قلت: هذا ظاهره التوقف، وإن وصفه بوصف من أوصاف التعديل، وإنما يُعمل به على التعديل إن ورد منفردًا أو معضدًا بروايات أخرى عن ابن معين بالتوثيق، ولم يرد عنه التضعيف أو الجرح له.
وأما مقارنة ابن معين بين العوفي وأبي الوداك فلا يقتضي كذلك توثيقه للعوفي، بل قوله هذا يدل دلالة قوية على أنه لم يقر مساواته لأبي الوداك، لأن أبي الوداك ثقة، كما أنه لم يقر مساواته بأبي هارون العبدي المتروك، وهذا لا يدل ألبتة على أن العوفي ثقة.
وأما قول المؤلف: "فيحيى بن معين يحب عطية العوفي، وأبو نضرة أحب إليه".
فتمثيل غير صحيح، فالحب شيء، والضبط شيء آخر.
ثم وجدت المؤلف قد نقل نقلًا عن "التهذيب" (6/ 207)، فقال (ص: 203):
(وقال ابن الجنيد عن ابن معين: هو وعمرو بن أبي قيس لا بأس بهما، قلت: ثقتان، قال: ثقتان، كذا في "التهذيب" (6/ 207)، وهو ظاهر في ترادف اللفظين، فهو اصطلاح خاص بيحيى بن معين، ولا مشاحة فيه).
هذه العبارة موهمة بأن المقارنة بين العوفي، وبين عمرو بن أبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
قيس، وأن التوثيق هنا مختص بالعوفي، وليس كذلك، وكان يجب على المؤلف أن يبين ذلك، ولكن لما كان هذا النقل المتصرف فيه يخدم قضيته، لم يتكلم عليه بأي بيان أو إيضاح.
ونص النقل كما في "سؤالات ابن الجنيد" (210):
قلت ليحيى بن معين: عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، فقال: رازي لا بأس به، قلت: عمرو بن أبي قيس؟ قال: لا بأس به، قلت: ثقتان؟ قال: ثقتان.
فتبين أن المقارنة بين راو آخر غير العوفي وبين عمرو بن أبي قيس.
وأما كونه احتج به على أن وصف ابن معين للراوي بعبارة "لا بأس به" تفيد التوثيق، فهذا لا دافع له، لا سيما وقد نص هو نفسه على ذلك، ولكنه محمول على التوثيق في حالة عدم توقفه في الراوي كما وقع في رواية أبي خالد الدقاق عنه، وفي حالة عدم جرحه للرتوي كما في باقي الروايات.
وعلى فرض التسليم للمؤلف بثبوت تعديل ابن معين للعوفي، فلا بد من التوفيق بين الجرح والتعديل، وهذا لا يكون إِلا بتقديم الجرح، لأن مقتضاه زيادة العلم على التوثيق كما بين ذلك أهل العلم، فإن قيل: فبعض العبارات وردت عنه مبهمة، فالجواب: إن ذلك لا يضر، لأنه اختلاف على المعدل في الجرح والتعديل،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
والأصل في الراوي عنده أن لا يكون مجروحًا، فإذا وثقه فقد وافق الأصل، وإن جرحه، فهذا مقتضاه أن يكون قد وقف على علم زائد بحاله اقتضى جرحه له، ومن ثم فجرحه مقدَّم على تعديله.
بقي الآن التعريج على ما احتج به المؤلف من النقول على تعديل جماعة من أهل العلم للعوفي، فمن هؤلاء:
1 - ابن شاهين.
قال المؤلف (ص: 208):
(ومنهم ابن شاهين، وقد أدخل عطية العوفي في "الثقات"، فهو من موثقيه، فإن فيل: قد ذكره أيضًا في الضعفاء، فقال: ضعفه أحمد ويحيى.
قلت: التوثيق هو الراجح، لما قد علمت مما سبق من اعتماد أحمد على رواية محمد بن السائب الكلبي، وهي رواية تالفة لا يُعتمد عليها في جرح عطية العوفي، وأن يحيى بن معين من موثقيه كما تقدَّم).
