فإذا اختل أحد الشروط الثلاثة السابقة في تعريف القراءة المتواترة فإن القراءة تكون غير متواترة، وهي: الشاذة.
* * *
المسألة الثالثة:
القراءة الشاذة حجة - أي: تؤثر في الأحكام الفقهية إثباتاً ونفياً، لأن الناقل للقراءة الشاذة - وهو الصحابي - أخبر أنه سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، فالمنقول إما أن يكون قرآناً، أو خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ثالث لهما، وكل واحد منهما يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حجة.
وبناء على هذا: فإنه يجب التتابع في صيام كفارة اليمين لقراءة ابن مسعود رضي الله عنه " فصيام ثلاثة أيام متتابعات ". وتجب النفقة على كل ذي رحم محرم؛ لقراءة ابن مسعود رضي الله عنه " وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ".
* * *
المسألة الرابعة:
لا تصح الصلاة بالقراءة الشاذة: لأن الصلاة لا تصح إلا بقرآن، والقرآن لا يكون إلا متواتراً، وهذه القراءة لم يثبت أنها قرآن، وهي خارجة عن الوجه الذي ثبت به القرآن فلا تصح القراءة بها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
المسألة الخامسة:
القرآن فيه مجاز كما فيه حقيقة عند الجمهور واستدلوا بدليلين هما:
الأول: أن القرآن وصف بأنه عربي نزل بلغة العرب، ولغة العرب يدخلها المجاز بدليل: وقوعه فيها، فاستعمل العرب لفظ: " الأسد " للرجل الشجاع، ولفظ: " الحمار " للرجل البليد، وقولهم: " قامت الحرب على ساق "، وقول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير. . . كرُّ الغداة ومرُّ العشي
وهذا لا شك أنه مجاز، فيكون القرآن - على هذا - قد اشتمل على المجاز؛ لأنه نزل بلغتهم.
والثاني: وقوع المجاز في القرآن: بحيث يذكر الشيء
بخلاف ما وضع له: وهو إما نقصان كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أو استعارة كقوله تعالى: (وَاخفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ)، وقوله: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ).
* * *
المسألة السادسة:
القرآن يشتمل على ألفاظ أصولها غير عربية، كقوله تعالى: (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) و (مشكاة) و (إستبرق)، لكن العرب عرَّبتها بكثرة الاستعمال، وحوَّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فهي عربية بهذا الوجه؛ حيث إن كثرة اختلاط العرب بالعجم جعل العرب يأخذوا عن العجم بعض ألفاظهم، وغيَّرت بعضها بالنقص من حروفها، وخففت ثقل العجمة، واستعملتها في شعرها ونثرها حتى جرت مجرى اللغة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
العربية، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن.
* * *
المسألة السابعة:
القرآن مشتمل على ما هو مُحكم وعلى ما هو متشابه: والمحكم من القرآن هو: ما أمكن معرفة المراد بظاهره، أو بدلالة تكشف عنه، أو بأي طريق من طرق المعرفة.
والمتشابه منه هو: ما ورد من صفات الله تعالى في القرآن مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، والتصديق بأنه لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه، كوصفه سبحانه بالاستواء الوارد في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، واليد الوارد في قوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، والعين الوارد في قوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)، وغير ذلك من الصفات التي اتفق أهل السنة والجماعة على إقرارها وإمرارها على ما هي عليه، وترك تأويلها.
ودليل ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، حيث إن الله تعالى قد صرَّح بوجود المحكم والمتشابه في القرآن، ثم ذم المبتغين لتأويل المتشابه ووصفهم بأنهم يبتغون الفتنة، وسمَّاهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
أهل زيغ، ولا يذم إلا على تأويل الصفات كما أجمع على ذلك السلف رحمهم الله، فلو كان المقصود بالمتشابه غير ذلك لما ذم الله المبتغين لتأويله.
* * *
المسألة الثامنة:
المتشابه لا يمكن إدراك المراد منه ولا يعلم تأويله إلا الله تعالى، دلت على ذلك الآية السابقة؛ حيث إن الوقف الصحيح على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، والواو في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ) للابتداء، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله تعالى، وقد دل على ذلك لفظ الآية ومعناها.
