ملوحته، على عادة العرب فيما يعدونه للشراب. فدلت هذه العلة على جواز التوضوء به سفراً وحضراً، وعلى جواز الغسل [به] وإن ورد في الوضوء: لاطراد العلة، إذ لو كان المبيح له هو السفر لما استقام هذا التعليل. ولا يحمل على النبيذ؛ إذ وصفه بهذه الصفة كوصف العصيدة بأنها تمرة طيبة وماء طهور. بل نحمله على ما يتميز فيه التمر بعينه عن الماء، ولم تجر بينهما إلا ملاقاة.
ومن هذا القسم: قوله عليه السلام: «لعن الله اليهود: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» نبه على أنه علة اللعن، وتنبهنا به على تحريم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد. ولو لم يكن كذلك: لم يكن لذكر اتخاذهم [القبور] مساجد معنىً في هذا المقام.
ومن الخيال الباطل، أن يقول القائل: أخبر عن لعنهم وهم ملعونون، ولم يذكر سببه: لأن سببه الكفر؛ وأخبر عن اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. فهما خبران عن مخبرين، لا اتصال لأحدهما بالآخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
وفساد هذا الخيار غير خاف على ذي بصيرة، إذ فهم [منه] الإنكار عليهم باتخاذهم القبور مساجد، ومستند الفهم اللعن السابق ذكره، ففهم أنهم لعنوا بهذه العلة، وإن لعنوا أيضا بعلة الكفر.
ومن هذا القسم، الاستنطاق بوصف مع التقرير عليه.
كقوله عليه السلام: «أينقص الرطب إذا جف»؟ فلما قيل: نعم، قال: «فلا إذن».
وفيه تنبيه من ثلاثة أوجه، أحدها: بالفاء، إذ قال مرتباً على ما ذكر: فلا [إذن] والآخر بقوله: [لا] إذن فإنه للتعليل. والآخر: بالاستنطاق والتقرير على الوصف المنطقوق به. فلو حذف الفاء وحذف قوله: إذاً، وقال بعد قولهم: «ينقص الرطب»: لا، مقتصراً عليه -كان التنبيه باقياً، إذ لو لم يكن النفي المذكور بقوله: لا، معللاً بالوصف المذكور، لم يكن الاستنطاق [به] فائدة. فقد تراكمت وجوه التنبيهات،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
فلأجله ظهر حتى لا يسع خلافه لمنصف عاقل، وترقى في الظهور إلى رتبة التصريح والتنصيص.
ومن هذا القسم، أنه يجيب على محل السؤال بذكر نظيره، فيعلم أن وجه التنبيه هو العلة في الحكم، إذ لولاه لم يكن ذكر النظير جواباً.
وذلك كقوله عليه السلام لعمر رضوان الله عليه -وقد سأل عن قبلة الصائم -: «أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته»، تنبيهاً على أن القبلة مقدمة قضاء [شهوة الفرج]، وليس فيها قضاء شهوة الفرج، كما أن المضمضة مقدمة قضاء شهوة المعدة [وليس فيها قضاء شهوة المعدة]. فعدم قضاء الشهوة سبب عدم الإفطار، لأن سبب الإفطار قضاء الشهوة، فانتفى الحكم بانتفاء سببه. ففهم على الجملة تأثير الوجه الجامع بين محل السؤال والنظير المذكور في الحكم الواقع على الاشتراك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
[وهذا تنبيه من الشارع عليه السلام]-على أصل القياس في الشرع.
وكذلك قال صلى الله عليه وسلم لامرأة سألته عن الحج عن أبيها: أتجزيه لو أدته. فقال عليه السلام: «أرأيت لو كان على أبيك دينٌ فقضيتيه [أيجزيه ذلك] فقالت: نعم، فقال: «فدين الله أحق بالقضاء».
