبور.
وأما الواقع: فقد تقدَّم الإحالة على ترويج السقاف في مقدمته لشيخه وشيخ المؤلف الغماري للاستغاثة، وتقدَّم النقل عن الغماري في مباركته لكتاب الرد على الشيخ الجزائري وفيه الدعوة إلى دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأموات، ويعضد ذلك كله المشاهد في الموالد والاحتفالات عند القبور والمشاهد من تقبيل الأعتاب، وبذل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
الأموال والنذر للمقامات وأصحابها، والذبح عندها، إلى غير ذلك من بلايا الشرك والخذلان، هل كان هذا ابتداءً إلا بالاعتقاد الخاطئ في الأموات، وهل عبد قوم نوح تلك الأصنام بمجرد موتها، لا بل صوروا لها صورًا تذكرهم بها، فلم يعبدوها، حتى إذا مات هؤلاء القوم، وتنسَّخ العلم عُبدت تلك الأصنام.
وقد سد الإسلام الذرائع المفضية إلى الشرك وأسبابه، وذلك بأن شرع الدعاء لله وحده، وجعل له آدابًا ليس منها التوسل بأحد من خلق الله تعالى، لا بجاهه، ولا بذاته.
رابعًا: عد الشيخ الفوزان الدعاء عند القبر من الأخطاء العظيمة موافق لمقاصد الشريعة ونصوصها.
فإن الشرع الحنيف قد نهى المسلمين عن عبادة الله تعالى عند القبور، سدًّا للذرائع المفضية إلى الشرك والعياذ بالله، فلا يجوز دعاء الله تعالى عند القبور اعتقادًا باستحباب ذلك في هذا الموضع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن تحري العبادة ومنها الدعاء عند القبور عمومًا، وعند قبره خصوصًا كما تقدَّم بيانه، وهذا فيما إذا كان الدعاء لغير المقبور، وأما إن كان الدعاء لأجل المقبور، كالاستغفار له، أو كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره والدعاء له بالوسيلة ونحوه مما يشرع فهذا لم ينه عنه أحد من أهل العلم، بل هو مما يتأكد، وليس في عبارة الشيخ الفوزان ما يوهم بخلاف ما ذكرنا هنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
خامسًا: أن الغماري، وهو شيخ المؤلف نفسه قد أثبت أنه لا نكير على من يحرِّم التوسل بالذات، وقد نص على ذلك فقال في كتابه: "غاية التحرير في بيان صحة حديث توسل الضرير" (ص: 93):
"التوسل كغيره من المسائل التي اختلف فيها العلماء، ولسنا نعيب من يرى تحريمه أو كراهته … ".
وقد وافقه المؤلف في مقدمة كتابه على هذا القول، ثم جاء وخالفه هنا بالانتقاد على المشايخ أئمة العلم تحريمهم التوسل بالجاه.
وهذا هو دأبه، بل ودأب شيخه الغماري أيضًا إذ قال ما تقدَّم ذكره، ثم ناقض نفسه فختم رسالته في "الرد على الألباني" بشعر فيه النكير واللمز (ص: 70)، قال:
إن التوسل جائز في شرعنا … لا يمتري في حكمه شخصان
إلا الذين توهَّبوا بجهالة … وتوسَّموا بسفاهة بلسان
قد حرَّموه وبالغوا في ذمه … من غير أن يأتوا بأي بيان
وحديث عثمان بن حنيف حجة … يقضي لنا عليهم بالخسران
والله يهديهم ويشرح صدرهم … لقبول ما يبدر من البرهان
إلا أن المؤلف لم تشف غليله هذه الاتهامات والطعون التي كالها للشيخ الفوزان - حفظه الله - فحاول جاهدًا أن يشكك في نيته وإخلاصه بإظهار تناقضه! ! - المزعوم - فقال (ص: 56 - 58):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
(وهذا الرجل الذي يتشدد هنا التشدد الممقوت - ويخالف مذهبه - في أمر فرعي، تجده في مكان آخر يتساهل في محض الاعتقاد تساهلًا مذمومًا، فتجده يقول في رسالته المذكورة تعقيبًا على من نقل الإجماع على بقاء النار، فقال:
"وتعقيبنا عليه من وجهين: الوجه الأول: أنه لم يحصل إجماع على تخطئة القول بفناء النار، وعدَّه من البدع كما زعم، فالمسألة خلافية، وإن كان الجمهور لا يرون القول بذلك، لكنه لم يتم إجماع على إنكاره، وإنما هو من المسائل الخلافية التي لا يُبدع فيها.
