يد أبى حنيفة وأصحابه ويعد عبد الله بن مسعود أساس هذا المذهب.
منزلة ابن مسعود فى التفسير:
* تظهر منزلة ابن مسعود التفسيرية فى تقديمه لنفسه، وفى ثناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكانته ومنزلته فى العلم، وفى تقديم هذه الشهادات سواء كانت على لسان ابن مسعود نفسه باعتباره كلاما حقيقيا بعيدا عن الفخر والخيلاء، أو كانت على لسان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أ- يقول ابن مسعود- رضى الله عنه- عن نفسه لما بلغه تحريق عثمان- رضى الله عنه- للمصاحف: «لقد علم أصحاب محمد أنى أعلمهم بكتاب الله- وما أنا بخيرهم- ولو أنى أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله منى تبلغه الإبل لأتيته».
قال أبو وائل: «فقمت إلى الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت أحدا من أصحاب محمد ينكر ذلك عليه».
* ويقول ابن مسعود- رضى الله عنه: «أخذت من فىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة». ويقول: «والذى لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته» (1).
هذه شهادة ابن مسعود على نفسه وهى شهادة ما قصد بها التباهى والتعالى، وإنما قصد بها البيان، والإيضاح أن ما عنده من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق
وأسرع أن يحمل عنه، حتى لا يضيع بذهابه.
ب- أما شهادة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلاميذه فمنها:--------------------------------------------
(1) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى 4/ 204.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
* روى أبو نعيم فى «حلية العلماء» عن أبى البحترى قال: قالوا لعلىّ أخبرنا عن ابن مسعود، قال: «علم القرآن والسنّة ثمّ انتهى، وكفى بذلك علما» (1).
* وقال عقبة بن عامر- رضى الله عنه: «ما أدرى أحدا أعلم منه بما نزل على محمد بن عبد الله، فقال أبو موسى: إن تقل ذلك، فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل».
* وقال تلميذه مسروق: «كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النّهار».
مرويات ابن مسعود ومبلغها من الصحة (2):
إن الحكم على مرويات ابن مسعود بالصحة والسلامة، أو بالضعف والسقم ليس بالنظر إلى ابن مسعود نفسه، وإنما بالنظر إلى من روى عنه بطبيعة الحال.
ولقد حصر الدكتور/ محمد حسين الذهبى مرويات ابن مسعود فى خمسة طرق سلم منها أربعة طرق كاملة، فكان حظه فى تلاميذه، ونقلة علمه أكثر من ابن عباس- رضى الله عنه- وقد سبق أن عرفنا أن مرويات ابن عباس لا يكاد يسلم منها أكثر من طريقين، والضعف فى أكثر مرويات ابن عباس فى التفسير كانت فى نقلة علمه كما عرفت.
ونقدم بين يديك طرق الرواية عن ابن مسعود فيما يأتى:
1 - طريق الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود.--------------------------------------------
(1) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى 4/ 205.
(2) عن التفسير والمفسرون للدكتور الذهبى 1/ 87 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
2 - طريق مجاهد، عن أبى معمر، عن ابن مسعود.
3 - طريق الأعمش، عن أبى وائل، عن ابن مسعود.
4 - طريق السّدّى الكبير، عن مرة الهمدانى، عن ابن مسعود.
5 - طريق أبى روق عن الضحاك، عن ابن مسعود.
أما الطرق الثلاثة الأولى فقد اعتمدها البخارى فى صحيحه.
وأما طريق السّدّى الكبير (إسماعيل بن عبد الرحمن) فحديثه عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة، وقد جمع من الأئمة فيهم: شعبة، الثورى (1).
وأما الطريق الخامس: عن الضحاك، عن ابن مسعود، فقد حكم عليه العلماء بالانقطاع لأن الضحاك لم يلق ابن مسعود يرحمهما الله تعالى.
