صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقرأ في الظهر، والعصر بـ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، وهذان الحديثان في «الجامع الصحيح» لشيخنا رحمه الله (2/ 103 - 104).
• وذهب جماعة إلى أنه يقرأ بطوال المفصل، وهو قول الثوري، والشافعية، وبعض الحنابلة، واستدلوا بحديث أبي سعيد، وأبي هريرة رضي الله عنهما، اللَّذَيْنِ في الباب، وبحديث البراء بن عازب عند النسائي (2/ 163)، قال: كُنَّا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان، والذاريات.
• وقد استحب بعض أهل العلم القراءة بقدر ثلاثين آية، وهم النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
قال أبو عبد الله غفر الله له: والخلاف في المسألة إنما هو في الأفضل.
والظاهر أنَّ الأفضل أن يُعمل بهذا تارة، وبذاك أخرى، والله أعلم.(1)
مسألة [3]: القراءة في العصر.
• ذهب أحمد إلى أنه يجعلها على النصف من الظهر، ودليله حديث أبي سعيد رضي الله عنه، الذي في الباب.
• وذهب الشافعية إلى أنه يقرأ بوسط المفصل، واستدلوا بالأحاديث المتقدمة في المسألة السابقة.--------------------------------------------
(1) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (759).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 457)
• وذهب النخعي، والثوري، وإسحاق إلى أنه يقرأ بقصار المفصل.
والراجح ما ذهب إليه أحمد، والشافعي.(1)
مسألة [4]: القراءة في المغرب.
• قال ابن رجب رحمه الله: وذهب أكثر العلماء إلى استحباب تقصير الصلاة في المغرب، وحكى الترمذي أنَّ العمل عند أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل، وهذا يُشعر بحكاية الإجماع عليه، وممن استحب ذلك: ابن المبارك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وقال: كانوا يستحبون ذلك. انتهى بتصرف.
قلتُ: ويدل على هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي في الباب، وحديث رافع بن خديج في «الصحيحين»، قال: كُنَّا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع نبله.(2)
• وقد ذهبت طائفة إلى استحباب تطويلها، واستدلوا بحديث زيد بن ثابت في «البخاري» (764): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ فيها بَطُولَى الطُّولَيين. يعني الأعراف، وبحديث جبير بن مطعم الذي في الباب، وبحديث أم الفضل في «الصحيحين»(3): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ فيها بالمرسلات.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأفضل في المغرب أن يُقَصِّرَ القراءة فيها، ولا--------------------------------------------
(1) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (4/ 424).
(2) تقدم في الكتاب برقم (150).
(3) أخرجه البخاري برقم (763)، ومسلم برقم (462).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 458)
بأس بالتطويل أحيانًا.
وقد نصَّ على ذلك الشافعي، وأحمد، ولكن ينبغي أن لا يشقَّ على المأمومين بذلك، والله أعلم.(1)
مسألة [5]: القراءة في العشاء.
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب القراءة فيها بوسط المفصل.
ودليلهم حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي في الباب، وحديث معاذ رضي الله عنه: «إذا أممت الناس؛ فاقرأ بـ: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}.
• وذهب النخعي، وإسحاق إلى أنها تكون مثل الظهر.
والصواب قول الجمهور.(2)
مسألة [6]: القراءة في الفجر.
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب القراءة في الفجر بطوال المفصل، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
ودليلهم حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي في الباب، وحديث أبي برزة رضي الله عنه في «الصحيحين»(3): وكان يقرأ بالستين إلى المائة.(4)--------------------------------------------
(1) انظر: «فتح الباري» لابن رجب (4/ 429 - 431، 435).
(2) وانظر: «الفتح» لابن رجب (4/ 448 - 449)، رقم (769).
(3) تقدم في الكتاب برقم (147).
(4) وانظر: «الفتح» (4/ 456 - 457).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 459)
مسألة [7]: قراءة سورة تامة.