الوجه الثاني: أن الذين قالوا بفنائها استدلوا بأدلة من القرآن والسنة، وبقطع النظر عن صحة استدلالهم بها أو عدم صحته فإن هذا القول لا يعتبر من البدع ما دام أن أصحابه يستدلون له، لأن البدع ما ليس لها دليل أصلًا، وغاية ما يقال إنه قول خطأ أو رأي غير صواب ولا يُقال بدعة، وليس قصدي الدفاع عن هذا القول، ولكن قصدي بيان أنه ليس بدعة، ولا ينطبق عليه ضابط البدعة، وهو من المسائل الخلافية" ا. هـ
قلت: وغير خفي على اللبيب والبليد أن كلامه نهاية في البطلان والتعصب، وأن القول بفناء النار هو قول المبتدعة من جهمية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
المعتزلة، وأن من يعتد به في الإجماع من الأئمة فارق هذا القول وخالفه، وقد قال الطحاوي في العقيدة المشهورة: والجنة والنار مخلوقتان أبدًا لا تفنيان ولا تبيدان. ا. هـ. ص: 476 مع الشرح .....
وصفوة القول: أنه تشدد فيما هو سهل، وتساهل في أمر الاعتقاد، وما أرى ذلك إِلا بسبب اتباع الهوى والانتصار للأشخاص لا غير، وهذا هو الغلو الذي قاموا وقعدوا ولفوا وداروا حوله ووقعوا في أئمة الدين بسببه، فلله الأمر من قبل ومن بعد نعوذ بالله من الهوى والمناكدة، وإن كل متمسك بالحق خلا قلبه من شوائب العصبيات والأهواء ليبرأ إِلى الله تعالى من التلاعب بالدين).
قلت: انظر أخي القارئ الكرريم إلى هذا الحقد الدفين على أئمة الدعوة السلفية، الذين هم علماء الأمة، وإليهم الرجع في الفتوى والوقوف على السنن ونشرها، والتحذير من البدع وإماتتها، وهذا ظاهر من عباراته الأخيرة السمجة الفجة القبيحة التي يتهم فيها هؤلاء العلماء بالمراوغة والتلاعب بالدين، ويصفهم بأنهم أصحاب لف ودوران ووقوع في أئمة الدين، وأنهم أصحاب هوى وانتصار للأشخاص لا غير.
فهذا تنبيه للقارئ الكرريم ليتلمح شخصية هذا الكاتب، ولينظر إلى ما تصبو إليه نفسه، ويسعى له قلمه.
وأما الجواب عما أورده، فأوجزه في هذه النقاط:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
أولًا: التوسل ليس بأمر فرعي كما زعم المؤلف، بل هو أمر عقدي لاتصاله بمهمات الدعاء الذي هو عبادة الرب تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح، والذبح من أبواب الفقه والفروع، إلا أن الذبح إذا صُرف لغير الله تعالى، أو كان على غير اسم الله تعالى صرفه العلماء آنذاك إلى مسائل الاعتقاد - الأصول -.
فنسبة المسألة إلى الفقه أو الاعتقاد إنما يكون بتقدير تعلقها، وهذا ما تجاهله المؤلف أشد التجاهل.