وهكذا بعد أن قدمنا بين يديك ثانى أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن علموا الكتاب والحكمة، وعكفوا على تفسير آيات الله، وكانوا أقرب إلى تأدية مراد الله تعالى ممن جاء بعدهم، فنهلت الأجيال من فيض معينهم، وغزير ما أعطوا من فقه الوحى فبنوا هذا العلم- علم التفسير- وأقاموه على أعمدة صحيحة راسخة، أشهر بناتها ابن مسعود فحق لنا أن نحفر اسمه فى ذاكرتنا وذاكرة التاريخ لعلم التفسير، وأن نقول بحق ما قاله المغبطون لعلمه وقربه من المعصوم- صلوات الله وسلامه عليه: «كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل».--------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون 1/ 88 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
(3) علىّ بن أبى طالب «كرّم الله وجهه»
مكانته فى العلم بصفة عامة:
لا يستطيع أحد أن ينكر على آخر الراشدين علىّ بن أبى طالب، ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره، وأول من أسلم من الأحداث، وشهد المشاهد كلها، ومن آخاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الدنيا والآخرة. لا أحد ينكر سعة علمه، وقوة حجته، وسلامة استنباطه، ونضج عقله، ورجاحة قضائه. فكما كان ابن عباس- رضى الله عنه- مرجع الصحابة فى التفسير، كان علىّ- كرم الله وجهه- مرجعهم فى القضايا المعضلة.
وكما كان تفسير ابن عباس بركة دعوة رسول رب العالمين، كان «قضاء علىّ» وهدى قلبه فيه دعوة رسول رب العالمين كذلك. قال النبى صلى الله عليه وسلم فيه: «اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه». «أنت أخى فى الدنيا والآخرة». «لأعطيّن الراية رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. ثم أعطاها عليا». ولّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء اليمن، فأوفى وأجاد، ورجع إليه الصحابة فى معضلات أمور القضاء حتى صار يضرب به المثل فيقال: «قضية ولا أبا حسن لها» (1).
مكانته فى التفسير بصفة خاصة:
قدمنا أن مفسرى الصحابة كانوا لا يزيدون على ستة عشر صحابيا من بينهم أم المؤمنين عائشة- رضى الله عنها- وأن المشهورين منهم عشرة، والمكثرون من العشرة أربعة.--------------------------------------------
(1) أسد الغابة لابن الأثير 4/ 28 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
فاعلم أن عليا- كرم الله وجهه- ثالث الأربعة فى ترتيب المكثرين. وقد جمع- كرم الله وجهه- إلى جانب مهارتى القضاء والفتيا العلم بالقرآن بشهادته عن نفسه، وشهادة علماء الصحابة- خاصة المفسرين منهم- عنه. أما شهادته عن نفسه فيقول: «سلونى، فو الله لا تسألوننى عن شىء إلا أخبرتكم، وسلونى عن كتاب الله فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم فى سهل أم فى جبل».
وأخرج أبو نعيم فى «الحلية» عنه: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وإن ربي وهب لى قلبا عقولا، ولسانا سئولا» (1).
وأما شهادة علماء الصحابة له: قال فيه عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، وإن علىّ بن أبى طالب عنده منه الظاهر والباطن» (2).
مرويات علىّ- كرم الله وجهه- ومدى صحتها:
لو أننا نظرنا بمنظار غير منظار التثبت من العلم لوضعنا «عليا» - كرم الله وجهه- قبل ابن عباس فى كثرة ما روى عنهما من تفسير. فقد بلغ ما روى عن علىّ- كرم الله وجهه- حدا من الكثرة لا تليق بوضعه فى المرتبة الثالثة بين المكثرين، ولكن النظرة الموضوعية العلمية التى جعلت الباحثين يضعون الإمام عليا فى المرتبة الثالثة هى النظر فقط إلى ما صحّ من الروايات عنه، وإلا فإن المغالين الذين أسرفوا فى حبّهم له، هم السبب فى اختلاق أكثر الروايات التى نسبت إليه فى التفسير مما جعل القيمة العلمية لهذه الروايات لا ترتقى إلى مرتبة الوثوق بها.
ولذلك يقول الدكتور محمد حسين الذهبى: «لم يعتمد أصحاب الصحيح فيما--------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون 1/ 89 - 91.
(2) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
يروونه عنه إلا على ما كان من طرق الإثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلمانى، وشريح وغيرهما.
وأهم هذه الطرق هى:
1 - طريق: هشام، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلمانى، عن علىّ- كرم الله وجهه- طريق صحيح يخرج منه البخارى وغيره.
2 - طريق: ابن أبى الحسين، عن أبى الطفيل، عن علىّ- كرم الله وجهه- وهذا الطريق غالب ما عند سفيان بن عيينة فى تفسيره، وهو صحيح أيضا.
3 - طريق الزهرى، عن على زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن جده علىّ.
وهذه أصح الطرق، بل عدّها البعض أصح الأسانيد مطلقا.
