الحديث الأول
وهو ما أخرجه البخاري في "الصحيح" (فتح: 2/ 494):
حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو قتيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، قال:
سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه … ثِمال اليتامى عصمة للأرامل
وقال عمر بن حمزة: حدثنا سالم، عن أبيه:
ربما ذكرت قول الشاعر، وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه … ثِمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب.
قال المؤلف (ص: 116):
(وهو نص صريح في توسل ابن عمر رضي الله عنهما بذاته صلى الله عليه وسلم).
قلت: هذه مجازفة، فليس في الخبر ما يدل على ذلك ألبتة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
والشعر في نفسه لا يدل على أنهم كانوا يستسقون بوجه وذات عبد المطلب، وإنما كان يخرج هو بنفسه فيستسقي لهم، ويدعو الله لهم وهو ما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم كما في رواية عمر بن حمزة، فإنه قد ورد فيها: "ربما ذكرت قول الشاعر، وأنا أنظر إِلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستقي".
فدلت هذه العبارة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقي، وهذا مقتضاه الدعاء، فلا أدري أين التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم، فإن كان يقصد المؤلف أنه قد وقع من ابن عمر، فمحال، لأنه إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، وهم يؤمنون على دعائه، ويبعد كل البعد، أن يفارق ابن عمر التأمين على دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لكي يدعو منفردًا، ويتوسل بجاهه، هذا أمر.
وأمر آخر فهذا الشعر لا يدل على التوسل بالجاه، وإنما ذُكر فيه الوجه، وهو كناية على الاستقبال بالدعاء، لا التوسل بالجاه، فتنبه إلى هذا المعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
الحديث الثاني
وهو ما أخرجه البخاري في "الصحيح" (فتح: 2/ 494) من طريق: ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس:
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال:
اللهم إنا كنَّا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون.
قال المؤلف:
(وهو صريح في التوسل بالصالحين، لا سيما إذا كانوا من أهل البيت النبوي عليهم السلام، قال الحافظ في "الفتح" (2/ 497): "ويُستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس، وفضل عمر لتواضعه للعباس، ومعرفته بحقه").
قلت: هذا الكلام منتقض بأن الأثر وإن كان صريحًا في التوسل بالصالحين، إلا أن توسلهم كان على غير الهيئة المبتدعة التي يروِّج لها المؤلف، من التوسل بالجاه، وإنما كانت بالتوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم، وهذا ظاهر جدًّا من مجموع الأحاديث الواردة في الاستسقاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وقد أخرج البخاري في "الصحيح" (1/ 295)، ومسلم (2/ 614)، والنسائي (3/ 166) من طريق: الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس رضي الله عنه قال:
أصابت الناس سنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة، قام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي - أو قال: غيره - فقال: يا رسول الله تهدَّم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه، فقال:
"اللهم حوالينا ولا علينا" ............ الحديث.
فدل هذا الحديث دلالة قوية ظاهرة على أن توسلهم به صلى الله عليه وسلم كان توسلًا بدعائه، لا بجاهه، وهذا ظاهر من قوله: "فادع الله لنا"، ولوكان التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم مشروعًا لما تاخروا في ذلك لا سيما مع عظم المصيبة أولًا بالقحط، وآخرًا بالهدم والغرق.
فكان توسل الصحابة بعده عليه السلام في حادثة القحط بدعاء العباس، لا بجاهه، كما سوف يأتي تقريره بدليله.
وأما استدلال المؤلف بقول الحافظ ابن حجر السابق ذكره فهو من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
باب التدليس، فإن الحافظ لم يستدل بهذا الحديث على جواز التوسل بالجاه، وإنما استدل به على جواز الاستشفاع بأهل الخير، والاستشفاع لا يأتي بمعنى التوسل بالجاه، وإنما يأتي بمعنى التوسل بالدعاء كما سوف يأتي تقريره قريبًا إن شاء الله تعالى.
