أولًا: مناظرة أبي الولد الباجي لابن حزم الظاهري:
قدم أبو الوليد الباجي إلى موطنه بالأندلس وعنده زاد كافٍ في علم الجدل وآدابه وعلم الشريعة والأصول والعقليات، فضلًا عما كان يتمتع به من قدرات فكرية عالية تؤهله للدخول في مناظرات علمية تكشف للناس الحق وتساعدهم على فهم الحقيقة، وكان الباجي أثناء تنقلاته قد خاض العديد من المجادلات العلمية مع خصوم له سواء في (مرسية) مع أبي حفص عمر بن حسين الهوزني كبير فقهاء إشبيلية (1)، أو (بالدانية) أو (ميورقة) وغيرها من مدن الأندلس، فأقام عليهم الحجة، وأثبت البينة وعزَّزَ الدليل بما حباه الله من إمكانيات فكرية وعلمية تساعده على ذلك، فاكتسب سمعة كبيرة بين العلماء ورجال العلم، الأمر الذي دعاهم إلى الإلحاح عليه لمقابلة أبي محمد ابن حزم (2) الذي لمع نجمه بالأندلس، عرف فضله وتفوقه العلمي، لما كان يتمتع به من غزارة علم، وقوة ذاكرة، وكثرة إنتاج فكريٍّ في مختلف العلوم والفنون مع تشنيعه على الأئمة وأهل الفضل، فأفرط في القول بظاهر النصوص، وأنكر القياس وتعليل الأحكام وغيرها من ظاهريات أشاعها في ربوع الأندلس، وحصَّنها بقوة بيانه وحماها بحدَّة لسانه، ولم يكن يقوم أحد بمناظرته لجهلهم بعلم الجدل والمناظرة فاستهوى قلوب الناس وأخذ عقولهم، فاغتر بأقواله العامة، وسلَّم الكلام له الخاصة على اعترافهم بتخليطه (3).
ولما انتدب العلماء أبا الوليد لمناظرته، لبَّى الدعوة وقبلها بعدما عرف من أحواله الكثير، إرادةً منه أن تكون هذه المناظرة سبيلًا لوقف انتشار المذهب الظاهري، ورغبة في ردِّ الاعتبار للأئمة الفضلاء الذين كانوا غَرَضًا للسان ابن حزم.--------------------------------------------
(1) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض: 2/ 825 - 826.
(2) تقدمت ترجمته انظر ص: 75.
(3) ترتيب المدارلك للقاضي عياض: 2/ 805.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
وهكذا التقى الرجلان بمَيُورْقة (1) سنة 439 هـ بحضرة الوالي أبي العباس أحمد بن رشيق الكاتب (2)، وتحت رعايته جرت بينهما مناظرة في موضوعات متفرقة أصولية بصورة خاصة، تصب في مسألة نفي القياس وإبطال الرأي وتعليل الأحكام وما يترتب عن هذه القضايا من فروع فقهية (3)، وحسب جمهور المترجمين والمؤرخين أن ابن حزم خرج من هذا المجلس مغلوبًا بالحجج والبراهين التي أقامها الباجي وجادل بها خصمه وظهر تفوقه بارزًا (4)، وفي هذا السياق يقول القاضي عياض: (فجرت له معه مجالس كانت سبب فضيحة ابن حزم وخروجه من ميورقة، وقد كان رأس أهلها، ثم لم يزل أمره في سفال فيما بعد) (5)، وكان من نتائج هذه المناظرة مغادرة ابن حزم لميورقة (6)، وقدوم المعتضد بن عباد على إحراق كتبه بإشبيلية (7)، وفي هذا المضمون يقول أبو محمد ابن حزم:
دَعُونِيَ مِنْ إِحْرَاقِ رَقٍّ وكَاغِدٍ … وقُولُوا بِعِلْمٍ كَيْ يَرَى النَّاسُ مَنْ يَدْرِي
فَإِنْ تَحْرِقُوا الْقِرْطَاسَ لَا تَحْرِقُوا الَّذِي … تَضَمَّنَهُ الْقِرِطَاسُ، بَلْ هُوَ في صَدْرِي--------------------------------------------
(1) (مَيُورْقة): جزيرة في شرقي الأندلس فتحها المسلمون سنة 290 هـ (انظر: معجم البلدان لياقوت: 5/ 246. الروض المعطار للحميري: 567 - 568، مراصد الاطلاع للصفي البغدادي: 3/ 1346).
(2) انظر ترجمته في: جذوة المقتبس للحميدي: 122 - 124. الحلة السيراء لابن الأبار: 2/ 128 - 129.
(3) البداية والنهاية لابن كثير: 12/ 92.
(4) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض. 2/ 805. الذخيرة لابن بسام: 2/ 1/ 96. طبقات المفسرين للداودي: 1/ 211.
(5) ترتيب المدارك للقاضي عياضى: 2/ 805.
(6) ولعله غادر ميورقة بسبب وفاة الوالي أبي العباس بن رشيق بعد سنة 440 هـ (جذوة المقتبس للحميدي: 123).
(7) الذخيرة لابن بسام: 2/ 1/ 96. تاريخ المذاهب الإسلامية لأبو زهرة: 560 - 562.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
يَسِيرُ مَعِي حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبِي … ويَنْزِلُ إِنْ أَنْزِلْ ويُدْفَنُ في قَبْرِي (1)
والحقيقة أن هذه المناظرة العلمية على الرغم من فوائدها فإن المؤرخين لم يشيروا إلى الموضوعات والقضايا محل المناقشة، بل أحالوا إلى كتاب (فرق
الفقهاء) لأبي الوليد الباجي الذي لم يصل إلينا لذلك يتعذر الكشف عن وجوه المناظرة والظاهر منها بحجة (2).