(4) أبىّ بن كعب- رضى الله عنه-
تعريفه: هو أبىّ بن كعب بن قيس الأنصارى، الخزرجى. كناه النبى صلى الله عليه وسلم ب «أبى المنذر» وكناه عمر- رضى الله عنه- ب «أبى الطفيل» أحد السابقين من بنى النجار إلى الإسلام، المسارعين لقبوله: قبله الله ورضى عنه، وتقبل منه. شهد بدرا، والعقبة. أول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة المدينة. مات فى خلافة عمر- رضى الله عنه- وعنه. قال فيه عمر: «أبىّ سيّد المسلمين».
مكانته فى العلم بصفة عامة:
كان- رضى الله عنه- أحد كتّاب الوحى، وأحد الحفاظ لكتاب الله العزيز،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وأحد المشهورين من القرّاء فى الإسلام. سماه الله لنبيّه وطلب من نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه القرآن.
فقد أخرج الترمذى عن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: «إن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأبيّ بن كعب: «إن الله أمرنى أن أقرأ عليك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا. قال أبىّ: آلله سمانى لك؟ قال: نعم، فجعل أبىّ يبكى. فقيل له: وفرحت بذلك؟ قال: وما يمنعنى وهو القائل قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (1).
ونقل ابن الأثير من رواية الشعبى عن مسروق قال: «كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة: عمر، علىّ، عبد الله، أبىّ، زيد، وأبو موسى».
مكانة أبىّ- رضى الله عنه- فى التفسير خاصة:
سبق أن علمت فى ما قدمناه أن أبىّ بن كعب أنه رابع الأربعة المكثرين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا غرابة فى ذلك، فهو كاتب الوحى بيده، وأكثر الصحابة علما بجودة قراءته، ومن الحفظة المعدودين. وهذه الأدوات الهامة جعلته أهلا للعلم بالتفسير وروايته. وأخذ التفسير على يديه جمهرة من الصحابة من أمثال ابن عباس، وابن عمر- رضى الله عنهما- كما أنه يعتبر مرجعا هاما للصحابة .. لذلك فإن ما يصل إلى يديك من تفسير أبىّ إذا صحت الرواية عنه له قيمة علمية على جانب عظيم من الأهمية.
أشهر طرق الرواية عنه:
1 - طريق: أبى جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس، عن أبى العالية، عن أبىّ---------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبى 1/ 91 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
رضى الله عنه. وهذا طريق صحيح، أخرج ابن جرير، وابن أبى حاتم، والحاكم، والإمام أحمد عنه الكثير (1).
2 - طريق: وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبىّ بن كعب عن أبيه. وهذا الطريق على شرط الحسن، يخرج منه الإمام أحمد فى مسنده. وإن كان فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، صدوق تكلم فيه البعض.
مطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن الصحابة رضى الله عنهم
لا شك أن الصحابة العشرة الذين اشتهروا بتفسير القرآن الكريم هم الذين أرسوا قواعد علم التفسير، وأقاموا دعائمه باعتبار أنهم المصدر الأول الذى شاهد الوحى، وعاصر التنزيل، هم بهذا أصل هذا العلم وحملته، وكلامهم فيه مرده إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا الأساس فقد اهتم العلماء اهتماما كبيرا «بمأثورات» الصحابة المفسرين خاصة المكثرين منهم فى الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم، أو باجتهادهم باعتبار أن من عنى منهم بتفسير القرآن الكريم هم من اهتموا بجمعه، وحفظه، ومعرفة أسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، وحلاله وحرامه وأوجه قراءاته ممن تناولناهم بالدراسة السابقة وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلى بن أبى طالب، وأبىّ بن كعب- رضى الله عنهم جميعا.
ونظرا إلى أن تفسير هؤلاء الأئمة الكبار منه ما يعود إلى أسباب النزول ومنه ما يعود إلى اجتهاد مفسرى الصحابة لذلك نرى أن العلماء انقسمت نظرتهم إلى قيمة التفسير المنقول عن الصحابة على ما يأتى:
1 - يرى الحاكم النيسابورى أن تفسير الصحابى الذى شاهد الوحى، وعاصر التنزيل له حكم الحديث المرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وهو بهذا ينقل عن البخارى ومسلم ما ذكراه.--------------------------------------------
(1) أسد الغابة لابن الأثير 1/ 50.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
يقول الحاكم: «ليعلم طالب الحديث أن تفسير الصحابى الذى شاهد الوحى والتنزيل- عند الشيخين- حديث مسند» (1).