ثم إن قصة عمر في توسله بالعباس رضي الله عنهما لا تدل بحال أنه كان توسلًا بجاهه، بل هو على اليقين توسلًا بدعائه جريًا على ما كانوا يفعلونه مع النبي صلى الله عليه وسلم، من التوسل بدعائه.
وقد نقل الحافظ في الفتح ما يدل على ذلك، فقال (2/ 577):
"وقد بيَّن الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر، قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس".
قلت: فهذا دليل ظاهر على ما ذكرنا وتؤيد هذه الرواية ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (3/ 92) من حديث ابن عباس: أن عمر استسقى بالمصلى، فقال للعباس: قم فاستسق، فقام العباس، فقال: . فذكر فيه دعاءً آخر.
إلا أن سنده ضعيف جدًّا، فهو من رواية إبراهيم الأسلمي، وهو واه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
وقد حمل البيهقي هذا الأثر على ما حملناه عليه، - فبوَّب له في "السن الكبرى" (3/ 352):
[باب: الاستسقاء بمن تُرجى بركة دعائه].
وكذا فعل الموفق المقدسي رحمه الله فقال في "المغني " (2/ 439):
"ويُستحب أن يُستسقى بمن ظهر صلاحه، لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، فإن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عم نبيك صلى الله عليه وسلم، نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله عز وجل، وروي أن معاوية خرج يستسقي فلما جلس على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية، فأجلسه عند رجليه، ثم قال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الله تعالى، فثارت إلى الغرب سحابة مثل الترس، وهب لها ريح، فسقوا حتى كادوا لأ يبلغون منازلهم، واستسقى به الضحاك مرة أخرى".
قلت: أثر معاوية مع يزيد الجرشي، أخرجه ابن سعد في "الطبقات " (7/ 2/ 155): أخبرت عن أبي اليمان، عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر الخبائزي، أن السماء قحطت مخرج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
معاوية ..... فذكره بنحوه.
قلت: وهذا سند صحيح لولا ما فيه من الانقطاع بين ابن سعد وبين أبي اليمان الحكم بن نافع.
وهذا يدل على أن المستقر عند أهل العلم في فهم هذا الأثر وأشباهه التوسل بالدعاء، لا التوسل بالجاه.
وإن كان توسلًا بجاه، فما كان عمر في حاجة إلى تقديم العباس للدعاء، وإنما كان يكفيه أن يدعو هو متوسلًا بجاه العباس، ولا اعتبار حينئذ بوجوده أو عدم وجوده، وإن كان الأمر كذلك فقد كان حريًّا بعمر رضي الله عنه أن يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم لأفضليته، فلما لم يقع ذلك، ثبت القول بأنه كان توسلًا بالدعاء، لا بالجاه.
ودل أثر معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في توسله بيزيد بن الأسود الجرشي أنه توسل بدعائه، لا بجاهه، هذا مع تقدم معاوية في الفضل على يزيد، لكونه من الصحابة، من جهة، ومن جهة أخرى فهو خال المؤمنين، ومن كُتَّاب الوحي.
وقد وقعت رواية واهية لهذا الأثر عند الطبراني في "الدعاء" (221)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 334) من طريق: الزبير بن بكار، حدثني ساعدة بن عبيد الله المزني، عن داود بن عطاء المدني، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أنه قال:
استسقى عمر عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب، فقال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
اللهم هذا عم نبيك العباس، نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله، قال: فخطب عمر الناس، فقال: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده، يعظمه، ويفخمه، ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس، واتخذوه وسيلة إلى الله عز وجل فيما نزل بكم.
قال الذهبي في "تلخيص المستدرك":
"هو في جزء البانياسي بعلو، وصح نحوه من حديث أنس، فأما داود فمتروك".
قلت: قد وهاه الأئمة، فقال البخاري وأبو زرعة: "منكر الحديث"، وقال أحمد: "ليس بشيء"، وقال الدارقطني: "متروك".