هذا ويستبعد أبو زهرة هزيمة ابن حزم حيث يقول:
(ولقد خرج ابن حزم من ميورقة من غير أن يكون مغلوبًا في حجاج، ولكن لأنه فقد النصير المؤيد، ولم يعد الانتصار للحجة والبراهين، بل صار لمن هو أكثر عددًا وأعز نفرًا.
وقد كان الذي يأخذونه عليه أنه يخالف المذهب المالكي، ويشن عليه الغارة، ويضرب بأقوال جمهور الفقهاء الذين يتخذون الرأي منهاجًا فقهيًّا عرض الحائط في عنف وقوة، لأنه لا يعتمد إلا على النصوص، ويحسب في ظنه أنها وحدها الفقه، ولا فقه غيرها، وأنه ليس للعقل أن يخوض إلا في فهمها، فإن خاض فيما وراءها فإنه لا يمكن أن يكون ما يأتي به من الأحكام الشرعية) (3).
ويقوِّي ذلك أن بعض صور المناظرة التي يرويها المَقَّرِي، وإن كانت متعلقة بمسائل شخصية، إلا أن الظاهر منها أن ابن حزم ليس بالسهل المغلوب، قال: (ولما ناظر ابن حزم قال له الباجي: أنا أعظم منك همَّة في طلب العلم، لأنك طلبته وأنت معان عليه، تسهر بمشكاة الذهب، وطلبتُه وأنا أسهر بقنديل بائتِ السوقِ، فقال ابن حزم: هذا الكلام عليك لا لك، لأنك إنما طلبتَ العلم--------------------------------------------
(1) نفح الطيب للمقري: 2/ 82.
(2) مناظرات بين ابن حزم والباجي للدكتور عبد المجيد تركي: 20.
(3) تاريخ المذاهب الإسلامية لأبو زهرة: 560.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته، فلم أرجُ به إلا علوّ القدر العلمي في الدنيا والآخرة، فأفحمه) (1).
وحاصل ما سبق أنه يتعذر علينا الحكم بتفوق أحد العَلَمين في مقابلتهما ما دمنا لم نطَّلع على مضمون المناظرة ومحتواها العلمي سوى ما ساقه المؤرخون من نسبة الهزيمة لابن حزم والانتصار للباجي، هذا وبغضِّ النظر عن المتفوق منهما فإن ابن حزم لم يفقد إنصافه اتجاه الباجي، بل نعته بما هو أهله على نحو ما تقدم (2). قال ابن بسام: (وقد ناظره بميورقة ففلَّ من غَرْبِه، وسبَّب إحراق كتبه، ولكن أبا محمد وإن كان اعتقد خلافه فلم يطَّرح إنصافه، أو حاول الرَّد عليه، فلم ينسب التقصير إليه) (3).
ثانيًا: مناظرة أبي الوليد الباجي لبعض علماء عصره:
يرجع سبب هذه المناظرة إلى أن أبا الوليد الباجي قرئ عليه - وهو ب (دانية) (4) - حديث المقاضاة في صلح الحديبية الذي أخرجه البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (لما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدَعوه يدخلُ مكةَ حتى قاضاهم على أن يُقيم بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتابَ، كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمَّدٌ رسول الله، قالوا: لا نقرُّ لك بهذا، لو نعلمُ أنكَ رسولُ الله ما مَنَعناك شيئًا، ولكن أنتَ محمَّدُ بن عبد الله، فقال: أنا رسولُ الله، وأنا محمد بن عبد الله، ثمَّ قال لعليّ: امحُ رسولَ الله، قال عليّ: لا والله لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الكتاب - وليس يُحسِنُ يكتب - فكتب: هذا ما قاضى عليه محمدُ بن عبد الله … ) (5).--------------------------------------------
(1) نفح الطيب للمقروي: 2/ 77.
(2) انظر منزلة أبي الوليد الباجي بين علماء عصره ص: 100.
(3) الذخيرة لابن بسام: 2/ 1/ 96.
(4) دانية: مدينة بالأندلس من أعمال (بلنسية) على ضفة البحر شرقًا (انظر معجم البلدان لياقوت: 2/ 434. الروض المعطار للحميري: 231 - 232. مراصد الاطلاع للصفي البغدادي: 2/ 510).
(5) صحيح البخاري: 7/ 499.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
وكان أبو الوليد الباجي يقول بظاهر لفظ الحديث بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كتب بيده: (هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله … )، الأمر الذي أثار استياء علماء وفقهاء مدينة (دانية) وعلى رأسهم أبو بكر بن الصائغ (1)، فأنكروا إجازته الكتابة على النبي الأمي، وكفَّروه بتكذيب القرآن الكريم، فهوَّلوا أمره، وأخذت هذه المسألة طابع الفتنة، وقبَّحوا عند العامة ما أتى به، ورموه بإرادته التمييز عن غيره قصد الإكرام والعطاء تملُّقًا للولاة والأمراء، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك حيث أجازوا لأنفسهم إطلاق اللمعنة عليه والتَّبرُؤ منه كما يظهر ذلك جليًّا في أشعارهم التي تناولها بعض خطبائهم في الجُمع وفوق المنابر، تشنيعًا به، حيث يقول عبد الله بن هند الشاعر:
بَرِئْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بِآخِرَةٍ … وقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ كَتَبَا (2)
وإثر ذلك قام الناس بشكايته إلى أمير دانية، حيث جَمَعَ هذا الأخير في مجلسه الخصم المخالف المشكل من فقهاء إمارته بأبي الوليد الباجي لإقامة مناظرة علمية حول هذا الموضوع ليتبيَّن الأمر ويستظهر الحق ويطلع على أدلة كل فريق فاحتجوا عليه بقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (3).