ثانيًا: نسبته القول بفناء النار إلى المبتدعة من جهمية المعتزلة فيه نظر، فإنما قول الجهمية في ذلك: أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة، وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه وهو قول قد جمعوا فيه بين الجنة والنار كما أشار ابن أبي العز الحنفي في "شرح الطحاوية" (ص: 360) والتي نقل منها المؤلف، وهذا القول مفارق للقول الذي أثبت الشيخ الفوزان الخلاف فيه، وهو: أن الله يخرج من النار من يشاء كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئًا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه.
ومن يقول بهذا القول يخص به النار وحدها دون الجنة، فإن الأدلة الصحيحة تدل على بقائها أبدًا، بخلاف الجهمية الذين يثبتون الفناء للجنة وللنار جميعًا.
وهذا القول قد ذكره ابن أبي العز ضمن ثمانية أقوال، هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
سابعها، وثامنها: القول بأن الله يخرج منها من يشاء، ويبقي فيها الكفار بقاءً لا انقضاء له.
قال ابن أبي العز رحمه الله:
"وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان، وهذان القولان لأهل السنة ينظر في أدلتهما … ".
وأنا أجزم بأن المؤلف لم يغب عنه هذا النقل، لأنه ذكر قول الطحاوي في مسألة الجنة والنار في كلامه السابق من شرح ابن أبي العز الحنفي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مغالطة المؤلف للقراء حتى يتسنى له إلحاق التهم بالشيخ الفوزان، وإثبات التناقض والتلاعب عليه، وحاشاه، وحاشا كل من انتسب إلى أهل السنة والجماعة.
ثالثًا: أن الشيخ الفوزان إنما تناول الإجماع على تبديع وتخطئة من قال بفناء النار، ولم يتناول الإجماع على بقاء النار وأبديتها، وثمة فرق كبير وبون شاسع واسع بينهما، فالأول مقتضاه إثبات الاختلاف في المسألة، والثاني مقتضاه نفيه، فإذا كان الأمر على ما ذكر الفوزان فالاختلاف فيه قائم، وهو مبني على ورود بعض الأخبار عن بعض السلف تؤيد ذلك، ومن هذه الجهة ذهب الشيخ الفوزان إلى التوقف في إطلاق وصف البدعة على هذا القول.
ومثل هذا كثيرًا ما يقع في كلام الأئمة الكبار، فبعضهم يصف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
القول أو الفعل بأنه بدعة، والبعض الآخر لا يصفه بذلك لورود ما يقتضي خلافه.
كالاختلاف في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في الحياة الدنيا، وكالاختلاف في مسألة اللفظ، وما ذكره البخاري من أن الأفعال والحركات والأصوات مخلوقة، وهي بخلاف القرآن الذي هو غير مخلوق، ومخالفة الذهلي له وتشهيره به، وكالاختلاف في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في المسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج، فقد أخرج أحمد والترمذي بسند حسن عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: والله ما صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذ.
قلت: وهذا القول مخالف لما عليه إجماع الصحابة، ولما وردت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لا يقال فيه أنه بدعة، لأنه إنما قال به حذيفة رضي الله عنه إعمالًا لظاهر القرآن، ولعدم وصول الأحاديث النبوية المثبتة لعكسه، ومن هذا الوجه فلا يتجه وصفه بأنه بدعة، وهو وإن كان خلافًا قائمًا، إلا أنه لا يجوز اعتقاده اليوم، ولا القول به، لثبوت ما يضاده من النصوص الشرعية واتفاق أهل العلم، وإنما يُقال في مثل هذا: زلة عالم لعدم وصول الأدلة إليه، وليس هذا الباب على إطلاقه، بل فيه تفصيل ذكرناه في كتابنا: "الأصول التي بنى عليها الغلاة مذهبهم في التبديع".
وهذا هو عين ما ذهب إليه الشيخ الفوزان، فإنه متى نُسب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
القول إلى أحد من السلف خرج به من حيز البدعة، هذا مع وجوب تحقيق الأسانيد في ذلك، للخروج من الخلاف.
