أولا: الفرق بين المكى والمدنى
يقول السيوطى فى «الإتقان»:
«أعلم أن للناس فى المكى والمدنى اصطلاحات ثلاثة:
أشهرها: أن المكى ما نزل قبل الهجرة، والمدنى ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة عام الفتح، أم عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار.
أخرج عثمان بن سعد الرازى بسنده إلى يحيى بن سلام، قال: ما نزل بمكة، وما نزل فى طريق المدينة قبل أن يبلغ النبى صلى الله عليه وسلم المدينة فهو من المكىّ.
وما نزل على النبى صلى الله عليه وسلم فى أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدنى وهذا أثر لطيف يؤخذ منه أن ما نزل فى سفر الهجرة «مكىّ» اصطلاحا.
الثانى: أن المكىّ ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدنى ما نزل بالمدينة.
وعلى هذا تثبت الواسطة، فما نزل بالأسفار لا يطلق عليه مكىّ ولا مدنى.
وقد أخرج الطبرانى فى «الكبير». من طريق الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن ابن عامر عن أبى أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
«أنزل القرآن فى ثلاثة أمكنة: مكة والمدينة، والشام» قال الوليد: (يعنى: بيت المقدس، وقال الشيخ عماد الدين بن كثير: بل تفسيره: بتبوك أحسن).
قلت (أى السيوطى): ويدخل فى مكة ضواحيها كالمنزل بمنى، وعرفات، والحديبية، وفى المدينة: ضواحيها؛ كالمنزل ببدر، وأحد وسلع.
الثالث: أن المكى ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدنى ما وقع خطابا لأهل المدينة» (1).
ولذلك يحلو لبعض المعاصرين من الباحثين أن يقول: إن العلماء فى التفريق بين المكىّ، والمدنى نظروا إما إلى المخاطبين، وبعضهم نظر إلى المكان وبعضهم نظر إلى الزمان. يعنون بذلك اختلاف مصطلحهم فى تحديد المكى من المدنى.--------------------------------------------
(1) الإتقان 1/ 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
ولذلك لاحظوا بدقة بعض الضوابط والخصائص نذكرها فيما يأتى:
ثانيا: ضوابط ومميزات المكىّ والمدنى
استنبط العلماء ضوابط ومميزات اجتهادية لكل من المكىّ والمدنى على النحو التالى:
أ- المكىّ: ضوابطه ومميزاته:
* كل سورة مفتتحة بحروف التهجى (وتسمى حروف التحدى) فهى مكية.
* كل سورة فيها لفظ (كلّا) فهى مكية، وهى مذكورة فى خمس عشرة سورة فى النصف الأخير من القرآن ثلاثا وثلاثين مرة.
* كل سورة فيها قصة آدم وإبليس، فهى مكية.
* كل سورة فيها قصص الأنبياء والقرون الماضية فهى مكية.
* كل سورة فيها آية سجدة فهى مكية.
* كل سورة فيها (يا أيها الناس) دون ذكر (يا أيها الذين آمنوا) فهى مكية هذا مع أن المكى لوحظ بتمعن النظر فيه أنه:
1 - أسلوبه: يعتمد على: إيجاز العبارة، وقصر الفاصلة، وجزالة اللفظ، وقوة الجرس الذى يدق القلوب.
2 - موضوعه: يعالج قضية الإيمان من وحدانية، وبعث، وحساب، وجنة ونار، وإثبات الرسالة، وسوق الأدلة والبراهين، وضرب المثل.
فهذه المرحلة المكية- إذا- راعت ظروف: ضعف الإسلام، وقلة عدد المسلمين، فتوجهت إلى الصفح والمهادنة بغرض الوصول إلى تثبيت العقيدة، وقطع دابر الشرك فتركز اهتمام هذه المرحلة على إصلاح الجبهة الداخلية.
تنبيه هام:
ينبغى أن يعرف طالب العلم أن هذه الضوابط والمميزات ليست قطعية. وإنما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
هى مجرد اجتهادات نظرية، وكل واحد منها «منقوض» بمثال أو أكثر، مما يدل على أن الحكم فيها ليس على الجميع، وإنما على المجموع. وانظر إلى ما يلى:
* ضابط حروف التهجى، وقع منه فى «المدنى» سورتى البقرة وآل عمران.