قال ابن رجب رحمه الله في «فتح الباري» (759): والأفضل القراءة بسورة تامة بالاتفاق. اهـ
مسألة [8]: القراءة ببعض السورة من أولها، أو آخرها، أو وسطها.
• قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (4/ 465): وأكثر العلماء على أنه لا يُكره قراءة أوائل السُّوَر، وأوساطها، وخواتيمها في الصلاة، وعن أحمد أنه يكره القراءة من أوساط السور دون خواتيمها، وعنه أنه يكره القراءة من أواخر السور، ومن أصحابه من حملها على كراهة المداومة. اهـ
قلتُ: الصواب قول الجمهور؛ لقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل:20]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن».
مسألة [9]: الجمع بين السورتين في ركعة.
• قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (4/ 471): وأكثر العلماء على أنه لا يُكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة، ورُوي فعله عن عمر، وابن عمر(1)، وعمر بن عبد العزيز، وعلقمة، وهو قول قتادة، والنخعي، ومالك، وعن أحمد في كراهته روايتان، وكرهه أصحاب أبي حنيفة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ للأدلة السابقة آنفًا.--------------------------------------------
(1) لم أجد أثر عمر، وأما أثر ابن عمر فأخرجه عبدالرزاق (2/ 148 - )، وابن أبي شيبة (1/ 368) من طرق صحيحة.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 460)
مسألة [10]: ترداد السورة في الركعتين.
أخرج أبو داود (816) عن رجلٍ من جهينة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى بهم الفجر، فقرأ: «{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا}» في الركعتين كلتيهما، وقد نصَّ أحمد على جواز ذلك.(1)
مسألة [11]: قراءة القرآن على غير ترتيب المصحف.
قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (4/ 468): الأكثرون على أنَّ ذلك غير مكروه، وعن أحمد رواية أنه يُكره إنْ تعمد ذلك. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، ويدل عليه حديث حذيفة ابن اليمان في «صحيح مسلم» (772): أنه صلَّى مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلاة الليل، فقرأ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سورة البقرة، ثم سورة النساء، ثم آل عمران.--------------------------------------------
(1) «الفتح» (4/ 469) لابن رجب.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 461)
281 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ {الم * تَنْزِيلُ} السَّجْدَةِ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(1)
282 - وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُدِيمُ ذَلِكَ.(2)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [1]: حكم قراءة هاتين السورتين في فجر يوم الجمعة.
• قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (891): وقد اختلف العلماء في قراءة سورةٍ معينةٍ في صلاةٍ معينةٍ، فكرهته طائفة، وحُكي عن أبي حنيفة، ومالك، ولم يكرهه الأكثرون، بل استحبوا منه ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
• وممن استحب قراءة سورة {الم} [سورة السجدة] و: {هَلْ أَتَى} في صلاة الفجر يوم الجمعة: الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، وسليمان بن داود الهاشمي، والجوزجاني، وغيرهم من فقهاء الحديث،--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (891)، ومسلم (880).
(2) ضعيف. أخرجه الطبراني في «الصغير» (986) من طريق عمرو بن قيس الملائي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود به. وفي الطريق إلى عمرو مَن لم توجد له ترجمة.
وقد أخرجه ابن ماجه (824)، بإسناد ظاهره الصحة من نفس الوجه، بدون قوله (يديم ذلك) ومع ذلك فهو معل؛ فإن الراجح في حديث ابن مسعود أنه من مراسيل أبي الأحوص، فقد رواه الناس عن أبي الأحوص مرسلًا، وقد رجح ذلك البخاري وأبوحاتم والدارقطني.
انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 204)، و «العلل» للدارقطني (923)، و «العلل الكبير» (1/ 279).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 462)
وهذا هو المروي عن الصحابة، منهم: عليٌّ، وابن عباسٍ، وأبو هريرة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم.