فإن قيل: ألاقيس عليه الصوم والصلاة؛ وكل ذلك دين من جهة الله عز وجل ثابت في الذمة، وقد ظهر علة جواز القضاء بزعمكم، وهو: كونه ديناً؟
قلنا: لأنه شبهه بدين عرف من جهة الشرع تطرق النيابة إلى أدائه، وعرف أن الحج أيضاً تتطرق النيابة إلى أدائه، وعرف أن الصوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
والصلاة لا مدخل للنيابة في تبرئة الذمة عنهما؛ فالأدلة المعرفة للجمع والفرق في النيابة تخصص العلة بالحج، وتقطع عنه الصوم والصلاة. وليس في ذلك إبطال العلل. كما أن السرقة خصصت بما فوق النصاب بدليل، ولم يدل ذلك على إبطال العلة. وكذلك كل علة ذكرت في محل واختص المحل بمزيد وصف يؤثر في الحكم، فلا سبيل إلى تعطيل ذلك الوصف.
النوع الرابع: أن يفرق الشرع بين شيئين في الحكم، بذكر صفة فاصلة. فهو تبنيه على أن الوصف الفاصل هو الموجب للحكم الذي عرف به المفارقة. وهو ضربان:
أحدهما: أن يقتصر في الحال على ذكر أحد القسمين، فيقطعه عن عموم ذكره ومهده.
[وهذا] كقوله عليه السلام: «القاتل لا يرث». فإنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
تقرر أن القريب وارث، فإذ أبان أن القاتل لا يرث، علم أن القتل المذكور هو العلة في نفي الإرث، ولولاه لم يكن لإضافة الحكم إليه وتعريف محل الحرمان به، معنى.
وليس هذا مأخوذاً من المناسبة. فإنه لو قال: الطويل لا يرث، والأسود لا يرث، لكنا نقول: الطول الفاصل والسواد الفاصل، مناط الفصل، ومتعلق حرمان الميراث.
فإن قيل: إذا لم يعقل بين الطول والسواد وبين الحرمان للميراث مناسبة، ولا عرف له تأثير فيه، كيف يقال: إنه علة؟.
قلنا: لا سبيل إلى جحد كونه أمارة للحكم ومناطاً له، فإن امتنع ممتنع عن تسميته علة: فلا مشاحة في الاطلاقات؛ والعلل الشرعية أمارات، والمناسب المخيل لا يوجب الحكم بذاته، ولكن يصير موجباً بإيجاب الشرع ونصبه إياه سبباً له. وتأثير الأسباب في اقتضاء الأحكام عرف شرعاً، كما عرف كون مس الذكر وخروج الخارج [من السبيلين] مؤثراً في إيجاب الوضوء وإن كان لا يناسبه، وكما عرف كون القتل والزنا والسرقة أسباباً لأحكامها إلى تناسبها. فإذا كان معرفة الأمارات تنبيهات أو تصريحات: لم يفارق المناسب غير المناسب، إلا أن المناسب أجلى وأسبق إلى الفهم مما لا يناسب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
وقد تكون المناسبة -على تجردها -شرطاً مستقلاً، لكون الحكم المجرد الثابت على وفقها تنبيها على اعتباره والتعليل به -عند فريق من العلماء، دون فريق.
فالتنبيه إذا استند إلى مجرد ذكر الحكم، فارق المناسب غير المناسب. فإذا قال الشارع، حرمت عليكم شرب الخمر» فهو تنبيه على أن تحريمه لكونه مسكراً، مزيلاً للعقل: الذي هو ملاك التكليف، ومركب أمانة الشرع، ولا تنبيه على كونه معللاً بحمرتها القانية، ولا برائحتها الفائحة، ولا بتسمية العرب إياها خمراً، لأن هذه الأوصاف لا تناسب، ولا يحصل التنبه عليها بمجرد ذكر الحكم. فهذا مأخذ الفرق لا غير.
