عنه استسقى بالعباس ..... ، ويُستسقى بأهل الصلاح، لما روي أن
معاوية استسقى بيزيد بن الأسود ..... ، ويُستسقى بالشيوخ
والصبيان لقوله صلى الله عليه وسلم: لولا صبيان رضع، وبهائم رتع، وعباد لله ركع لصب عليهم العذاب صبًّا".
فتبين أن ذلك مرده إلى الصلاح، والإخلاص في الدعاء، والضعف لأهل الضعف، ولم يقل أحد بجواز التوسل بجاه الشيوخ أو الصبيان.
وقد نقل النووي في "المجموع شرح المهذب" ما يؤيد ذلك عن القاضي حسين، والروياني، والرافعي، قال (5/ 73):
"يستحب أن يستسقى بالخيار من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم .... قال القاضي حسن، والروياني، والرافعي وآخرون من أصحابنا: ويستحب أن يذكر كل واحد من القوم في نفسه ما فعله من الطاعة الجليلة، ويتشفع به ويتوسل … ".
وعلى فرض التسليم للمؤلف بجواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهو حكم خاص به صلى الله عليه وسلم، لا يتعداه إلى غيره من الصالحين، وهو ما رجحه العز بن عبد السلام.
فقد سئل في فتاويه (رقم: 102):
عن الداعي يُقسم على الله تعالى بمُعَظَّم من خلقه في دعائه كالنبي صلى الله عليه وسلم، والولي، والملك، هل يُكره له ذلك أم لا؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
فأجاب رحمه الله:
"أما مسألة الدعاء، فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علَّم بعض الناس الدعاء في أقواله: "اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، نبي الرحمة"، وهذا الحديث إن صح، فينبغي أن يكون مقصورًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يُقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُصَّ به، تنبيهًا على عُلو درجته ومرتبته".
فإذا تدبرت هذه الفتوى تبين لك أمران هامان:
الأول: أنه علَّق حكمه على ثبوت الحديث، فقال: "إن صحَّ"، فالأمر المتنازع فيه إنما يُرد حكمه إلى الله والرسول، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله.
الثاني: أنه حكم بجواز ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث، ولم يتعده إلى باقي الأنبياء، أو الأولياء، أو الملائكة أو الصالحين، ونحوهم، وهذا مخالف لما يروَج له جمهور المتوسلين اليوم.
ولكن لابد من التنبيه هنا أن الحديث الذي ذكره العز، لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما هو بلفظ الاستشفاع، وفيه ما يدل على أن هذا الاستشفاع هو استشفاع بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وسوف يأتي تخريجه قريبًا ضمن الأحاديث التي احتج بها المؤلف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
قلت: وقد أفتى بحرمة ذلك - أي القسم بالذوات على الله - الأحناف، وقد قرر شيخ الإسلام ذلك، فقال في "التوسل والوسيلة" (ص: 50):
"وهذا هو الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه، حيث قالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك، قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بـ "شرح الكرخي" في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة، قال بشر بن الوليد، حدثنا أبو يوسف، قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: "بمعاقد العز من عرشك"، أو "بحق خلقك"، وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقًا".
وعودة إلى ما نقل في منسك المرُّوذي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال:
وسل الله حاجتك متوسلًا إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم تُقض من الله عز وجل.
فهذا لفظ مُجمل، فإنه رحمه الله لم يذكر صفة هذا التوسل، فقد يكون توسلًا بالطاعة له، وبمتابعته صلى الله عليه وسلم، وهذا عندي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
هو الظاهر لأن أحمد رحمه الله قد منع من الاستعاذة بالمخلوقين، كما ذكره ابن مفلح في "الفروع" (2/ 127)، قال:
"قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمرُّوذي: إنه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه، وجزم به في المستوعِب وغيره، وجعلها شيخنا كمسألة اليمين به، قال: والتوسل بالإيمان به، وطاعته ومحبته، والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، وبدعائه وشفاعته، ونحوه ..... وقال أحمد وغيره في قوله عليه السلام: "أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق": الا ستعاذة لا تكون بمخلوق".
قلت: فما أشبه هذا بالدعاء، فإنه لا يكون بمخلوق أيضًا، إذ إنه لم يدل دليل صحيح على ذلك.
فمما تقدَّم يتبين للقارئ الكريم أن شيخ الإسلام رحمه الله لم ينفرد بالمنع من التوسل بالجاه، بل سبقه إلى ذلك أبو حنيفة النعمان، وصاحبه أبو يوسف.
