له أبو داود أحاديث ساكتًا عليها، وحسَّن له الترمذي عدة أحاديث بعضها في أفراده".
قلت: وهذ الكلام منتقض من وجوه:
أولها: أن الحافظ نفسه قد وصفه في "التقريب" بقلة الضبط، فقال: "صدوق يخطى كثيرًا".
والخطأ الكثير لا تعلق له بالتدليس، ولا بالتشيع، بل هو متعلق بالضبط ولا شك.
ثانيها: أن تعليق ضعفه بالتشيع وبالتدليس تنقضه أقوال أهل العلم فيه.
ثالثها: أن إخراج أبي داود لأحاديثه وسكوته عليها لا يرقي أمره، لأنه قد تكلم عليه بما يغني عن الإعادة في "السنن"، فقد قال فيه: "ليس بالذي يُعتمد عليه".
رابعها: أن تحسين الترمذي لحديثه لا يعني تقوية أمره، فالترمذي قد يحسن أحاديث جماعة من الضعفاء، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في "النكت"، بل إخراجه لأفراده وتحسينه لها يدل دلالة قوية على أنه أراد بذلك المعنى اللغوي، لا الاصطلاحي، إذ لو كان الاصطلاحي للزم توفر شروطه التي اشترطها الترمذي، ومنها أن يرد من غير وجه، فلما كان من أفراده دل على أنه أراد بذلك معنى آخر غير الاصطلاح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
وقد دلت كلمات الحفاظ الكبار وأئمة الشأن على ضعف ووهاء العوفي، أما المؤلف فقد تناولها بالتأويل تارة، وبالطعن فيها أخرى، وبلي عنقها ثالثة حتى يتسنى له توثيق العوفي.
وأنا أذكر هنا - إن شاء الله تعالى - أقوال أهل العلم في تجريح عطية العوفي، وما تناولها به المؤلف، والرد عليه في ذلك.
1 - قال البخاري في "التاريخ الأوسط" (1/ 412):
قال علي: عن يحيى: عطية، وأبو هارون العبدي، وبشر بن حرب عندي سواء، وكان هُشيم يتكلم فيه يعني عطية.
قلت: علي هو ابن المديني، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وليس ابن معين كما ظنه المؤلف.
قال المؤلف (ص: 208):
(معناه - والله أعلم - أنهم سواء في الطبقة والمذهب، فهم من شيعة التابعين، ويشتركون في الرواية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وكيف يسوي يحيى بن معين بين أبي هارون العبدي، وعطية العوفي، وقد قال عن "أولهما: غير ثقة، وكان يكذب، بينما وثق الثاني ورفع شأنه).
قلت: المؤلف أحق بكلمته التي شان نفسه بها في كتابه (ص: 220):
"لا أدري لماذا يسارع هؤلاء بالتصنيف؟ للدعاوي الفارغة، أم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
للتجارة البائرة".
وكان ينبغي للمؤلف قبل أن ينسب هذا القول أن يتأكد من نسبة يحيى الوارد في هذا الأثر، لا سيما مع وروده في "التاريخ" مهملًا.
وابن المديني إنما يروي عن يحيى بن سعيد القطان، ولم يذكر في الرواة عن ابن معين، ولا ذكر ابن معين في شيوخه، وإن كانا متعاصرين.
ومما يدل على أن يحيى هذا هو ابن سعيد ما نقله الحافظ في "التهذيب" (7/ 361) في ترجمة عمارة بن جوين أبي هارون العبدي: "قال ابن المديني: عن يحيى بن سعيد، ضعفه شعبة".
فإذا علمت ذلك تبين لك أن التسوية بينهم في الضعف لا في الرواية عن أبي سعيد، فإنه لا وجه لمساواتهم في ذلك جميعًا، بل كلمة القطان أن هشيم كان يتكلم في عطية يدل على أن ذلك مختص بالرواية والأداء لا التشيع، ولذلك فقد بتر المؤلف هذه العبارة الأخيرة لكي لا يستبين القارئ الفَهِم حيلته وتدليسه.