أما الدليل من لفظ الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: " إلا الله "، فهو: أن الله تعالى لو أراد عطف الراسخين على لفظ الجلالة، وهو الله سبحانه وتعالى، لقال: " ويقولون آمنا به " بزيادة " الواو "؛ حيث إن جملة: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) تكون جملة واحدة، ولفظ " يقولون " مستأنفة، فكان لا بدَّ من " الواو " ولكنه سبحانه لم يقل: " ويقولون "، بل قال: " يقولون " مما يدل على أن عبارة " يقولون آمنا به " مرتبطة بما قبلها، وليس لها إلا أن تكون خبر عن مبتدأ وهو قوله: " والراسخون " فينتج من ذلك أن " الواو " في قوله: " والراسخون "، للابتداء، وما قبل ذلك يكون نهاية جملة مفيدة وهو قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
أما الدليل من معنى الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: " إلا الله " فمن وجوه:
الوجه الأول: أن لفظة " أما " تأتي في اللغة لتفصيل الجمل، فلا بد أن يكون في سياقها قسمان، وهكذا ورد في الآية السابقة، حيث قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، فهذا القسم الأول، وهناك قسم آخر يخالف هذا القسم، تقديره، وأما غيرهم فيؤمنون بالمتشابه، ويفوضون معناه إلى الله تعالى، فيكون عندنا قسمان:
- قسم ذمَّهم الله، وهم الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب.
- وقسم مدحهم الله، وهم الذين آمنوا بالمتشابه، وفوضوا معرفته إلى الله تعالى، وهذا كله يدل على أن الوقف على قوله: " إلا الله ".
الوجه الثاني: أن الله تعالى ذكر أن الراسخين في العلم يقولون: " آمنا به "، ولم يقولوا: " علمنا به "، والإيمان غير العلم؛ حيث إن معنى الإيمان، التصديق، فهذا يدل على أنهم فوَّضوا علم المتشابه إلى الله تعالى، وبينوا أن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فهذا يدل على أن الراسخين في العلم لم يدركوا معنى المتشابه.
الوجه الثالث: أن الله تعالى وصف الذين يبتغون تأويل المتشابه بأنهم أهل زيغ، وهذا ذم لهم، ولو كان تأويل المتشابه معلوماً للراسخين في العلم - لكان مبتغي تأويله ممدوحاً غير مذموم، فلما ذم الله تعالى مبتغي التأويل عرفنا أن سبب هذا الذم هو: أنه يزاحم الله فيما استأثر بعلمه، فينتج من ذلك: أن الله هو المتفرد بعلم المتشابه لا يشاركه فيه أحد، فيكون الوقف الصحيح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
على قوله: " إلا الله ".
وبناء على ذلك: فإنه لا يجوز أن نجتهد في النصوص الواردة في صفات الله تعالى، ويجوز أن نجتهد في غير ذلك من النصوص ونستنبط منها الأحكام الفرعية.
* * *
المسألة التاسعة:
يوجد في القرآن لفظ مشترك - وهو: اللفظ الدال على معنيين فأكثر لا مزية لأحدها على الآخر، وقلنا ذلك لأمرين:
أولهما: أن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب يرد فيها المشترك؛ حيث إنه يُتردد في المراد من لفظ " القرء " و " العين " و" الشفق " و " الجون " و " الجلل "، وهذا التردد: علامة الاشتراك.
ثانيهما: الوقوع؛ حيث وقع المشترك اللفظي في القرآن؛ كقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، والقرء يصلح للطهر والحيض، لذلك اختلف العلماء في عدة المطلقة الحائض، فقيل: إن عدتها ثلاث حيض استناداً إلى أن المراد بالقرء الوارد في الآية هو: الحيض.
وقيل: إن عدتها ثلاثة أطهار؛ استناداً إلى أن المراد بالقرء الوارد في الآية هو: الطهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
الدليل الثاني
السُّنَّة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
السنة هي: ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير، مما يخص الأحكام التشريعية.