فلت: هذا الكلام فيه مناقشات:
أولها: أنه زعم أن ابن شاهين من الموثقين له بذكره في "الثقات"، والمعلوم أن ابن شاهين وإن كان من المحدثين والحفاظ إلا أنه ليس من أهل الشأن في الجرح والتعديل، فمثله مثل سالم المرادي الذي لم يرتض المؤلف قوله في جرح العوفي، وقال (ص: 191):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
(المرادي هو ابن عبد الواحد الكوفي، ليس هو من الحفاظ، ولا من النقاد الذين يقف المرء عند قولهم في الجرح والتعديل).
وقد قال الذهبي فيه في "السير" (16/ 434):
"ما كان الرجل بالبارع في غوامض الصنعة، ولكنه راوية الإسلام رحمه الله".
ثانيها: أن اعتماد ابن شاهين في كتاب الثقات، ومثله الضعفاء على كتب الغير، لا سيما تواريخ ابن معين، فهو جمَّاع في هذا الباب، ولا يحرر حال الرجل، وهذا يبينه الذي بعده.
ثالثها: أنه قد نقل قول ابن معين من رواية أبي خالد الدقاق في العوفي، وليس هذا مقتضاه الإقرار، أو حتى التوثيق للرجل، وليس فيه التحرير أو التدقيق، وهذا يؤيده قوله في مقدمة كتابه (ص: 25):
"كتاب الثقات ممن روى حديثًا ممن انتهى إلينا ذكره عن نقاد الحديث ممن قُبلت شهادته واشتهرت عدالته وعرف ونقل مثل يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ..... ".
رابعها: أن الرواية التي اعتمدها في "الثقات" لا تقتضي التوثيق كما أثبتناه آنفًا.
خامسها: أنه قد أورد العوفي في "الضعفاء"، مما يدل على أنه لم يحرر حاله، وإنما عمله في الكتابين الترتيب والجمع فقط، كما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
صرح بذلك في مقدمة "الضعفاء" (ص: 39) قال:
"وذكرت هؤلاء -[أي الضعفاء والهلكى]- في كتابي هذا على مثل ما ذكرت الثقات، ليقرب على المستفيد إدراك ما أراد من هؤلاء".
ومن ثمَّ فلا يصح التعبير بأن ابن شاهين قد وثقه، فإنه لم يفعل، وإنما أورده في الرواة الذين ورد فيهم صيغة توثيق، ثم أورده في الرواة الذين ورد فيهم صيغة تجريح.
2 - أبو بكر البزار:
قال المؤلف (ص: 208 - 209):
(ومنهم أبو بكر البزار، فإنه قال كما في "التهذيب" (7/ 226): كان يعده في التشيع، روى عنه جلة الناس.
وهذه صيغة تعديل تعادل قولهم: صالح الحديث، مقارب الحديث، ونحو ذلك كما يُعلم من قواعد الحديث).
قلت: هذه من عجائب المؤلف وأوابده، أن يجعل مثل هذا القول عبارة تدل على التوثيق، فرواية جلة من الناس عنه لا تقتضي أن يكون ثقة، لا سيما وإن كان مكثرًا عن أبي سعيد الخدري كالعوفي، وكم من إمام كبير قد روى عن جماعة من الهلكى طلبًا للغرائب، واعتبارًا بحديثه، لكي لا يدلسه مدلس أو يهم فيه واهم فيجعله ثقة عن ثقة، وهذا هو الثوري مع جلالته قد روى عن جابر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
الجعفي.
ومقتضى هذه العبارة أن العوفي لم يُترك حديثه، وهذا لا يقتضي التوثيق، ولا يمنع من إعمال الجرح فيه، فليست هي من عبارات التوثيق كما يتوهم المؤلف، أو كما يُوهم.
3 - أبو حاتم الرازي.
وقد تقدَّم بيان ما فيه.
4 - يحيى القطان.
قال المؤلف (ص: 209):
(ومنهم يحيى بن سعيد القطان، فقد قال عن جبر بن نوف أبي الوداك كما في "التهذيب" (2/ 60) هو أحب إليَّ من عطية.
قلت: هذا أيضًا مقارنة بين ثقتين).
قلت: لا اعتبار بهذه القارنة كما تقدَّم بيانه من وجوه، ثم إن يحيى بن سعيد قد تقدَّم النقل عنه بجرح العوفي، إلا أن المؤلف قد وهم في معرفته، فظن أنه ابن معين.