2 - وعن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، قال: كان سفيان الثوري يضعف حديث عطية، وسمعت أبي وذكر حديث عطية العوفي، قال: هو ضعيف الحديث.
وقد روى عبد الله في "العلل" (1307) عن أبيه، عن أبي أحمد الزبيري، قال: سمعت الثوري، قال: سمعت الكلبي قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
كناني عطية " أبا سعيد".
وقال الإمام أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي، يأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد.
قلت: وهذا الطعن مفسر، وهو كاف كما قال العلامة الألباني لتهمة العوفي، لا سيما فيما يرويه عن أبي سعيد الخدري.
إلا أن المؤلف قد نحا منحىً عجيبًا في رد هذا التضعيف، فقال (ص: 184):
(أنت أيها القارئ المنصف إذا نظرت بعين الناقد المتجرد تجد أن أحمد قد ضعف عطية العوفي، ثم ذكر مستنده في تضعيفه وهي حكاية الكلبي، وهي سبب كلام هشيم في عطية، وحكى أحمد تضعيف الثوري لعطية بعد أن أسند البلاغ من طريق الثوري، فحكاية الكلبي هي أصل مستند الثوري أيضًا في تضعيفه عطية العوفي ....
وهذا الذي اعتمدوا عليه فيه نظر، ولا يصح سنده، لأن مداره على محمد بن السائب الكلبي، وحاله معروف، فهو تالف متهم بالكذب، فالسند الذي يكون فيه ذلك الرجل لا يُنظر إليه ولا يُعتمد عليه في شيء، ومع ذلك فقد سارت الركبان بمقولته التالفة، وتوارد البعض على حكايتها … ).
قلت: ثمة فرق بين حكاية المتهم حكاية تقع موقع السرد والأداء، وبين حكايته ما يقع موقع الإقرار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
فكم من راو من الكذابين، قد تركه العلماء، ووهنوا أمره باعترافه بوضع الحديث، فهل ردوا اعترافه هذا بسبب كذبه لا؟ ! !
لا، لأن ذلك يقع موقع الإقرار، وإنما اعتمدوا قوله في إقراره هذا، لأن رده بجواز كذبه فيه؛ فيه فتح لأبواب السفسطة.
وقد أنكر الحافظ الذهبي رحمه الله في "الموقظة" (ص: 37) على شيخه ابن دقيق العيد في قوله:
"إقرار الراوي بالوضع، في رده ليس بقاطع في كونه موضوعًا، لجواز أن يكذب في الإقرار".
قال الحافظ الذهبي:
"هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو افتتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد لوقعنا في الوسوسة والسفسطة".
قلت: هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الثوري يستحيل عليه، وكذا على من تبعه من علماء الأمة أن يتواطؤوا على الخطأ في الاحتجاج بهذه الحكاية كما يزعم المؤلف، وإنما كان يعلم الثوري بصدق ما يرويه الكلبي من كذبه.
فقد أخرج ابن حبان في "المجروحين" (2/ 256) قال: قال لنا الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل له: إنك تروي عنه؟ قال: أنا أعرف صدقه من كذبه.
ومن جهة ثالثة فإن اعتماد أهل الشأن لهذه الحكاية يؤكد صدقها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
لا سيما وأن الكلبي والعوفي على دين واحد تقريبًا، فليس ثمة داع يدعوه إلى الافتراء عليه، لا سيما وأن الافتراء عليه في هذا الباب سوف يكون سببًا لهدر روايات العوفي عن أبي سعيد، والتي منها روايات الكلبي المدلَّسة.
ثم إن أهل الحديث قد اتفق عامتهم على جرحه وإن كان بمثل هذه الحكاية، واتفاقهم على الشيء حجة.
قال الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (2/ 156) في سماع حبيب بن أبي ثابت من عروة بن الزبير:
"قال ابن أبي حاتم في كتاب "المراسيل": أهل الحديث اتفقوا على ذلك، قال: واتفاقهم على الشيء يكون حجة".