مسألة [2]: هل يُستحبُّ المداومة في قراءتهما؟
• قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (891): ثم اختلفوا: هل يستحب المداومة على ذلك في كل جمعةٍ؟ فقال بعضهم: لا يستحب ذلك، بل يستحب فعله أحيانًا، وهو قول الثوري، وأحمد -في المشهور عنه-، وإسحاق، وعَلَّلا بأنه يُخشى من المداومة عليه اعتقاد الجهال وجوبه، وأن صلاة الفجر يوم الجمعة فيها زيادة سجدة، أو أنها ثلاث ركعات، ونحو ذلك مما قد يتخيله بعض من هو مفرطٌ في الجهل.
• وقال الأكثرون: بل يستحب المداومة عليه، وهو قول الشافعي، وسائر من سَمَّيْنَا قوله، وهو ظاهر ما نقله إسماعيل بن سعيدٍ الشالنجي عن أحمد؛ فإنه قالَ: سألته عن القراءة في الفجر يوم الجمعة؟ فقال: نراه حسنًا، أن تقرأ: {الم * تَنْزِيلُ} [السجدة:1 - 2]، و: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} [الإنسان:1]، ورجحه بعض أصحابنا، وهو الأظهر.
وكان السلف يداومون، قال الأعرج: كان مروان، وأبو هريرة يقرءان في صلاة الصبح بـ: {الم * تَنْزِيلُ}، و: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} في كل جمعة.
وقال الشعبي: ما شهدت ابن عباسٍ قرأ يوم الجمعة إلا {تَنْزِيلُ}، و: {هَلْ
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 463)
أَتَى} [الإنسان:1].
خرَّجه ابن أبي شيبة، واعتقاد فرضية ذلك بعيدٌ جدًّا، فلا يترك لأجله السنة الصحيحة، واتباع عمل الصحابة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 140 - 141)، وفي إسناده: جابر بن يزيد الجعفي، وهو كذاب.
والأظهر في هذه المسألة هو استحباب المداومة على ذلك؛ لظاهر حديث أبي هريرة؛ إلا أنْ يحصل مشقة على المأمومين فيترك، والله أعلم.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 464)
283 - وَعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ، وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.(1)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: سؤال الرحمة، والاستعاذة من العذاب أثناء القراءة.
قال الإمام النووي رحمه الله في «شرح المهذب» (4/ 66 - 67): قال الشافعي، وأصحابنا: يُسَنُّ للقارئ في الصلاة، وخارجها إذا مرَّ بآية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، أو آية عذاب أن يستعيذ به من العذاب، أو بآية تسبيح أن يُسَبِّحَ.
قال: وكل هذا يُستحب لكل قارئ في صلاته، أو غيرها، سواء صلاة الفرض، والنفل، والمأموم، والإمام، والمنفرد؛ لأنه دعاء، فاستووا فيه كالتأمين، ودليل هذه المسألة حديث حذيفة .... ثم ذكر حديث الباب، وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقام، فقرأ سورة البقرة، ولا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوَّذ، ثم ركع … ، الحديث رواه أبو داود، والنسائي(2)، ثم نقل النووي عن الحنفية كراهة ذلك، وردَّ عليهم بمخالفتهم للأدلة، ولجمهور العلماء. انتهى.
قلتُ: ومذهب الحنابلة استحباب ذلك في النافلة دون الفريضة؛ لأنَّ الأدلة--------------------------------------------
(1) صحيح. أخرجه أحمد (5/ 382)، وأبوداود (871)، والنسائي (2/ 176)، والترمذي (262)، وابن ماجه (1351)، وإسناده صحيح وأصله في مسلم برقم (772).
(2) أخرجه أبو داود برقم (873)، والنسائي (2/ 191)، وإسناده حسن.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 465)
جاءت في النافلة، وهذا اختيار الصنعاني، وهو الصواب.(1)
284 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.(2)
285 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَك اللهُمَّ [رَبَّنَا](3) وَبِحَمْدِك، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(4)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: حكم أذكار الركوع، والسجود.
