وانظر إن شئت تفاسير السلف كعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، والطبري، وانظر إن شئت تفسير البغوي، وتفسير الشوكاني، وهؤلاء من أئمة المفسرين، لم يطردوا هذه الآية في المجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته للاستغفار عنده، وأما ابن كثير رحمه الله فقال في تفسيرها:
"يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يغفر لهم، فإنهم إن فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم".
فهذا الكلام مستقيم وهو مختص بحياته صلى الله عليه وسلم لا بعد مماته، ولا وقع من ابن كثير أنه صرح بأنه مختص بما بعد ممات النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما نقل بعد هذا الكلام قصة العتبي، على عادة بعض المفسرين في الاستئناس بمثل هذه القصص، وهذا لا يقتضي أبدًا أنه يرى جواز ذلك بعد مماته صلى الله عليه وسلم.
وقد نحا نحو ابن كثير أبو حيان التوحيدي في تفسيره، إلا أنه لم يصرح بأن ذلك جائز عنده بعد ممات النبي صلى الله عليه وسلم، ورواية الحكايات والمنامات والأخبار الضعيفة والمشكلة لا يُثبت بها الشرع، ولا يُفسر بها القرآن.
وقد تناول البيضاوي هذه الآية بالبيان في تفسيره، فلم يذهب إلى هذا القول الغريب، بل لم يذكر هذا القول أبو القاسم القشيري
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
- وهو من أئمة الصوفية - في تفسيره: "لطائف الإشارات".
فلا أدري أي التفاسير تلك التي أيَّدت هذا القول إلا ما لا يعول عليه منها.
وأما ذكر ابن قدامة رحمه الله لها ضمن المناسك في "المغني"، فهذا مما لا يعوَّل عليه أيضًا، فإن كان هو قد احتج بهذه القصة، وذكر الآية، فإن الإمام أحمد رحمه الله وهو إمام ابن قدامة وجميع الحنابلة لم يذكرها ضمن منسكه الذي يقال أنه كتبه للمرُّوذي، إن صحت نسبته إليه، وقد نقل منه ابن عبد الهادي رحمه الله ما يؤيد ذلك، قال في "الصارم" (ص: 126):
"قال في منسك المرُّوذي: ثم ائت الروضة، وهي بين القبر والمنبر، فصل فيها، وادع بما شئت، ثم ائت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقل: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا محمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، وأشهد أنك بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته، ورفع درجتك العليا، وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبراهيم، اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، واسقنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
بكأسه مشربًا رويًا لا نظمأ بعده أبدًا".
قلت: فليس فيه الاستغفار عنده، ولا طلب الاستغفار منه، ولا تلاوة هذه الآية أو قراءتها، ولا شيء من هذا ألبتة، وأحمد ولا شك مقدم على ابن قدامة وغيره، بل هو إمام الكل، والعبادات لا تثبت إلا بالنصوص الشرعية، لا بالحكايات المبتورة، أو القصص الواهية، أو الآثار المنكرة، وأقوال أهل العلم إنما تستمد قوتها من نصوص الشرع.
ثم أردف المؤلف بعد ذلك الرد على قول الشيخ العثيمين - حفظه الله -: "لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث. . . ."
فقال (ص: 85):
(قلت: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم له من الكمالات والخصوصيات ما لم يصح لأحد، وهذا ما قرره ابن تيمية في كتابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول" وهو أحسن كتبه، وهو صلى الله عليه وسلم في ترق وارتفاع إلى يوم الدين، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة ومقرر في كتب الخصائص ودلائل النبوة والشفا وشروحه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا أخرجه مسلم وغيره.
فجميع الأعمال التي تصدر عن الأمة المحمدية راجعة لدعوة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثوابها راجع إليه، وهو ينتفع به قطعًا من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. . . . والحاصل أن ابن عثيمين زلَّ فيما قال).