على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أُمِّيًّا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب (4)، إذ لو كان ممن يقرأ كتابًا، ويخط حروفًا لارتاب المبطلون من أهل الكتاب لأن في كتبهم--------------------------------------------
(1) ترتيب المدارك للقاضي عياض: 2/ 827.
(2) المصدر السابق: 2/ 805. فوات الوفيات للكتبي: 2/ 65. سير أعلام النبلاء للذهبي: 18/ 540. المرقبة العليا للنباهي: 202. طبقات المفسيرين للداودي: 1/ 211 - 212. شذرات الذهب لابن العماد: 3/ 345. فتح الباري لابن حجر: 7/ 503.
(3) آية 48 من سورة العنكبوت.
(4) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان: 21/ 4 من حديث ابن عباس، وأخرجه عنه أيضًا ابن أبي حاتم وابن مردويه والإسماعيلي في معجمه (انظر فتح القدير للشوكاني: 4/ 208).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
أنه أميٌّ لا يكتب ولا يقرأ، كما احتجوا عليه بما رواه عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ) (1)، ووجهه أن المراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقابلة بما فيهم النبي صلى الله عليه وسلم (2). وعليه فإن أي قول يعارض صريح الآية والحديث يجب تأويل ظاهره، والمتمسك بظاهر النصوص في الرواية معرض للزندقة والتكفير.
واستظهر أبو الوليد الباجي للأمير بقوله: لا منافاة ولا تعارض بين ما ذكره القرآن الكريم وما قررته من إجازة كتابة النبي الأميّ، انطلاقًا من مفهوم الآية السابقة، ذلك لأن الله تعالى نفى عنه التلاوة والكتابة بما قبل نزول القرآن الكريم وتقيَّد النفي بذلك، وأما بعد تحقُّقِ أميَّته، وتقرُّرِ معجزته، وأمن ارتياب أهل الكتاب، فليس فيه ما يحول دون معرفته الكتابة من غير تعليم أو معلِّم، فتصير عند ذلك معجزة ثانية (3)، فأفحمهم بما كان يتمتع به من معرفة بأحكام الكتاب والسنة، وإنزال الأصول والأدلة منازلها.
وللوقوف على أن الأخذ بظاهر الحديث غير قادح في أمِّيَّة النبي صلى الله عليه وسلم، بل زيادة في معجزاته، استحسن أمير (دانية) إرسال هذه المسألة إلى جماعة من علماء الأمصار ليطلع على رأيهم ويتعرف على المزيد فيها، وذلك تلبية لرغبة أبي الوليد الباجي لاستظهار صدقه وصحة قوله، وجاءت موافقات العلماء لرأي أبي الوليد الباجي وتصويباتهم لنظره وتأويله، كما كانت أجوبتهم تحمل في طياتها ثناء عليه وإقرارًا بفضله وعلمه، فضلًا عن تقريع من لم يَعِ ما ذهب إليه، وتشنيعٍ لخصمه من معاصريه.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: 4/ 126. ومسلم في صحيحه: 7/ 192. وأبو داود في سننه: 2/ 739. والنسائي في سننه: 4/ 139، 140، وأحمد في مسنده: 2/ 43، 52، 122، 129.
(2) انظر شرح النووي لمسلم: 7/ 192. فتح الباري لابن حجر: 4/ 127.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 13/ 352. فتح الباري لابن حجر: 7/ 503.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
ومن نماذج هذه الموافقات والتصويبات ما يأتي:
- ما جاء عن الحسن بن علي التميمي المصري:
(وقفت على ما كتبه الفقيه الأجل شيخنا وكبيرنا الذي نفزع إليه في المشكلات، ونعتمد عليه فيما دهمنا من أمور الناس، ومعرفة توحيد خالقنا وصفاته التي بان بها عن جميع المخلوقات، وأدام الله للمسلمين توفيقه وتسديده، وما منَّ به عليهم منه من البصيرة والهداية من خطأ المخطئين، وعمى العامين، فلو نهضوا نحو الفقيه القاضي ليتعلموا منه أوائل المفترضات ومعرفة خالقهم، وما خص به جميع أهل السنة والإيمان لكان بهم أحرى) (1).
- وقال جعفر بن عبد الجبار:
(وما يستبدع ذلك من مثله لما وهبه الله من الفهم، وكيف لا يكون كذلك، وقد ارتحل إلى العراق، فقرأ على شيوخ أجلة من أئمة السنة) (2).
- وقال فيه عبد الله بن حسين البصري:
(والفقيه القاضي قد انتشرت إمامته، واشتهرت عدالته، فلو سأل من حاول الرد والتضليل للفقيه القاضي من قدم من شرق وغرب لشهد الكل بإمامته وحفظه للحديث، ومعرفته للصحيح منه والسقيم، وسائر علومه، وأصول الدين وفروعه) (3).
- وأجاب أبو الفضل جعفر بن نصر البغداديُّ قائلًا:
(ولا يحل لأحد أن يعنفه فيما أتى به، إذ هو إمام في المشرق والمغرب لا سيما بالعراق، وإن أكثر البلاد لمُفْتَقِرَة لعلمه بالصحيح من الحديث والسقيم، فلو نهض كل من ردَّ عليه ليتعلموا منه أوائل المفترضات لكان بهم أحرى،--------------------------------------------
(1) تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران: 6/ 250.