قلت: وأما المؤلف فقد رمى أئمة الحديث على مدى العصور بالخطأ، والتتابع على تضعيف حديث العوفي بغير حجة! ! قال (ص: 185):
(ولم أجد من تنبه لهذا الخطأ من أهل الحديث إلا اثنين:
أولهما: الحافظ البارع أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي …
ثانيهما: الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري ..... ).
وكأن علماء الأمة اعتمدوا هذه الحكاية وحدها دون سبر حديثه، وتتبع رواياته، فوقع الثوري، والقطان، وأحمد، وهشيم، وابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
معين، وأبو زرعة، وأبو حازم، وكل من ضعفه في هذا الخطأ وتابعهم عليه أئمة الحديث ممن جاءوا بعدهم، فكأن الأمة اجتمعت على ضلالة والعياذ بالله، حتى أتى من لا يفرق بين يحيى القطان ويحيى بن معين فأزال عنهم الغمة! !
أقول: ومما يدل على أن هؤلاء العلماء إنما ضعفوا أحاديثه من قبل حفظه - أيضًا - بعد السبر:
3 - أن الإمام البخاري رحمه الله قال في "الأوسط" (1/ 412):
وقال أحمد في حديث عبد الملك، عن عطية، عن أبي سعيد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم الثقلين" أحاديث الكوفيين هذه مناكير.
قلت: وهذا ظاهر على أن الإمام أحمد قد سبر حديثه، ولم يضعفه اعتمادًا على رواية الكلبي وحدها.
إلا أن هذا النقل لم يسلم من تأويلات المؤلف، ولو سلمت نصوص الكتاب والسنة من تأويلاته وتأويلات مشايخه لسلم هذا النقل.
قال المؤلف (ص: 196) بعد أن أورد عبارة الإمام أحمد رحمه الله المتقدّمة:
(قلت: النكارة لها معان: أحدها: مرادفة الشاذ، ثانيها: مخالفة الضعيف لمن هو أوثق منه، ثالثها: تفرد الضعيف الذي لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
يُحتمل تفرده، ولا يوجد من يتابعه أو يشهد له، رابعها: كون المتن غريبًا ومخالفًا للأصول مع ركاكة الألفاظ، خامسها: مطلق التفرد ولو بوجه من الوجوه.
أما عن الأول: وهو مرادفته للشاذ، فلم يخالف عطية العوفي أحدًا لا في متن ولا في إسناد، وعن الثاني: فمثله، وعن الثالث: فالحديث ليس فردًا فلا ينطبق عليه، وعن الرابع: فإنه منتف تمامًا هنا فلا تعارض بينه وبين غيره، بل هو مفيد للعلم، فلم يبق إلا الوجه الخامس: وهو مطلق التفرد من جهة عطية، عن أبي سعيد الخدري، وهذا الوجه يجب أن يحمل عليه قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى).
قلت: هذا الترجيح الذي رجحه المؤلف لا وزن له، لأن عطية قد تفرد بهذا الحديث عن أبي سعيد، وهو ضعيف عند الإمام أحمد كما تقدَّم النقل عنه، فالنكارة هنا بمعناها الاصطلاحي، وهو تفرد الضعيف بما لا يحتمل منه التفرد به.
وأما ذلك القيد الذي وضعه المؤلف في حد النكارة:
(ولا يوجد من يتابعه أو يشهد له).
ليس على إطلاقه، فليس كل متابعة تفيد، وأما الشاهد فقد يفيد من في حفظه ضعف يسير، وأما من في حال العوفي، فلا تقويه الشواهد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
وقد أعل غير واحد من أهل العلم أحاديثه التي يرويها، وليس الإمام أحمد وحده، أو ابن عدي وحده كما يروج المؤلف لتقوية حال العوفي هذا، وأنا أورد بعض ما حضرني في ذلك.
* الإمام عبد الحق الإشبيلي رحمه الله -:
حديث: "لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك".