قلت: بل الجلي الظاهر أن المؤلف إنما يريد أن يُخطِّئ الشيخ العثيمين - حفظه الله - بأي طريقة، فإن ما ذكره من أن النبي صلى الله عليه وسلم ينتفع بجميع طاعات الأمة المحمدية لا يخالف بحال ما ذكره الشيخ، إذ مرد ذلك دعوته صلى الله عليه وسلم إلى الهدى، وهو الكتاب الذي بلغه عن ربه تعالى، وسنته صلى الله عليه وسلم، وكلاهما من العلم، وهو ما تضمنه الحديث الذي ذكره الشيخ العثيمين - أيَّده الله تعالى -، وإنما المتنازع فيه ثبوت استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بعد مماته، وهذا مما لا دليل عليه، بل الحديث المذكور ينفيه، والله أعلم.
* طعنه في الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
قال المؤلف (ص: 95) - تعليقًا على قول الحافظ ابن حجر:
"والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وهي من أبشع المسائل النقولة عن ابن تيمية" -:
(قال الشيخ عبد العزيز بن باز معلقًا على عبارة الحافظ المذكورة أعلاه: وهذا اللازم لا بأس به، وقد التزمه الشيخ، وليس في ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
بشاعة بحمد الله عند من عرف السنة مواردها ومصادرها، والأحاديث المروية في فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلها ضعيفة بل موضوعة، كما حقق ذلك أبو العباس في منسكه وغيره، ولو صحت لم يكن فيها حجة على جواز شد الرحال إلى زيارة قبره عليه الصلاة والسلام من دون قصد المسجد، بل تكون عامة مطلقة، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخصها ويقيدها. ا. هـ
قلت: إذا كان كلام الشيخ ابن تيمية فيه بشاعة شدد بسببها العلماء النكير عليه، فالأبشع منه قولك: ولو صحت: . . . إلخ، فلازم كلامك تحريم السفر لطلب العلم وصلة الأرحام وزيارة أخ في الله وللتجارة. . . إلخ، لأن الأحاديث التي وردت في مثل هذه الأنواع عامة مطلقة، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخصها ويقيدها حسب عبارتك، وهذا لم يقل به أحد من الأمة، ولا يعقل، وكان أولى بالكاتب أن يتقيد بمذهبه الحنبلي، بله مذاهب الأئمة قاطبة، وقد تقدَّمت بعض نصوصهم، ولا يخفى على القارئ اللبيب أن الحديث المذكور في شد الرحال لا يفيد العموم، ودونك فهم الصحابة. . . .).
قلت: قد تقدَّم الجواب عن هذه الإشكالات فيما تقدَّم في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
الأبواب السابقة، وإنما أردت بهذا النقل أن أبيِّن للقارئ الكريم سوء تأدب المؤلف مع هذا الإمام الكبير الذي أفنى عمره رحمه الله في الاهتمام بأمور المسلمين في أصقاع الأرض، وعمل بكل نفس ونفيس على نشر السنة والعقيدة الصحيحة من الكتاب والسنة.
وأما ما تناول به المؤلف الشيخ الألباني - حفظه الله - والشيخ حماد الأنصاري رحمه الله من رد كلامهما في الرجال والإعلال وغيره فقد تقدَّم الجواب عنه ضمنًا في الباب الثاني، فلا نزيد بالإعادة هنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
° وبعد:
فإنما أردنا بهذا التصنيف بيان الحق في هاتين المسألتين، وما يوافق النصوص الشرعية، والسنة النبوية، ودفع التهم المجازف فيها التي ألقاها المؤلف على أئمة أهل السنة في القديم والحديث، والمبالغة في رد الاستدلالات الصحيحة، والمجازفة في تصحيح الأحاديث التي حكم أئمة الشأن بضعفها أو وضعها، والمخالفة للجمهور في تضعيف الرواة بتوثيقه لهم.
والله العظيم نسأل أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم.
والحمد لله رب العالمين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)