وأما المؤلف، فقد أورد هذا الأثر، وهوَّن من ضعفه لكي يسوغ له الاحتجاج به بمجموع الطرق، فقال (ص: 119):
(فيه داود بن عطاء المدني، ضعيف، وقد ضعفه به الذهبي في تلخيص المستدرك، وأما الحاكم فلم يتكلم عليه).
قلت: هكذا لتكن الأمانة في النقل والوصف! ! فإنه لم ينقل عبارة الذهبي رحمه الله لئلا تنكشف حيلته في تقوية هذه الرواية برواية أخرى هي عنده من قبيل الضعف المحتمل، وفي حقيقة أمرها هي مضطربة، وفيها نكارة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
وهذه الرواية الثانية هي التي أشار إليها ابن حجر في "الفتح" (2/ 577)، وعزاها إلى البلاذري، من طريق: هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، فقال: عن أبيه، بدلًا عن " ابن عمر".
قال الحافظ: "فيحتمل أن يكون لزيد فيه شيخان".
وقد تلقَّف المؤلف هذه العبارة من الحافظ، فقال (ص: 120): (واحتمال الحافظ قوي وله نظائر).
قلت: يا للعجب من هذه الغالطات، بل قول الحافظ لا يُعرَّج عليه بحال، ولا يُشتغل به إلا على وجه التعجب، فكيف يكون لزيد فيه شيخان، والأثر الأول لا يصح عن زيد من أصله، ومثله الأثر الثاني، فإن هشام بن سعد هذا ضعيف، عامة أهل العلم على تضعيفه، بل قال ابن معين: "ليس بشيء".
إلا أنه دون داود بن عطاء في الضعف، فإن داود بن عطاء شديد الضعف، ولا تنفعه المتابعة بحال، فإنه منكر الحديث متروكه.
وعليه فالأصح رواية هشام بن سعد، وهي مردودة أيضًا، فمرد الخبر إلى وجه واحد بهذا اللفظ.
ثم وجدت ما يدل على تناقض المؤلف، فإنه قال عقب ما نقلناه عنه.
(والعجب أن الألباني لم يذكر هذا الاحتمال القوي في توسله! ولذلك وجه آخر: وهو أن هشام بن سعد من رجال مسلم، فالقول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
قوله).
فدلَّ ذلك على أنه نقض تقويته لكلام الحافظ، بترجيحه لرواية هشام بن سعد، ورواية هشام بن سعد هذه لم يورد الحافظ متنها حتى يُتبين إن كان منها محل الشاهد.
وعلى التسليم له بصحة هذه الرواية، فلا مجال للاستدلال بها على جواز التوسل بالجاه، وذلك لأن الخبر صريح في أنه توسل به لكانته من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا محمول على تقدريم التوسل به حيًّا لا ميتًا، إذ لو كان ميتًا لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالتقديم منه لعلو منزلته، وسمو مكانته عند الله تعالى على سائر الأنبياء، فكيف بمقارنته بسائر البشر؟ !
وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا مجال للقول بأن التوسل به حيًّا هو توسل بجاهه، لأنه إذا كان كذلك، فيجب تقدريم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ميتًا، فإن جاهه عظيم عند الله تعالى حيًّا وميتًا، وما كان الله تعالى يقدِّم عليه أحدًا من البشر في التفضيل والكانة حيًّا أو ميتًا، في حياته أو في موته، فإذا تقرر ذلك، فلا مجال إلا القول بتوسلهم بدعائه رضي الله عنه.
وبذلك يتبين لك وهاء ما احتج به المؤلف على جواز التوسل بالجاه من حيث السند تارة، ومن حيث وجه الدلالة تارة أخرى.
وأما ما ختم به المؤلف بحثه في هذا الحديث من كلامه الساقط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
(ص: 121):
(وفيه أيضا أن التوسل كان بالعباس، وليس بدعائه، بدليل قول عمر: واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم، فالضمير يعود على شخص العباس قولًا واحدًا، إلا عند أهل التحريف).