فقد أخرج البخاري في "التاريخ الأوسط" (1/ 412):
قال علي: عن يحيى: عطية، وأبو هارون العبدي، وبشر بن حرب عندي سواء.
فساواه القطان بأبي هارون العبدي المتهم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مقارنته بأبي الوداك لا تقتضي تعديله، لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
سيما وأن القطان لم يُنقل عنه قولًا بتعديل أبي الوداك هذا، فتنبه.
5 - ابن خزيمة.
قال المؤلف (ص: 209):
(فإنه أخرج الحديث في صحيحه، قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 98): رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق: فضيل بن مرزوق، فهو صحيح عنده.
قلت: فمقتضى تصحيح الحديث توثيق رجاله ومنهم عطية العوفي).
قلت: قد يخرج ابن خزيمة أحاديث بعض الضعفاء، ولكن ليس على سبيل الاعتداد والحجة، بل على سبيل الاستئناس، ويشير إلى أن في القلب من حديث فلان شيء، يعني أنه لا يخرجه احتجاجًا، وقد تكرر صنيعه هذا في مواطن كثيرة.
ومنها حديث عطية العوفي.
فقد ذكره المنذري رحمه الله في الرواة المختلف فيهم في آخر كتابه: "الترغيب والترهيب" (4/ 575)، وقال:
"وأخرج حديثه ابن خزيمة في "صحيحه"، وقال: في القلب من عطية شيء".
فدل هذا على أن عطية ليس بثقة عند ابن خزيمة كما زعم المؤلف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
6 - الإِمام الترمذي:
قال المؤلف (ص: 211):
(ومنهم الإمام أبو عيسى الترمذي، فإنه حسَّن له عدة أحاديث من أفراده، بل حسَّن له عدة أحاديث انفرد بها فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي - كما في الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه - انظرها في "تحفة الأشراف".
ومقتضى ذلك التحسين أن يكون صدوقًا عند الترمذي، كما صرح بذلك الحافظ في "تعجيل المنفعة" ص: 153).
قلت: قد تقدَّم الجواب عن ذلك، وأزيده إيضاحًا، فأقول:
لا يقتضي تحسين الترمذي لأحاديث العوفي أن يكون صدوقًا عنده، لأن إطلاق الترمذي الحسن لا يقتضى الاحتجاج به عنده كما أشار الحافظ ابن حجر في "النكت" في مبحث الحسن.
إلا أن المؤلف تناقض فقال:
(وعليه: فعطية صدوق عند الترمذي، وهو شرط الحسن لذاته).
قلت: الحسن عند الترمذي معروف بشروط وضعها هو نفسه، وصرح بها في "العلل الصغير" (الجامع: 5/ 758)، فقال:
"وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن، فإنما أردنا به حُسن إسناده عندنا: كل حديث يُروى لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذاك، فهو عندنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
حديث حسن".
وهذا الحد هو الذي اعتمده العلماء في الحسن بمجموع الطرق، لا الحسن لذاته كما يدعي المؤلف، ومن ثم فكون الترمذي قد حسن حديث العوفي فهذا معناه أنه غير متهم بالكذب عنده، وليس بكذاب، إلا أن الضعف لا ينفك عنه، وإلا لما وصف حديثه بالحسن.
وأما الأحاديث التي وصفها الترمذي بالحسن من أفراد العوفي فلا تنصرف إلى الحسن لذاته، لأن الترمذي قد حكى حد الحسن عنده، وما ذهب إليه المؤلف من اجتهاده، وكما قال المؤلف في كتابه (ص: 203):
(هذه حكاية عن نفسه، ونص من عنده، ولا اجتهاد مع وجود النص).
7 - ابن سعد:
فقد قال في "الطبقات الكبرى": "وكان ثقة إن شاء الله".
قلت: كما تقدَّم بيانه فإن اعتماد ابن سعد في كتابه على شيخه الواقدي، وهو متهم لا يُعول عليه، إلا أن المؤلف اعتذر عن ذلك (ص: 200 - 201) بقوله: (أما عن اعتماد ابن سعد على الواقدي غالبًا فهو ما صرح به الحافظ، لكن هذا ليس على إطلاقه، فإذا رأيت ابن سعد ترجم للرجل ترجمة عارف بأحواله وبحديثه وبكلام الناس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
فيه، فلا مدخل عند ذلك للواقدي).