* * *
المسألة الثانية:
السنة حجة يجب قَبولها والعمل بها كما يجب قَبول القرآن والعمل به؛ للآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132))، أو للآيات الدالة على وجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وللآيات الدالة على وجوب اتباعه في جميع ما صدر عنه، والدالة على أن اتباعه لازم لمحبة الله تعالى كقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، وكقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4))،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ولإجماع المسلمين منذ بعثته صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على أن كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات حجة يجب العمل به.
* * *
المسألة الثالثة:
الخبر من حيث سنده ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الخبر المتواتر، وهو: خبر عدد يمتنع معه لكثرته التواطؤ على الكذب.
القسم الثاني: خبر الآحاد، وهو: خبر واحد أو عدد لا يمتنع معه التواطؤ على الكذب.
* * *
المسألة الرابعة:
الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني بالمخبر عنه: لأنا نجد أنفسنا عالمة علماً يقينياً بما أخبرنا به عن طريق التواتر، كإخبارنا بالأنبياء والعلماء والسلاطين، والبلاد النائية كالهند والصين ونحو ذلك، كما نجد أنفسنا عالمة بما نشاهده وما نحس به، ومن أنكر ذلك فقد أنكر ما قطع به، وهذا لا يُعتد بقوله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
المسألة الخامسة:
العلم الحاصل بالمتواتر ضروري لا نظري: لأنه يحصل لأهل النظر ولغيرهم من العوام والصبيان، فلو كان العلم الحاصل بالمتواتر نظرياً فإنه لا يقع إلا لمن هو من أهل النظر والاستدلال فقط، وللزم من ذلك: اختلاف الناس فيه فيعلمه بعضهم أو يجهله آخرون.
* * *
المسألة السادسة:
شروط المتواتر هي:
الشرط الأول: أن يكون المخبرون عالمين ضرورة بما أخبروا به عن طريق إحدى الحواس الخمس، كأن يقولوا: " سمعنا فلان يقول "، أو " رأينا الصين "، أو " لمسنا الثلج فوجدناه باردا "؛ لأن ما لا يكون كذلك فإنه يحتمل الغلط، أو السهو، أو الغفلة فلا يحصل به العلم.
الشرط الثاني: أن يكون حال وعدد الطبقة الثانية كحال وعدد الطبقة الأولى، وكذلك تكون الطبقة الثالثة، وهكذا حتى ينتهي الخبر إلينا، فكل طبقة يشترط فيها شروط التواتر؛ لأن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه، فلا بد من توافر شروط التواتر فيه، فإن لم يتوافر هذا الشرط في كل عصر فإنه لا يحصل العلم بصدقهم، لعدم استواء طرفي الخبر ووسطه في كمال العدد والصفة.
الشرط الثالث: أن لا يكون السامع عالماً بما أخبر به ضرورة، لأن العلم الضروري يستحيل أن يصير أقوى مما كان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
الشرط الرابع: أن يكون السامع للخبر من أهل العلم غير المتشددين أو المتساهلين؛ لأنه يستحيل حصول العلم من غير متأهل له.
* * *
المسألة السابعة:
لا يشترط في المتواتر عدد محصور: بل متى ما حصل العلم بخبر المخبرين المجرد عن القرائن فإنا نعلم أن الخبر قد بلغ التواتر، وإذا لم يحصل لنا العلم بخبر المخبرين فإنا نعلم أن الخبر لم يبلغ حد التواتر؛ لأنه لا يمكن معرفة العدد بالتحديد الذي حصل علمنا عنده بوجود بلد لم نشاهده، وإنما الطريق لمعرفة كون هذا الخبر متواتراً هو حصول العلم بالخبر؛ لأن العلم يتزايد تزايداً خفي التدريج، فهو يشبه تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال.
* * *
المسألة الثامنة:
لا يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين وعدولاً، فيحصل العلم بالمتواتر سواء كان المخبرون مسلمين أو لا، عدولاً أو لا؛ لأن سبب إفضاء الخبر المتواتر إلى العلم هو: كثرة المخبرين الذين لا يُتصوَّر اجتماعهم أو تواطؤهم على الكذب في الخبر، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يمكننا أن نستفيد العلم بأخبار الكفار، وبأخبار الفساق كما لو أخبروا عن موقعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
وقعت في السوق، كما يمكن أن نستفيد العلم بأخبار المسلمين أو العدول ولا فرق، والجامع: الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب، فكثرة المخبرين جعلته في مرتبة قوية في إفادته للعلم، فلا يحتاج إلى شيء يقوِّيه كالإسلام والعدالة.