* ضابط آدم وإبليس فى «البقرة» وهى مدنية لا مكية.
* ضابط «يا أيها الناس» فى «النساء» وهى مدنية لا مكية وقس على ذلك.
ب- المدنى: ضوابطه ومميزاته:
* كل سورة ذكر فيها النفاق والمنافقين فهى مدنية، لأنه لم يكن بمكة نفاق أصلا، وإنما إيمان مطلق، أو كفر بواح.
* كل سورة فيها حدّ، أو أمر بفريضة فهى مدنية.
* كل سورة ذكر فيها «أمر بالجهاد والقتال» فهى مدنية.
* كل سورة فيها جدال مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهى مدنية.
* كل سورة فيها خطاب للمؤمنين غالبا.
هذا أيضا مع أنّ المدنى لوحظ بإمعان النظر والتدبر فى قراءته أن له مميزات فى:
أ- أسلوبه: يعتمد على طول العبارة، وسلاسة الجرس، ومخاطبة العقل، كما أنها ذات مقاطع طويلة.
ب- موضوعه:
1 - دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالإسلام، وتبكيت إخفائهم ما أنزل الله فى كتبهم بشأن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وشخصه.
2 - كشف حقائق النفاق والمنافقين، وتحليل ما فى داخل نفوسهم، والتحذير من خطرهم.
3 - فرض الأحكام الشرعية: وإعلان المبادئ التى يقوم عليها الدين الجديد من عبادات، ومعاملات، وأحوال شخصية، وعلاقات دولية سلّما أو حربا، أو عهودا ومواثيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
فهذه المرحلة المدنية- إذا- راعت ظروف الدعوة الإسلامية فى ناحيتين هامتين:
الأولى: إعداد الجبهة الداخلية ليشتمل هذا الإعداد كافة الأنظمة التى تقوم عليها المجتمعات المنظّمة، من تشريعات قانونية، وأنظمة اجتماعية أسرية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو حربية.
واقتلاع جذور النفاق، واستئصال شأفة المنافقين باعتبارهم فئة معوقة ومثبطة لهمة الدعوة.
الثانية: الإعداد للعمل الخارجى: وغايته تحرير الإنسان فى كل مكان من ربقة الكفر والشرك إلى نور الإيمان بالله والعبودية له وحده، وشمل فى ذلك:
أ- الدعوة بالرفق واللين بواسطة البعوث وإرسال الكتب.
ب- تجهيز الجيوش وإعداد الجند، وترتيب الأجناد.
وما سبق أن ذكرناه فى «تنبيه الطالب». حول خصائص ومميزات المكى نعود لنذكره به أيضا هنا. وهو أن هذه الضوابط والمميزات إنما هى أمور استقرائية تختلف فى كل مسألة، فالحكم فيها على «المجموع». لا على الجميع.
مبحث فى: حصر المكى والمدنى وكلها (مائة وأربع عشرة سورة)
أسهب كل من الزركشى والسيوطى فى حصر وتحديد المكى والمدنى وتوابعهما، وسأذكر لك ذلك إجمالا، وأحيلك على هذين الكتابين إن أحببت الإسهاب وزيادة المعلومة (1).--------------------------------------------
(1) هذا الحصر مرتب حسب ترتيب سور مصحف عثمان، أما عند الزركشى والسيوطى فهى مرتبة طبقا لروايات الرواة حسب نزولها فلم نشأ أن نذكرها هنا بنفس نظامها لأنه خاص بعلم أول ما نزل وآخر ما نزل وعلى كلّ فراجعه عندهما: (البرهان- الجزء الأول من 192 - 205، الإتقان- الجزء الأول من 24 - 50)،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
(1) السور المدنية: أصح ما قيل فيها أنها عشرون سورة:
(1) البقرة.
(2) آل عمران.
(3) النساء.
(4) المائدة.
(5) الأنفال.