وهذا بخلاف ما ورد في التوسل، فإن ما ورد في التوسل لا يصح فيه خبر مرفوع أو موقوف كما تقدَّم بيانه، ولا هو مذهب نُسب نسبة تصح إلى أحد من السلف، بل الأدلة النقلية على مخالفته ودحضه، ومن هنا فإن القول به لا يعضده عاضد، وإن قال به جماعة من متأخري أهل العلم اغترارًا ببعض الأخبار الضعيفة، أو بحديث الضرير والذي هو حجة في نفسه على المنع من التوسل، والله يغفر للجميع.
* طعنه في الشيخ محمد صالح العثيمين - حفظه الله -:
وأما خطب المؤلف مع الشيخ الصالح محمد الصالح العثيمين - حفظه الله - فكان جليلًا، فقد اتهمه بالتشنيع، والدعوة إلى تكفير المتوسلين، وختم كلامه بوصفه له بالتعالم والجهل، والضحك على البسطاء وخداعهم إ!
وأنا أنقل كلام المؤلف في ذلك بتمامه، ثم أبيِّن وجه الجواب عنه إن شاء الله تعالى.
قال (ص: 61 - 62):
(وإن كان أبو بكر الجزائري قد تفوه بالتكفير، فهناك آخر هو محمد صالح العثيمين الذي أصر على اعتبار التوسل من مباحث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
الاعتقاد، واستدل على مقولته بما لم يصرح به مسلم، فقال:
"بالنسبة للتوسل فهو داخل في العقيدة، لأن المتوسل يعتقد أن لهذه الوسيلة تأثيرًا في حصول مطلوبه ودفع مكروهه، فهو في الحقيقة من مسائل العقيدة، لأن الإنسان لا يتوسل بشيء إلا وهو يعتقد أن له تأثيرًا فيما يريد". ا. هـ
قلت: اثبت العرش، ثم انقش، فمن الذي أطلعك على ما في صدور المتوسلين حتى تصرح بهذه المقولة الشنيعة، التي يلزم منها تكفير المتوسلين جميعًا.
إن ما قاله مناف للاعتقاد تمامًا، فكل مسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله جل وعز هو النافع، وهو الضار، وأن المؤثر الحقيقي هو الله، وأنه وحده مسبب الأسباب، فلا فاعل إلا الله، ولا خالق سواه، وإليه يُرجع الأمر كله، فلا حول ولا قوة إلا بالله).
قلت: مقولة الشيخ ابن عثيمين - حفظه الله - لا تقتضي بأي حال من الأحوال تكفير المتوسلين جميعًا، ولا حتى بعضهم، وإنما هو شغب المؤلف الذي هو رأس ماله في كتابه هذا، وتمويهاته على القراء.
وكلام الشيخ العثيمين مستقيم أشد الاستقامة، فلو لم يكن المتوسل معتقدًا لتأثير استخدام هذه الوسيلة، أو القربة كما يسميها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
المؤلف، في تعجيل الاستجابة ووقوعها، فليس ثمة داع للتوسل آنذاك، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن كلام المؤلف الذي تقدَّم في إثبات أن كل مسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله عز وجل هو النافع، وهو الضار، وأنه هو المؤثر الحقيقي إن كان يعتقده بعض المتوسلين، إلا أن أكثرهم يرون خلاف ذلك، وقد تقدَّم ذكر النقول عن بعضهم في اعتقادهم تأثير تلك الوسائل في الاستجابة ووقوع النفع، ودفع الضر، وليس أقرب من شعر البكري الذي تقدَّم:
فَلُذْ به من كل ما تشتكي … فهو شفيع وأينا يقبل
وناده إن أزمة أنشبت أظـ … ـفارها واستحكم المعضل
وأقرب منه ترويج السقاف في مقدمة كتاب الغماري "إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي" لمسألة الاستغاثة.
ثم قال المؤلف:
(وغاية ما في المتوسل أن يقول: اللهم إني أسألك أو أتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم أو بالولي الفلاني مثلًا.