* * *
المسألة التاسعة:
لا يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد؛ لأن الواقع يدل على ذلك. فلو أخبرنا المصلون في مسجد عن سقوط الإمام من المنبر - وهو يخطب - فإنه يحصل العلم بخبرهم مع أنهم محصورون، بدليل أن المسجد قد حواهم، فإذا كان الأمر كذلك في المسجد فمن باب أولى أن يحصل العلم بخبر أهل بلد لو أخبروا عن وقوع شيء.
* * *
المسألة العاشرة:
لا يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم وأوطانهم وأديانهم؛ لأن الواقع يدل على ذلك. فلو أن قبيلة من القبائل المتفقة في الدين، والوطن، والنسب، أخبروا عن حادثة وقعت في ناحيتهم فإنه يحصل العلم بخبرهم ضرورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
المسألة الحادية عشرة:
لا يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين، لأن الواقع يدل على ذلك، فلو أخبر أهل بلد من بلدان الكفار عن حصول فتنة لحصل العلم بخبرهم مع كونهم كفاراً فضلاً عن كون الإمام المعصوم ليس فيهم.
* * *
المسألة الثانية عشر:
لا يجوز على أهل التواتر والجماعة العظيمة أن يكتموا ما يحتاج الخلق إلى نقله ومعرفته، لأن كتمان ذلك بمثابة الكذب - وهو: الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع - والكذب محال على أهل التواتر والجماعة العظيمة، لاستحالة أهل التواتر على الكذب.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
خبر الواحد المجرد يفيد الظن، ولا يفيد العلم؛ لأنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم، لكان العلم حاصلاً بخبر الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم من غير حاجة إلى إظهار المعجزات والأدلة على صدقهم، ولوجب على القاضي أن يصدق المدَّعي من غير بينة، ولما احتيج إلى عدد من الشهود، ولجاز أن ينسخ خبر الواحد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
القرآن والسنة المتواترة، ولكن لما أخبر الأنبياء عن نبوتهم وأظهروا مع ذلك المعجزات الدالة على ذلك، ولما لم يصدق القاضي المدَّعي إلا ببينة، ولما احتيج إلى عدد من الشهود، ولما لم يجز نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد، دل كل ذلك على أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
المستفيض وهو: ما نقله جماعة تزيد على الثلاثة، وهو المشهور - داخل ضمن خبر الواحد؛ لأن خبر الواحد ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما لا يفيد الظن أصلاً، وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على السواء.
القسم الثاني: ما يفيد الظن، وهو: ترجيح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع، سواء نقله واحد أو نقله الثلاثة والأربعة.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
يجوز التعبد بخبر الواحد شرعاً والعمل به لدليلين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
أولهما: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث قبل أبو بكر رضي الله عنه خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطى الجدة السدس، وأن عمر قبل خبر حمل ابن مالك وهو قوله: " كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة عبد أو أمة وأن تقتل "، وقبل عمر خبر عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - في المجوس -: " سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب ".
وقبل الصحابة خبر عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل "، وقبل ابن عباس خبر أبي سعيد الخدري في الصرف وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل"، فحرم بذلك ربا الفضل وربا النسيئة، وقال ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى في ذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة، وغير ذلك.
وهذه الأخبار وإن لم تتواتر آحادها إلا أنها بمجموعها أفادتنا علماً يقينياً لا يقبل الشك أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد ويعملون به، ويتركون ما خالفه، دون إنكار من أحد؛ إذ لو وجد إنكار لبلغنا كما بلغتنا تلك الأخبار، فلما لم يبلغنا إنكار على العمل بتلك الأخبار دل هذا على إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد.
ثائيهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث آحاد الصحابة إلى البلاد، كبعثة مصعب بن عمير إلى المدينة، وعتاب بن أسيد إلى مكة، وإرساله علياً ومعاذاً إلى اليمن، ليعلِّموا أهل تلك الديار الأحكام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
الشرعية، ويبعث الواحد من الصحابة ليخبرهم بالناسخ والمنسوخ، وكان أهل تلك الديار يقبلون منهم ذلك، فلو أن خبر الواحد غير مقبول لما بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولما قبل السامعون الأحكام التي جاء بها.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
لا يشترط لقَبول الخبر أن يرويه اثنان، بل يقبل الخبر وإن كان راويه واحداً؛ لما سبق من الدليلين اللذين ذكرا في المسألة السابقة.
* * *
المسألة السابعة عشرة:
الرواية في الزنا لا يشترط فيها أن يكون الرواة أربعة، بل يكفي واحد كغير الرواية في الزنا، ولا فرق، لعموم الدليلين السابقين؛ حيث دلاً على أن خبر الواحد الثقة يقبل مطلقاً سواء في الزنا أو في غيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
المسألة الثامنة عشرة:
الصحابي هو: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، واختص به اختصاص المصحوب، متَّبعاً إياه مدة يثبت معها إطلاق صاحب عليه عرفاً بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، هذا هو تعريف الصحابي الأصح؛ لأن شهود التنزيل، والاطلاع على أسباب ورود الأحكام، ومعرفة التأويل، ومقاصد الشريعة لا يمكن إلا باختصاص مصاحبة، وكثرة مجالسة.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
يُعرف الصحابي بطرق هي:
الطريق الأول: النقل المتواتر؛ حيث إن كثيراً من الصحابة قد علمنا بصحبتهم عن طريق التواتر كالخلفاء الأربعة، وزوجاته صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين، والأنصار.
الطريق الثاني: أن يخبر الشخص العدل الثقة المعاصر للنبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه بأنه صحابي ويقول: " أنا صحبت النبي صلى الله عليه وسلم".
الطريق الثالث: إن يخبر الواحد ممن ثبتت صحبته ويقول: إن فلاناً من الصحابة؛ لأن الصحابي عدل فيقبل كل ما يخبر به.
الطريق الرابع: أن يقول المسلم الذي ثبتت صحبته: " كنت أنا وفلان من الصحابة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم".
الطريق الخامس: أن يقول المسلم الذي ثبتت صحبته: " دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
المسألة العشرون:
يُقبل خبر الصحابي مطلقاً لثبوت عدالته في الكتاب، والسنة، والعقل.
فمن الكتاب قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)، وقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم، حيث إن الله تعالى قد صرَّح بأنه قد رضي عن الصحابة، ولا يرضى الله تعالى إلا على من اتصف بالعدالة؛ حيث إنه لا يرضى عن الفسَّاق.
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم "، فلو لم يكونوا عدولاً لما وصفهم بالخيرية، لأن الفساق لا خير فيهم.
والعقل دلَّ على عدالتهم؛ حيث إن تواتر واشتهار طاعتهم المطلقة لله ولرسوله، وبذل النفس والنفيس، وقتالهم للآباء والأبناء والأقرباء والأهل في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، وكون الواحد منهم لا تأخذه في الله لومة لائم في ذلك، يجعل كل عاقل يقطع بصلاحهم وأنهم آمنوا وصدقوا باطناً وظاهراً، ويقطع بنفي الفسق عنهم، ومن انتفى فسقه، وظهر صلاحه فهو العدل.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
لا يُقبل خبر غير الصحابي إلا بشروط هي:
الشرط الأول: أن يكون مسلماً، فلا تقبل رواية الكافر لأنه متهم بالدين، غير مؤتمن على أي خبر يخص الشريعة الإسلامية فعداوته للمسلمين تحمله على الكيد لهم، والحرص على التدليس والتلبيس عليهم في دينهم، لأنه أبغضهم من أجله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
الشرط الثاني: أن يكون الراوي بالغاً، أما الصبي فلا تقبل روايته؛ لأن الصبي لا يعرف الله تعالى وإذا كان كذلك فلا يخاف عقاب من لا يعرفه ولا يرجو ثواب من يجهله، فيكون الصبي لا رغبة له في الصدق، ولا يوجد شيء يجعله يتجنب الكذب، وبالتالي لا يؤمن جانبه فلا يوثق بخبره، فلا يقبل.