فهذا من باب الشغب والتهويل، فإن الضمير وإن كان عائدًا على العباس رضي الله عنه، إلا أن تقدير الكلام يكون:
"واتخذوه وسيلة إلى الله بدعائه"، كما أيدته بعض الروايات التي سبق ذكرها، وكما استقر عند الصحابة في هذا المعنى، وكما رجحه أهل العلم كالبيهقي والوفق - رحمهما الله - من أن التوسل بالدعاء لا بالجاه، ولما ذكرناه من أن على القائل بأن التوسل الذي توسل به عمر بالعباس إذا كان توسل بالجاه، فالنبي صلى الله عليه وسلم أولى به وإن كان ميتًا، مما يدل على أن التوسل لم يكن بالجاه إلا في عقول أهل التخريف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
الحديث الثالث
وهو حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه:
أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه فيَّ.
وهذا الحديث أخرجه أحمد (4/ 138)، والترمذي (3578)، والنسائي في "اليوم والليل " (663 و 664)، وابن ماجة (1385) بسند صحيح، وإن كان في طرقه بعض الاختلاف.
إلا أن هذا الحديث حجة عليه فيما ادعاه من جواز التوسل بالجاه وهذا ظاهر جدًّا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، ومن جواب الرجل عليه: "فادعه".
فإن التوسل هنا مختص بالدعاء، ويؤيده قول الرجل في دعائه: "اللهم فشفعه فيَّ"، وهذا مقتضاه حصول الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه لأجل هذا الرجل في محنته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
لأن مقتضى الشفاعة ومعناها الدعاء والطلب للغير.
قال ابن منظور في "لسان العرب " (4/ 2289):
"وروي عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} قالا: الشفاعة: الدعاء ها هنا، والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، وشفع إليه: في معنى طلب إليه ..... ".
قلت: وهذا يؤيده:
ما رواه الشيخان (البخاري: 4/ 385، ومسلم: 1/ 180) من طريق: قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"يجمع الله المؤمنين يوم القيامة، كذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم أما ترى الناس؟ خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك، حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناك .... ".
فهذا ظاهر جدًّا على أن الاستشفاغ لا يكون توسلًا بالجاه، وإنما هو بالدعاء، فلو كان بالجاه لكفاهم أن يتوسلوا بجاه أحد الأنبياء دون الحاجة إلى التردد بين الأنبياء جميعًا، كما ورد في متن الحديث، وهذا لم يقع منهم، ومن ثمَّ فلا شفاعة بغير دعاء أو طلب أو سؤال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
ولكن احتج المؤلف على أن الاستشفاع المذكور هنا والتوسل مختص بالجاه بما أخرجه الطبراني في "الصغير" (الروض الداني: 508).
حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس المصري التميمي، حدثنا أصبغ بن الفرج، حدثنا عبد الله بن وهب، عن شبيب بن سعيد المكي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف:
أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصلِّ فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبينا نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ربي جل وعز، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليَّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له عثمان، ثم أتى باب عثمان، فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عثمان بن عفان، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك، فذكر حاجته، فقضاها له؛ ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إليَّ حتى كلمته فيَّ، فقال عثمان بن حنيف:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير .... فذكر الحديث الرفوع.
قال الطبراني:
"لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي، وهو ثقة، وهو الذي يحدِّث عنه ابن أحمد بن شبيب، عن أبيه، عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روي هذا الحديث شعبة، عن أبي جعفر الخطمي، واسمه عمير بن يزيد، وهو ثقة، تفرد به عثمان بن عمر بن فارس، عن شعبة، والحديث صحيح، وروى هذا الحديث عون بن عمارة، عن روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي الله عنه، وهم فيه عون بن عمارة، والصواب حديث شبيب بن سعيد".