وكذلك إذا فرق بينهما بذكر الغاية. كقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} لو اقتصر عليه. وكذلك قوله جل من قائل: «ولا جنباً إلى عابري سبيل حتى تغتسلوا}. وكقوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} فهذا كله تنبيه على أن ما جعل غاية للحكم مؤثرٌ وسببٌ في ارتباطه.
وكذلك ما يجري على صيغة الاستثناء، كقوله سبحانه وتعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
الأيمان» تنبيه على أن للتعقيد تأثيراً في المؤاخذة.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «للراجل سهم، وللفارس سهمان» فهذا يدل على أن المؤثر في التفضيل ما بينهما: من التفرقة.
وكذلك لما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -بعد العصر والفراغ من فرضه، فقيل له: يا رسول الله، أما كنت نهيتنا عن هذه الصلاة؟ فقال: «هما ركعتان كنت أؤديهما [بعد الظهر] فشغلني عنهما الوفد». [فعلم أنه] ذكره في معرض الفرق بينه وبين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
المنهي عنه. فما وقع به التفرقة علة، وهو استنادها إلى سبب أو إلى فوات. فعلم أن كل ما له سبب خارجٌ عن النهي.
وليس لقائل أن يدعي اختصاص الاستثناء بركعتي الظهر، إذ شغله عنهما الوفد على الخصوص، فإنه جمود على الصورة، وذهول عن المعقول بالكلية.
النوع الخامس: النهي عما يمنع من الواجب، تنبيهاً على أن تحريمه لكونه مانعاً من الواجب.
كقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}. فإنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
أوجب السعي، والتعريج على البيع مانع؛ فكان تحريمه لكونه مانعاً. فلا جرم انعقد [البيع] وفارق البيع المنهي عنه لعينه.
فإن قيل: وبم عرف هذا، وهلا قيل: السعي إلى الجمعة مقصود بالإيجاب، والمنع من البيع أيضاً مقصود؟
قلنا: فهم ذلك [من] سياق الآية فهما لا يتمارى فيه.
فإن قيل: «السياق عبارة مجملة، فما معنى السياق؟ وما مستند هذا الفهم؟
قلنا: المعنى به: أن هذه الآية في سورة الجمعة إنما نزلت وسيقت لمقصد: وهو بيان الجمعة، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم} الآية، وما نزلت الآية لبيان أحكام البياعات ما يحل منها وما يحرم. فالتعرض للبيع -لأمر يرجع إلى البيع في سياق هذا الكلام -يخبط الكلام ويخرجه عن المقصود، ويصرفه إلى ما ليس مقصوداً به. [وإنما يحسن التعرض للبيع إذا كان متعلقاً بالمقصود]، وليس يتعلق به إلا من حيث كونه مانعاً للسعي الواجب؛ وغالب الأمر في العادات جريان التكاسل والتساهل في السعي بسبب البيع، فإن وقت الجمعة يوافي الخلق وهم منغمسون في المعاملات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
فكان ذلك أمراً مقطوعاً به لا يتمارى فيه. فعقل أن النهي عنه: لكونه مانعاً من السعي الواجب، فلم يقتض ذلك فساداً. ويتعدى التحريم إلى ما عدا البيع: من الأعمال والأقوال وكل شاغل عن السعي، لفهم العلة.
ومن هذا القبيل، قوله تعالى: {فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما} فإن الآية سيقت لقصد معلوم، وهو: الحث على توقير الوالدين وإعظامهما واحترامهما، والبر والإحسان إليهما. والتأفيف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
إيذاء، والإيذاء يناقض الأعظام الواجب؛ فالضرب وأنواع التعذيب يشتمل على مثل ذلك الإيذاء، فهو بمناقضة الواجب أولى؛ فقد وجد فيها العلة وزيادة؛ فكان ذلك اعتباراً بطريق الأولى.