فالمتوسل سأل الله تعالى ولم يسأل سواه، ولم ينسب إلى المتوسل به تأثيرًا أو فعلًا أو خلقًا، وإنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله تعالى فقط، وتلك المنزلة ثابتة له في الدنيا والآخرة، وإليه نذهب يوم القيامة طلبًا للشفاعة).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
قلت: وهذا الكلام ينقض آخره أوله، فإن كان ذلك جائزًا في حق النبي صلى الله عليه وسلم، لثبوت منزلته عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، وذلك بنبوته وبتوقيف الله تعالى لنا على ذلك بالنصوص الشرعية، إلا أن هذا منتف في حق غيره من المشايخ والأولياء، فإننا وإن حكمنا على ظواهرهم بالصلاح، لم يُكشف لنا عن بواطنهم، ولا ورد في حقهم توقيف يثبت فضلهم، والاعتقاد الذي أجمعت عليه الأمة أنه لا يُحكم على مسلم بجنة ولا بنار، إلا ما ورد به التوقيف، فإن كان ذلك كذلك، فكيف لنا أن نثبت لهم مكانة عند الله تعالى، ومن ثم نتوسل بهم إليه، إن هذا إلا عين التألي على الله تعالى بغير علم.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كنا نذهب إليه يوم القيامة مستشفعين به إلى الله تعالى، وهو الاستشفاع بدعائه، فإنما ذلك لأن الله تعالى فضله بهذه الشفاعة، ومنعها غيره من الأنبياء، فالشفاعة عنده لا تكون إلا بإذنه، وقد أذن سبحانه في شفاعات عدة، منها ما هي لنبيه في الدنيا، ومنها ما هي لنبيه في الآخرة يوم القيامة، ومنها ما هي لبعض المؤمنين، وإنما صار القول بها، واعتقادها لورود التوقيف بها، بخلاف التشفع بالنبي والتوسل به في مماته، فإنه لم يصح ما يدل على ذلك.
ولأجل ذلك فإن قول المؤلف:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
(وإنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله تعالى فقط)، لا يقتضي جواز شفاعته، فليس ثمة قائل من البشر أجمعين أن ليس لآدم عليه السلام منزلة عند الله تعالى، ولا لموسى، ولا لعيسى الذي هو كلمة الله، ولا لإبراهيم الذي هو خليل الله تعالى، عليهم الصلاة والسلام، بل هؤلاء الأنبياء من أعظم الخلق منزلة عند الله تعالى، ومع ذلك فإنه سبحانه وتعالى لم يجعل لهم الشفاعة في الآخرة، وإن كان جعلها لهم في الدنيا بدعائهم إلى الله، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ثبوت الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة لا تثبت جواز التشفع به في الدنيا بعد مماته صلى الله عليه وسلم إلا على وجه واحد يعود في حقيقته إلى التشفع والتوسل بالعمل الصالح وهو التشفع والتوسل بالإيمان به، وطاعته، والتزام سنته، وحبه صلى الله عليه وسلم.
وإن كان ذلك كذلك في حق الأنبياء، فهو في حق الأولياء أولى، فإنه لا يجوز التقدم على الله تعالى في إثبات منزلة عبد من عباده عنده من خيرية أو تقدم، فإن هذا لا يطلع عليه غير الله تعالى، ولا سبيل للبشر إلا الحكم بظواهر الأمور، والظواهر ليست بمسوغة للتألي على الله تعالى في معرفة حقائق البشر.
ثم قال المؤلف:
(ومن يعتقد أن إِخوانه السلمين يعتقدون أن التوسل به له تأثير فيكون قد كفَّرهم، ونصَّب نفسه مقام العارف بما في الصدور،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
وهذه فتاوى يضحك بها هؤلاء الشيوخ على البسطاء ليوضحوا لهم أن المتوسلين من جلدة أخرى، وكلام العثيمين ينسحب إِلى التوسل كله، والحق يقال: إِنه كلام لا علاقة له بالعلم، بل هو نوع من أنواع الجهل، والتعالم، وسوء الظن بالمسلمين، وكم من حوادث وفتن تتبع هذه الفتاوى، وكم من جاهل كفَّر أبويه أو أهل خطته بسبب اغتراره بمثل هذه الفتاوى، ولو تمهل المفتي وفكَّر قليلًا لأدرك سخف مقولته).