وأيضاً: فإن الصبي إذا أقر بشيء على نفسه فإنه لا يقبل، فإذا كان لا يقبل منه هذا مع أنه خاص بنفسه، فإنه من باب أولى أن لا يقبل خبره عن غيره.
الشرط الثالث: أن يكون الراوي عاقلاً، فلا يقبل خبر المجنون، لأن العاقل يُميز بين خبر الرسول صلى الله عليه وسلم وخبر غيره، وبين قبح الكذب، وحسن الصدق، ويعلم معنى المنقول والمراد منه.
الشرط الرابع: أن يكون الراوي متصفاً بالعدالة وهي: هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة؛ حتى تحصل ثقة النفس بصدقه، ويتحقق ذلك باجتناب جميع الكبائر والصغائر، واجتناب بعض المباحات التي يدل فعلها على نقص المروءة ودناءة الهمة، كالإفراط في المزاح، والبول في الشارع، والأكل في السوق، والضابط في هذا: ظهور أمارة الصدق، وعدم ظهور أمارة الكذب، وهذا يختلف باختلاف المجتهدين.
وعلى هذا لا يقبل خبر الفاسق؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6))، حيث إن الله تعالى قد نهانا عن قبول خبر الفاسق والعمل به إلا بعد التثبت والتأكد من صحته، فلو كان خبر الفاسق مقبولاً لما أمرنا بالتثبت من خبره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
والشرط الخامس: أن يكون الراوي ضابطاً متقناً لما يحفظه، دون تغيير، لأن غير الضابط قد يُغير لفظ الخبر، فيتغير بذلك المعنى، وقد يسقط من الخبر ما يحتاج إليه في الاستدلال، وقد يُضيف إلى الخبر ما يفسد الاستدلال به.
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
لا يشترط في الراوي كونه فقيهاً، لدليلين:
أولهما: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، حيث إن الله قد أوجب التبين في حالة الفسق، وعليه فلا يجب التبين في غير الفاسق سواء كان فقيهاً أو غير فقيه.
ثانيهما: قوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه "، وهو صريح في الدلالة.
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
لا تشترط في الراوي كثرة مجالسته للعلماء؛ لأن بعض الصحابة رضي الله عنهم قد قبلوا رواية بعض الأعراب، والأعرابي لا يجالس العلماء لكثرة ترحاله وتنقله، فهم لم يفرِّقوا بين الراوي المكثِر لمجالسة العلماء وبين غيره إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة الذكر.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
لا تشترط في الراوي كثرة روايته للأحاديث؛ لأن بعض الصحابة رضي الله عنهم قد قبلوا خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثاً واحداً، فلم يفرقوا بين من يروي حديثاً واحداً، وبين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
من يروي الأحاديث الكثيرة إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
لا يشترط في الراوي: كونه مشاهداً حال السماع منه، لأن الصحابة رضي الله عنهم قد قبلوا أخبار عائشة رضي الله عنها وكانوا يسمعونها من وراء ستر؛ اعتماداً على صوتها بدون رؤية شخصها، فهم في تلك الحالة كالعميان بالنسبة لعائشة.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
لا يشترط في الراوي: كونه عالماً باللغة العربية، لأن جهله بمعنى الكلام لا يمنع من ضبطه للحديث، ولهذا يمكنه حفظ القرآن الكريم، وإن لم يعرف معناه.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
لا يشترط في الراوي: كونه ذكراً؛ لإجماع الصحابة على قَبول أخبار عائشة، وأم سلمة، وحفصة - رضي الله عن الجميع - بدون نكير من أحد.
وأيضاً: لو كانت الأنوثة مانعة للمرأة من قبول روايتها، لكان ذلك مانعاً من قبول فتواها، ولكن قولها يقبل في الفتوى، فيقبل خبرها في الرواية، قياساً عليه.
* * *
المسألة الثامنة والعشرون:
لا يشترط في الراوي عدم القرابة، وعدم العداوة، بل تجوز رواية الولد بما يعود منفعته إلى والده، ويجوز العكس، ويجوز أن يروي خبراً يضر بعدوه وينفعه مطلقاً؛ لأن حكم الرواية عام؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)