إلا أن المؤلف حاول جاهدًا أن يعدل بهذا القول من أبي حنيفة من التحرريم إلى الكراهة، فقال (ص: 48):
(وهذا الإمام أبو حنيفة يقول: ويُكره أن يقول الرجل في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك. ا. هـ الجامع الصغير للإمام محمد ص: 395 مع النافع الكبير.
فعبر الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بقوله: يُكره، فدار الأمر بين الكراهية التنزيهية أو التحريمية، كما قرره أصحابه في كتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
الكراهية، أو الحظر والإباحة من مصنفاتهم الفقهية).
قلت: الكراهة هنا تحريمية، كما يظهر مما تقدَّم نقله، فإنهم عبروا عن ذلك بعدم الجواز، وبقولهم: "لا ينبغي"، فتنبه إلى ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
زيارة المقابر وأقسامها
كان الأصل في زيارة القبور في أول الإسلام على التحريم، سدًّا للذرائع المؤدية إلى الشرك بتعظيم هذه القبور وأصحابها، لا سيما مع كون من دخل في الإسلام في ذلك الوقت حديثي عهد بإسلام.
وقد دل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". (1)
قال النووي رحمه الله: (2)
"هذا من الأحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها".
قال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: (3)
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدًّا للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجرًا، فمن زارها على غير--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (2/ 672).، وأبو داود (3698)، والنسائي (8/ 310) من طريق: عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة بن الحصيب به.
(2) "شرح صحيح مسلم" للنووي: (4/ 50).
(3) "إغاثة اللهفان": (1/ 218).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله، فإن زيارته غير مأذون فيها، ومن أعظم الهجر: الشرك عندها قولًا وفعلًا".
وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم أن الحكمة من إباحة الزيارة التي نُهي عنها أولًا حصول الاعتبار والتذكير.
فقال صلى الله عليه وسلم:
"فزوروا القبور، فإنها تذكِّر الموت". (1)
قال القاضي عياض رحمه الله: (2)
"وقوله: (فزوروها): بيِّن في نسخ النهي، وفي علة الإباحة، أن يكون زيارتها للتذكير والاعتبار، لا للفخر والمباهاة، ولا لإقامة النوح والمآتم عليه".
فهذه الأحاديث وما شابهها تدل على:
* النوع الأول: من زيارة القبور، وهي الزيارة المشروعة:
وهي ما يكون فيها قصد الزائر الدعاء للميت، أو الصلاة على الجنازة، أو تذكر الموت والآخرة، والاتعاظ.
ولأجل ذلك فقد أبيح زيارة قبر غير السلم، لا سيما إن كان من الأقارب، إن عُلم من زيارته قوة الاتعاظ والتذكير.--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (2/ 441)، ومسلم (2/ 671)، وأبو داود (3234)، والنسائي (4/ 90)، وابن ماجة (1572) من طريق: أبي حازم، عن أبي هريرة به.
(2) "إكمال المُعلم" للقاضي عياض: (3/ 452).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
كما في حديث أبي هريرة - المتقدِّم - قال:
زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال:
"استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكِّر الموت". (1)
قال النووي - رحمه الله تعالى -: (2)
"فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة، … .. ، وفيه النهي عن الاستغفار للكفار، قال القاضي عياض رحمه الله: سبب زيارته صلى الله عليه وسلم قبرها، أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: (فزوروا القبور، فإنها تذكِّر الموت) ".
* وأما النوع الثاني: فهو الزيارة البدعية:
وهي كل ما خالف النوع الأول من الزيارة، كقصد قبر بعينه للدعاء عنده، أو عبادة الله تعالى عنده، أو الاستعانة بصاحبه، أو الاستغاثة به، أو طلب الحوائج عنده، أو الذبح عنده، أو النذر له.
أو شد الرحال إلى قبر بعينه، أو قبور بعينها، لأنه لم يرد في الشرع ما يدل على ذلك، بل الذي ورد في الشرع يخالف ذلك، وينهى عنه، وهذه الأخيرة هي المسألة قيد البحث في هذا الكتاب،--------------------------------------------
(1) تقدَّم تخريجه.
