قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لدلالة الحديث عليه، وأما حديث: «سجد وجهي … ».
فسجود الوجه لا ينافي سجود ما عداه، وإنما أضاف السجود إليه؛ لأنَّه أشرف الأعضاء السبعة، والله أعلم.(1)
مسألة [2]: حكم السجود على الأنف.
• في حديث الباب: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة»، وأشار بيده إلى أنفه، ولمسلم في رواية: «الجبهة والأنف»، فاستدل بهذا وذاك من يقول: يجب السجود على الأنف مع الجبهة.
وهو قول مالك، وأحمد في رواية عنهما، وإسحاق، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وحُكي قولًا للشافعي.
وجاء في المسألة حديث صريح عن ابن عباس رضي الله عنهما عند الدارقطني (1/ 348)، والحاكم (1/ 270)، مرفوعًا: «لا تُقبل صلاة لا يمس فيها الأنف ما يمس الجبين».
ولكن الصواب في هذا الحديث أنه من مراسيل عكرمة، صوَّبَ ذلك أبوداود، والترمذي، والدارقطني، وغيرهم.
قال ابن رجب: ورُوي معناه عن طاوس، والنخعي، وسعيد بن جبير.--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (2/ 194 - )، «الفتح» لابن رجب (5/ 114 - 115) (809).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 477)
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما في «سنن البيهقي» (2/ 104)، أنه قال: «إذا سجد أحدكم؛ فليضع أنفه على الأرض؛ فإنكم قد أُمرتم بذلك».اهـ
وهو من طريق سماك عن عكرمة، وقد أعله الترمذي بالإرسال.
• وذهب كثير من العلماء إلى أنَّ السجود على الأنف مستحبٌّ غير واجب، ورُوي عن الحسن، والشعبي، والقاسم، وسالم، وهو قول الشافعي، وسفيان،، ومالك، وأحمد في الرواية الثانية عنهما.
وحَمَلَ من قال بذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما على الاستحباب دون الوجوب، وقالوا: لأنه عدَّ الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعًا، ولو كان الأنف معها؛ لكانت ثمانيًا.
واستدلوا بحديث جابر رضي الله عنه كما في «فوائد تمَّام» (340)، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر.
وهو حديث ضعيفٌ؛ في إسناده: أبو بكر بن أبي مريم، وهو شديد الضعف.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب في المسألة هو القول الأول، وجعلها سبعة أعضاء باعتبار أنَّ الأنف، والجبهة كالعضو الواحد؛ لاتصاله به، وعدم وجود الفاصل بينهما، والله أعلم.
وقد رجَّح هذا القول الإمام الشوكاني رحمه الله، فقال: وبهذا البيان يتضح لك أنَّ رواية ذكر الجبهة مع الإشارة إلى الأنف لبيان أنَّ السجود على الجبهة لا يكون
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 478)
تامًّا، كاملًا؛ إلا بوضع الأنف معها، ومع هذا فقد أغنانا عن ذلك ذكرهما معًا في الأحاديث كما أشرنا إليه، وقد اجتمع في السجود على الجبهة، والأنف البيان للسجود المأمور به في القرآن المعلوم وجوبه بالضرورة الشرعية بالقول والفعل، فكان ذلك كافيًا في فرضية السجود على تلك الأعضاء من غير انضمام أمر الأمة بذلك، فكيف وقد ثبت كما ذكرناه لك. اهـ «السَّيل» (1/ 217).(1)
تنبيه: قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (5/ 118): ولو اقتصر على السجود على أنفه دون جبهته؛ لم يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف غير أبي حنيفة، وهي رواية عن الثوري، رواها عنه حسَّان بن إبراهيم. اهـ
قال ابن المنذر رحمه الله كما في «المغني» (2/ 197): لا أعلم أحدًا سبقه إلى هذا القول. يعني أبا حنيفة.
مسألة [3]: مباشرة الساجد بأعضائه الأرض.
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب مباشرته بأعضائه الأرض.
وكرهوا أن يفصل بين جبهته، أو أنفه، أو يديه فاصل متصل بالمصلي، قالوا: وإذا فعله؛ فصلاته صحيحة، مجزئة، وَتَرَكَ الأفضلَ. وأجازوه بوجود العذر.