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: الاستحباب، وهو قول جمهور العلماء، ومنهم: الشافعي، ومالك، والثوري، وغيرهم، واستدل هؤلاء بحديث المسيء في صلاته؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُعَلِّمْهُ ذلك.
الثاني: الوجوب، وهو قول أحمد، وإسحاق، قالوا: فإنْ تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا وجب عليه أنْ يجبره بسجود السهو.
الثالث: ركنٌ لا يسقط في عمدٍ، ولا سهوٍ، حُكي رواية عن أحمد، وهو قول--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (2/ 239).
(2) أخرجه مسلم برقم (479).
(3) زيادة من «الصحيحين».
(4) أخرجه البخاري (817)، ومسلم (484).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 466)
داود، ورجَّحه الخطابي، وهو قول يحيى بن يحيى، وعلي بن دينار، من أئمة المالكية، ويُستدل لهم بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصلاة: «إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»، وكذلك سمَّى الله الصلاة تسبيحًا كما سماها قرآنًا، فدلَّ على أنَّ الصلاة لا تخلوا عن القرآن، والتسبيح.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب إلى الصواب هو القول الثاني؛ لحديث ابن عباس الذي في الباب، ولحديث: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي»، ولم نَقُلْ بالقول الثالث؛ لأنه قد وردَ في «الصحيحين»(1): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نسي التشهد الأول، وتكبيرة الانتقال، وجبر ذلك بسجدتي السهو، والتكبير والتسبيح جنسهم واحد، والله أعلم.(2)
مسألة [2]: ما هو الذي يجزئ عن الوجوب؟
• قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (5/ 65): وعلى القول بالوجوب، فقال أصحابنا: الواجب في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، لا يجزئ غير ذلك. وقال إسحاق: يجزئ كل ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء.
قال ابن رجب رحمه الله: وهو قياس مذهبنا في جواز جميع أنواع الاستفتاحات، والتشهدات الواردة في الصلاة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول إسحاق هو الصواب، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) سيأتي في الكتاب برقم (320).
(2) وانظر: «الفتح» لابن رجب (5/ 64 - 65) رقم (794)، «المجموع» (3/ 414).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 467)
مسألة [3]: الدعاء في الركوع.
دلَّ حديث عائشة الذي في الباب على استحبابه، وبوب عليه البخاري في «صحيحه»: [باب الدعاء في الركوع]، وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك: يُكره الدعاء في الركوع دون السجود؛ لحديث ابن عباس الذي في الباب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأصل في الركوع هو الثناء، والتعظيم، ولا بأس بالدعاء بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها، بل يُستحبُّ كما قال الجمهور.(1)
مسألة [4]: قراءة القرآن في الركوع، والسجود.
دلَّ الحديث الذي في الباب -أعني حديث ابن عباس رضي الله عنهما - على النهي عن ذلك، ومثله حديث علي رضي الله عنه في «صحيح مسلم» (480)، قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ أقرأ القرآن راكعًا، أو ساجدًا.
وذهب أكثر العلماء إلى كراهية القراءة في الركوع، والسجود، ومنهم من حكاه إجماعًا.
وهل الكراهة للتحريم، أو للتنزيه؟
• فيه خلاف، وحكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز.
• ومذهب الشافعي، وأكثر الحنابلة أنه مكروه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو التحريم؛ لأنه هو الأصل في النهي.--------------------------------------------
(1) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (794).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 468)
قال ابن رجب رحمه الله: وهل تبطل به الصلاة، أو لا؟ فيه وجهان لأصحابنا، والأكثرون على أنها لا تبطل بذلك، وللشافعية وجهٌ: إنْ قرأ بالفاتحة خاصَّة بطلت صلاته؛ لأنه نقل ركنًا إلى غير موضعه. اهـ.(1)--------------------------------------------
(1) انظر: «الفتح» لابن رجب (4/ 69).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 469)
286 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ» ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ اثْنَتَيْنِ(1) بَعْدَ الجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(2)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: حكم تكبيرات الانتقال.