أما اعتبار الحاكم بأن تفسير الصحابى له حكم الحديث المرفوع فهو اعتبار «مطلق وعام». إذ لا يخلو تفسير الصحابى من الاجتهاد برأيه- وإن قل- فى زمانهم، لكنه كان موجودا وبارزا خاصة فى ما نقله الرواة من تفسير ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهما.
ولهذا نرى ابن الصلاح صاحب المقدمة المشهورة فى علم الحديث يقيد هذا العموم والإطلاق بما إذا كان المأثور عن الصحابة متعلقا بسبب نزول، أو برواية يسندها الصحابى إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن الصلاح: «ما قيل من أن تفسير الصحابى حديث مسند، فإنما ذلك فى تفسير يتعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابى، أو نحو ذلك لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبى،، ولا مدخل للرأى فيه كقول جابر- رضى الله عنه: كانت اليهود تقول:
من أتى امرأته من دبرها فى قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله- عز وجل نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (2) فأما سائر تفاسير الصحابة التى لا تشتمل على إضافة شىء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمعدودة فى الموقوفات (3) ومن هنا نرى أن تفسير الصحابى نوعان:
1 - نوع موقوف على الصحابى، وهو ما يتعلق باجتهاده فى تفسير النص القرآنى.
2 - ونوع مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم يسنده الصحابى، أو له حكم المرفوع كذكر سبب النزول.--------------------------------------------
(1) تدريب الراوى للسيوطى ص 64.
(2) البقرة: 223.
(3) تدريب الراوى ص 64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
أما النوع الأول: فقد اختلف العلماء فى حكم الأخذ به، والرجوع إليه وعدم العدول عنه إلى غيره إلى رأيين:
أ- ذهب فريق إلى أن الموقوف على الصحابى لا يجب الأخذ به، ويمكن العدول عنه إلى رأى مجتهد آخر، لأن الصحابى فى قوله الخاص غير المسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مجتهد كسائر المجتهدين فلنا أن نأخذ به، أو بقول مجتهد آخر غيره، لأن كليهما يخطئ ويصيب.
ب- وذهب آخرون إلى أن «موقوف الصحابى» لا يعدل عنه إلى غيره، ويجب الأخذ به لظن سماعهم له من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنهم حتى وإن فسروا القرآن بآرائهم واجتهاداتهم الشخصية فآراؤهم أقرب إلى الصواب ممن بعدهم، فهم أدرى الناس وأعلم بكتاب الله- تعالى- باعتبارات كثيرة منها أنهم: أهل اللسان، وصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلقهم بأخلاقه، ولما لهم من العلم الصحيح والفهم الدقيق لا سيما علماؤهم وقراؤهم، ومنها أنهم شاهدوا نزول القرآن ووعوا أسبابه فيم نزل، وفى أى شىء، ومتى.
حتى قال السيوطى فى الإتقان: «اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد.
والأول: إما أن يرد عن النبىّ صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة، أو رءوس التابعين. فالأول:
يبحث فيه عن صحة السند، والثانى: ينظر فى تفسير الصحابى، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك فى اعتماده، أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه» (1).
ولقد وضّح العلامة ابن كثير فى مقدمة «تفسير القرآن العظيم» هذا المعنى--------------------------------------------
(1) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى 2/ 183.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
بجلاء ووضح وبين أهمية تفسير الصحابى، وقيمته العلمية فقال وهو يعدد أوليات هذه الأهمية:
من حيث ترتيب مصادر هذه الأقوال: «إذا لم نجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة رجعنا فى ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التى اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم».
وأما النوع الثانى: فمجمع على وجوب الأخذ به وعدم العدول عنه إلى اجتهاد من بعده.
مطلب فى: خصائص تفسير الصحابة، ومميزاته
1 - لم يكن التفسير فى هذا العهد تفسيرا مكتوبا، ولا مدونا، وإنما كان شأنه شأن علم الحديث. والسبب فى ذلك أن الأمة كلها فى هذه الفترة اعتمدت على نقل علمها رواية ومشافهة، لا تدوينا ولا كتابة لوجود النهى الصارم عن تدوين غير القرآن خوف إلباسه بما ليس منه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تكتبوا عنى شيئا ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه» اللهم إلا ما كان ينقله البعض من الحفاظ والمفسرين على هوامش مصاحفهم من أوجه القرآن ولغاته فظنها المتأخرون عنهم أنها من تفاسيرهم.
2 - لم يأخذ التفسير شكلا منتظما يتماشى مع ترتيب السور، أو حتى ترتيب آيات السورة الواحدة.