• بينما ذهب الشافعي إلى أنه لا يجزئه أن يسجد على كور عمامته، ولا على طرف ثوبه المتصل به، حتى يكشف عن بعض محل سجوده، وهو قول له في--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (2/ 196)، «الفتح» (5/ 118 - ) لابن رجب.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 479)
اليدين أيضًا، والأصح عنه أنه يجوز في اليدين.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح قول الجمهور؛ قياسًا على الخُفين، والركبتين، وعلى القفازين، وقد علَّق البخاري في «صحيحه» عن الحسن، أنه قال: كان القوم يسجدون على العمامة، والقلنسوة، ويداه في كُمِّه.
ثم استدل بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كُنَّا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع أحدنا طرف الثوب من شِدَّة الحر في مكان السجود، فيسجد عليه.
وهو في «صحيح مسلم» أيضًا برقم (620).(1)--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (2/ 197)، «الفتح» لابن رجب (2/ 266 - ).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 480)
289 - وَعَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(1)
290 - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.(2)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [1]: حكم التفريج بين اليدين في السجود.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في «فتح الباري» (807): وفي استحباب التجافي في السجود أحاديث كثيرة، لم يخرج البخاري منها غير هذا -يعني حديث ابن بحينة- والقول باستحبابه قول جمهور العلماء، وذكر الترمذي أن العمل عندهم عليه، وهذا يشعر بأنه إجماع منهم.
ثم قال ابن رجب رحمه الله: فان أطال السجود ولحقته مشقة بالتفريج، فله أن يعتمد بمرفقيه على ركبتيه، وقد روى ابن عجلان، عن سُمَي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: اشتكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَشَقَّةَ السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: «استعينوا بالركب» خَرَّجَه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وهذا لفظه، وابن حبان في «صحيحه» والحاكم(3)، ورواه الثوري، وابن عيينة، وغيرهما، عن--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (807)، ومسلم (495).
(2) أخرجه مسلم برقم (494).
(3) أخرجه أحمد (2/ 339 - )، وأبو داود (902)، والترمذي (286)، وابن حبان (1918)، والحاكم (1/ 229).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 481)
سُمَي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، والمرسل أصح عند البخاري وأبي حاتم الرازي والترمذي والدارقطني وغيرهم، ورخص فيه عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك في النافلة، وكذلك قال بعض أصحابنا، وأصحاب الشافعي، والمنصوص عن أحمد في رواية حرب أنه لا يفعل، بل يجافي، ومتى كان التجافي يَضُرُّ بمن يليه في الصف للزحام؛ فإنه يضم إليه من جناحه، قاله الأوزاعي. انتهى المراد بتصرف.
مسألة [2]: رفع المرفقين عن الأرض في السجود.
أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- -كما في حديث البراء رضي الله عنه - برفع المرفقين، وعليه فيجب على الساجد أن يرفع مرفقيه عن الأرض، ولا يضعهما على الأرض؛ فإنَّ ذلك من فعل بعض السباع.
وفي «الصحيحين» عن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».
وقد تقدم الكلام على ذلك عند حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم برقم (265).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 482)
291 - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ إذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ الحَاكِمُ.(1)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: كيفية وضع الأصابع في الركوع والسجود.
دلَّ حديث الباب على أنَّ المصلي يُفرِّج أصابعه في الركوع، ويضمها، ويبسطها في السجود، وقد استحب ذلك أهل العلم كما في «المغني»، و «شرح المهذب»، وتقدم أنَّ الحديثَ ضعيفٌ.
وقد جاء التفريج بين الأصابع في الركوع في حديث أبي حميد عند أبي داود (731)، والبيهقي (2/ 84)، وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ.
وجاء من طريق أخرى عند أبي داود (734)، والبيهقي أيضًا (2/ 85) بلفظ: كأنه قابضٌ عليها.
وفي إسناده: فُليح بن سليمان، وجاء في حديث المسيء في صلاته في «الطبراني»: «فأثبت يديك على ركبتيك».--------------------------------------------
(1) ضعيف. أخرجه الحاكم (1/ 224، 227) من طريق هشيم بن بشير، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه به.
وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه بين هشيم وعاصم. قال أحمد: لم يسمع من عاصم شيئًا. انظر «تهذيب التهذيب» و «جامع التحصيل». والحديث له طرق عند أصحاب «السنن» وغيرهم عن علقمة، وله طرق عن وائل، وليس عندهم هذا اللفظ الذي أخرجه الحاكم وغيره من طريق هشيم.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 483)
وهذا اللفظ محتمل، وهو أقرب إلى كونه مُفَرِّجًا بين أصابعه، والله أعلم.
وأما في السجود؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة (1/ 264)، بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: إذا سجد أحدكم؛ فليستقبل القبلة بيديه؛ فإنهما يسجدان مع الوجه.
وأخرج ذلك أيضًا عن الحسن، وابن سيرين، وسالم، والقاسم، وغيرهم.(1)--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (2/ 201)، «المجموع» (3/ 431).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 484)
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [1]: موضع اليدين في السجود.
جاء في حديث أبي حُميد في «سنن أبي داود» (734)، وغيره: «ووضع كفيه حذو منكبيه».
وهذه الرواية من طريق: فُليح بن سليمان، وهو ضعيفٌ.
وهذه الرواية اعتمدها الحنابلة، والشافعية، واستحبوا وضع اليدين حذو المنكبين في السجود.
وقد صحَّ في حديث وائل بن حُجر في «صحيح مسلم» (401): فلما سجد وضع وجهه بين كفيه.
وفي «سنن النسائي» (3/ 35): «فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه».
وفي رواية: «قريبتان من أُذُنيه»(1)، وهذا أولى؛ لصحة الحديث في ذلك، وقد عمل به أحمد، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله سجد، ويداه بحذاء أُذُنيه.(2)--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (4/ 316) بإسناد صحيح، وصححه الإمام الوادعي في «الصحيح المسند» (1187).
(2) انظر: «المغني» (2/ 201)، «المجموع» (3/ 431).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 485)
مسألة [2]: هل يلزمه السجود على جميع العضو، أم يجزئ بعضه؟
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (2/ 201 - 202): وَالْكَمَالُ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ يَضَعَ جَمِيعَ بَطْنِ كَفَّيْهِ، وَأَصَابِعِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَرْفَعَ مِرْفَقَيْهِ؛ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ بَاطِنِهِمَا، أَجْزَأَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: إنْ وَضَعَ مِنْ الْيَدَيْنِ بِقَدْرِ الْجَبْهَةِ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ جَعَلَ ظُهُورَ كَفَّيْهِ إلَى الْأَرْضِ، وَسَجَدَ عَلَيْهِمَا، أَوْ سَجَدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، فَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَقَدْ سَجَدَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ سَجَدَ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ إصَابَةِ بَعْضِ أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ الْأَرْضَ، فَيَكُونَ سَاجِدًا عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ الْأَحْسَنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ. اهـ
قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (5/ 115 - 116) رقم (811): وقال القاضي أبو يعلى: يجزئه أن يضع من يديه وجبهته على الأرض شيئًا، وإنْ قلَّ، ومن أصحابنا من حكى الإجماع على ذلك.
ثم بيَّنَ ابن رجب رحمه الله عدم صحة الإجماع، وأنَّ هناك من أوجب السجود على جميع اليدين.
ثم قال: ومذهب الشافعي الذي عليه أكثر أصحابه، ونصَّ عليه في «الأم» أنه لو سجد على بعض جبهته كره، وأجزأه، ولأصحابه وجهٌ: لا يجزئه حتى يسجد على جميع الجبهة. اهـ
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 486)
292 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا. رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.(1)
سيأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في آخر باب صلاة المسافر، والمريض.--------------------------------------------
(1) ضعيف معل. أخرجه النسائي (3/ 224)، وابن خزيمة (1238)، والحاكم (1/ 258، 275 - 276) من طريق أبي داود الحفري عن حفص عن حميد عن عبدالله بن شقيق عن عائشة رضي الله عنها، به.
وقد أعل هذا الحديث النسائي والمروزي. قال النسائي عقب الحديث: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير أبي داود الحفري وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأً، والله تعالى أعلم. اهـ
قلتُ: أما التفرد، فلم يتفرد به أبو داود الحفري، فقد تابعه محمد بن سعيد بن الأصبهاني الملقب بـ (حمدان) وهو ثقة، كما في «المستدرك» (1/ 258)؛ ولذلك فإن محمد بن نصر جعل الخطأ من حفص بن غياث.