(6) التوبة.
(7) النور.
(8) الأحزاب.
(9) محمد.
(10) الفتح.
(11) الحجرات.
(12) الحديد.
(13) المجادلة.
(14) الحشر.
(15) الممتحنة.
(16) الجمعة.
(17) المنافقون.
(18) الطلاق.
(19) التحريم.
(20) النصر.
(2) السّور المختلف فيها: اثنتا عشرة سورة هى:
(1) الفاتحة.
(2) الرعد.
(3) الرحمن.
(4) الصف.
(5) التغابن.
(6) المطففين.
(7) القدر.
(8) البينة.
(9) الزلزلة.
(10) الإخلاص.
(11) الفلق.
(12) النّاس.
(3) السّور المكية: ثنتان وثمانون سورة، وهى باقى سور القرآن الكريم على حسب ترتيب مصحف عثمان الذى بين أيدينا.
(4) الآيات المكية فى السّور المدنية (1).
1 - الأنفال: 33 وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ الآية.
2 - التوبة: 128 لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة.
3 - الرعد: 31 وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً إلى هنا.--------------------------------------------
(1) البرهان للزركشى 1/ 202 - 203.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
4 - الحج: أربع آيات 52 - 55 وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى إلى قوله تعالى أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ.
(5) الآيات المدنية فى السّور المكية:
1 - الأنعام: كلها مكية ما عدا ست آيات هى:
* آية 91 وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى آخر الآية نزلت فى مالك بن الصيف (1).
* آية 92 - 93 وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ (2). نزلت فى مسيلمة الكذاب، وعبد الله بن أبى سرح أخى عثمان من الرضاعة،
الأول فيه (أو قال أوحى إلىّ) والثانى فيه (سأنزل مثل ما أنزل الله).
* الآيات من 151 - 153 قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ إلى آخر السورة.
2 - الأعراف: مكية إلا تسع آيات مدنية 163 - 171 وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إلى قوله تعالى: وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
3 - إبراهيم: مكية غير آيتين نزلتا فى قتلى بدر أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً. 28، 29.
4 - النحل: مكية ما عدا الآيات من 41 إلى آخر السورة فمدنية وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا 88 آية.
5 - الإسراء: مكية ما عدا الآية 73 وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعنى ثقيفا فقد نزلت فى وفدهم.--------------------------------------------
(1) البرهان للزركشى 1/ 199.
(2) سورة الأنعام: 93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
6 - الكهف: مكية: غير الآية 28 فمدنية وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ نزلت فى سلمان الفارسى.
7 - القصص: مكية غير الآية 52 الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكتاب- يعنى الإنجيل- مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ- يعنى القرآن، نزلت فى أربعين رجلا من أهل الكتاب قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبى طالب فأسلموا.
8 - الزمر مكية، غير الآية 53 قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.
9 - سور الحواميم كلها مكية غير الآية 10 فى سورة الأحقاف، فمدنية قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ نزلت فى عبد الله بن سلام.
10 - الماعون: مكية إلا أربع آيات 4 - 7 فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ إلى آخر السورة فمدنى.
(6) ما نزل بمكة وحكمه مدنى:
1 - منها: قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا (1) نزلت بعد الهجرة فى مكة يوم فتحها.
2 - ومنها فى المائدة: الآية 3 الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ إلى قوله تعالى الْخاسِرِينَ فى الآية 5 نزلت يوم الجمعة، والناس وقوف بعرفات فبركت ناقة النبى صلى الله عليه وسلم من هيبة القرآن، وهى مدنية لنزولها بعد الهجرة.
(7) ما نزل بالمدينة وحكمه مكىّ:
1 - الممتحنة كلها، وهى فى حاطب بن أبى بلتعة.
2 - النحل: الآيات 41 إلى آخر السورة وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا--------------------------------------------
(1) سورة الحجرات: 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
كلها مدنية والخطاب لأهل مكة.
3 - سورة الرعد: مدنية، وخطابها موجه إلى أهل مكة.