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ تكبيرات الانتقال سُنَّةٌ لا تبطل الصلاة بتركها عمدًا، ولا سهوًا، وحجتهم في ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر المسيء في صلاته بها.
• وذهب الإمام أحمد، وإسحاق، إلى أنَّ هذه التكبيرات واجبة، من تركها عمدًا بطلت صلاته، ومن تركها سهوًا؛ فلا شيء عليه، ويسجد للسهو، واستدلوا على الوجوب بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي»، وبأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرَ بها المسيء في صلاته كما في «سنن أبي داود» (857)، والنسائي (2/ 225)، وغيرهما من حديث رفاعة بن رافع، وإسناده صحيح، واستدل الإمام أحمد لسقوطه بالسهو بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نسي التشهد الأول؛ فأتم صلاته، وسجد للسهو، وقد ترك بتركه التشهد التكبيرة للجلوس له؛ فدل على أنها تسقط بالسهو، ويُجبرُ بالسجود له.--------------------------------------------
(1) في (أ): (الثنتين).
(2) أخرجه البخاري (789)، ومسلم (392) (28).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 470)
وقد حُكي عن أحمد رواية أنَّ هذه التكبيرات من فروض الصلاة لا تسقط الصلاة بتركها عمدًا، ولا سهوًا، وحُكي عنه رواية أخرى أنها فرضٌ في حقِّ غير المأموم، وأما المأموم فتسقط عنه بالسهو.
قال أبو عبدالله غفرالله له: الصواب ما ذهب إليه أحمد وإسحاق والله أعلم.(1)
تنبيه: الحُكْمُ السَّابق يشمل الإمام، والمأموم، والمنفرد، ويشمل قول: «سمع الله لمن حمده» بدل التكبير.
مسألة [2]: جمع الإمام بين التسميع والتحميد.
• دلَّ حديث الباب على أنَّ الإمام يجمع بين التسميع، والتحميد، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة، إلى أنَّ الإمام يقتصر على التسميع، والمأموم على التحميد؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في «الصحيحين»(2) مرفوعًا: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم، ربنا ولك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه».
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، والله أعلم.(3)
تنبيه: حكم المنفرد في هذه المسألة المذكورة كحكم الإمام.--------------------------------------------
(1) وانظر: «الفتح» لابن رجب (784)، «المجموع» (3/ 397).
(2) أخرجه البخاري برقم (796)، ومسلم برقم (409).
(3) وانظر: «الفتح» (796).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 471)
مسألة [3]: هل يقول المأموم: سمع الله لمن حمده، أم يقتصر على التحميد؟
• ذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، إلى أنَّ المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. بل يقتصر على قوله: ربنا ولك الحمد؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في «الصحيحين»(1): «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا، ولك الحمد»، ومثله حديث أبي موسى رضي الله عنه في «صحيح مسلم» (404)، وجاء عن غيرهما.
• وذهب عطاء، وأبو بردة، وابن سيرين، والشافعي، وإسحاق، إلى أنَّ المأموم يجمع بين التسميع، والتحميد؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي».
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مقام التعليم، لم يأمرهم إلا أن يقولوا: «ربنا لك الحمد»، ولم يأمرهم بأكثر من ذلك.(2)
مسألة [4]: كيفية التحميد.
له أربع كيفيات، كلها في «الصحيحين»، أو أحدهما، وهي: «ربنا لك الحمد»، «ربنا، ولك الحمد»، وبزيادة: «اللهم» في الصِّيغتين، وكله جائزٌ، وأفضله عند مالك، وأحمد بزيادة الواو، وذهب الثوري، والكوفيون إلى أنَّ الأفضل بدون الواو.