قال ابن نصر المروزي رحمه الله في «قيام الليل» (ص 184): أخطأ فيه حفص، وحديث الصلاة جالسًا رواه عن حميد عن عبدالله بن شقيق غير واحد، كما رواه الناس عن عبدالله بن شقيق رحمه الله، ولا ذكر للتربع فيه … وانظر كلامه بتمامه في «أحاديث معلة ظاهرها الصحة» للإمام الوادعي رقم (515).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 487)
293 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَاللَّفْظ لِأَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.(1)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: ما يقول بين السجدتين.
قال ابن رجب رحمه الله: رُوي عن أكثر العلماء استحباب ما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، منهم: مكحول، والثوري، وأصحاب الشافعي. اهـ
قلتُ: وقد أخرج ابن ماجه (897)، وابن خزيمة (684)، وأبو داود (874)، والنسائي (3/ 226)، وغيرهم من حديث حذيفة بن اليمان، أنه ذكر صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: ثم رفع، فقال: «رَبِّ اغفِرْ لِي» نحوًا مما سجد، وهو حديث صحيح.
قال ابن رجب رحمه الله: واستحب الإمام أحمد ما في حديث حذيفة؛ فإنه أصح عنده من حديث ابن عباس، وقال: يقول: «رب اغفر لي»، ثلاث مرات، أو ما شاء. ومن أصحابه من قال: يقولها مرتين فقط. ومنهم من قال: يقولها ثلاثًا كتسبيح الركوع والسجود، وحمل حديث حذيفة أنه كان يكرر ذلك؛ فإن في--------------------------------------------
(1) ضعيف. رواه أبوداود (850)، والترمذي (284)، وابن ماجه (898)، والحاكم (1/ 262) وفي إسناده حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعن، وفيه كامل بن العلاء أبوالعلاء التميمي، وقد أنكر عليه هذا الحديث كما في «الكامل» لابن عدي، وقد اختلف عليه في وصله وإرساله.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 488)
حديثه: أن جلوسه بين السجدتين كان نحوًا من سجوده.
ورُوي عن أكثر العلماء استحباب ما في حديث ابن عباس، منهم: مكحول، والثوري، وأصحاب الشافعي. وقال إسحاق: كله جائز، وعنده: إن قال ما في حديث ابن عباس لم يكرره، وإن قال: «رب اغفر لي» كرره ثلاثًا. انتهى كلام ابن رجب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه أحمد، أنه يقول: «ربِّ اغفر لي»، ويكررها ما شاء، ويجعل الجلوس بين السجدتين نحوًا من سجوده، كما في حديث حذيفة، وكما في حديث البراء رضي الله عنه في «الصحيحين»(1)، قال: رمَقتُ صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فوجدت قيامه، فركوعه، واعتداله بعد ركوعه، وسجوده، وجلوسه بين السجدتين قريبًا من السواء.
وهذا ترجيح شيخ الإسلام رحمه الله كما في «مجموع الفتاوى» (14/ 407 - 408).(2)
مسألة [2]: حكم الأذكار بين السجدتين.
قال ابن رجب رحمه الله (5/ 133 - 134): وحكم هذا الذكر بين السجدتين عند أكثر أصحاب أحمد حكم التسبيح في الركوع والسجود، وأنه واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد لسهوه، وَرُوي عن أحمد أنه ليس بواجب. قال حرب:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري برقم (801)، ومسلم برقم (471)، واللفظ لمسلم.
(2) وانظر: «الفتح» لابن رجب رحمه الله رقم (818 - 820).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 489)
مذهب أحمد أنه إن قال؛ جاز، وإن لم يقل؛ جاز، والأمر عنده واسع. وكذا ذكر أبو بكر الخلال، أن هذا مذهب أحمد، وهذا قول جمهور العلماء، وحكي عن أبي حنيفة أنه ليس بين السجدتين ذكر مشروع بالكلية. وعن بعض أصحابه أنه يسبح فيه. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لأنَّ ذلك هو الذي يدل عليه فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 490)
294 - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ رضي الله عنه، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.(1)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [1]: حكم جلسة الاستراحة.