رواه العوفي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
ونقل الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 51) عن عبد الحق في "أحكامه" قوله:
"وعطية العوفي لا يُحتج به".
* الحافظ الذهبي رحمه الله:
أخرج الحاكم في "المستدرك" (4/ 222) حديثًا من طريق العوفي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة عليها الصلاة والسلام:
"قومي إلى أضحيتك، فاشهديها، فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها: يُغفر لك ما سلف من ذنوبك .... " الحديث.
قال الذهبي:
"عطية واه".
* الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله -:
روى الفضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد: أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
رجلًا سأله عن الغسل من الجنابة، فقال: ثلاثًا، فقال الرجل: إن شعري كثير، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر شعرًا منك، وأطيب.
قال الحافظ ابن رجب في "فتح الباري شرح صحيح البخاري" (1/ 266):
"خرجه الإمام أحمد، وابن ماجة، وعطية هو العوفي، فيه ضعف مشهور".
* الحافظ السخاوي رحمه الله -:
أخرج البزار في "مسنده" من حديث عطية، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا:
"لو أن لابن آدم واديًا من مال لابتغى إليه ثانيًا … " الحديث.
قال السخاوي في "الأجوبة المرضية" (1/ 187)، عقب أن أورد هذا الحديث: "وعطية ضعيف".
4 - و 5 - قال أبو زرعة: "ليِّن".
وقال أبو حاتم الرازي: "ضعيف الحديث، يكتب حديثه".
قال المؤلف (ص 197):
(هذا من الجرح المبهم غير المفسر، فهو يرد كما تقرر في قواعد الحديث، وكما استقر العمل على ذلك، والأخذ في مقابل ذلك بالتعديل الوارد في عطية العوفي ...... إن هذا الجرح غير المفسَّر في حقيقته يرجع إلى الأمرين اللذين ظُلم بسببهما، وهما التشيع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
والتدليس بقى أن تعلم أن أبا حاتم الرازي قد جاء عنه توثيق لعطية كما سيأتي إن شاء الله تعالى).
قلت: الجرح المبهم مردود إذا عارضه تعديل معتبر، وهذا منتف في حال العوفي هذا، فإن غالب من وثقه من المتساهلين كما سوف يأتي بيانه.
وأما ادعاؤه أن هذا الجرح بسبب التشيع والتدليس، فينقضه دلالة عبارة أبي حاتم، ووصف أبي زرعة، فهما مختصان بالضبط، لا بالتشيع ولا بالتدليس.
وأما توثيق أبي حاتم المزعوم، فقد احتج له المؤلف (ص: 209) بتمام عبارة أبي حاتم حين سئل عن عطية.
إلا أن المؤلف قد بتر العبارة عند ذكر الجرح ليتمكن من رد الجرح بالإبهام، ثم حرفها عند إثبات التعديل موهمًا أن لأبي حاتم في الرجل قولين، فقال:
(قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة، وعطية، فقال: أبو نضرة أحب إليَّ.
وهذا في حقيقته مقارنة بين ثقتين، فإن أبا نضرة المنذر بن مالك العبدي ثقة).
فانظر أيها القارئ الكريم إلى هذا التدليس والتحريف البيِّن لعبارة أبي حاتم، حتى يتمكن المؤلف من رد الجرح، بل وإثبات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
التعديل بالزور والبهتان.
فهذه العبارة مجتمعة كما نقلناها بنصها من "الجرح والتعديل" (1/ 3/ 383):
ضعيف الحديث، يكتب حديثه، وأبو نضرة أحب إليَّ من عطية.
تفيد ضعف عطية العوفي، بل وتدل على أن أبا حاتم قد صدر منه هذا الحكم بعد سبر وتتبع، وإلا فكيف يفاضل بينه وبين راو غيره إلا بالنظر في أحاديثهما.