4 - سورة التوبة من أولها إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ الخطاب لمشركى مكة، وهى مدنية.
(8) ما يشبه تنزيل المدنية فى السور المكية:
1 - النجم: الآية 32 الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ يعنى كل ذنب عاقرته، (الفواحش) يعنى كل ذنب فيه حد (إلّا اللّمم). وهو بين الحدين من الذنوب.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
الباب السادس علم معرفة الناسخ والمنسوخ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
الباب السادس علم الناسخ والمنسوخ علم الناسخ والمنسوخ هو أيضا من العلوم الجليلة التى وضعت لخدمة الفقه والأصول فيما يتعلق بترتيب الأحكام، ورفع تعارض أحكامها.
وقد اهتم بالكلام فى هذا العلم والتصنيف فيه جماعة من السلف والخلف على السواء.
وقد ذكر بدر الدين الزركشى فى «البرهان». أسماء طائفة من العلماء ممن أفرد هذا العلم بالتصنيف منهم.
قتادة بن دعامة السدوسى، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو داود السجستانى صاحب السنن، وأبو جعفر النحاس، وابن العربى، وابن الجوزى، وابن الأنبارى وغيره (1).
تمهيد: تعريف النسخ:
النسخ لغة: يطلق على معان منها:
1 - الإزالة: تقول: نسخت الشمس الظّل، أى أزالته. ومنه قوله تعالى فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ (2).
2 - التبديل: ومنه قوله تعالى وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ (3).
3 - التحويل: ومنه «تناسخ المواريث». يعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد.--------------------------------------------
(1) البرهان فى علوم القرآن للزركشى 2/ 28.
(2) الحج: 52.
(3) النحل: 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
4 - النقل: من موضع إلى موضع، ومنه «نسخت الكتاب» إذا نقلت ما فيه حاكيا لخطّه ولفظه.
نقل الزركشى عن «مكّى». وهذا الوجه لا يصح أن يكون فى القرآن، وأنكر على «النحاس» إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتى بلفظ المنسوخ، وإنما يأتى بلفظ آخر.
وانتصر الإمام أبو عبد الله محمد بن بركات السعدى لما قاله النحاس بشهادة الآية الكريمة إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (1).
النسخ اصطلاحا: يعرف النسخ فى اصطلاح العلماء بأنه:
«رفع حكم شرعى، بخطاب شرعى، متراخ فى النزول، وصالح للنسخ» ويستفاد من التعريف ما يأتى:
1 - أن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، فإن لم يكن كذلك كعادات الجاهلية مثلا فلا نسخ.
2 - أن يكون الدليل على الناسخ خطابا شرعيا، فلا يكون قاعدة وضعية مثلا.
3 - أن يكون الدليل الناسخ متراخيا فى الزمن عن الخطاب المنسوخ.
4 - ألا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت معين، فإن كان كذلك لم يكن نسخا، بل تأجيلا لأجل كقوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (2).--------------------------------------------
(1) البرهان للزركشى 2/ 29 (والسعدى له كتاب مخطوط بدار الكتب المصرية سماه: الإيجاز فى معرفة ما فى القرآن من الناسخ والمنسوخ).
(2) 109: البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
5 - أن يكون بين هذين الدليلين تعارض حقيقى لا سبيل إلى الجمع بينهما بأى وجه من الوجوه.
مبحث فى: ما يقع فيه النسخ، وأهميته، وطرق معرفته
حكى الزركشى قول الجمهور: على أنه لا يقع النسخ إلا فى: الأمر، والنهى (1).
وزاد بعضهم: الأخبار، وأطلق ذلك فى كل الأخبار، وقيدها الآخرون بالتى يراد بها الأمر والنهى.
فلا يقع فى الاعتقادات التى تتعلق بذات الله تعالى، وصفاته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، أو الآداب الخلقية، أو أصول العبادات والمعاملات (2).
أهمية النسخ
يقدم علم النسخ خدمات جليلة لكل من: المفسرين، والفقهاء والأصوليين حتى لا تختلط الأحكام يتبلبل الناس.
