"وما نُسب إلى الحافظ ابن تيمية الحنبلي من أنه يقول بالنهي عنها، فقد قال بعض العلماء: إنه لا أصل له، وإنما يقول بالنهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، أما نفس الزيارة فلا يخالف فيها كزيارة سائر القبور".
وقد صرَّح ابن عابدين في موضع آخر أنه ليس لكبار الحنفية في هذه المسألة كلام، فقال (3/ 150) عقب أن ذكر الرواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قبور الشهداء بأحد على رأس كل حول … :
"استفيد منه ندب الزيارة وإن بعد محلها، وهل تُندب الرحلة لها كما اعتيد من الرحلة إلى زيارة خليل الرحمن وأهله وأولاده، وزيارة السيد البدوي وغيره من الأكابر الكرام؟ لم أر من صرَّح به من أئمتنا، ومنع منه بعض أثمة الشافعية إلا لزيارته صلى الله عليه وسلم".
فلا أدري أي إجماع عناه المؤلف؟ ! !
وأمر أخير ينبغي التنبيه عليه، وهو:
أن شيخ الإسلام رحمه الله لم يذهب إلى مطلق تحريم الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذهب إلى أن تحري الدعاء عند القبر مع اعتقاد استحباب ذلك، لم يرد به دليل صحيح.
قال رحمه الله في "الاقتضاء" (2/ 721):
"الدعاء عند القبر لا يُكره مطلقًا، بل يؤمر به، كما جاءت به السنة فيما تقدَّم ضمنًا وتبعًا، وإنما المكروه أن يُتحرى المجيء إلى القبر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
للدعاء عنده".
وقال (2/ 728):
"وما أحفظ - لا عن صاحب، ولا عن تابع، ولا عن إمام معروف - أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين.
وقد صنَّف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفًا واحدًا - فيما أعلم - فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه، وتنهى عنه، ولا تأمر به.
نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقًا في كلام بعض الناس: فلان تُرجى الإجابة عند قبره، وفلان يُدعى عند قبره، ونحو ذلك.
والإنكار على من يقول ويأمر به كائنًا من كان، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدًا في هذه المسألة، أو مقلدًا فيعفو الله عنه، أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك، فلا".
قلت: لأن التوقيف لم يرد بمثل هذا، بل ورد بخلافه، ولا يُعرف عن أحد من السلف أنه دعا الله أو عبده سبحانه عند قبر نبي أو صالح، ولو كان ذلك كذلك، لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس بذلك،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
ولما لم يرد عن الصحابة ما يدل على ذلك تبين أنه لا يصح، وأنه غير جائز، بل هو من المحدثات والبدع في الدين التي قد تكون ذريعة إلى الإشراك بالله تعالى كما حدث مع قوم نوح عليه السلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
تحقيق القول فيما ورد عن السلف السابقين والأئمة الأعلام مما يخالف ما تقدَّم ذكره في التوسل والزيارة
ومن نافلة القول هنا أن نذكر بعض الروايات المغلوطة وغير المحفوظة عن بعض السلف السابقين، والأئمة الأعلام مما تخالف ما ذكرناه من المذهب الراجح في هاتين المسألتين.
بل لربما كان هذا من الحتم اللازم لا سيما وأن المؤلف المشار إليه بالرد قد احتج ببعض هذه الروايات التي لا تصح، فمن هذه الروايات:
1 - الرواية عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن الزبير، وعبد الملك بن مروان:
وهذه الرواية أخرجها ابن أبي الدنيا في "مجابي الدعوة" (82):
حدثني أبو الحسن أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، حدثنا إسماعيل بن أبان العامري، حدثنا سفيان الثوري، عن طارق بن عبد العزيز، عن الشعبي، قال:
لقد رأيت عجبًا، كنا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن الزبير، وعبد الملك بن مروان،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم:
ليقم كل رجل منكم فليأخذ بالركن اليماني، ويسأل الله حاجته، فإنه يُعطى من ساعته، قم يا عبد الله بن الزبير، فإنك أول مولود وُلد في الهجرة.
فقام، فأخذ بالركن، ثم قال:
اللهم إنك عظيم، تُرجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك، وحرمة عرشك، وحرمة نبيك صلى الله عليه وسلم ألا تُميتني من الدنيا حتى توليني الحجاز، ويُسلم عليّ بالخلافة، وجاء حتى جلس.