قلت: لا معارضة فيما حكم به الطبراني رحمه الله بالصحة على الحديث، إلا أن تلك القصة الموقوفة هي محل النظر، فقد تفرد بها شيخ الطبراني، طاهر بن عيسى بن قيرس، وهو في عداد المجاهيل، فقد تفرد الطبراني بالرواية عنه، ولم يتعرض له أحد بجرح أو تعديل، وإنما ذكره الذهبي في "تاريخ الإسلام " (وفيات: 291 - 300 هـ) (ص: 1069).
وأما المؤلف، فقال (ص: 127):
(من علل الحديث بجهالة شيخ الطبراني أبعد جدًّا عن معرفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الحديث، وغاير قواعده، فإن القصة الموقوفة تفرَّد بها شبيب، ثم رواها عن شبيب ثلاثة، ورواه عن الثلاثة المذكورين ثلاثة آخرون، وعنهم آخرون، فلم يتفرد أحد برواية القصة إلا شبيب، فلا مدخل لشيخ الطبراني هنا فتأمل.
قد صحح الطبراني الحديث، وتصحيحه يعني توثيق رجال إسناده، ومنهم شيخه طاهر بن عيسى المصري وهو أعلم به من غيره).
قلت: وهذا الكلام فيه مغالطات من وجوه:
الأول: أن هذه القصة الموقوفة قد تفرد بها شيخ الطبراني طاهر بن عيسى، ولم يتابعه عليها إلا من هو في مثل حاله.
وإنما رواه ثلاثة عن شبيب، أحدهم ابن وهب من طريق طاهر بن عيسى، والآخران هما:
(1) أحمد بن شبيب بن سعيد، عن أبيه.
أخرجه الحاكم (1/ 526)، وابن السني في "اليوم والليلة" (628)، باللفظ المرفوع فقط دون الموقوف، وثمة رواية أخرى زعم المؤلف أنها موقوفة، وسوف يرد الرد عليه فيها.
(2) إِسماعيل بن شبيب، عن أبيه.
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (6/ 167) من طريق:
محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي القفال، قال: أنبأنا أبو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
عروبة، حدثنا العباس بن الفرج، حدثنا إسماعيل بن شبيب بالحديث المرفوع، والقصة الوقوفة أيضًا.
قلت: وإسماعيل هذا ليس له ذكر في كتب التراجم، ولا ذُكر ضمن الرواة عن شبيب بن سعيد، ولم يذكر المترجمون لشبيب أن له ابنًا اسمه إسماعيل.
وفي هذا السند محمد بن علي بن إسماعيل، الشاشي القفال، وهو من كبار الشافعية وأئمتهم، إلا أن من ترجمه لم يذكر فيه ما يدل على ضبطه، وجل عنايته كانت بالفقه، وهو مبرَّز فيه، فلعله وقع منه الوهم في هذا السند.
ثم تبين لي بعد ذلك أنه قد وهم فيها ولا ريب، فقد خالفه في هذه الرواية ابن السني في "اليوم والليلة" (628)، وهو حافظ كبير، فرواه عن أبي عروبة به، وقال: حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، باللفظ المرفوع فقط، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فالرواية بالقصة الوقوفة معلولة من كل وجه.
فأما رواية ابن وهب التي عند الطبراني في الصغير، فقد خولف فيها شيخ الطبراني طاهر بن عيسى بن قيرس.
خالفه عبد المتعال بن طالب، حدثنا ابن وهب، عن أبي سعيد، عن روح بسنده، دون القصة الوقوفة.
أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (2/ 3/ 210).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
وعبد المتعال بن طالب هذا من الثقات، وترجمته في "التهذيب" مبسوطة.
وكذلك فرواية أحمد بن شبيب تؤيد القول بالوقف، لأنه على فرض التسليم بأن ابن وهب قد رواه باللفظ الزائد، فأحمد بن شبيب أوثق من ابن وهب في أبيه، يدل على ذلك ما ذكره ابن عدي في ترجمته من "الكامل" (4/ 1346)، قال:
"حدَّث عنه ابن وهب بالمناكير".