ولقد ثار بين الأصوليين خلاف في مستند هذا الفهم، بأن تحريم الضرب بتحريم التأفيف قياس أم لا؟
فقال قائلون: [هو] قياس. وقال آخرون: لا، بل هو مفهوم من نفس اللفظ. وقال قائلون: مفهوم من فحوى اللفظ. وقال آخرون: مفهوم من سياق الآية: وهو الذي كان يشير إليه إمامي رضي الله عنه.
وهذه أقاويل محتملة. والذي يتحصل منه أن يقال: تحريم الضرب معلوم من تحريم التأفيف؛ فيحتل أن يحال [به] على دلالة نفس اللفظ عليه، ويحتمل أن يحال على دلالة معنى اللفظ؛ نعني به علة تحريم التأفيف. فإن استند إلى دلالة نفس اللفظ، فلا وجه لتسميته قياساً. وإن استند إلى فهم علة الملفوظ ووقوع المشاركة بين الضرب والتأفيف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
في علة تحريمه، حسن تسميته قياساً، ولم يمنع [منه] كونه جلياً، سابقاً إلى الفهم، مستغنياً عن الاستنباط والنظر -بعد وقوع المشاركة. فكون القياس مظنوناً أو مشكوكاً فيه ليس من حد القياس؛ وإنما القياس عبارة عن «إثبات مثل حكم الأصل في الفرع، لمشاركته إياه في العلة». ثم ينقسم إلى معلوم إلى مظنون؛ والمظنون ينقسم إلى جلي وخفي؛ والمعلوم ينقسم إلى أولي بديهي، وإلى فكري نظري.
فما كان مقدماته جلياً سابقاً إلى الفهم: لم يفتقر فيه إلى نظر وتفكر؛ وهذا -إن تخيل -استناد العلم به إلى نفس اللفظ، لا إلى فهم علة حكم الملفوظ [به]. ولم يخل إما أن تكون دلالته من حيث اللغة، وإما أن تكون دلالته من حيث العرف؛ وباطل أن يتخيل دلالته من حيث اللغة، إذ قول القائل: لا تقل له أف؛ ليس موضوعا للنهي عن الضرب لغة، إذ يجوز أن يقول الملك -المستولى على [واحد من] الأكابر -لغلامه: لا تقل له أف، ولا تنهره ولا تقطع يده، ولا تفقأ عينه، واقتله»،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
والمعنى به، النهي عن الاستخفاف به مع الأمر بالإهلاك؛ فهو بوضع اللسان غير دال عليه.
وإنما مظنة الخيال أن يضاف إليه من حيث العرف.
فيقال: هذه الصيغة في العرف موضوعة مستعملة للنهي عن الإيذاء، [فالنهي عنه بصيغة تدل على تحريم الإيذاء في العرف]] 11 - أ [فكأنه قال: لا تؤذ والديك ولا تستخف بهما؛ ولو قال ذلك لكان تحريم الضرب مأخوذاً من اللفظ -: لأنه يندرج تحت عموم الإيذاء -لا من القياس، فإن التأفيف أقل درجات الإيذاء، فالنهي عنه بصيغته يدل على تحريم الإيذاء في جنسه من حيث العرف. وهو كقول القائل: ليس لفلان حبة، يدل على نفي ما فوق الحبة عرفاً، وإن لم يتعرض له. وقوله عز وجل {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره} يدل على أن من يعمل مثقال ذرات خير، يره أيضاً، لا بطريق اللغة والتعليل، بل بطريق العرف. وكذلك قول القائل: «فلان مؤتمن على قنطار» يدل بالعرف على كونه مؤتمناً على [دينار] فما فوقه، بطريق العرف، لا بطريق اللغة والتعليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
فنقول: دلالة [الألفاظ على الشيء] أما أن تكون بطريق التعليل، أو اللغة، أو العرف؛ ولا يحكم بالإحالة على العرف إلا إذا امتنع إحالته على اللغة والتعليل: لأن التنبيه بطريق التعليل من اللغة، كما أنه بطريق الوضع من اللغة.