فقالوا: قم يا مصعب بن الزبير، فقام، فأخذ بالركن اليماني، فقال: اللهم إنك رب كل شيء، وإليك مصير كل شيء، أسألك بقدرتك على كل شيء، ألَّا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق، وتزوجني سكينة بنت الحسين، وجاء حتى جلس.
فقالوا: قم يا عبد الملك بن مروان، فقام، حتى أخذ بالركن اليماني، فقال:
اللهم رب السماوات السبع، ورب الأرضين ذات النبت بعد القفر، أسألك بما سألك عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحرمة وجهك، وأسألك بحقك على جميع خلقك، وبحق الطائفين حول بيتك، ألا تميتني من الدنيا، حتى توليني شرق الدنيا وغربها، ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
ينازعني أحد إلا أُتيت برأسه، ثم جاء حتى جلس.
فقالوا: قم يا عبد الله بن عمر، فقام، حتى أخذ بالركن اليماني، ثم قال:
اللهم إنك رحمن رحيم، أسألك برحمتك التي سبقت غضبك، وأسألك بقدرتك على جميع خلقك، ألا تميتني من الدنيا حتى توجب لي الجنة.
قال: فما ذهبت عيناي من الدنيا حتى رأيت كل رجل منهم قد أُعطي ما سئل، وبُشر عبد الله بن عمر بالجنة، وزينت له.
قلت: وهذا إسناد تالف بمرة، والأثر موضوع بلا ريب.
فإنه من رواية سعيد بن أبان وهو الغنوي - وقد وهم محقق الكتاب! ! فظنه الأزدي الثقة -.
والغنوي هذا كذاب يضع الحديث.
قال ابن معين: "كذاب"، وقال أبو داود: "كان كذابًا"، وقال ابن حبان: "كان يضع الحديث على الثقات"، وأهل العلم عامة على وهائه، وسقوط الاحتجاج به.
وطارق بن عبد العزيز شيخ الثوري فيه لا يُعرف، ولربما كان من تحريف الغنوي ليعمي أمره، فإنما يروي الثوري عن طارق بن عبد الرحمن، ويروي طارق بن عبد الرحمن عن الشعبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
ولهذا الأثر إسناد آخر خير من هذا الإسناد، وليس فيه ذكر التوسل.
فقد أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (1/ 309):
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن زيد بن الحريش، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا الأصمعي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال:
اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بنو الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين، وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة، قال: فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غُفر له.
وعبد الرحمن بن أبي الزناد ليِّن فيه ضعف.
2 - رواية عن رجل به داء:
أخرج ابن أبي الدنيا في "مجابي الدعوة" (127):
حدثنا أبو هشام، سمعت عن كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة، قال: جاء رجل إلى عبد الملك بن حيان بن سعيد بن الحسن بن أبجر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
فجسَّ بطنه، فقال: بك داء لا يبرأ، قال: ما هو؟ قال: هو الدبيلة، فتحوَّل الرجل، فقال:
الله، الله، ربي، ولا أشرك به أحدًا، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي أن يرحمني مما بي، رحمة يغنيني بها عن رحمة من سواه، ثلاث مرات، ثم دع! إلى ابن أبجر، فجس بطنه، فقال: برأت، ما بك من علَّة.
قلت: كثير بن محمد لم أعرفه، وراوي الأثر مبهم، ولا تقوم به حجة.
3 - قصة العتبي:
قال: كنت جالسًا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، وقد جئتك مستغفرًا لذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي فداء لقبرٍ أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال: يا عتبي، الحق الأعرابي، فبشره أن الله قد غفر له.
وهذه الرواية قد عزاها الحافظ ابن كثير في "التفسير" (1/ 520) إلى أبي منصور الصباغ في كتابه "الشامل"، ونقل المؤلف في كتابه (ص: 77) عن شيخه عبد الله الغماري قوله:
"وهي حكاية غير صحيحة الإسناد".
قلت: والعجب مع ضعف هذه الحكاية، وجهالتها، وكونها مبنية على الرؤيا التي لا يثبت بها حكم شرعي، ولا يُقام على أساسها عبادة، كيف اغتر بها أبو محمد المقدسي، فذكرها وعمل بمقتضاها في "المغني" (3/ 558).
وقد استدل المؤلف، وقبله الغماري بهذه القصة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وشد الرحال إليه، اعتمادًا عليها في تفسير الآية {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64].