• فيها أقوال:
الأول: استحبابها، وهو قول الشافعي، وهو قول إسحاق في رواية، وطائفة من أهل الحديث، منهم: حماد بن زيد، وهو قول أحمد في رواية عنه، ذكر الخلَّال أنَّ قول أحمد استقرَّ عليها، واختارها الخلال، وصاحبه أبو بكر بن جعفر.
واستدلوا بحديث مالك بن الحويرث الذي في الباب، وبحديث أبي حميد في «مسند أحمد» (5/ 424)، و «سنن أبي داود» (730)، وابن ماجه (1061)، والبيهقي (2/ 123)، وغيرهم، قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد السجدة الثانية: ثم يُكبر، ويجلس على رجله اليسرى، حتى يرجع كل عظم منه إلى موضعه. وقد قاله أبو حميد بمحضر عشرة من الصحابة، رضوان الله عليهم.
الثاني: عدم الاستحباب، وهو قول أحمد في رواية، وهو المشهور عند الحنابلة، قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم يعني على عدم الجلوس وقد عزاه ابن رجب إلى الأكثرين.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري برقم (823).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 491)
وحجتهم في ذلك: أنَّ هذا هو المروي عن الصحابة، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، وقال النعمان بن أبي عياش: أدركتُ غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا رفع من السجدة الأخيرة أول ركعة والثالثة قام كما هو، ولم يجلس.(1) وهذا يدل على أنهم علموا أنَّ ذلك ليس من سنن الصلاة مطلقًا.
الثالث: أنها تستحب لمن كبر، وثقل بدنه، وشق عليه النهوض معتمدًا على ركبتيه من غير جلسة، وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة، ورواية عن إسحاق.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لصحة الأدلة فيه، وأما ما جاء عن الصحابة، فأثر عمر، وعلي، لا يثبتان؛ فإنَّ في إسنادهما: عيسى بن أبي عيسى الحنَّاط، وهو متروك، وأما أثر ابن مسعود؛ فهو صحيح.
وأما أثر ابن عباس، وابن عمر؛ فهما صحيحان، ولكنهما ليسا بصريحين؛ فإنَّ لفظهما: «كانا يقومان على صدور أقدامهما»، وأما أثر النعمان بن أبي عياش؛ فإسناده حسنٌ، ولكن قد خالفهم صحابة آخرون، فأثبتوا جلسة الاستراحة، ومن علم حجة على من لم يعلم، والله أعلم.(2)
مسألة [2]: كيفية جلسة الاستراحة.
تقدم في حديث أبي حميد ما يدل على أنه يجلس مفترشًا، وبهذا أخذ الشافعي،--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 395)، وابن المنذر (3/ 195)، وإسناده حسن.
(2) وانظر: «المغني» (2/ 212 - )، «الفتح» لابن رجب (823)، «الفتح» لابن حجر (823).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 492)
وأحمد في رواية، وفي رواية عنه أنه يجلس على إليتيه، والقول الأول أصح؛ لدلالة الحديث عليه.(1)
مسألة [3]: موضع تكبيرة الانتقال إذا جلس للاستراحة.
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (2/ 215): يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ، وَانْتِهَاؤُهُ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا؛ لِيَكُونَ مُسْتَوْعِبًا بِالتَّكْبِيرِ جَمِيعَ الرُّكْنِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا بَقِيَّةُ التَّكْبِيرَاتِ، إلَّا مَنْ جَلَسَ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ؛ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي تَكْبِيرُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ جُلُوسِهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ لِلْقِيَامِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ فِي رُكْنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِجَمْعِهِمَا فِيهِ. اهـ
مسألة [4]: هل ينهض بعد جلوس الاستراحة معتمدًا على يديه، أم قدميه؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يقوم معتمدًا على يديه، وهو قول الزهري، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، ودليلهم حديث مالك بن الحويرث عند النسائي (2/ 243)، قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو قلابة: فكان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة استوى قاعدًا، ثم قام، فاعتمد على الأرض.--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (2/ 213).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 493)
والحديث في البخاري أيضًا برقم (824)، ولفظ النسائي أصرح.