وإنما كان يحدِّث ابنه أحمد من نسخة صحيحة من كتب أخيه.
قال ابن المديني رحمه الله كما في "الكامل":
"شبيب بن سعيد بصري، ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر وكتابه كتاب صحيح، صقال علي: وقد كتبها عنه - في المطبوعة: عن وهو تصحيف - ابنه أحمد بن شبيب".
الثاني: أن تصحيح الطبراني للحديث لا يقتضي توثيق رجاله، لأنه إنما حكم بالصحة على الحديث، وهذا حكم عام، لا على هذا السند خاصة، وفرق بين الحكم بالصحة على الحديث، وبين الحكم بالصحة على السند، فكل حديث صحيح لا يقتضي أن يكون رواته في عموم الأسانيد والمتابعات ثقات، بل ربما ورد من بعض الطرق الضعيفة أو الواهية، فهذا الوصف (حديث صحيح) مختص بالمتن، أي أنه ثابت، وهذه مسألة بديهية عند أهل العلم بالحديث،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
وقد أشار إليها العلماء في مصنفاتهم، وعلى رأسهم الإمام مسلم رحمه الله حينما أنكر عليه أبو زرعة الرازي رحمه الله إخراج حديث جماعة من الضعفاء في "جامعه الصحيح"، فأجاب عن ذلك كما في "تاريخ بغداد" (4/ 274) بسند صحيح، قال:
"إنما قلت صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات".
فبيَّن أن وصف الحديث بالصحة لا يقتضي أن يكون السند المروي به رواته من الثقات، لأن هذا حكم متعلق بالتن.
وانظر ما علَّقه ابن الصلاح في "علومه" (ص: 38)، وما أورده الحافظ في "النكت" (1/ 474) على هذه المسألة.
الثالث: أن الطبراني إنما قال: "والحديث صحيح"، وهذا ينصرف إلى تصحيح المتن الرفوع وحده دون القصة الموقوفة، لأنه لا يُقال للموقوف: حديث، بل يُقال فيه: أثر، وربما يُطلق عليه خبر، وأما الحديث فهو مختص بالمرفوع.
وتبقى مغالطة أخرى وقع فيها المؤلف، وهي جعله الاختلاف في الحديث على أحمد بن شبيب من باب تحديث الراوي الحديث على وجهين، فقال (ص: 139):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
(وجواب هذا الاختلاف الذي ارتآه الألباني فقط: أن أحمد بن شبيب كان يحدِّث الحديث بطوله، وفيه قصة مجيء الرجل لعثمان بن عفان رضي الله عنه حدَّث بذلك الحافظ الثقة المتقن يعقوب بن سفيان الفسوي كما في دلائل النبوة للبيهقي (6/ 168).
وكان أحمد أحيانًا أخرى لا ينشط، فيقتصر على أصل الحديث فقط، أخرج ذلك ابن السني والحاكم، فكان ماذا؟ والرجل، أي أحمد ثقة، اللهم إلا التعنت والتعصب).
قلت: وهذا الكلام ظاهر الفساد على مذهب المحققين من أهل الحديث، فإنهم يرجحون في مثل هذه الحالات من الاختلاف بالحفظ والكثرة.
وهذه الرواية التي أشار إليها المؤلف هي ما أخرجه البيهقي عقب رواية إسماعيل بن شبيب، فقال:
أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، أنبأنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد … فذكره بطوله، وهذه زيادة ألحقتها به في شهر رمضان سنة أربع وأربعين.
ولو تدبر القارئ الكريم قول البيهقي: "وهذه زيادة ألحقتها به في شهر رمضان سنة أربع وأربعين" لظهر له أن إيراد هذه الزيادة من هذا الوجه إنما هو من تصرف البيهقي رحمه الله، لا أن هذه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)