قلت: وهذا كلام ساقط، لم يراع فيه المؤلف أدبًا في حوار، ولا تقدمًا لإمام، ولا شيء ألبتة، إلا بث ما يكنه صدره من خبث طوية، وغل شديد على علماء الدعوة السلفية من أئمة أهل السنة والجماعة.
والشيخ العثيمين مثله مثل الفوزان والجزائري وغيرهم - حفظهم الله أجمعين - يعلم جيدًا ما يعنيه التوسل عند المتوسلين، فإنه ليس مجرد السؤال بالجاه والذات، بل يؤيده الاعتقاد في المتوسل بهم، ومع ذلك فإنه لم يُفْت بأنه من الكفر في شيء، ولا أن صاحبه كافر والعياذ بالله، وإنما متعلق كلامه إثبات أن هذه المسألة من مسائل الاعتقاد، لا من مسائل الفقه، ولم يتعرض لحكم المتوسل بشيء من التكفير ألبتة.
ولكن هل اكتفى المؤلف بما ذكره من تهويل وتشغيب حول فتيا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
فضيلة الشيخ العثيمين - حفظه الله - في التوسل؟ !
لا بل تعداها إلى الطعن في رده - حفظه الله - على استدلالهم بقوله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)} [النساء: 64].
على جواز شد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال (ص: 81):
(وقد اعترض محمد بن صالح العثيمين على الاستدلال بالآية المذكورة فقال في فتاويه (1/ 89) ما نصه:
"إذ هذه ظرف لما مضى وليست ظرفًا للمستقبل، لم يقل الله: ولو أنهم إذا ظلموا، بل قال: {إِذْ ظَلَمُوا} فالآية تتحدث عن أمر وقع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مماته أمر متعذر، لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، فلا يمكن للإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد بل ولا يستغفر لنفسه أيضًا، لأن العمل انقطع". انتهى.
قلت: هذا إِقدام جريء من العثيمين نسأل الله العافية، وإليك تفنيده بالآتي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
أما قصره إذ على الزمن الماضي فقط ففيه نظر، لأن إذ كما تستعمل في الماضي فتستعمل أيضًا في المستقبل، ولها معان أخرى ذكرها ابن هشام في مغني اللبيب، وقد نص على أن إذ تستعمل للمستقبل: الأزهري، فقال في تهذيب اللغة:
العرب تضع إذ للمستقبل وإذا للماضي، قال الله عز وجل: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا}. . .).
قلت: كون "إذ" تُستخدم للزمن المستقبل كما تُستقبل للزمن الماضي لا ينقض دفع الاستدلال بهذه الآية، فإما أنها تكون قد وردت في هذه الآية على المستقبل، أو تكون قد وردت فيها على الماضي أما جمعها على الزمانين معًا فهذا الذي يلزم المؤلف إثباته.
فإن كانت على الماضي وهو الراجح فلا سبيل للاحتجاج بها على شد الرحال بالزيارة إلى القبر النبوي، ولو أنها على المستقبلية، فهذا معناه أنه لا تعلق لها بما قبلها من الآيات، ولا تعلق لها بما ورد في تفسيرها من الأخبار في قضية الاحتكام إلى اليهود، وهذا لا يقول به عاقل.
وعلى فرض التسليم به، وأنها على المستقبلية فهي مرتبطة بحياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما عند وفاته فلا، لورود ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ينقطع عمله إلا من الثلاثة التي ذكرها هو صلى الله عليه وسلم بنفسه: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، وهذا عام، لم يُخَص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
النبي صلى الله عليه وسلم فيه بشيء زائد، ويؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن أفعال اليهود والنصارى من اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، وهذا الذي يروج له المؤلف من الذرائع المفضية إلى ذلك.