وأما دعوى كونه مستعملاً من جهة العرف [فهذا تحكم] يصار إليه إذا حصل الفهم وامتنع له مدرك وضعي. وفي مسئلتنا، أمكن الإحالة بالتنبيه على التعليل: لظهور [إيجاب التوقير من الآية، وظهور كون التأفيف مناقضاً له بالعقل والعرف، وظهور] كون الضرب مشتملاً على ذلك الإيذاء وزيادة. فهذه مقدمات أولية استند إليها العلم بتحريم الضرب، وهو القياس بعينه.
أما قوله: ليس لفلان حبة [فإنه] ينفي ما فوقه باللفظ؛ لأن ما فوقه حبة وحبات، وفي الحبات حبة، فلو كان له حبات، لكان كلاماً خلفاً، فهو من حيث الوضع دل عليه، لا دلالة له على ما دون الحبة. ولكن ما دون الحبة لا يوصف بالملك، فينتفي لذلك لا للفظ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وقوله عز وجل: {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره}، من هذا القبيل، لأن في الكثير ذرات، وفي الذرات آحاد، ولا تعرض له لما دون الذرة، ولكن ما دون الذرة كأنه خارج عن التقدير والإمكان والتصوير؛ والذرة أقل القليل الذي لا أقل دونه في مقصود هذا الكلام؛ فما دون الذرة أن تصور في التقدير فهو ملحق به بطريق التعليل، وهو: أن السبب هو المجازاة على الحسنة والسيئة، وما دون الذرة حسنة وسيئة، فقد وجد سبب المجازاة، فيجازى.
وقول القائل: فلان مؤتمن على قنطار: يتناول ما دون القنطار، إذ هو في القنطار موجود؛ ولا يتعرض لما فوقه، إذ يحتمل أن يكون الرجل أميناً على مقدارٍ نزرٍ، دون مقدار عظيم، فإن عرف بالقرينة أنه يريد ذكر أمانته مطلقاً، ويذكر القنطار للتكثير والمبالغة، فيكون دليلاً من حيث العرف بالقرينة.
وقوله: ليس لفلان نقير ولا قطمير، لا يدل بالوضع على نفي الدراهم [والدنانير] ولا بالتعليل؛ إذ ليس في الدراهم والدنانير نقير ولا قطمير. ولا كالحبات والذرات، فإن فيها حبة وذرة، ففي نفي الآحاد نفي الجملة. ولا وجه للتعليل، إذ المنافي للنقير والقطمير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
لا ينافي غيره. فما انحسم المسلكان [علم بالعرف أنه عبارة] عن أقل القليل، ثم إذا انتفى القليل فالكثير منتف لا محالة.
فإن قيل: وبم تنكرون على من يقول: [إن] قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف}، عبارة عن النهي عن الإيذاء.
قلنا: لأنه تحكم [لا مستند] له، إذ حمله على حقيقته -مع فهم علته، وإلحاق غيره به -ممكن، فتحويله إلى غير حقيقته -من غير ضرورة -لا وجه له، بخلاف النقير والقطمير.
فإن قيل: لو كان هذا قياساً لامتنع منه من لا يرى القياس [في الشرع]، ولامتنعنا منه: لو ورد الحجر عن القياس.
قلنا: إنما لا يمتنع، لأن هذا القياس معلوم، فإن مقدماته معلومة. فلو ورد الحجر عن القياس المعلوم ووجب الجمود على موضع النص، لقصرنا التحريم على التأفيف، وقلنا: الضرب لم يتعرض له النص. ولكنه يكاد يفضي إلى التناقض، إذ عرف وجوب التعظيم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وعرف تحريم التأفيف: لكونه ضداً، وعلم أن الضرب أقوى منه في المضادة. ولا سبيل إلى دفع [علم] مقدماته معلومة على القطع.