وعلى فرض التسليم للمؤلف في نقله، فإن المقارنة لا تدل على التوثيق، بل قد يوصف العالم الراوي بالثقة، وهو ضعيف من باب المقارنة، كما سوف يأتي بيانه قريبًا، فكيف بهذه الحالة التي أثبت فيها أبو حاتم تقديم أبي نضرة على عطية، لا غير.
6 - قال النسائي: "ضعيف".
7 - وقال الساجي: "ليس بحجة، وكان يقدِّم عليًّا على الكل".
قلت: قد تناول المؤلف جرح الساجي هذا لعطية العوفي بالرد، فقال (ص: 192):
(إن الساجي كان بصريًّا، والبصريون كثر فيهم النصب، قال الحافظ في "اللسان" (4/ 439): النصب معروف في كثير من أهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
البصرة.
وهم يفرطون فيمن تشيع لأنهم عثمانيون، وخاصة فيما كان بين أظهرهم، كذا في "التهذيب" (7/ 413).
والساجي - رحمه الله تعالى - كان شديدًا متصلبًا، فجرحه للكوفيين ينبغي التدقيق فيه، فإنه قد يجرح الرجل بسبب مذهبه كما حدث لعطية العوفي هنا، فإنه قال عنه: ليس بحجة، ثم أبان عن سبب قوله، فقال: وكان يقدِّم عليًّا على الكل، وإن كان الرجل شيعيًّا يقدِّم عليًّا على الكل، فلا بد أن يجرح عند المخالف لقوله، ولا يكون حجة عنده).
قلت: لم يوصف الساجي بالنصب، وإنما هو من أئمة أهل السنة والجماعة، وعنه أخذ الأشعري مقولة السلف في الصفات، ولم يتكلم عليه أحد بتصريح أو بتلميح، من قريب أو من بعيد بأنه ناصبي، أو أن فيه نصبًا، وكون النصب معروفًا في كثير من أهل البصرة، فهذا لا يقتضي بحال أن يكون هو مذهب الساجي، والهمم متوافرة لنقل اعتقاده، لا سيما مع شهرته، وتقدمه في الحفظ والرواية، بل المشهور عنه أنه كان صلبًا في السنة، فإِن كانت الصلابة في السنة نصبًا، فما سلم منه أحد من أهل السنة.
وأما عبارته فلا تفيد أنه ضعفه لأجل التشيع، فإن الواو الفاصلة بين العبارتين تدل على العطف، لزيادة العلم، لا لتقرير سبب الجرح،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الساجي من أئمة الجرح والتعديل، وله كتاب في "الضعفاء"، وقد اعتمد عليه ابن عدي في "كامله"، فهو أعلم من غيره بأن التشيع لا يضر الراوي إلا أن يكون داعيةً، ويروي ما يؤيد بدعته، وبذلك يظهر أن قوله: "ليس بحجة" متعلق بالضبط.
ومما ينبغي التنبيه عليه ما غالط به المؤلف اعتقاد أهل السنة والجماعة، مما يكنه في قلبه من التشيع الشديد، فقال (ص: 192) في الحاشية تعليقًا على قول الساجي: "وكان يقدِّم عليًّا على الكل":
(وهذا مذهب عدد من الصحابة، ذكرهم ابن عبد البر في الاستيعاب أثناء ترجمته لعلي عليه السلام، وفاته جماعة منهم (أبو جحيفة) انظر ترجمته في أسد الغابة).
قلت: قد تتبعت ما في ترجمة علي بن أبي طالب من "الاستيعاب" فلم أقف على مثل هذا الهراء، وحاشا الصحابة أن يقع منهم مثل هذه المخالفة التي يروج لها المؤلف، بل صح عن ابن عمر رضي الله عنه ما ينقضها.
فعند البخاري (3/ 8) من طريق: يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال:
كنا نخيِّر بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنخيِّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
بل صح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:
ألا ولن يبلغني عن أحد يفضلني عليهما - أي أبي بكر وعمر - إلا جلدته حد المفترى.
أخرجه أبو إسحاق الفزاري في "السير" (ص: 327) - ومن طريقه الخطيب في "الكفاية" (ص: 44) - بسند حسن.