ولقد عرف سلفنا الصالح- رضى الله عنهم- أهمية هذا العلم خاصة فى مسائل الفتيا والقضاء «فقد نقل عن علىّ- كرم الله وجهه- أنه مرّ على قاض فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال: هلكت وأهلكت» (3).
طرق معرفة النسخ
(1) يعرف الناسخ والمنسوخ بالنقل الصريح عن النبى صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابى يقول آية كذا نسخت آية كذا. هكذا نقله السيوطى عن ابن الحصّار.
(2) أو بإجماع الأمة.--------------------------------------------
(1) البرهان للزركشى 2/ 23.
(2) مباحث فى علوم القرآن لمنّاع القطان ص 233.
(3) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى 3/ 59.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
(3) أو بمعرفة المتقدم والمتأخر.
قال السيوطى:
ولا يعتمد فى النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بينة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر فى عهده صلى الله عليه وسلم.
مبحث فى: أقسام النسخ
نظر الباحثون فى علوم القرآن فوجدوا أن النسخ لا يخلو عن أربع حالات هى:
الأول: نسخ القرآن بالقرآن: وهذا القسم متفق على جوازه ووقوعه عند من يقول بالنسخ ومثاله، قوله تعالى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ (1)، منسوخة بآية أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً (2).
الثانى: نسخ القرآن بالسنة: وهى نوعان:
(أ) نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وقد أجازه الجمهور على أنهما وحى صريح.
(ب) نسخ القرآن بالسنة الآحادية، ومنعه الجمهور لأن القرآن متواتر، والآحاد ظنى فلا نسخ.
الثالث: نسخ السنة بالقرآن: وأجازه الجمهور وقالوا: كالتوجه إلى بيت--------------------------------------------
(1) 240: البقرة.
(2) 234: البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
المقدس فقد كان التوجه إلى بيت المقدس ثابتا بالسنّة، ونسخ بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (1).
الرابع: نسخ السنة بالسنة: وهو على أربعة أنواع:
1 - نسخ متواترة بمتواترة، وهذه جائزة.
2 - نسخ آحاد بآحاد، وهذه جائزة.
3 - نسخ آحاد بمتواترة، وهذه جائزة.
4 - نسخ متواترة بآحاد، وفيها الخلاف بين العلماء على نفس الخلاف الذى بينهم فى نسخ القرآن بالسنة الآحادية، والجمهور على عدم جوازهما.
مبحث فى: أوجه النسخ فى القرآن، والحكمة من وقوعه، والتعرف على بعض مصطلحاته
هو على ثلاثة أوجه ننقلها عن الزركشى فيما يأتى:
الأول: ما نسخ تلاوته، وبقى حكمه، فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول.
ومثاله: ما روى عن عائشة، وأبىّ بن كعب رضى الله عنهما:
«كان مما يتلى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله».
قال عمر رضى الله عنه: «لولا أن يقول الناس: زاد عمر فى كتاب الله، لكتبتها بيدىّ» رواه البخارى فى صحيحه معلقا (2).
وقد يقال: ما الحكمة فى رفع التلاوة وبقاء الحكم؟ وهلّا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟--------------------------------------------
(1) 144: البقرة.
(2) البرهان للزركشى 2/ 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
والجواب: إنما كان ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة فى المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير طلب أو إلحاح لطريق مقطوع به، فيسرعون إلى الاستجابة بأيسر شىء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحى (1).
وبعض أهل العلم ينكر هذا النوع من النسخ، لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد.
وقد يقال: كيف يقع النسخ إلى غير بدل، والله تعالى يقول ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها. وهذا وجه ليس له بدل من مثله؟
ويجاب عن ذلك: بأن كل ما ثبت الآن فى القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته، وكل ما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن، فقد أبدله بما علمناه، وتواتر إلينا لفظه ومعناه (2).
الثانى: نسخ الحكم وبقاء التلاوة:
ومثاله: نسخ حكم آية العدة بالحول مع بقاء تلاوة الناسخ والمنسوخ وهذا النوع هو الذى ألفت فيه الكتب، وذكر المؤلفون فيه الآيات المتعددة، وإن حقق العلماء أنها معدودة، بل ومحصورة فى زهاء عشرين آية.