هذا تمام القول في طرق التنبيهات، ولا مطمع في حصر الآحاد: فإنها كثيرة، وقل ما يخلو كلام الشارع عن تنبيهات يفطن لها ذوو البصائر، وتكل عن فهما أفهام معظم المتوسمين بالعلم. وما ذكرناه كاف لتنبيه الفطن على أجناس هذه المدارك؛ والبليد لا يغنيه مزيد الاستقصاء، ولو استوعبت له آحاد الصور.
وعلى الجملة: لكل صورة من آحاد هذه الصور مذاق مخصوص، وللعقل فيها مجال مضطرب على وجه يخص تلك الصورة. فخصوص النظر في الآحاد ليس من شأن الأصوليين، وإنما [على الأصوليين] ضبط القواعد، وتأسيس الأجناس. ثم إدخال التفاصيل في الجمل من شأن الفقهاء الناظرين في تفاصيل المسائل.
وشفاء الغليل في هذه القاعدة، بذكر خيالات وتنبيهات على وجه الكشف فيها، نوردها في معرض الأسئلة والأجوبة، منعطفة على الأمثلة التي أوردناها.
فإن قيل: إذا ذكر الشارع وصفاً، وأضاف الحكم إليه، ونبه على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
التعليل به من الوجوه التي أوردتموها -فهي صريحة في التعليل بها؟ أم هي ظاهرة يتطرق التأويل إليها، ويجوز تغييرها بمسالك الأدلة؟
قلنا: جملة الصفات المذكورة في الأمثلة -التي نبهنا عليها، وأشرنا إلى إضافة الحكم إليها -صريح في اقتضاء كون الوصف معتبراً في الحكم على الجملة، فأما اعتباره بطريق كونه علة، أو سبباً متضمناً للعلة بطريق الملازمة والمجاورة، أو شرطاً يظهر الحكم [عنده] لسبب آخر أو يعتبر الوصف على تجرده حتى يعم، أو يضم إليه وصف آخر حتى يختص ببعض المحال -فمطلق الإضافة ليس صريحاً فيها، ولكن قد يكون ظاهراً في وجه ويحتمل غيره، وقد يكون متردداً بين الوجهين. والمتبع في ذلك موجب الأدلة، وإنما الثابت بالإيماء والتنبيه كون الوصف المذكور معتبراً على الجملة في إثبات الحكم على وجه لا يجوز إلغاؤه، بحال؛ ثم [ما] لا يجوز إلغاؤه ويتعين اعتباره فله وجوه؛ وليس من ضرورة الإيماء الدلالة عليه، بل قد يدل عليه، وقد لا يدل عليه. وهذا يحرك جملة من أسرار هذا الفصل، لا تتبين بهذا الإطلاق والإجمال، وإنما ينكشف الغطاء عنها بذكر آحاد الخيالات والأسئلة والانفصال عنها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
خيال وتنبيه:
فإن قال قائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقض القاضي وهو غضبان» ورأيتم أن ذكر وصف الغضب -بعد ورود الأمر بالقضاء -فاصل بين حالة الإباحة والتحريم، فدل أنه علة التحريم؛ ويتجه [فيه] أن يقال: أن الغضب ليس سبباً للتحرير، ولكن [سبب التحريم] ما يتضمنه الغضب: من اختباط العقل، وما يعتريه: من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر، والاهتداء إلى وجه الصواب. حتى أن الغضب اليسير المنفك عن هذا الأثر لا يحرم؛ وحتى يلحق به الحاقن والجائع والذي توالي عليه ألم مبرح مدهش، وغير ذلك من الأحوال المشوشة لنظر العاقل. وفي ذلك إلغاء الغضب بالكلية، وإخراج له عن كونه علة: إذ الحكم صار منوطاً بغيره، وصار الغضب ساقط الاعتبار نفياً وإثباتاً. فكيف قلتم: إنه صريح في أصل الاعتبار؟.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)