قلت: ترجمة العوفي عند ابن سعد لا تتجاوز ثلاثة أرباع الصفحة، وليس فيها ما يدل على أنه قد سبر حاله كما يزعم المؤلف إلا قوله:
"وكان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة، ومن الناس من لا يحتج به".
والظاهر أنه أطلق التوثيق هنا بمعنى أنه لا يتهم بالكذب، ثم بين أن أحاديثه صالحة، أي للمتابعة والاعتبار، لا أنها من الواهيات، فهذا مشعر أنه ليس ممن يحتج به على الانفراد.
وعلى فرض التسليم للمؤلف فيما ادعاه، وأن ابن سعد قد وثقه عن عناية ومعرفة، فكذلك من ضعفه قد ضعفه بجرح مفسر - كما بيناه فيما سبق - غير مبهم.
ولا يعدل ابن سعد أئمة الشأن الكبار مثل: هشيم، ويحيى القطان، والثوري، وأحمد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن معين على الراجح، وابن عدي، وغيرهم، إذا اجتمعوا على جرح راوٍ.
وممن لم يرد ذكرهم في "التهذيب":
1 - الدارقطني:
قال في "العلل" (4/ 6): "مضطرب الحديث".
وقال في "السنن" (4/ 39): "ضعيف".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
2 - البيهقي:
قال في "السنن الكبرى"، (2/ 126 و 6/ 30 و 7/ 66 و 8/ 126): "لا يُحتج به".
3 - عبد الحق الإِشبيلي:
نقله عنه الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 51)، وعزاه إلى "الأحكام"، قال:
"عطية العوفي لا يُحتج به، وإن كان الجلة قد رووا عنه".
وهذه العبارة تدل على أنه لا اعتبار برواية الناس عنه مع ثبوت ضعفه.
4 - الحافظ الذهبي:
قال في "تلخيص المستدرك" (4/ 222):
"واهٍ".
وقال في "المغني" (2/ 436):
"مجمع على ضعفه".
والحاصل من ذلك أن كلمة العلماء مجتمعة ولا شك على ضعف العوفي وسقوط الاحتجاج به، لا سيما في روايته عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وإن كان المؤلف قد سمى بحثه في تقوية حال العوفي الشيعي: "القول المستوفي في الانتصار لعطية العوفي".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
فسمِّ هذا الرد إن شئت:
"الرد المغني ببيان ضعف عطية العوفي".
ويبقي الآن الكلام على ما وقع في هذا الحديث من الاختلاف.
فقد اختلف في هذه الرواية على فضيل بن مرزوق.
فأخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في "الصلاة" - كما في "نتائج الأفكار" للحافظ ابن حجر (1/ 273) -: عن فضيل بسنده موقوفًا.
وتابعه عليه وكيع، عن فضيل به موقوفًا أيضًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 25).
قال أبو حاتم الرازي في "العلل" لابنه (2048):
"موقوف أشبه".
إلا أن المؤلف لم يرضَ بمثل هذا الترجيح، ولم يقنع به، لأنه سوف يفسد عليه استدلاله بالحديث، فحشد ما يرد به حكم إمام المحققين أبي حاتم الرازي، فاستدرك عليه! ! بقوله (ص: 219):
(وللمحدثين في ذلك مسلكان كلاهما يقوي الرفع:
فأولهما: إن الرفع زيادة ثقة، وهي مقبولة، إذ إن الحكم لمن أتى بالزيادة، وهو مذهب الخطيب البغدادي وجماعة من أئمة الفقه والحديث والأصول.
وثانيهما: الترجيح باعتبار القرائن، وهو ما يقوي الحكم بالرفع أيضًا، فإن من رفع الحديث أكثر عددًا، وهم ستة، ممن وقفه وهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
اثنان فقط).
قلت: كلام المؤلف هذا فيه مناقشات:
الأولى: أنه موهم بأن الأمر على التخيير بين المسلكين، وليس كذلك، فالمسلك الأول هو مسلك الفقهاء، وعنهم أخذه بعض أهل الحديث كالخطيب وغيره، وقد أنكر الحققون إطلاق القول باستخدام هذا المسلك.
فقال الحافظ ابن حجر في "النزهة" (ص: 30):
"اشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذا الحسن.
والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة".
وقد تقدَّم النقل عن ابن دقيق العيد والعلائي ما يؤيد ذلك.
الثانية: أنه قد أوهم أن العلة في الاختلاف في الوقف والرفع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
إنما هي الخلاف بين الرواة عن فضيل بن مرزوق، وليست كذلك، بل هي من فضيل نفسه، فقد شك في روايته كما عند الإمام أحمد في "المسند" (3/ 21) قال:
حدثنا يزيد، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، فقلت لفضيل: رفعه، قال: أحسبه قد رفعه … الحديث.
وأما المؤلف فقد نحى منحى غريبًا في تأويل هذا الشك، فقال (ص: 218):
(هذا ظن راجح تقوى "بقد" وهو حرف تحقيق هنا دخل على الماضي فقربه من الحال، وعليه فرواية يزيد بن هارون من قسم المرفوع، ولابد، وهو صنيع من تكلم على الحديث ممن تأخر من الحفاظ).
قلت: وهذا اعتذار ساقط لا قيمة له، ذلك لأن كلمة: "أحسب" تفيد الظن ولا شك، والظن أكذب الحديث.
وعلى فرض التسليم للمؤلف بأنه ظن راجح، فهذا لا ينفي ورود الظن على الفضيل فيه، وإن رجح الرفع بـ "قد"، وإن كان ذلك كذلك، فالعلة في الاختلاف قائمة عليه هو، لا على من رواه عنه.
وهذا يؤيده ترجيح أبي حاتم للموقوف، وهو من أئمة هذه الصنعة، وممن أرسى قواعدها، فلا يقدَّم عليه فيها المتأخرون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
الثالثة: أنه على فرض التسليم بأنه مما اختلف فيه الرواة عن فضيل بن غزوان، وهم جميعًا ثقات سواءً من رواه بالرفع أو من رواه بالوقف، فإن كانوا كذلك، فطريقة المحققين من أهل العلم إعلال الحديث بمن ورد فيه نوع جرح بدلًا من تخطئة الثقات، وفضيل بن مرزوق قد تكلم بعض أهل العلم في حفظه، فتخطئته فيه بروايته مرفوعًا تارة، وموقوفًا تارة أخرى أولى من تخطئة حافظين، وهما أبو نعيم ووكيع، أو ستة من الرواة الثقات، فيهم حافظ كبير مثل يزيد بن هارون رحمه الله.
الرابعة: أن الفضل بن دكين الملائي من الحفاظ المتثبتين المقدَّمين على أقرانه، وقد قال يحيى القطان: "إذا وافقني هذا الأحول ما أبالي من خالفني"، وقال ابن معين: "ما رأيت أثبت من رجلين يعني في الأحياء أبي نعيم وعفان"، وقال الفسوي: "أجمع أصحابنا أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان"، وقال أبو حاتم: "أبو نعيم حافظ متقن".
ومثله وكيع من الحفاظ الكبار، وقد خالفا خمسة من الثقات، والسادس وهو من الحفاظ وهو يزيد بن هارون في روايته شك وظن.
وقد تقدَّم أن المؤلف قد رجح رواية الفسوي على ثلاثة من الرواة، اثنين منهم من الثقات، فلِمَ لم يرجح رواية حافظين كبيرين كأبي نعيم ووكيع على هؤلاء الستة؟ ! ! إلا لأجل الانتصار لمذهبه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
الفاسد.
وللحديث شاهد واه من حديث بلال رضي الله عنه وفيه الوازع بن نافع العقيلي، وهو تالف الحال، قال البخاري: "منكر الحديث"، وقال أحمد وابن معين: "ليس بثقة"، وقال النسائي: "متروك".
ومثل هذا الشاهد لا يصح التقوية به، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
الحديث السابع
أخرجه الطبراني في "الكبير" (10/ 267):
حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق، حدثنا معروف بن حسان السمرقندي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة، فليناد: يا عباد الله احبسوا عليّ، فإن لله في الأرض حاضرًا سيحبسه عليكم".
وأخرجه أبو يعلى في "المسند" (9/ 177): حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق … به.
ومن طريقه ابن السني (508) إلا أنه وقع فيه زيادة عن ابن بريدة، "عن أبيه"، فزاد (عن أبيه).