قال المؤلف (ص: 71):
(هذه الآية تشمل حالتي الحياة وبعد الانتقال، ومن أراد تخصيصها بحال الحياة فما أصاب، لأن الفعل في سياق الشرط يفيد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
العموم، وأعلى صيغ العموم ما وقع في سياق الشرط كما في إرشاد الفحول ص: 122 وغيره).
ثم نقل عن شيخه الغماري نحو كلامه المتقدَّم، وزاد:
"وقد فهم المفسرون من الآية العموم، ولذلك تراهم يذكرون معها حكاية العتبي الذي جاء للقبر الشريف مستشفعًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال ابن كثير في تفسيره: وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو النصر الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي .... ".
قلت: والجواب عن هذا: أن يُقال:
إن هذه الآية نزلت في المنافقين الذين ادعوا الإيمان بالله ورسوله، ثم احتكموا إلى الطاغوت، وتركوا حكم الله ورسوله، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (3/ 993)، وابن جرير الطبري (8/ 517) في تفسير هذه الآية من طريق:
ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:
هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم الذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف.
وهو ما اعتمده ابن جرير في تفسير هذه الآية، فقال:
"يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
صفتهم في هاتين الآيتين الذين إذا دُعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدَّوا صدودًا، {إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت، وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها {جَاءُوكَ} يا محمد حين فعلوا ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دونا حكمك، جاؤوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم، ويسأل لهم الله رسولُه صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، وذلك هو معنى قوله: {فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ}، وأما قوله: {لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} فإنه يقول: لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا من ذنبهم، {لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا}، يقول: راجعًا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون، {رَحِيمًا} بهم، في تركه عقوبتهم على ذنبإم الذي تابوا منه".
قد فسره بمثل هذا البغوي، والشوكاني - الذي احتج بكلامه المؤلف في العموم -، وغيرهم من الفسرين.
وأما ابن كثير رحمه الله فقال:
"يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تابا الله عليهم، ورحمهم، وغفر لهم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
قلت: فهذا هو عموم الآية، أي: أن الآية وإن نزلت في حق من احتكم إلى الطاغوت من المنافقين، فلو أنهم جاءوا النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فاستغفروا الله، واستغفر لهم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لوجدوا الله توابًا رحيمًا، فكذلك عموم العاصين والمذنبين، فإنهم إن فعلوا ذلك وجدوا الله تعالى غفورًا رحيمًا، توابًا كريمًا، وليس معناه أن ذلك عام في حياته وبعد مماته.
فإنه لَمْ يصح عن أحد من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - أنهم كانوا إذا وقعت منهم معصية، أو اقترفوا ذنبًا أتوا القبر فاستغفروا عنده، وإنما صح منهم ذلك حال حياته صلى الله عليه وسلم.
ولذلك فإن أئمة المفسرين لَمْ يذكروا هذه القصة المعطوبة سندًا ومتنًا؛ لأنه لا وجه لها للدلالة على عموم الآية كما ادعى الغماري حين قال:
"لكن الشاهد من ذكرها هو بيان أن العلماء ذكروها استئناسًا لبيان أن الآية تفيد العموم".
لأنه لَمْ يتقرر عند أهل العلم، أن عموم النصوص الشرعية وخصوصها يُستدل عليه بقصص الشعراء كذلك العتبي، ولا بالأسانيد الساقطة، ولا برؤى المجاهيل، فانظر أخي القارئ الكريم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
إلى هذا التدليس من الشيخ والتلميذ، والمتلاعب بنصوص الكتاب والسنة إلى أي درجة وصل به الحال عندهما.
ولو سلمنا للمؤلف ولشيخه بأن الأمر كما قالا، وأن ذلك عموم، فالعموم قد يُخصص باعتبار نصوص أخرى منها:
قول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيدًا"، وقوله: "لا تجعلوا قبري وثنًا".
فهذا نهي بيِّن عن جعل قبره صلى الله عليه وسلم عيدًا أو وثنًا، وهو عين ما يروِّج له المؤلف وشيخه.
ثم رأيت المؤلف يزيد الأمر تمويهًا على القراء الكرام، فيقول (ص: 77):
(وحديث عرض الأعمال يؤيد الاستدلال بهذه الآية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، تحدثون ويُحدث لكم، وتعرض عليّ أعمالكم، فما وجدت خيرًا حمدت الله، وما وجدت غير ذلك استغفرت لكم.
وهو حديث صحيح).
قلت: بل هو حديث لا يصح، وأقوى طرقه من نوع الشاذ الذي لا يَقْوى ولا يَتَقوى، وسوف يأتي تخريجه ضمن الأحاديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
التي احتج بها المؤلف في الباب الثالث.