(2) تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران 6/ 249.
(3) تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران 6/ 250.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
ويزيلوا عن أنفسهم الحسد والبغي، وإنما يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (1).
هذا، وقد كان للباجي فيما ذهب إليه سلف من شيوخه منهم أبو ذر الهروي والسمناني وغيرهم (2) ممن يقولون بظاهر الحديث ويحتجون بجملة من الأدلة تتمثل فيما يلي:
1 - بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شَبَّة من طريق مجاهد عن عون ابن عبد الله قال: (ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ). قال مجاهد: (فذكرتُه للشعبي فقال: صدق سمعت من يذكر ذلك) (3).
2 - ومن طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة، فنظر فيها فقال: (قد كتب لك بما أمر لك)، قال يونس بن ميسرة: (فنرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بعدما أنزل عليه) (4).
3 - ورود آثار دالة على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها منها:
- قوله صلى الله عليه وسلم لكاتبه: (ضع القلم على أذنك، فإنه أذكر لك) (5).
- وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاوية: (ألق الدواة، وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم) (6).--------------------------------------------
(1) تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران: 6/ 250.
(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 13/ 352. فتح الباري لابن حجر: 7/ 503 - 504.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 13/ 352. فتح الباري لابن حجر: 7/ 501.
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 13/ 352. فتح الباري لابن حجر: 7/ 504.
(5) فتح الباري لابن حجر: 7/ 504.
(6) فتح الباري لابن حجر: 7/ 504.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تمد: بسم الله) (1).
ورغم هذه الأدلة المساقة، فإن مذهب جمهور العلماء والمحدثين القول بالمنع من أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب حرفًا واحدًا بيده، بل له صلى الله عليه وسلم كتَّاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم، وأجاب الجمهور عن الأحاديث الواردة في المسألة بأنها ضعيفة لا يحتج بها (2)، وأنه لو كتب بيده لنقل إلينا لأن الدواعي متوفرة على نقله، وأن لفظ (كتب) في حديث المقاضاة مؤول إلى معنى الأمر بالكتابة، وهو في اللغة كثير كقوله: كتب إلى قيصر، وكتب إلى كسرى، وقطع السارق، ورجم ماعزًا، وجلد الشارب، فهو ما يعرف بالإسناد المجازي أو المجاز العقلي. وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة ويخرج عن كونه أمِّيًّا (3). وفي هذا المضمون يقول الحافظ الذهبي: (يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب اسمه ليس إلَّا، ولا يخرج بذلك عن كونه أُمِّيًّا، وما من كتب اسمه من الأمراء والولاة إدمانًا للعلامة يعد كاتبًا، فالحكم للغالب لا لما نَدَر، وقد قال عليه السلام: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسُب) أي لأن أكثرهم كذلك، وقد كان فيهم الكتبة قليلًا، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} فقوله عليه السلام: (لا نَحسُب) حق، ومع هذا فكان يعرف السنين والحساب، وقَسْمَ الفَيْءِ، وقِسْمَةَ المواريث بالحساب العربي الفطري لا بحساب القِبط ولا الجَبْر والمُقابلة، بأبي هو ونفسي صلى الله عليه وسلم، وقد كان سيد الأذكياء، ويَبْعُد في العادة أن الذكيَّ يملي الوحي وكُتُبَ الملوك وغير ذلك على كتَّابه، ويرى اسمَه الشريف في خاتِمه، ولا يعرف هيئة ذلك مع الطُّول، ولا يخرج بذلك عن أُميته، وبعض العلماء عدَّ ما كتبه يوم الحُدَيْبِيَة من معجزاته، لكونه لا يعرف الكتابة وكتَبَ، فإن--------------------------------------------
(1) فتح الباري لابن حجر: 7/ 504.
(2) تفسير ابن كثير: 3/ 417. فتح الباري لابن حجر: 7/ 504.
(3) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 13/ 352 - 353. تفسير ابن كثير: 3/ 417.
فتح الباري لابن حجر: 7/ 504.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
فإن قيل: لا يجوز عليه الكتابة، فلو كتب لارتاب مبطل ولقال: كان يحسن الخطَّ، ونظر في كتب الأولين: قلنا: ما كتب خطًّا كثيرًا حتى يرتاب به المبطلون، بل قد يقال: لو قال مع طول مدة كتابة الكتاب بين يديه: لا أعرف أن أكتُب اسمي الذي في خاتِمي، لارتاب المبطلون أيضًا، ولقالوا: هو غاية في الذكاء، فكيف لا يعرف ذلك؟ بل عرفه، وقال: لا أعرف. فكان يكون ارتيابهم أكثر وأبلغ في إنكاره) (1).
وفي هذا الصدد، فقد صنَّف القاضي أبو الوليد الباجي رسالة في هذا الموضوع ينتصر فيها لرأيه ويبيِّن وجوه المسألة ويفنِّد أقوال المخالفين له في الرأي الذين رموه بالكفر والزندقة، وسمى هذه الرسالة: (تحقيق المذهب في أن رسول الله قد كتب) (2).