وأخرجه ابن أبي عاصم في "المذكِّر" (18)، والعشاري في "فضائل أبي بكر" (39) بسند فيه ضعف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (4/ 421):
"أما تفضيل أبي بكر، ثم عمر على عثمان وعلي: فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، والليث بن سعد، وأهل مصر، والأوزاعي، وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وأمثالهم من أهل العراق، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام الذين لهم لسان صدق في الأمة، وحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك، فقال: ما أدركت أحدًا ممن أقتدي به يشك في تقديم أبي بكر وعمر".
وأما المؤلف فقد جعل حب العوفي لعلي سببًا لطعن أهل العلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
فيه، ومن ثم تضعيفه، بل زاد الطين بلة فوصفهم - بإطلاق - بأنهم نواصب، قال (ص: 193):
(ومما زاد في جرحهم لعطية أنه كان محبًا لعلي بن أبي طالب عليه السلام بحيث عرض النواصب عليه سبه فأبى، وكان هذا ينبغي أن يحسب له، ولكن للنواصب شدة وصولة.
قال ابن سعد في "الطبقات" (6/ 403):
خرج عطية مع ابن الأشعث، فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم أن يعرضه على سب علي، فإن لم يفعل فاضربه أربع مائة سوط، واحلق لحيته، فاستدعاه، فأبى أن يسب، فأمضى حكم الحجاج فيه).
قلت: هذا الجرح الذي أطلقه المؤلف أراد به كل من جرح عطية العوفي بما فيهم أئمة الشأن كالإمام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم والساجي وغيرهم، والتشيع معروف مشهور فيه وفي مشايخه ومن اتصل بهم كالسقاف البغيض المبتدع الأثيم، وطعنهم في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وفي أهل السنة مشهور، لا يخفى على طلاب العلم.
وأما الحكاية التي اعتمدها فلا يصح الاحتجاج بها، لأن ابن سعد لم يورد مستنده فيها، ثم إن اعتماد ابن سعد الأول على الواقدي المتهم الكذاب، ولا يُستبعد أن تكون هذه القصة مما تلقاه عنه.
8 - ونقل أبو عبيد الآجري عن أبي داود قوله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
"ليس بالذي يعتمد عليه".
9 - وقال ابن معين: "ضعيف"، وفي رواية: "ضعيف إلا أنه يكتب حديثه"، وفي رواية ابن الجنيد، عن ابن معين، قال:
"كان ضعيفًا في القضاء ضعيفًا في الحديث".
قلت: قد كان للمؤلف مع عبارات ابن معين في جرح العوفي خطبًا جليلًا ليردها به، ويثبت أن ابن معين قد عدله.
قال (ص: 202 - 203):
(أما إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين فقد وثقه، ونقل عنه ذلك عدة مرات، ففي سؤالات الدوري (2/ 407) قيل ليحيى: كيف حديث عطية؟ قال: صالح.
وفيه أيضًا: سألت عن عطية، وعن أبي نضرة، فقال: أبو نضرة أحب إليَّ.
وهذا النص توثيق منه لعطية، لأن أبا نضرة ثقة عند يحيى بن معين كما في "التهذيب"، فهو في حقيقته مقارنة بين ثقتين.
وقال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: عطية مثل أبي الوداك؟ قال: لا، قيل: فمثل أبي هارون، قال أبو الوداك ثقة، ما له ولأبي هارون. كذا في "التهذيب" (2/ 60)، فانظر إلى ارتضاء ابن معين لمقارنته بأبي الوداك الثقة، فهو توثيق لعطية العوفي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
ونظائره كثيرة جدًّا في كتب الجرح والتعديل في المقارنة بين الثقات، فيحيى بن معين يحب عطية العوفي، وأبو نضرة أحب إِليه فتدبر).
قلت: وهذه مجازفات وظلمات بعضها فوق بعض.