وقد يقال: ما الحكمة فى رفع الحكم وبقاء التلاوة؟
والجواب من وجهين: أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فإنه يتلى كذلك لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت تلاوته لذلك.--------------------------------------------
(1) البرهان للزركشى 2/ 35.
(2) الإتقان للسيوطى 3/ 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
وثانيهما: بقاء المنسوخ تذكيرا بالنعمة فى رفع المشقة (1).
الثالث: نسخ التلاوة والحكم معا.
ومثاله: ما رواه مسلم وغيره من أصحاب السنن عن عائشة رضى الله عنها.
قالت: «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات». فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن» (2).
فإن قيل: ظاهر «وهن مما يقرأ من القرآن» بقاء التلاوة، وليس كذلك فإنه غير موجود فى مصحف عثمان.
والجواب: أن التلاوة نسخت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فتوفى وبعض الناس يقرؤها.
وقد أنكر بعض العلماء هذا القسم لأن الأخبار فيه أيضا أخبار آحاد لا يحتج بها على النسخ.
وأجيب عن ذلك: بأن ثبوت النسخ شىء، وثبوت نزول القرآن شىء آخر.
فثبوت النسخ يكفى فيه الدليل الظنى بخبر الآحاد، أما ثبوت نزول القرآن فهو الذى يشترط فيه الدليل القطعى (3).
مطلب فى: الحكمة من وقوع النسخ:
ذكر الشيخ مناع القطان خلاصة الحكمة فى وقوع النسخ فى ما يأتى:--------------------------------------------
(1) الإتقان 3/ 63.
(2) الإتقان للسيوطى 3/ 62، مباحث فى علوم القرآن للقطان ص 238.
(3) المصدرين السابقين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
(1) مراعاة مصالح العباد.
(2) تطور التشريع بتطور أحوال المكلفين.
(3) ابتلاء المكلفين واختبار مدى قدراتهم على الامتثال من عدمه.
(4) إرادة الخير للأمة والتيسير عليها لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة ثواب، وإن كان إلى أخف ففيه السهولة واليسر (1).
مطلب فى: التفريق بين بعض المصطلحات:
التبس على بعض علماء الأمة- أو غيرهم- بعض المصطلحات التى تشكك فى النسخ فأنكروا وقوعه إما جملة وتفصيلا، أو بالإيهام بهذه المصطلحات.
ولعل أهم هذه المصطلحات التى التبست بالنسخ مصطلحان هما:
(1) البداء. (2) التخصيص.
وسنفرق بين كل مصطلح منهما وبين النسخ.
(1) البداء والنّسخ:
معنى البداء: للبداء معنيان:
الأول: الظهور بعد الخفاء، ومنه قوله تعالى: بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ.
الثانى: نشأة رأى جديد لم يكن موجودا من قبل، ومنه قوله تعالى فى شأن عزيز مصر مع يوسف عليه السلام ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ.--------------------------------------------
(1) مباحث فى علوم القرآن لمناع القطان ص 240. (بتصرف).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
والتداخل الذى التبس على بعض الناس هنا، أن النسخ لا يجوز لأنه يؤدى إلى البداء وهو أن يكون ثمة حكم ظهر لله تعالى بعد أن كان خافيا عليه، أو أنه أنشأ حكما جديدا كان يجهله- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
والنسخ ليس كما ظن هؤلاء- وإنما هذا زعم اليهود ابتداء- إنما النسخ والمنسوخ أصلا فى علم الله ابتداء ظاهرة لديه لم يخف عليه منهما شىء، غاية ما هناك بالنسبة للمكلفين أن الله أظهر ما علمه لعباده- وهو عليم به- لا ظهور ذلك له، لحكمة يعلمها وهو أن الحكم المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهى فى وقت معلوم، كما علم- جل شأنه- أن الناسخ يجئ فى هذا الوقت المعلوم منوطا بحكمة ومصلحة معينة أخرى لتدرج أحوال المكلفين من الضعف إلى القوة، ومن السقم إلى الصحة.