الفرع الثاني: صلة الحكَّام بأبي الوليد الباجي:
كانت للمناظرات العلمية التي أجراها أبو الوليد الباجي بالأندلس، وظهور تآليفه الأصولية والفقهية، وانتشار علمه وذيوع صيته، فضلًا عن اتصافه بالدِّيانة والتقوى وما يتميز به من صفة خَلقية في هيئته وسمته ووقاره، الأثر البالغ في نفوس الناس، كما كان تكوينه العلمي والأدبي محل ثقتهم، الأمر الذي فسح للحكَّام مجالًا - بعد بروز نجمه - ليتصلوا به ويتقربوا إليه ويطلبوا صحبته، وفي هذا المضمون يقول ابن خاقان:
(فتهادته الدول، وتلقَّته الخيل والخول، وانتقل من محجر إلى ناظر، وتبدَّل من يانع بناضر) (3).--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء للذهبي: 18/ 540 - 541.
(2) انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض: 2/ 805 - سير أعلام النبلاء للذهبي: 18/ 540 طبقات المفسرين للداودي: 1/ 210. الفكر السامي للحجوي: 2/ 1/ 217.
(3) قلائد العقيان لابن خاقان: 215.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وقد استعمل في حفظ الأمانات، وولاه عمر بن محمد المتوكل بالله بن الأفطس أماكن متفرقة من الأندلس لأداء مهمة القضاء وفك المنازعات بين الناس، منها (أريولة) وأشباهها من الأماكن التي تصغُر عن قدره ومنزلته (1).
ونتيجة لاحتكاكه بالحكام وتوليته لمنصب القضاء، وقبوله لهداياهم وجوائزهم - وهم له على غاية البرِّ - تحسَّنت حالته، واتسعت ثروته ومات على مال وفير (2)، ولم يكن ذلك ذريعة للتعلق بالدنيا وزخرفها بل لم يزل زاهدًا ومنقطعًا عن الدنيا متعلقًا بالآخرة، ومن شعره ووصيته لولديه ما يفيد ذلك.
هذا، وقد تسببت علاقته بالحكام في إثارة البغضاء والحقد والحسد، وكثُر القائل فيه، وأصبح عرضة لطعون الطاعنين لتعامله وموالاته للحكام مع ما كان عليه حالهم من شقاق وخلاف. ولا يخفى أن الإمام أبا الوليد الباجي لم يسْعَ للتودد للحكام ولا طلب عطاياهم، ولكنه لما قرَّبوه لم يمتنع لما في ذلك من إمكانية النصح لهم وإرشادهم وجمع كلمتهم، وهو من أهل العلم والأمانة، عليه واجب النصح خاصة والأندلس تعيش أزمات كثيرة وتقلبات سياسية، وقد وصف ابن بسام هذا الجوَّ المفعم بالفتن والاضطرابات السياسية بقوله: (فورد وعشبُ بلادها نابٌ وظفرٌ، وصوبُ عهادِها دمٌ هَدَرٌ، ومالها لا عينٌ ولا أثر، وملوكها أضداد، وأهواءُ أهلِها ضغائنُ وأحقاد، وعزائمهم في الأرض فساد وإفساد) (3)، فكان أبو الوليد الباجي يعمل بمبدأ لزوم جماعة المسلمين والاعتصام بها، وعدم--------------------------------------------
(1) ترتيب المدارك: للقاضي عياض: 2/ 805. بغية الملتمس للضبي: 284. المرقبة العليا للنباهي: 95. طبقات الداودي: 1/ 209. الديباج المذهب لابن فرحنون: 120 - 121. الروض المعطار للحميري: 67. طبقات المفسرين للسيوطي: 53. نفح الطيب للمقري: 2/ 77.
(2) وكان ابنه أبو القاسم أحمد يرى أن هدايا وجوائز الحكام مال مشبوه وليس حقًا خالصًا من الشوائب لذلك تخلى عن تركة أبيه الواسعة وتورع عن الأكل منها (انظر سير أعلام البلاء للذهبي: 18/ 546).
(3) الذخيرة لابن بسام: 2/ 1/ 95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
الخروج عن طاعة الإمام ولو كان جائرًا ظالمًا ما لم تكن طاعته في معصية الله تعالى، لا سيما مع إمكانية تصويب الإمام في انزلاقاته والصدع بالحق أمامه.
وقد كان الباجي على بصيرة فيما هو فيه، ويمكن أن نلتمس نظرته لهذا الموضوع من خلال ما أورده أبو العرب عبد الوهاب البقساني بسنده إلى القاضي أبي الوليد الباجي أنه كان يقول، وقد ذكرت له صحبة السلطان: (لولا السلطان لنقلتني الذرُّ من الظل إلى الشمس، أو ما هذا معناه) (1)، ومن خلال وصيته لولديه - أيضًا - حيث جاء فيها: (واجتنبا صحبة السلطان ما استطعتما أو تحريا البُعد منه ما أمكنكما، فإنَّ البعد عنه أفضل من العز بالقرب منه، فإن صاحب السلطان خائف لا يَأمن، وخائن لا يُؤمَن، ومسيء إن أحسن، يخاف منه، ويخاف بسببه، ويتهمه الناس من أجله، إن قرب فتن، وإن أبعد أحزن، يحسدك الصديق على رضاه إذا رضي، ويتبرأ منك ولدك ووالدك إذا سخط، ويكثر لائموك إذا منع، ويقل شاكروك إذا شبع، فهذه حال السلامة معه، ولا سبيل إلى السلامة ممن يأتي بعده، فإن امتحن أحدكما بصحبته، أو دعته إلى ذلك ضرورة فليتقلل من المال والحال، ولا يغتب عنده أحدًا، ولا يطالب عنده بشرًا، ولا يعصِ له في المعروف أمرًا، ولا يستنزله إلى معصية الله تعالى، فإنه يطلبه بمثلها، ويصير عنده من أهلها، وإن حظى بمثلها في الظاهر فإن نفسه تمقته في الباطن). هذه خلاصة تجربته في صلته بالحكام وزبدة خبرته.