3 - لم يستقص أى مفسر من كبار مفسرى الصحابة ومكثريهم جميع آيات القرآن الكريم، وإنما فسروا فقط ما غمض فهمه على الناس، أو ما عرفوا له أسبابا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
للنزول، أو ما كان جوابا نزل به الوحى لسؤال سائل.
4 - اتفاق جيلهم على الفهم العام لمعظم آيات القرآن باعتبار معايشتهم لنزوله، وعدم اختلاف مفسريهم إلا فى النادر القليل.
5 - قلة الاستنباط الفقهى لقلة الحوادث والواقعات والمستجدات.
6 - الاقتصار على التفسير لغريب الألفاظ التى كانت تغيب على معرفة البعض منهم لكونه على لغات قبيلة دون أخرى مثلا.
تلكم هى المرحلة الأساسية فى بيان مراد كلام الله- تعالى- وهى مرحلة كريمة لها طابع نورانى لم تشبها شوائب عقلية، ولا إحن مذهبية .. لك أن تسميها باسم المرحلة الأولى فى التفسير، ولك أن تسميها باسم الصحابة رضوان الله عليهم …
المهم عندنا أن مصدرها نبع صاف .. وموردها صاحب كريم.
مبحث فى: التفسير فى عصر التابعين ومدارسه
تمهيد: بدأت الفتوحات الإسلامية فى أواخر عهد النبى صلى الله عليه وسلم، ثم بدأت تتسع شرقا، وشمالا، وغربا، حتى أتت على مملكة كسرى، والروم، ومصر، وما لبث الجهاد أن حمل الصحابة- رضوان الله عليهم- إلى كل هذه البلدان واستقر العديد منهم فيها، والتف الناس حولهم متشوقين إلى هؤلاء النفر الكرام البررة الذين رأوا النبىّ صلى الله عليه وسلم، وعاصروا الوحى، ونالوا شرف القتال فى الغزوات الكبرى.
ومع ذلك فقد تفرغ منهم للعلم فى موطن الوحى عبد الله بن عباس فى مكة، وأبىّ بن كعب فى المدينة فلم يشأ كل منهما أن يغادر موطنه الذى ولد فيه فنشأت على أكتافهما مدارس التفسير فى الحرمين الشريفين. بينما استقر علىّ ومن قبله ابن مسعود فى العراق فقامت بهما مدارس التفسير فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
مطلب تمهيدى فى: مدارس التفسير فى عصر التابعين
وبذلك شاءت إرادة الله- سبحانه وتعالى إلا أن تقوم على عاتق المشاهير الأربعة أهم مدارس التفسير، وأن يكون حظ التابعين من علمهم الحظ الموفور، وأن تمتد بهم فى أشخاص تلاميذهم السمة الأساسية لتفسير كتاب الله العزيز.
ومما تجدر الإشارة إليه أن كلمة «مدرسة هنا» لا تعنى بناء خاصا لتلقى علم التفسير كما هو الحال فى زماننا، ولكنه تعبير تجاوزى عن بداية الاستقرار لتلقى العلم فى مكان ما .. ليكن المسجد، وليكن السؤال فى الطريق العام من التلميذ للأستاذ أيا ما كان فقد أصبح لابن عباس تلاميذه من التابعين فى مكة.
وكذلك لأبيّ تلاميذه من التابعين فى المدينة، ولعلىّ وابن مسعود تلاميذهما فى العراق.
ولنلق ضوءا بسيطا على كل مدرسة وأشهر تلاميذها باختصار شديد.
1. المدرسة المكية فى التفسير وأشهر تلاميذها:
شيخها: عبد الله بن عباس- رضى الله عنه- وقد سبق لك أن عرفت قيمته ومنزلته العلمية، وأدواته ومصادره فى التفسير.
تلاميذها: وقد أخذ عن ابن عباس علمه فى مكة ثلّة من التابعين أشهرهم:
1 - سعيد بن جبير بن هشام الأسدي: أبو محمد، حبشى الأصل، أسود اللون، أبيض الخصال، أخذ عن ابن عباس- رضى الله عنهما- القراءة والتفسير، وهو ثقة حجة.