(2) "شرح صحيح مسلم": (4/ 48).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وإن كان المشهور في بحثها جواز ذلك وعدمه بالنسبة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وسوف يأتي إيراد أدلة هذا القول قريبًا إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
حكم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومذهب شيخ الإسلام في هذه المسألة وذكر من وافقه من أهل العلم المتقدِّمين
هذه المسألة من أعظم المسائل التي شُنِّع بها على شيخ الإسلام رحمه الله من أعدائه، ليس في عصره فحسب، بل وفي كل عصر أتى بعده، ولكن سبحان من أقر فتواه في هذه المسألة في قلوب العلماء وطلاب العلم وعوام المسلمين ممن يلتزم بالسنة والصلاح، في كل عصر ومِصر، لا سيما في هذا العصر، كما أقر فتواه في تعليق الطلاق بشرط في أقضية المسلمين اليوم، بحيث جُعلت حكمًا ثابتًا يتحاكم إليه المفتون في غالب دول الإسلام.
وكما قيل: فإن الحق منصور وممتحن.
فلا يلزم من امتحان شيخ الإسلام في حياته، وحبسه، ووفاته رحمه الله وهو على هذه الحال أن يكون قد مات مخذولًا، كلا بل قد أعلى الله شأنه وكلمته وفتاويه وعلمه بما لم يُعل به شأن من عاداه وناوأه من أهل الباطل، فإن الباطل وإن علا واستفحل ممحوق.
وأما هذه المسألة التي نحن بصدد تحقيق القول فيها؛
فإن شيخ الإسلام رحمه الله لم يمنع من زيارة القبر النبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
- صلى الله عليه وسلم كما يروِّج له أعداؤه، بل هو رحمه الله يرى أن قبره الشريف صلى الله عليه وسلم أفضل القبور على وجه الأرض وأشرفها، ويرى جواز زيارة القبر النبوي الشريف، وأن يتخلق في ذلك بأفضل الأخلاق، ويتأدب بأحسن الأدب وأرفعه، إلا أنه رحمه الله إنما أجاز ذلك بشرط أن لا تُعمل المطي، ولا تُشد الرحال بنية زيارة القبر، بل تُشد الرحال بنية الذهاب إلى المدينة النبوية وزيارة المسجد النبوي الشريف، وكذلك فلا تكون زيارة القبر لأجل العبادة عنده، أو اعتقاد أن الدعاء عنده مستجاب، أو أن العبادة عنده أفضل من العبادة عند غيره.
وقد بيَّن ذلك جليًّا، فقال رحمه الله في "اقتضاء الصراط المستقيم" (2/ 662):
"قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهي عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان".
وقال (2/ 772):
"ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد في زيارة قبر مخصوص ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا أهل الصحيح، ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد، وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره".
قلت: وقوله هذا رحمه الله لم يقصد به العيب على هؤلاء الأنبياء والصالحين كما ادعى أعداؤه، ولا قصد به نفي كرامة الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
ورحمته عن قبورهم، وإنما قصد به بيان أن حصول الكرامة لا يقتضي تعظيم الخلق لها بما هو خارج عن الشريعة من شد الرحال إليها، وقصدها لأجل عبادة الله تعالى عندها.
قال رحمه الله (2/ 736):
"وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك، وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة، أو قصد الدعاء أو النسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع".
قلت: وشيخ الإسلام رحمه الله لم يخالف بذلك أئمة أهل العلم ممن تقدَّمه بل وافق كثيرًا منهم، وقد أكثر من ذكرهم في مصنفاته، تنبيهًا على أنه لم يتفرد بمثل هذا الرأي، وبيَّن أن الخلاف إنما اشتهر في هذه المسألة من قِبل المتأخرين أمثال الغزَّالي، وأبو الحسن بن عبدوس الحرَّاني، وأبو محمد المقدسي رحمهم الله.
قال شيخ الإسلام (2/ 672):
"وما علمته منقولًا عن أحد من المتقدمين".
قلت: بل الظاهر من مذهب مالك رحمه الله يؤيد قول شيخ الإسلام من المنع من شد الرحل بالزيارة.
قال القاضي عياض رحمه الله في "الشفا" (2/ 667):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
"وكره مالك أن يُقال: زُرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم ....
والأولى عندي أنه منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لو قال: زُرت النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه، لقوله صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد بعدي، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بفعل أولئك، قطعًا للذريعة".
قلت: فإن أضيف إلى ذلك شد الرحال إلى القبر كانت الكراهة عنده أشد بلا شك.