عاش أبو الوليد حينًا في بلاط (ميورقة) بعد استجابته لدعوة الميورقيين لمناظرة ابن حزم، وحينًا (بسرقسطة) عندما استدعاه المقتدر بالله أبو جعفر أحمد ابن سليمان بن هود بعد توليته الحكم بها (2)، وحينًا آخر (ببطليوس) عند المتوكل بالله عمر بن محمد آخر حكام بني الأفطس.
ونزل أبو الوليد الباجي بدعوة من المقتدر بالله بأفخم قصور ملوك الطوائف--------------------------------------------
(1) نفح الطيب للمقري: 2/ 73.
(2) دول الطوائف لعنان: 433.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
وكان المقتدر بالله يتمتع بمستوى علمي راقٍ ميَّال إلى العلم محب للعلماء، لذلك عقد لمشاهير علماء وكتاب عصره مجالس في بلاطه (1).
وكان المقتدر بالله يدني أبا الوليد الباجي في مجلسه ويجلُّه ويقدِّره، وفي ذلك الوقت تهيأت له الظروف للتأليف والتصنيف والإقراء، وفي هذا المضمون يقول ابن خاقان:
( … ثم استدعاه المقتدر بالله فسار إليه مرتاحًا، وبدا في أفقه ملتاحًا، وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه، وبدا وخده في سبل العلم وإيضاعه، وكان المقتدر يباهي بانحياشه إلى سلطانه، وإيثاره لحضرته باستيطانه، ويحتفل في ما يرتبه له ويجريه، وينزله في مكانه متى كان يوافيه) (2).
وفي تلك الفترة ندب المقتدر بالله أبا الوليد الباجي للردِّ على رسالة الراهب الفرنسي التي تضمنت دعوة المقتدر بالله إلى الإيمان بالمسيح عيسى بن مريم عليه السلام، فقام أبو الوليد الباجي بالرد عليه مفنِّدًا عقيدة التثليث ومبطلًا دعوة النصرانية معتمدًا في ذلك على الأدلة والبراهين القوية، وأوضح له في آخر الردِّ عدْلَ الإسلام وفضله ووجوب الانضواء تحت لوائه (3).
وفي بطليوس كان عمر بن محمد المتوكل بالله إلى جانب قدراته السياسية وبطولاته العسكرية يتمتع بإمكانيات علمية وأدبية عالية حتى أنه هيَّأ بلاطه الزاهر للعلماء وبسطه للأدباء، فكان قصره الملكي شبيهًا بجامعة أدبية علمية (4).
والظاهر أن صلته بأبي الوليد الباجي كانت مبنية على الناحية العملية أكثر--------------------------------------------
(1) وبالرغم من هذه الخصال المحمودة التي كان يتحلى بها المقتدر بالله إلا أن له مؤاخذات عديدة ومخالفات سياسية منافية لتعاليم الشريعة الإسلامية قادحة في شخصيته (انظر البيان المغرب لابن عذارى: 3/ 223 - 229. دول الطوائف لعنان: 276 - 279).
(2) قلائد العقيان لابن خاقان: 215.
(3) دول الطوائف لعنان: 282.
(4) أعمال الأعلام لابن الخطيب: 185 - 186. المعجب للمراكشي: 111. دول الطوائف لعنان: 88 - 93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
منها علمية متمثلة في مهام ميدانية، فقد أسند إليه مهمة القضاء وكلفه به، ثم ندبه ليطوف بحواضر الأندلس قصد توحيد جهود المسلمين وجمع كلمة الملوك ولمِّ الشعث والوقوف صفًا واحدًا متراصيًّا ضد ألفونس السادس العدو المشترك الذي كان يتربص بهم الدوائر بعدما قويت شوكته، وتكتفت ضغوطه على طليطلة (1).
وفي سبيل هذه القضية المطلوبة شرعًا لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (2) وغيرها من النصوص فقد بذل أبو الوليد الباجي قصارى جهده، واستفرغ كل وسعه، فطاف على ملوك الطوائف مؤديًا واجب النصح للأئمة وواعظًا ومنذرًا لهم من عواقب التشتت والتفرق والخلاف، ومظهرًا لهم خطر عدوهم ووجوب صد العدوان، وكان الملوك يُبدون له التقدير والإجلال ظاهرًا ويستبردون نزعته باطنًا، وما كان ذلك ليضيره فقد أدى الأمانة وبلَّغ الرسالة ونصح الأمة، وفي هذا السِّياق يقول ابن بسام: ( … على أنه لأوَّل قدومه رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة بصِلة ما انبتَّ من تلك الأسباب، فقام مقام مؤمن آل فرعونَ لو صادف أسماعًا واعية، بل نفخ في عظام ناخرة، وعَكَفَ على أطلال داثرة، بيد أنه كلَّما وفد على ملك منهم في ظاهر أمره لقيه بالترحيب، وأجزل حظَّه بالتأنُّس والتقريب، وهو في الباطن يَسْتَجْهِلُ نَزْعَتَهُ، ويَسْتَثْقِلُ طَلْعَتَه، وما كان أفْطَنَ الفقيه رحمه الله، بأمورهم، وأعلمه بتدبيرهم، لكنه كان يرجو حالًا تثوب، ومذنبًا يتوب) (3).