2 - مجاهد بن جبير: أبو الحجاج المخزومى، أوثق تلاميذ ابن عباس- رضى الله عنهما- من القراء المشهورين، توفى بمكة سنة 104 هـ وهو ساجد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
3 - عكرمة (مولى ابن عباس) أبو عبد الله البربرى المدنى، أصله من البرير بالمغرب. كان جريئا على العلم، ولذلك توقف بعض العلماء عن توثيقه، ومع ذلك فعكرمة- يرحمه الله- لم يثبت عليه شىء يلام عليه، وقد فند مطاعن الطاعنين عليه الشيخ محمد حسين الذهبى فلتراجعه هناك (1). وتوفى- رحمه الله سنة 104 هـ.
4 - طاوس بن كيسان اليمانى الحميرى. أبو عبد الرحمن. كان على جانب عظيم من الورع والتقوى حتى صار شيخ اليمن، جالس أكثر من خمسين صحابيا، وكان خبيرا متقنا لمعانى كتاب الله تعالى، توفى سنة 106 هـ بمكة المكرمة أثناء حجه إليها من اليمن.
5 - عطاء بن أبى رباح المكىّ القرشى: أبو محمد، توفى سنة 114 هـ. كان من سادات التابعين فقها وعلما، وورعا، وفضلا زيّنه الله بالعلم ونوّره بالورع، وأفاض عليه من نوره مع أنه كان- يرحمه الله- أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمى بعد ذلك، فأنّا يدانيه منّا أحد؟
2. المدرسة المدنية فى التفسير، وأشهر تلاميذها:
شيخها: أبىّ بن كعب بن قيس الأنصارى من السابقين للإسلام من بنى النجار، ومن السابقين فى خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدمة القرآن، كتابة، وحفظا، وعلما بقراءاته.
تلاميذها: حمل علم أبىّ- رضى الله عنه- فى المدينة أناس كثيرون من التابعين كان من أشهرهم:--------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون 1/ 110.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
1 - أبو العالية: رفيع بن مهران الرياحى. أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم بسنتين وهو من ثقات التابعين المشهورين فى التفسير، ونسخة كبيرة من تفسير أبىّ بن كعب- رضى الله عنه- يرويها أبو العالية، وأخرج منها الأئمة فى تفاسيرهم، مات- يرحمه الله تعالى- سنة 90 هـ.
2 - محمد بن كعب بن سليم القرظى، المدنى: أبو حمزة من حلفاء الأوس.
روايته عن أبىّ بن كعب بالواسطة، لكنه اشتهر بالثقة، والعدالة، والورع وكان من أفاضل أهل المدينة علما بالقرآن، توفى سنة 118 هـ.
2 - زيد بن أسلم العدوى المدنى: أبو أسامة. اشتهر عنه التفسير بالرأى دون تحرج، ولكنه كان ثقة، لم ينسبه أحد إلى مذهب من المذاهب المبتدعة، وكان من أشهر من تلقى علم زيد بن أسلم: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وابنه عبد الرحمن بن زيد، توفى- يرحمه الله تعالى- سنة 136 هـ تقريبا.
3. المدرسة العراقية وأشهر تلاميذها:
شيخها: عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه. والواقع: أن عليا- كرم الله وجهه- وكذلك كثير من الصحابة يعدون من شيوخ هذه المدرسة حيث تلقى أهل العراق العلم عنهم جميعا. غير أن أحدا منهم لا ينازع عبد الله بن مسعود فى مشيخة هذه المدرسة لاعتبارات أهمها:
1 - شهرة ابن مسعود فى القراءات والتفسير.
2 - تعيينه رسميا من قبل الخليفة الثانى عمر- رضى الله عنه- ليكون معلم أهل الكوفة ووزير أميرها عمار بن ياسر مما جعل الكوفيين يجلسون إليه ويأخذون عنه أكثر من غيره من الصحابة- رضوان الله عليهم. حتى أن العلماء يقولون بأن ابن مسعود هو الذى أسس «الرأى» فى مسائل الخلاف وهو الذى وضع الأساس لهذه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
الطريقة فى الاستدلال، والتى اشتهر بها أهل العراق فيما بعد. ومن المرجح أن تؤثر هذه الطريقة فى ظهور تفسير القرآن الكريم بالاجتهاد والرأى خاصة فى استنباط المسائل الشرعية للواقعات المستجدة فى عصورهم كنتيجة طبيعية من نتائج إعمال الرأى فى فهم النصوص الشرعية من القرآن والسنة.
تلاميذها: تتلمذ على ابن مسعود- رضى الله عنه- عدد كبير من التابعين- من أهل العراق فحملوا عنه علما كثيرا، كان من أشهرهم:
1 - علقمة بن قيس بن عبد الله النخعى الكوفى. أشهر من روى عن ابن مسعود، وأعلمهم بعلمه على الإطلاق، كان ثقة، مأمونا، حتى قال فيه مرة الهمدانى: «كان علقمة من الربانيين». مات وعمره تسعون سنة فى «61 هـ».