وأظنه من التحقيق فإن غالب النسخ المطبوعة غير مخدومة الخدمة العلمية اللائقة.
وقد هوَّن المؤلف من ضعف هذا السند، فقال (ص: 225):
(قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 132) بعد أن عزاه لأبي يعلى والطبراني: فيه معروف بن حسان وهو ضعيف، وكذا قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
الحافظ البوصيري في مختصر إتحاف السادة المهرة … ، وقال الحافظ في تخريج الأذكار (شرح ابن علان 5/ 150) بعد أن عزاه لابن السني والطبراني: وفي السند انقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود. ا. هـ.
ومع ذلك فللحديث طرق تقويه وترفعه من الضعف إِلى الحسن المقبول المعمول به).
قلت: هذه العبارة الأخيرة فيها مجازفة كبيرة، وتدليس عريض.
فإنه يوهم القراء الكرام بأن ضعف معروف بن حسان من قبيل الضعف المحتمل الذي يتقوى بمجيء مثله من وجه آخر، وليس كذلك، بل لا أظنه قد خفي عن المؤلف حال معروف هذا، فإنه شديد الضعف.
فقد قال فيه أبو حاتم الرازي: "مجهول"، وقال ابن عدي: "منكر الحديث"، وكلاهما من قبيل التضعيف الشديد، والمؤلف على معرفة تامة بذلك، وقد خطَّ بيده في كتابه ما يدل على ذلك، فقال (ص: 149):
(قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" كما في "نصب الراية" (1/ 179)، و"فتح المغيث" (1/ 347): قولهم: "روى مناكير" لا تقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي أن يُقال فيه: "منكر الحديث"، لأن منكر الحديث وصف في الرجل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
يستحق به الترك لحديثه ا. هـ.).
وقال ابن عدي أيضًا: "ومعروف هذا قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة وكلها غير محفوظة".
وقال الخليلي: "له في الحديث والأدب محل، وروى كتاب العين عن الخليل بن أحمد، روى عن عمر بن ذر نسخة لا يتابعه أحد".
قلت: قد تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه، دون باقي أصحاب سعيد بن أبي عروبة، والمتن فيه نكارة ظاهرة، ويكفي ما جُرِّح به الرجل حتى يُردُّ حديثه، ولا يُقوى بالمتابعة، فتنبه.
وأما الشواهد التي ذكرها المؤلف للتقوية فهي:
1 - ما أخرجه الطبراني في "الكبير" (17/ 117 - 118):
حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا عبد الرحمن بن شريك - وتصحفت في المعجم إلى سهل -، حدثني أبي، عن عبد الله بن عيسى، عن زيد بن علي، عن عتبة بن غزوان، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إذا أضل أحدكم شيئًا، أو أراد أحدكم عونًا وهو بأرض ليس بها أنيس، فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادًا لا نراهم". وقد جُرِّب ذلك.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، فقد تفرد به من هذا الوجه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
عبد الرحمن بن شريك، عن أبيه، وكلاهما متكلم فيه.
وقد صحَّف المؤلف اسم زيد بن علي إلى يزيد بن علي في موضعين، مع أنه قد ورد عند الطبراني على الوجه الصحيح، والظاهر أنه فعل ذلك تعمية لأمر زيد هذا، فإن زيد هذا هو ابن علي بن الحسين، وبين ولادته وبين وفاة عتبة بن غزوان عمرًا طويلًا، فزيد بن علي ولد سنة ثمانين، ووفاة عتبة بن غزوان سنة سبع عشرة، وبينهما بون شاسع من الزمن، فالسند ليس أقل من أن يكون معضلًا، والمعضل شديد الضعف، ولا يتقوى بالمتابعة كما هو معلوم في علم الحديث.
2 - مرسل أبان بن صالح.
وهو عند ابن أبي شيبة (10/ 424):
حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا نفرت دابة أحدكم أو بعيره بفلاة من الأرض لا يرى بها أحدًا، فليقل: أعينوني عباد الله، فإنه سيعان".
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن محمد بن إسحاق صدوق، موصوف بالتدليس وقد عنعن هذا الخبر.
وأما المؤلف فقد لمز العلَّامة الألباني - حفظه الله - فقال (ص: 226):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)