وعملًا بالمبدأ الشرعي السابق، فلم يزل أبو الوليد الباجي في سفارته بين ملوك الطوائف مجتهدًا يؤلفهم على نصرة الإسلام، ونبذ أحقادهم، وجمع--------------------------------------------
(1) الحلة السيراء لابن الأبار: 2/ 98.
(2) جزء من آية 103 من سورة آل عمران.
(3) الذخيرة لابن بسام: 2/ 2/ 95 - 96.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
وجمع كلمتهم، والاستعانة بجيش المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين لصدِّ العدو الصليبي حتى وافاه أجله قبل تمام غرضه وتحقيق رغبته (1).
هذا، وإن اشتغال أبي الوليد الباجي بالمهام القضائية والأمانات والسفارة بين ملوك الطوائف لإصلاح ذات البين لم يمنعه ذلك من نشر العلم وبث المعرفة وتأليف الكتب وتدريسها (2).
***--------------------------------------------
(1) ترتيب المدارك للقاضي عياض: 2/ 808. الفكر السامي للحجوي: 2/ 4/ 217.
(2) الذخيرة لابن بسام: 2/ 1/ 96.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
المبحث الثالث
آثار أبي الوليد الباجي العلمية
لقد ترك القاضي أبو الوليد الباجي آثارًا علمية نافعة، وثروة وافرة قيِّمة من الكتب والرسائل في مجالات شتى. وفنون متنوعة جمعت بين المنقول والمعقول، والرواية والدراية، تشهد له بمعرفته وسعة علمه ومكانته الراقية بين فطاحل العلماء العاملين. فمصنفاته التي تربو عن الثلاثين (1) في مختلف أنواع المعرفة قد أحيت ذكره، وخلَّدت اسمه وأكَّدت عظمة شخصيته العلمية البارزة.
وقد حفظت لنا مختلف المصادر والمراجع عناوين كتبه ورسائله ومسائله، فمنها ما خرج إلى حيز الوجود مطبوعًا ومتداولًا، ومنها ما بقي مخطوطًا يعلم مكان وجوده ولم يتعرض للتحقيق، ومنها ما بقي مخطوطًا يجهل أماكن وجوده، ومنها ما لم يتمه المصنف.
وانطلاقًا مما تقدم فسنتناول مؤلفاته العلمية في المطلب الأول ونخصص المطلب الثاني لكتاب الإشارة في أصول الفقه محل الدراسة والتحقيق.--------------------------------------------
(1) شجرة النور لمخلوف: 121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
المطلب الأول
مؤلفات أبي الوليد الباجي العلمية
مؤلفات القاضي أبي الوليد الباجي متنوعة منها ما يتعلق بالفقه وأصوله، والتفسير وشرح الموطأ، وعلم الرجال وتراجمهم، وعلم الجدل ومسائل الخلاف، والتوحيد والزهد والرقائق وغير ذلك، لذلك ارتأينا أن نتناول كتبه ورسائله ومسائله الفقهية.
الفرع الأول: كتب أبي الوليد الباجي:
نرتِّب كتب الباجي حسب العلْم الذي صنَّف فيه أكثر من غيره، وقد نترك الإشارة إلى بعض الكتب لتشابه عناوينها وتقاربها خشية أن تكون واحدة من حيث المحتوى والمضمون مع تعذر وجود سبيل للتحقق منها.
وتتدرج هذه الكتب على الوجه التالي:
- كتب أبي الوليد الباجي في الفقه.
- كتب أبي الوليد الباجي في علم الحديث والتراجم.
- كتب أبي الوليد الباجي في أصول الفقه والجدل.
- كتب أبي الوليد الباجي في الزهد والرقائق.
- كتب أبي الوليد الباجي المتنوعة.
الفقرة الأولى: كتب أبي الوليد الباجي في الفقه:
وتظهر مصنفاته الفقهية في فقه أحاديث الموطأ والمسائل الفرعية عليها، أو في شرح المسائل الفقهية في المدونة أو في اختصارات وتهذيب المدونة وهي
على الترتيب التالي:
1 - (الاستيفاء):
وهو كتاب كبير موسع جامع في شرح موطأ مالك لم يصنع مثله، قال القاضي عياض عند تعرضه لكتاب المنتقى: (وكان ابتدأ كتابًا أكبر منه بلغ فيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
الغاية سماه الاستيفاء في هذا المعنى، لم يصنع مثله) (1)، وقيل (2): إنه لم يكمله، وهو قول غير موثوق لتعارضه مع إشارة الباجي له باكتماله وإتمامه كما جاء في مقدمة المنتقى حيث يقول: ( … أن الكتاب الذي ألفتُ في شرح (الموطأ المترجم بكتاب الاستيفاء … ورغبت أن أقتصر فيه على الكلام في معاني ما يتضمنه ذلك الكتاب من الأحاديث والفقه) (3).
وقد ذكره الباجي في المنتقى: 1/ 2 - 3. وابن عطية في فهرسته: 105. والقاضي عياض في ترتيب المدارك: 1/ 200، 2/ 806. وياقوت الحموي في معجم الأدباء: 11/ 248. والذهبي في سير أعلام النبلاء: 18/ 538. وفي تذكرة الحفاظ: 3/ 1180. والكتبي في فوات الوفيات: 2/ 64. والداودي في طبقات المفسرين: 1/ 209. وابن فرحون في الديباج المذهب: 121. والمقري في نفح الطيب: 2/ 69. والحجوي في الفكر السامي: 2/ 4/ 217. والبغدادي في هدية العارفين: 5/ 397. ومحمد مخلوف في شجرة النور: 1/ 121. والمراغي في الفتح المبين: 1/ 27. وبالنثيا في تاريخ الفكر الأندلسي: 425.