2 - مسروق بن الأجدع بن مالك الهمدانى الكوفى: أبو عائشة. قيل: سمّى مسروق، لأنه سرق فى صغره ثم وجد. كان من أعلم تلاميذ ابن مسعود، وكان شريح القاضى يستشيره فى معضلات المسائل، امتاز بورعه، وعلمه، وعدالته، وكانت وفاته سنة «63 هـ».
3 - الأسود بن يزيد بن قيس النخعى: أبو عبد الرحمن، المتوفى سنة «74 هـ» بالكوفة. كان من كبار التابعين، وثقاتهم، على جانب عظيم من فهم كتاب الله وكان من صوّام الدهر معدود فى أصحاب ابن مسعود بالافتاء.
4 - مرّة بن شراحيل الهمدانى، الكوفى العابد، الملقب ب «مرة الخير». و «مرة الطيب» لكثرة صلاحه، وشدة روعه. سجد «مرة» حتى أكل التراب وجهه، وكان يصلى كل يوم ستمائة ركعة. توفى سنة «76 هـ» (1).--------------------------------------------
(1) تهذيب التهذيب 10/ 88 - 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
5 - عامر الشعبى: عامر بن شراحيل الشعبى، الحميرى، الكوفى، التابعى الجليل، قاضى الكوفة، سمع من ثمانية وأربعين صحابيا. يقول عنه ابن سيرين:
«قدمت الكوفة وللشعبى حلقة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير». كان فقيها، شاعرا، ثقة، وكان يقال عنه: «ابن عباس فى زمانه».
6 - الحسن البصرى: الحسن بن أبى الحسن يسار البصرى، مولى الأنصار كان غزير العلم بكتاب الله، جامعا، عالما، فقيها، ثقة، مأمونا، قال فيه أبو جعفر الباقر:
«ذلك الذى يشبه كلامه كلام الأنبياء (1).
7 - قتادة بن دعامة السدوسى: أبو الخطاب الأكمه، عربى الأصل، سكن البر.
كان واسع الاطلاع فى الشعر العربى، بصيرا بأيام العرب، عليما بأنسابهم وكان ثقة، مأمونا، وكان من علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حفاظ زمانه.
مطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن التابعين
اختلف علماء الأمة فى قبول «رأى» التابعى فى التفسير، ومدى الالتزام به، إذا كان هذا قولا مستقلا له موقوفا عليه غير مسند إلى صحابى، أو غير مرفوع إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم. وهم فى ذلك على رأيين:
الأول: أن قول التابعى ورأيه الشخصى فى التفسير، هو كقول آحاد الناس غير ملزم بقبوله وللأمة أن تأخذ به أو تأخذ برأى مجتهد سواه فى عصره أو بعد عصره وذلك للأسباب الآتية:
1 - أن التابعى (فى رأيه الشخصى) ليس له سماع من النبىّ صلى الله عليه وسلم، ولا من الصحابى حتى تلتزم الأمة رأيه.--------------------------------------------
(1) تهذيب التهذيب 10/ 88 - 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
2 - أن التابعى (فى رأيه الشخصى) شأنه شأن غيره من جيله ومن بعده لم يرث القرائن التى نزل عليها الوحى، فيجوز عليه الخطأ- كما يجوز على غيره- فى فهم المراد، وظن ما ليس بدليل دليلا.
3 - أن التابعى لم تنصّ على عدالته، كما نص عليها بالنسبة للصحابة.
4 - أن جميع مجتهدى الأمة (من التابعين وأتباعهم) نصّوا على ذلك، ولكل من الأئمة الأربعة مقالة مشهورة عنه تصلح كدليل لهذا الرأى.
أ- يقول أبو حنيفة- يرحمه الله تعالى: «ما جاء عن النبىّ صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة تخيرنا. وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال».
ب- ويقول مالك- يرحمه الله تعالى: «كل منا يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر» مشيرا إلى قبر النبى صلى الله عليه وسلم.
ج- ويقول الشافعى- يرحمه الله تعالى: «إذا رأيت قولى يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضرب بقولى عرض الحائط».