(2) النسخ والتخصيص:
معنى التخصيص: هو أن تقصر الحكم على بعض الأفراد دون الجميع، أو هو:
قصر العام على بعض أفراده.
والتداخل هنا أن الذين توهموا أن النسخ يؤدى إلى البداء- بزعمهم- اخترعوا القول بالتخصيص للتخلص بدلا من القول بالنسخ، أى أن ما وقع فى القرآن من الآيات الناسخة إنما هى مخصصة للعموم فى ما ظنّ أنه منسوخ.
وهذا خلط تماما بين النسخ والتخصيص، والتخصيص أبدا لا يقوم مقام النسخ ولا يسد مسده لاعتبارات أهمها:
أولا: أن النسخ يجئ لإبطال حجية المنسوخ إمّا لجميع أفراده فيكون مبطلا للعام، أو مبطلا لبعض أفراده حسب الحكم الذى جاء به الناسخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
أما التخصص فلا يبطل حجية العام (أى المنسوخ) أبدا، بل تظل حجية العام قائمة والمخصّص إنما هو بعض الأفراد فقط.
ثانيا: أن النسخ لا يقع إلا بالكتاب أو السنّة، والتخصيص يمكن أن يقع بالعقل والحسّ.
ثالثا: أن النسخ لا يكون إلا فى الأوامر والنواهى، بينما التخصيص يكون فى الأخبار.
رابعا: أن العام الذى يراد تخصيصه يشمل حكمه جميع الأفراد، وإخراج البعض منهم يكون على سبيل المجاز الذى لا بدّ له من قرينة لتخصيصه بينما النسخ على سبيل الحقيقة القاطعة.
من أجل هذا التوهم والالتباس وقع خلاف العلماء فى موضوع النسخ على أربعة آراء:
أصحاب الرأى الأول: ينكرون تماما النسخ فى الشرائع، ويعتبرون أنه «بداءة» أى ظهور مسألة عند الله كانت خافية عليه، وهو يؤدى إلى وقوع الجهالة على الله تعالى.
وهذه المسألة رغم أنها لبعض علماء المسلمين لكنها فى الأصل فكرة يهودية شاعت بين علمائهم وأحبارهم بغرض إثبات عدم إمكانية نسخ «التوراة» بعد نزولها. مع أنهم يقرون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها كتحريم كثير من الحيوان على بنى إسرائيل بعد حلّه، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم فى قوله تعالى:
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ (1).--------------------------------------------
(1) 93: آل عمران.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
أصحاب الرأى الثانى: يثبتون النسخ على أنه وإن كان «بداء» فالبداء عندهم جائز على الله تعالى. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهم الروافض، وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ (1)، على أساس أن الآية تظهر لله المحو والإثبات، وهذا تحريف للمعنى الموجود فى الآية: إذ المعنى البين من الآية هو: ينسخ الله ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما يرى فيه المصلحة فى إثباته: وهذا المعنى ثابت فى حالات كثيرة من القرآن كقوله تعالى:
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ (2). ومحو الكفر والمعاصى بالتوبة.
أصحاب الرأى الثالث: يجيزون النسخ عقلا، ويمنعون وقوعه شرعا.
وهذا رأى أبى مسلم الأصفهانى: محمد بن بحر المعتزلى المتوفى سنة 322 هـ، وهو أول من قال بفكرة التخصيص بدلا من النسخ، واحتج بقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (3).
ووجه استدلاله بها أنه جعلها على معنى أن أحكامه لا تبطل أبدا، مع أن المفهوم من الآية أن القرآن لم يتقدمه ما يبطله من الكتب، ولن يجئ بعده ما يبطله.
أصحاب الرأى الرابع: قالوا بجواز النسخ عقلا، ووقوعه شرعا.
أما الشرع: أ- فقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4).
ب- ما ورد فى الصحيح عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن عمر---------------------------------------------
(1) 39: الرعد.
(2) 114: هود.
(3) 42: فصلت.
(4) 106: البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)