2 - المنتقى (4):
وهو كتاب انتقاه من كتاب الاستيفاء على وجه الاختصار والتقريب شرح فيه أحاديث موطأ مالك، وقام بتفريع المسائل الفقهية عليها سالكًا مذهب الاجتهاد وإقامة الحجة، ويعد المنتقى من أحسن الكتب التي ألفت في مذهب مالك.
وقد ذكره ابن عطية في فهرسته: 105. والقاضي عياض في ترتيب المدارك: 1/ 200، 2/ 806. وياقوت الحموي في معجم الأدباء: 11/ 248.--------------------------------------------
(1) ترتيب المدارك للقاضي عياض: 2/ 806.
(2) المصدر السابق: 1/ 200. الفكر السامي للحجوي: 2/ 4/ 217.
(3) المنتقى للباجي: 1/ 2.
(4) وهو كتاب مطبوع في سبعة مجلدات على نفقة السلطان عبد الحفيظ العلوي بعناية ابن شقرون - مطبعة السعادة - مصر. سنة 1331 هـ - 1913 م وصوِّر في دار الكتاب العربي - يروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
واليافعي في مرآة الجنان: 3/ 108. وابن خلكان في وفيات الأعيان: 2/ 409. والذهبي في سير أعلام النبلاء: 18/ 538. وتذكرة الحفاظ: 3/ 1180. والكتبي في فوات الوفيات: 2/ 64. وابن كثير في البداية والنهاية: 12/ 122. والداودي في طبقات المفسرين: 1/ 210. والسيوطي في طبقات المفسرين: 54. وابن فرحون في الديباج المذهب: 121. والمقري في نفح الطيب: 2/ 69. والحجوي في الفكر السامي: 2/ 4/ 217. والبغدادي في هدية العارفين: 5/ 397. ومحمد مخلوف في شجرة النور: 1/ 121. وبالنثيا في تاريخ الفكر الأندلسي: 425. وبروكلمان في تاريخ الأدب العربي: 3/ 277.
3 - المعاني:
وهو كتاب كبير الحجم في شرح موطأ مالك عديم النظير جاء في عشرين مجلدًا (أغلب الظن أنه (النتقى)، فإن وصف القاضي عياض له في ترتيب المدارك (8/ 123) يؤكد ذلك [عزيز]).
ذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء: 11/ 249. والذهبي في تذكرة الحفاظ: 3/ 1180. والكتبي في فوات الوفيات: 2/ 64. والداودي في طبقات المفسرين: 1/ 210. والمقري في نفح الطيب: 2/ 69. والبغدادي في هدية العارفين: 5/ 397. وكحالة في معجم المؤلفين: 4/ 261. وبالنثيا في تاريخ الفكر الأندلسي: 425.
4 - الإيماء:
وهو كتاب مختصر للمنتقى في شرح موطأ مالك، قدر ربع الاستيفاء السالف الذكر، وهو واقع في خمسة مجلدات.
وقد ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك: 2/ 806. وياقوت الحموي في معجم الأدباء: 11/ 248. والذهبي في سير أعلام النبلاء: 18/ 538. وتذكرة الحفاظ: 3/ 1180. والداودي في طبقات المفسرين: 1/ 210. والكتبي في فوات الوفيات: 2/ 64. وابن فرحون في الديباج المذهب: 121. والمقري
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
في نفح الطيب: 2/ 69. والحجوي في الفكر السامي: 2/ 4/ 217. ومحمد مخلوف في شجرة النور (1): 1/ 121. وبالنثيا في تاريخ الفكر الأندلسي: 425.
5 - شرح المدونة:
وهو كتاب اختصر فيه المدونة وشرحها بشرح لم يكمل.
وقد ذكره منسوبًا إليه القاضي عياض في ترتيب المدارك: 2/ 806. والداودي في طبقات المفسرين: 1/ 210. وابن فرحون في الديباج المذهب: 122. والحجوي في الفكر السامي: 2/ 4/ 217.
6 - مختصر المختصر:
وهو كتاب اختصر فيه المختصر من مسائل المدونة.
وقد ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك: 2/ 806. والذهبي في سير أعلام النبلاء: 18/ 538. وتذكرة الحفاظ: 3/ 1180. وابن فرحون في الديباج المذهب: 122. والمقري في نفح الطيب: 2/ 69. والكتبي في فوات الوفيات: 2/ 64. والحجوي في الفكر السامي: 2/ 4/ 217. ومحمد مخلوف في شجرة النور: 1/ 121. وبالنثيا في تاريخ الفكر الأندلسي: 426.
7 - المهذَّب:
وهو كتاب اختصر فيه المدونة اختصارًا حسنًا.
وقد ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك: 2/ 806. وياقوت الحموي في معجم الأدباء: 11/ 249. والداودي في طبقات المفسرين: 1/ 210. وابن فرحون في الديباج المذهب: 122.
8 - فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكام (2):
وهو كتاب يتعلق بالأحكام التي يرجع إليها القاضي في التطبيق، كما أنه يتعلق أيضًا بالقضاء والشهادات واليمين وإجراءات التداعي.--------------------------------------------
(1) وفي شجرة النور: الإملاء بدلًا من الإيماء وهو تصحيف.
(2) مطبوع بتحقيق وتقديم الأستاذ أبو الأجفان - الدار العربية للكتاب - المؤسسة الوطنية للكتاب 1985 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)