وقد نقل عن إسحاق بن إبراهيم الفقيه ما يؤيد ذلك.
قال (2/ 669):
"قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدمه، والعمود الذي كان يستند إليه، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه، وبمن عمَّره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كله".
فانظر كيف أنه كان مستقرًا عند أهل العلم تقديم شد الرحل إلى المدينة لزيارة المسجد والصلاة فيه، ثم التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا يؤيده ما نقله القاضي عياض (2/ 677) عن العتبية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
"يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم".
وذلك لأن المستقر عندهم هو قصد المسجد لا القبر، فقُدِّمت تحية المسجد، ثم قُرن بزيارة القبر، فورد بعدها الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا هو عين الاعتدال، لا الابتداع في دين الله والتشدد.
ونقل القاضي إسماعيل في "المبسوط" - كما في "مجموع الفتاوى" (1/ 304):
أن الإمام مالك رحمه الله سئل عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
إن كان أراد القبر فلا يأته، وإن أراد المسجد فليأته، ثم ذكر الحديث:
"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد … ".
ثم وجدت عن الإمام أحمد رحمه الله ما يدل على ذلك.
فقد نقل ابن عبد الهادي رحمه الله (ص: 126) من منسك المرُّوذي، عن الإمام أحمد، قال:
"ثم ائت الروضة، وهي بين القبر والمنبر، فصلِّ فيها وادع بما شئت، ثم ائت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقل: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمة الله وبركاته .... ".
فهذا يؤيد ما تِقدَّم من استقرار العمل عندهم على أن القصد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
يكون للمسجد، ثم يُقرن به زيارة القبر النبوي الشريف (1).
قلت: وهذا هو قول إمام السنة في عصره أبو عبد الله بن بطة وقد صرح بأن شد الرحل لأجل القبور بدعة - رحمه الله تعالى -.
ففي صورة لجواب شيخ الإسلام عن فتوى في مسألة شد الرحال للزيارة - نقلها ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص: 222) - قال:
"وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يُسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من المساجد الثلاثة، مع أن مسجد قباء يُستحب زيارته لمن كان في المدينة، لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الحديث الصحيح:
"من تطهَّر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة".
قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة، لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله، فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة.--------------------------------------------
(1) ومنسك المرُّوذي وإن كان في نسبته إلي الإمام أحمد نظر كما سوف يأتي بيانه في آخر الكتاب، إلا أن المؤلف قد احتج بما ورد فيه لإثبات إجازة التوسل عن الإمام أحمد، فهذا من باب إلزامه بما احتج به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في "الإبانة" الصغرى من البدع المخالفة للسنة والإجماع".
قلت: وهذا القول أيضًا هو قول أبو محمد الجويني من الشافعية، وأبو الوفاء ابن عقيل من كبار الحنابلة، والقاضي عياض من المالكية.
فقد نقل ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص: 233) عن صورة من فتوى العلامة جمال الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام ابن البتي الحنبلي، ما نصه:
"وممن قال بحرمته: المثميخ الإمام أبو محمد الجويني من الشافعية، والشيخ أبو الوفاء ابن عقيل من الحنابلة، وهو الذي أشار القاضي عياض من المالكية إلي اختياره، وما جاء من الأحاديث في استحباب زيارة القبور فمحمول على ما لم يكن فيه شد رحل، وإعمال مطيٍّ، جمعًا بينهما".
وقال النووي في "شرح صحيح مسلم" (5/ 110):
"اختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة، ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره".
قلت: عبارة القاضي عياض في "إكمال المعلم شرح مسلم"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
(4/ 449):
"وقوله: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) الحديث: فيه تعظيم هذه المساجد، وخصوصها بشد الرحال إليها، لأنها مساجد الأنبياء، ولفضل الصلاة فيها، وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها مما لا يلزم ولا يُباح بشد الرحال إليها إلا لناذر، ولا لمتطوع لهذا النهي".
قلت: وهذا هو ظاهر كلام الإمام علاء الدين بن العطار رحمه الله قال في كتابه "زيارة القبور" (ص: 18):
"هذه الأحاديث من فعله صلى الله عليه وسلم وأمره وتعليله دالة على زيارة قبر المفضول، فكيف بزيارة قبر الفاضل، فكيف بزيارة قبره صلى الله عليه وسلم، لكن للاعتبار والتذكار، لا للتآله والإكبار، ولهذا قال: (لا تجعلوا قبري وثنًا)، و (لا تجعلوا قبري عيدًا) ".