ثم قال (ص: 82):
(وأما قوله: واستغفار الرسول أمر متعذر، لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث ا. هـ.
فخطأ، واستغفار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متعذر لأمور. . .).
فذكر منها:
(1) حديثين في حياة الأنبياء في قبورهم.
(2) صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في الإسراء، مع كونهم أمواتًا. .
(3) حديث "حياتي خير لكم. . . . . . ووفاتي خير لكم تُعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت لكم"، وادَّعى صحته تبعًا لشيخه الغماري.
(4) استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم حاصل لجميع المؤمنين سواءً من أدرك حياته ومن لم يدركها لقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}.
قلت: وهذه الأربعة لا وجه للاستدلال بها، فأما حياة الأنبياء فهي حياة بررخية، ومقتضاها الجزاء، لا التكليف، وإن كان الله عز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
وجل قد اختص نبيه صلى الله عليه وسلم وهو في حياته الدنيا أن يتصل بهم وهم في حياتهم البرزخية، وأن يرى موسى عليه السلام وهو قائم يصلي في قبره، وأن يصلي بهم النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا في بيت المقدس وهو لا يزال حيًّا وهم أموات في الدنيا أحياء عند ربهم فليس هذا عن الله تعالى ببعيد، ولا يقدح هذا أن بينهم وبين أهل الدنيا - كما قال تعالى -: {بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100].
وقد أخرج ابن جرير في "التفسير" (19/ 71) بسند حسن عن مجاهد قال: حجاب بين الميت والرجوع إلى الدنيا.
وأما الاستدلال بصلاة الأنبياء، فهي محمولة هنا على ذكر الله تعالى وتسبيحه وتنزيهه، وإن كان ثمة استغفار فيها - وهذا يلزمه دليل لأنه تكليف، ولا تكليف بعد الممات - فيكون خاصًّا به صلى الله عليه وسلم لا يتعداه للاستغفار لأمته عليه الصلاة والسلام، إذ لا دليل عليه، وإنما ورد الدليل بحث الأحياء على الدعاء له صلى الله عليه وسلم، والصلاة عليه، وسؤال الوسيلة له بهليه السلام.
وأما حديث "حياتي خير لكم. . ." الذي أكثر المؤلف من الاحتجاج به فهو حديث ضعيف، وقد تقدَّم تخريجه وبيان ما فيه من أسباب الضعف والاعتلال.
وأما الأمر الرابع الذي احتج به المؤلف فهو أمر أجنبي خارج عن محل النزاع هنا، إذ استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لعموم المؤمنين في حياته لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
يؤيد الاستدلال بهذه الآية على ما أراده المؤلف، لأنه استغفار وقع في الماضي، ولا تجدد له بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.
بل لو قيل: إن هذه الآية الأخيرة حجة عليه من جهة أن هذا الاستغفار قد وقع في الماضي، فلا يلزم حينئذ أن يأتيه المذنبون بعد وفاته يستغفرون عنده، ويستغفر لهم، لكان ردًّا على استدلاله.
ثم أردف المؤلف بكلام متهافت في الرد على الشيخ العثيمين - حفظه الله وأيَّده -، فقال (ص: 84 - 85):
(ولذلك فهم المفسرون وغيرهم من الآية العموم، واستحبوا لمن جاء إلى القبر الشريف أن يقرأ هذه الآية {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} ويستغفر الله تعالى، وهذه التفاسير بين أيدينا والمناسك التي صنفها علماء المذاهب كذلك، وكلها نظهر صدق دعوى الاستدلال بالآية.
ولماذا نذهب بعيدًا، فهذا العلامة أبو محمد بن قدامة الحنبلي صاحب المغني، الذي يقول فيه ابن تيمية: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من ابن قدامة، يذكر هذه الآية في المغني (3/ 590) في صفة زيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم).
قلت: نعم هذه التفاسير بين أيدينا قد نص أئمة المفسرين على أن هذه الآية إنما نزلت في المنافقين الذين احتكموا إلى الطاغوت،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)