والراجح القول الأول؛ لأنَّ زيادة الواو تتضمن معطوفًا محذوفًا، تقديره:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري برقم (796)، ومسلم برقم (415).
(2) وانظر: «الفتح» (796) لابن رجب.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 472)
(ربنا حمدناك، ولك الحمد)، أو نحو ذلك.(1)
مسألة [5]: موضع قول: ربنا ولك الحمد، وقول: سمع الله لمن حمده.
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (2/ 189): وَمَوْضِعُ قَوْلِ: «رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمنْفَرِدِ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ رَفْعِهِ يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ قَوْلُ: «سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ»، فَأَمَّا الْمأْمُومُ فَفِي حَالِ رَفْعِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» يَقْتَضِي تَعْقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ قَوْلَ الْمَأْمُومِ، وَالْمَأْمُومُ يَأْخُذُ فِي الرَّفْعِ عَقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ حِينَئِذٍ، وَاَلله أَعْلَمُ. اهـ
مسألة [6]: محل تكبيرات الانتقال.
• ظاهر حديث أبي هريرة يدلُّ على أنَّ تكبيرات الانتقال تُقال عند الانتقال من الرُّكن السَّابق، وقبل الدخول في الرُّكن الذي بعده، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وغيرهم.
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (1/ 255): حدثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن يزيد الخطمي إذا رفع رأسه من الركعة هوى بالتكبيرة، فكأنه في أرجوحة حتى يسجد.
حدثنا يعلى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: كان عمر إذا رفع رأسه من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، قبل أن يقيم ظهره، وإذا كبر--------------------------------------------
(1) وانظر: «الفتح» لابن رجب (796)، «المغني» (2/ 188).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 473)
كبر وهو منحط.
حدثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كبر وأنت تهوي، وأنت تركع. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا إسانيد صحيحة، رجالها ثقات.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 474)
287 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.(1)
الحكم المستفاد من الحديث
هذه الزيادة في هذا الحديث على قوله: «ربنا لك الحمد» مستحبة، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد.
وقد ذهب أكثر الحنابلة إلى أنَّ المأموم لا يزيد على قوله: «ربنا ولك الحمد»؛ لأنه مأمورٌ بها في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد»؛ فدلَّ على أنه لا يُشرع في حقِّهم سواه.
والصواب القول الأول، وهو الاستحباب في حقِّ الإمام، والمأموم، والمنفرد؛ لأنَّه ذِكْرٌ مشروع في الصلاة أشبه سائر الأذكار، وهو مذهب إسحاق أيضًا.(2)
تنبيه: للركوع، والسجود، والاعتدال من الركوع أذكار متعددة وردت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- راجعها في «صفة الصلاة» للعلامة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم برقم (477) وليس عنده لفظ «اللهم» في أوله.
(2) وانظر: «المغني» (2/ 189)، «فتح الباري» لابن رجب (798).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 475)
288 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ- وَاليَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(1)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: حكم السجود على الأعضاء السبعة.
لا خلاف في أنَّ السجود على هذه الأعضاء هو السجود الكامل.
• واختلفوا في الواجب من ذلك على قولين:
الأول: يجب السجود على جميعها، وهو أحد القولين للشافعي، ورجَّحه كثير من أصحابه، والصحيح المشهور عن أحمد، وعليه أصحابه وأكثرهم لم يَحْكِ عنه خلافًا، وهو قول مالك، وإسحاق، وزُفَر، وحُكِي عن طاوس، واستدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، الذي في الباب، والأمر للوجوب.
الثاني: إنما يجب بالجبهة فقط، ولا يجب بغيرها، وهو القول الثاني للشافعي، وحُكي رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، واحتجوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «سجد وجهي … ».
وهذا يدل على أنَّ السجود على الوجه، ولأنَّ الساجد على الوجه يُسمى ساجدًا، وإذا وضع غير الوجه على الأرض لا يُسمى بذلك ساجدًا.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (812)، ومسلم (490) (230).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 476)