الثاني: أنه ينهض على صدور قدميه، وهذا القول صحَّ عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس كما تقدم في جلسة الاستراحة، وهو قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد. ولهؤلاء أدلة مرفوعة كلها ضعيفةٌ، قال ابن رجب: وفي النهوض على صدور القدمين أحاديث مرفوعة أسانيدها ليست قوية. اهـ
من تلك الأحاديث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذي (288)، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ينهض على صدور قدميه. وفي إسناده: خالد بن إلياس، وهو متروك، ومنها: حديث وائل بن حُجر عند النسائي (2/ 206)، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وهو ضعيفٌ، في إسناده: شريك القاضي، وقد خُولِفَ، فرواه غيره مرسلًا، وهو أصح.
ومن ذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عند أبي داود (992)، قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة»، وهو حديث شاذٌّ، شذَّ به محمد بن عبدالملك الغزَّال، والحفاظ يروونه عن عبد الرزاق بلفظ: «نهى أن يجلس الرجل في صلاته، وهو معتمد على يديه»، أو بمعناه، وقد وهمه البيهقي وغيره.
وجاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (1/ 395)، و «الأوسط» لابن المنذر (3/ 200)، أنه قال: من السنة في الصلاة المكتوبة إذانهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض؛ إلا أن يكون
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 494)
شيخًا كبيرًا لا يستطيع. وفي إسناده: عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي مُتَّفَقٌ على ضعفه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول.(1)
فائدة: قال ابن رجب رحمه الله في «الفتح» (824): والأكثرون على أنه لا تلازم بين الجلسة والاعتماد، فقد كان من السلف من يعتمد، ولا يجلس للاستراحة، منهم: عبادة بن نسي، وحكاه عن أبي ريحانة الصحابي، وهذا مذهب أصحاب الشافعي، وأحمد؛ فإن أصحاب الشافعي، قالوا: يعتمد، سواء قلنا: يجلس للاستراحة أو قلنا: لا يجلس. وقال أصحاب أحمد: لا يعتمد، سواء قلنا: يجلس، أو قلنا: لا يجلس. اهـ
قلتُ: وهذا يُقوِّي الاحتمال في أثر ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، اللَّذَيْنِ تقدَّما في جلسة الاستراحة؛ فإنَّ الثابت عنهما أنهما كانا ينهضان على صدور القدمين، وهذا لا يلزم منه ترك جلسة الاستراحة، كما تبين لك ذلك من كلام ابن رجب رحمه الله.--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (2/ 213 - 214)، «الفتح» لابن رجب رقم (824)، «السنن الكبرى» (2/ 135).
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 495)
295 - وَعَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ أَحْيَاءِ العَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.(1)
وَلِأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ: وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا.(2)
296 - وَعَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ لَا يَقْنُتُ إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.(3)
297 - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الأَشْجَعِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْت لِأَبِي: يَا أَبَتِ، إنَّك قَدْ صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد.(4)--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (4089)، ومسلم (677) (304).
(2) زيادة منكرة. أخرجه أحمد (3/ 162)، والدارقطني (2/ 39) وغيرهما من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك به. وإسناده ضعيف؛ لأن أبا جعفر الرازي الراجح ضعفه، ومع ذلك فقد خالف الثقات الذين يروونه عن أنس بدون هذه الزيادة، فهي زيادة منكرة. قال ابن رجب في «الفتح» (1002): وهذا منكر. اهـ
تنبيه: الذي عند أحمد والدارقطني ذكر الزيادة فقط ولم يذكرا غيرها كما يوهمه قول الحافظ: (نحوه، وزاد).
(3) صحيح لغيره. أخرجه ابن خزيمة (620) من طريق محمد بن عبدالله الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس. ومحمد بن عبدالله سمع من سعيد بعد الاختلاط كما في «مقدمة الفتح».
ويشهد لصحة الحديث ما أخرجه البخاري (4560) من حديث أبي هريرة بلفظ: (كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت بعد الركوع) وهو عند ابن خزيمة (619) بإسناد صحيح، ولو ذكر الحافظ حديث أبي هريرة لكان أجود.
(4) صحيح. أخرجه أحمد (3/ 472)، والنسائي (2/ 204)، والترمذي (402)، وابن ماجه (1241) من طرق عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه به. وهو صحيح على شرط مسلم.
(খণ্ড: 42) (পৃষ্ঠা: 496)