فإن قول العالم في الراوي: "صالح الحديث" ليس معناه التوثيق الذي يُحتج بالموصوف به، وإنما هو ممن يُعمل النظر في رواياته، فهذا الوصف ليس بمرق لصاحبه إلى درجة الاحتجاج مطلقًا.
وقد قال ابن أبي حاتم: إذا قيل "صالح الحديث"، فإنه يكتب حديثه للاعتبار.
وقال ابن الصلاح في "علومه" (ص: 125):
"وجاء عن أبي جعفر أحمد بن سنان، قال: كان عبد الرحمن بن مهدي ربما جرى ذكر حديث الرجل فيه ضعف، وهو رجل صدوق، فيقول: رجل صالح الحديث".
وقال الحافظ الذهبي في "الموقظة" (ص: 82):
"هذه العبارات كلها جيدة، ليست مضعفة لحال الشيخ، نعم ولا مرقية لحديثه إلى درجة الصحة الكاملة المتفق عليها، لكن كثير ممن ذكرنا متجاذب بين الاحتجاج به وعدمه".
فهذه النقول تنقض قول المؤلف بأن هذا الوصف يقتضي التوثيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
بل أزيد المؤلف بيانًا، فأقول:
ثمة فرق بين الكلام على حال الراوي، وبين الكلام على حال مرويات الراوي، وما ورد في تاريخ الدوري مختص بمرويات العوفي، لا بحاله، والعبارة واضحة في ذلك، وهي:
قيل ليحيى: كيف حديث عطية؟ قال: صالح.
ومعنى قوله: "صالح" أي حديثه صالح للاعتبار وللمتابعة، وفي هذا دلالة على أن العوفي عنده ضعيف إلا أن ضعفه محتمل، ولكنه لا يرتقي إلى درجة الاحتجاج، لا سيما إذا تفرد بحديث كالحديث الذي نحقق القول فيه، ومن ثم فلا عبرة بما ذكره المؤلف من أن عبارة ابن معين هذه تفيد توثيق العوفي.
يبقى الآن الكلام على مقارنة ابن معين للعوفي بأبي نضرة مرة، وبأبي الوداك مرة أخرى.
فأما مقارنته بأبي نضرة، فلا يفيد توثيقًا ألبتة، وإنما كان قوله في تقديم أبي نضرة على عطية جوابًا على سؤال من سأله عن ذلك، لكثرة رواية هذين الراويين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وكثيرًا ما يقع السؤال عن أصحاب الشيخ الواحد، أو الرواة الذين اشتركوا في الرواية عن صحابي معين، حتى يُعلم من يُقدَّم عند الترجيح، وقد يقع السؤال من غير عارف، فيكون الجواب كما سبق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
بل قد يجيب المجرِّح أو المعدِّل بالتوثيق، ولا يريد أنه ثقة، وإنما هو مقارنة بغيره، وقد وقع هذا من ابن معين، وأشار إليه أبو الوليد الباجي في "الجرح والتعديل"، وتابعه الحافظ في "اللسان"، فقال في مقدمته (1/ 28):
"وينبغي أن يتأمل أيضًا أقوال المزكين ومخارجها، فقد يقول المعدل: فلان ثقة، ولا يريد به أنه ممن يحتج بحديثه، وإنما ذلك على حسب ما هو فيه، ووجه السؤال له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل المتوسط في حديثه، فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان، وفلان، وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نمط من قرن به، فإذا سئل عنه بمفرده بيَّن حاله في التوسط، فمن ذلك: أن الدوري قال عن ابن معين أنه سئل عن ابن إسحاق، وموسى بن عبيدة الربذي، أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده، فقال: صدوق، وليس بحجة، ......... وهذا حكم على اختلاف السؤال، وعلى هذا يُحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة أهل الجرح والتعديل ممن وثق رجلًا في وقت، وجرحه في وقت آخر".
قلت: وعلى هذا تُحمل أيضًا رواية أبي خالد الدقاق عن ابن معين (256) قال: عطية العوفي ليس به بأس، قيل: يُحتج به؟ قال: ليس به بأس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)