ولو صح هذا الحديث، فلا وجه للاستدلال بالآية على ما ذكر، فإن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم - تبعًا لهذا الحديث - سوف يستغفر متى عُرضت عليه أعمال أمته لمن عصى الله أو أذنب، فلا يلزم للعاصي آنذاك أن يأتي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما يكفيه أن يستغفر وهو في مكانه.
ثم إنه قد تقرر في الأصول تبعًا لقوله تعالى:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} أنه لا تكليف إلَّا بمقدور، ومتى تعين القول بتعميم هذه الآية على النحو الذي عمم به المؤلف وشيخه إياها، فلا بد للعاصي مهما كانت معصيته، وأين ما كان أن يأتي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ليستغفر عنده، ويستغفر له النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يقل أحد بهذا من أهل العلم، بل هو من التشديد والغلو اللذين نهى الله تعالى عنهما ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وعلى فرض التسليم لهما في ذلك، فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتعداه إلى غيره من الأنبياء والصالحين، والآية ظاهرة المعنى في ذلك، فكيف نعمم ذلك على عموم الأولياء والصالحين كما يروِّج له المؤلف في كتابه؟ ! !
ثم تبين لي أن الاستدلال بهذه الآية استدلال قديم لأسلافهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وقد رد عليهم شيخ الإسلام في ذلك، فقال رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (1/ 159):
"ومنهم من يتأول قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصجابة، ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحدًا منهم لَمْ يطلب من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا، ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم، وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك رضي الله عنه".
قلت: سوف يأتي إيراد هذه الحكاية قريبًا ونقدها.
(4) رواية عن محمد بن النكدر في التلوذ بقبر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وبمنبره:
أخرج ابن أبي الدنيا في "مجابي الدعوة" (126):
حدثني محمد بن الحسين، حدثني أبو الصعب مطرف، قال: حدثني المنكدر بن محمد:
أن رجلًا من أهل اليمن أودع أباه ثمانين دينارًا، وخرج يريد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
الجهاد، وقال له: إن احتجت فأنفقها إلى أن آتي إن شاء الله.
قال: وخرج الرجل، وأصاب أهل المدينة سنة وجهد، قال: فأخرجها أبي، فقسمها، فلم يلبث الرجل أن قدم، فطلب ماله، فقال له أبي: محمد إليَّ غدًا.
قال: وثاب في المسجد متلوذًا بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرَّة، وبمنبره مُرَّة، حتى كاد يصبح، فإذا شخص في السواد يقول له: دونكها يا محمد.
قال: فمد يده، فإذا صرة فيها ثمانون دينارًا، قال: وغدا عليه الرجلي، فدفعها إليه.
قلت: المنكدر بن محمد بن المنكدر ضعيف الحديث، لَمْ يرضوا حفظه، انشغل بالعبادة عن الرواية، فأتى بما أُنكر عليه.
فأما التلوذ بالقبر فحاشى لله أن يقع من مثل محمد بن المنكدر في علمه وورعه، وأما التلوذ بالمنبر برمانته، وبمقعده فقد صح عن جماعة من الأئمة ومن السلف، والتبرك بمواضع يده عليه السلام، ومواضع جلوسه صلى الله عليه وسلم، وسوف يأتي تقريره قريبًا إن شاء الله تعالى.
ثم وجدت رواية أخرى لهذا الخبر تحكم بنكارة هذه الحكاية، وهي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
ما أخرجه ابن بشكوال في "المستغيثين بالله" (108) من طريق:
ابن شاهين، قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن غيلان السوسي، حَدَّثَنَا محمد بن يزيد الآدمي، حَدَّثَنَا مَعْن، حَدَّثَنَا مالك بن أنس، قال:
كان رجل من أهل الشام قد وضع عند محمد بن المنكدر ثلاث مائة دينار، فغاب الشامي، وقدم وقد استنفق ابن المنكدر المال، فقال له: ارجع إليَّ أهيئه لك إن شاء الله، قال: وليس عندي منها قليل ولا كثير، فجعل محمد يذكرها، ويدعو، ويتضرع إلى الله عز وجل، ولقول: يا رب أمانتي.
فسمعه عامر بن عبد الله بن الزبير، وهو يدعو في صلاته، فخرج عامر، فوزن ثلاث مائة دينار، ثم جاء بها، وكان محمد إذا سجد أطال السجود، فوضعها عامر على نعليه، فلما رفع محمد بن المنكدر رأسه وجدها، فذهب بها إلى منزله، فإذا فيها ثلاث مائة لا نزيد ولا تنقص، وغدا عليه الشامي، فدفعها إليه.