ثم وجدت ما يدل أيضًا على أنه ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله.
فقد نقل النووي في "شرح مسلم" (2/ 632) عن الإمام الشافعي قوله:
"وأكره أن يُعظَّم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس".
وقد خالف ابن كج الشافعي فألزم الناذر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
بالوفاء بنذره، وقد تمسك المؤلف بهذا القول المخالف للمذهب، واحتج به كعادته في الاحتجاج بالغرائب (ص: 107) الحاشية.
وقد أُنكر على ابن كج هذا القول، فقال ابن الكتبي الشافعي -
فيما نقله ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص: 229) -:
"لكن القاضي ابن كج - من متأخري أصحابنا - ذكر أن نذر هه الزيارة عنده قربة تلزم ناذرها.
وهو منفرد به، لا يساعده في ذلك نقل صريح ولا قياس صحيح".
فإذا علمت ما تقدَّم فلا يهولنك عبارة المؤلف التي قدَّم بها لكتابه (ص: 7) حيث قال:
(وأما المقصود في مسألة الزيارة فهو إثبات إطباق علماء الأمة على استحباب أو وجوب زيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم بشد رحل أو بدونه، وأن من قال بتحريم الزيارة المستوجبة لشد الرحل قد ابتدع وخالف النصوص الصريحة، وإطباق فقهاء مذهبه فضلًا عن المذاهب الأخرى).
فهي دعوى عارية عن الصحة بالنقل الذي تقدَّم، وبالنقل الذي أورده، وإنما أورد المؤلف تفاريقًا من النقول عن بعض المتأخرين، وأنا أذكرها للقارئ الكريم حتى يتبين أي إطباق هذا الذي عناه به المؤلف.
فمن نقل عنهم جواز ذلك، هم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
(1) الإمام النووي.
(2) الكمال ابن الهمام.
(3) الملا علي القاري.
(4) القاضي عياض.
وقد عمَّى المؤلف بكلام مجمل على أن هذا مذهبه، وقد تقدَّم النقل عنه بنصه أنه لا يباح، وأيده نقل النووي عنه.
(5) العلامة الدردير.
وكلامه - أيضًا - مجمل، وعبارته التي نقلها عنه:
"وندب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم وهي من أعظم القربات".
ولا نحن ولا شيخ الإسلام نخالف في ذلك، وإنما الخلاف في شد الرحل بالزيارة، فلا يجوز اعتبار مثل هذه العبارة الموهمة لإثبات إطباق الأمة المزعوم! !
(6) أبو محمد بن قدامة المقدسي.
(7) أبو الفرج ابن قدامة الحنبلي.
وكلاهما احتجا ببعض الأحاديث الضعيفة التي سوف يأتي تخريجها في الباب الثاني.
ومنها: "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، و "من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي".
(8) الشيخ منصور ألبهوتي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
(9) أبو الحسن المرداوي.
ونقل عنه قوله:
"قوله: فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه، هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة متقدمهم ومتأخرهم".
قلت: إن قصد بشد الزيارة إليه ففيه خلاف، لا سيما وقد تقدَّم عن ابن بطة وهو من المعتمدين عند الحنابلة أيما اعتماد خلاف ذلك، وعد ذلك بدعة، وإن قصد زيارته لن قصد المدينة لأجل فضل شد الرحال إلى المسجد النبوي فصحيح، لا خلاف فيه.
فهؤلاء هم من ذكرهم المؤلف وعنى بهم إطباق الأمة، مع أن النووي قد أثبت الخلاف في المسألة، وهو أول من نقل عنه المؤلف، إلا أنه لم يعتبر بذلك، بل ادعى الإطباق المزعوم، وقد تقدَّم عن مالك، وعن الشافعي، وعن علاء الدين بن العطار، وعن أبي محمد الجويني، وعن القاضي عياض، وعن ابن عقيل ما يؤيد قول شيخ الإسلام رحمه الله.
وغالب ما أورده من العبارات في حق مطلق الزيارة كما تقدَّم، ولا منع منها، وإنما المنع من شد الرحال بنية قصد القبر، بخلاف ما أوهم به المؤلف، وما توهمه جماعة من الفقهاء على ابن تيمية رحمه الله، وقد تنبه لمثل هذا ابن عابدين، فقال في "رد المحتار" (4/ 53):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)