د- ويقول أحمد بن حنبل- يرحمه الله تعالى: «إذا صح الحديث فهو مذهبى» فقد قال هؤلاء الأئمة كلمة الفصل فى هذه المسألة وهى أن قول التابعى «الخاص» غير واجب الأخذ به فى ما يفسره من آيات الله تعالى، وشأنه فى ذلك شأن غيره من المفسرين.
الثانى: أن قول التابعى «الشخصى». غير المسند إلى صحابى، وغير المرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم قول يؤخذ بالقبول، ويعتد به. وحجتهم فى ذلك: أن التابعين تلقوا غالب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
تفسيراتهم عن الصحابة (1) فمجاهد مثلا يقول: «عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها».
وقتادة يقول: «ما فى القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا» (2). وهذا رأى أكثر المفسرين.
تحقيق المسألة: لابن تيمية- يرحمه الله تعالى- كلمة جيدة فى هذه المسألة ننقلها عنه فى كتابه «مقدمة فى أصول التفسير» فيما يلى: «قال شعبة بن الحجاج وغيره:
أقوال التابعين ليست حجة، فكيف تكون حجة فى التفسير؟، يعنى أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم- وهذا صحيح- أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب فى كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع فى ذلك إلى لغة القرآن، أو السنّة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة فى ذلك (3).
وهذا أيضا ما استقر عليه بعض الباحثين المعاصرين كالدكتور/ محمد حسين الذهبى فى كتابه «التفسير والمفسرون» حيث يقول: «والذى تميل إليه النفس هو أن قول التابعى فى التفسير لا يجب الأخذ به إلا إذا كان مما لا مجال للرأى فيه فإنه يؤخذ به حينئذ عند عدم الريبة، فإن ارتبنا فيه، بأن كان يأخذ من أهل الكتاب، فلنا أن نترك قوله ولا نعتمد عليه. أما إذا أجمع التابعون على رأى فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه إلى غيره (4).
مطلب فى: خصائص ومميزات التفسير فى عصر التابعين
يعتبر عصر التابعين- بالنسبة لعلم التفسير- مرحلة تالية لعصر الصحابة- رضوان الله عليهم- وامتدادا لخصائصه خاصة فى ناحيتين اثنتين:
الأولى: أن خاصية التلقى والرواية، وعدم التدوين التى كانت الطابع المميز--------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون 1/ 129.
(2) المرجع السابق.
(3) مقدمة فى أصول التفسير لابن تيمية ص 28.
(4) التفسير والمفسرون 1/ 130.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
للتفسير فى عصر الصحابة ظلت كما هى فى عصر التابعين، بفارق بسيط وهو أن التلقى والرواية لم تكن مجموعة فى إقليم واحد كما كان الشأن فى المدينة المنورة فى التفاف الصحابة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أصبح لكل إقليم تلاميذ يلتفون حول صحابى أو أصحاب نزحوا إلى هذا الإقليم والتف أهل الإقليم للأخذ عنه أو عنهم.
الثانية: النقل عن بعض الروايات الإسرائيلية فى التفسير، انتقلت هذه الخاصية أيضا من جيل الصحابة إلى جيل التابعين، ولكن أيضا بفارق أكبر. ذلك أن النقل عن أهل الكتاب فى عصر الصحابة كان محصورا للغاية، خاصة عند أبىّ بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود- رضى الله عنهم- ولكن فيما لا يتعدى ما هو جاد فى ديننا من مسائل، أما عصر التابعين فقد كثرت الإسرائيليات بكثرة من أسلم منهم.
هاتان الخاصتان انتقلتا إلى عصر التابعين بالنسبة لمسائل التفسير. أما الخصائص المميزة لهذه «المرحلة الثانية» (عصر التابعين) فأهمها ما يلى:
1 - بداية ظهور المذاهب والفرق، والكلام حول بعض الآيات التى حملها بعض المفسرين من التابعين آراءه الخاصة. وذلك كمسائل الكلام حول القضاء والقدر الذى نسب إلى كل من الحسن البصرى، وقتادة بن دعامة السدوسى- يرحمها الله تعالى.
2 - اتساع الخلاف بين التابعين فى مسائل التفسير بصورة واضحة ومتباعدة بينما لم يكن الخلاف بين الصحابة فى تفسير آيات كتاب الله تعالى شيئا ملموسا، أو محسوسا.
ومع هذا فإن هذه المسألة- أعنى مسألة الخلاف بين التابعين- لم تأخذ الفجوة العميقة التى سنراها فيما بعد، وإنما يمكن أن يقال «إنه خلاف» أى بالنسبة لما سبقهم من عصر الصحابة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)