قلت: وهذا سند صحيح، لا مطعن فيه، من رواية الثقات، وهي أصح من الرواية الأولي، بل هي مُعلة لها ولا شك، فهل يُقاس السند المشرق المتلألئ بالسند المظلم السود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
(5) رواية الفضل بن إِسماعيل:
وأخرج الضياء المقدسي رحمه الله في كتابه "العُدَّة للكرب والشدَّة" (50) من طريق:
أبي الشيخ بن حيَّان، قال: حَدَّثَنَا عبد الرَّحمن بن داود، حَدَّثَنَا عبد الله بن يحيى الهاشمي، قال: سمعت الفضل بن إسماعيل يقول:
جار عليّ السلطان، فحبسني، فلما كان في الليل أتاني آتٍ، فقال: يا فضل، أمغموم أنت؟ قلت: نعم، قال: ألا أعلمك دعاءً، يُذهب الله عنك الغم؟ قلت: نعم، قال: إذا أصبحت، فقل:
اللهم إني أسألك بحق موسى، وبحق عيسى، وبحق الاسم الذي حملت به مريم بشرًا سويًا إلَّا فرَّجت غمي.
فلما أصبحت، دعوت بهذا الدعاء، فما كان إلَّا ساعة حتى وجَّه العامل فأطلقني.
قلت: وهذا أثر لا تقوم به حجة، فإن الأدعية لا تثبت بالرؤى من جهة، ومن جهة أخرى فإن عبد الله بن يحيى الهاشمي، والفضل بن إسماعيل لَمْ أقف لهما على ذكر في كتب التراجم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
(6) رواية علي بن الحسين:
وأخرج ابن بشكوال في "المستغيثين بالله" (43) من طريق:
محمد بن عبد الرَّحمن بن العباس - هو المخلص - قال: حَدَّثَنَا أبو العباس المارستاني، قال: أخبرنا أبو سعيد الأشج، والقاسم بن محمد الوزان، قالا: حَدَّثَنَا وكيع، عن صالح بن أبي الأخضر، قال: سمعت الزهري، يقول:
اعتللت علة أشرفت منها على لقاء ربي، فضاق بذلك ذرعي، فلم أجد أحدًا أتوسل به بقلتي غير علي بن الحسين رضي الله عنه فأتيته فسألته الدعاء؟
فقال لي: أيما أحب إليك أدعو أنا وتؤمِّن أنت؟
فقلت: دعاؤك أفضل، وتُتبع دعاءك تأمينًا منك ومني.
فرفع يديه وقال:
اللهم إن ابن شهاب قد فزع إليَّ بالوسيلة إليك بآبائي، فبما تعلم بالإخلاص من أبائي وأمهاتي، إلَّا جُدت علينا بما قد آمل ببركة دعائي، واسكب له من الرزق، وارفع له من القدر وغيره ما يصيره كهفا لما علَّمته من العلم.
قال الزهري: فوالذي نفسي بيده ما اعتللت، ولا مر بي ضيق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
ولا بؤس مذ دعا بهذه الدعوات، وإني لفي دعة من العيش إلى وقتي هذا، وما أؤمله من مغفرة الله ورحمته أكثر من ذلك، بدعاء علي بن الحسين رضي الله عنه.
قلت: وهذا الخبر كذلك لا يصح، فإنه من رواية صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف الحديث، لا سيما في روايته عن الزهري، فقد اختلط عليه ما سمعه منه مما وجده مكتوبًا.
وأبو العباس المارستاني هو عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن مالك الضرير، ترجمه الخطيب في "تاريخ بغداد" (9/ 382)، وقال: "قال ابن قانع: تُكُلِّم فيه".
(7) رواية ابن المبارك عن عبد حبشي:
قال ابن بشكوال (152):
ذكر مؤلف كتاب العروس، قال: حَدَّثَنَا محمد بن الفرج مولى بني هاشم، قال: حَدَّثَنَا محمد بن صالح بن عبد الله البصري، عن عبد الله بن المبارك، قال:
خرجت في بعض السنين إلى بيت الله الحرام، وأتيت مكة، وقد قحط النّاس قحطًا شديدًا، وقد خرجوا يستسقون، وخرجت معهم، وكنا مما يلي بني شيبة، فتضرع النّاس بالدعاء، إذ حانت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)