فيلزم الراوي والمروي له وغيرهما، فلا يختص بواحد معين، فالتهمة معدومة حتى تكون العداوة أو الصداقة أو القرابة مؤثرة فيه بنفي أو إثبات، فالرواية ليست كالشهادة التي تختص بالمشهود له أو عليه، نفعاً أو ضراً.
* * *
المسألة التاسعة والعشرون:
الكافر الأصلي هو: الخارج عن الإسلام كاليهودي والنصراني لا يقبل خبره، وقد سبق بيان ذلك.
أما الكافر المتأوِّل، وهو: المسلم الذي فعل بدعة كفَّره بها أهل السنة والجماعة - وهو يعلم بذلك أو لا يعلم - ففيه التفصيل الآتي:
إن كان يدعو إلى بدعته: فلا يقبل خبره؛ لأنه لا يؤمن أن يضع حديثاً يوافق تلك البدعة ويقويها، فأثر ذلك في صدقه فترجَّح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من أخبار.
وإن كان لا يدعو إلى بدعته - التي كُفر بسببها - فإن خبره يقبل؛ لأنه قد أمن جانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه، فيقبل خبره.
* * *
المسألة الثلاثون:
الفاسق بعمل الجوارح لا يُقبل خبره، وقد سبق بيان ذلك.
أما الفاسق المتأول - وهو: الذي فعل بدعة قد فُسِّق بسببها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
- وهو يعلم ذلك أو لا يعلم - ففيه التفصيل الآتي:
إن كان يدعو إلى بدعته: فلا يقبل خبره، لأنه لا يؤمن أن يضع خبراً يوافق تلك البدعة، فأثرت تلك الريبة في صدقه، فترجح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من أخبار.
وإن كان لا يدعو إلى بدعته - التي فُسق بسببها -: فإنه يقبل خبره، لأن الراوي الذي توفرت فيه شروط الراوي الذي أخطأ بتأويل إذا كان لا يجوِّز الكذب، وهو يعتقد أنه على حق قد أُمن جانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه فيقبل خبره.
* * *
المسألة الواحدة والثلاثون:
الصبي لا يقبل خبره، وقد سبق بيان ذلك، لكن إذا سمع الصبي الخبر وتحمله قبل البلوغ وكان مميزاً ضابطاً لذلك الخبر، وأدَّاه بعد البلوغ وظهور رشده في دينه، فإنه يقبل خبره لدليلين:
أولهما: إجماع الصحابة والسلف على قبول أخبار أصاغر الصحابة - وهم الذين توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهم لم يبلغوا - كابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، وأنس بن مالك، وغيرهم من أحداث الصحابة رضي الله عنهم فكان يقبل منهم كل خبر يروونه من غير تفريق بين ما تحملوه في حالة الصِّبا، وما تحملوه بعد البلوغ.
ثانيهما: قياس الرواية على الشهادة، بيانه: أنه إذا جاز أن يتحمل الشهادة صبياً، ويشهد بها بعد البلوغ وتقبل، فمن باب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
أولى جواز تحمل الرواية في حالة الصبا وأدائها بعد البلوغ، لأن الشهادة يحترز منها أكثر من غيرها.
* * *
المسألة الثانية والثلاثون:
مجهول الحال في الإسلام، والتكليف، والضبط، لا يقبل خبره إجماعاً، أي: أنه إذا روى لنا شخص خبراً ونحن لا نعرف أنه مسلم، أو كافر، أو لا نعرف أنه مكلف أو لا، أو لا نعرف أنه ضابط أو لا، فإن هذا لا يقبل خبره، ولا نعمل به، لأن الإسلام والتكليف والضبط من شروط قبول الرواية، وعليه: فلا يمكن قبول خبر شخص إلا إذا تأكدنا من توفر هذه الشروط، فإذا شككنا في أي واحد منها فإنه لا يقبل الخبر.
* * *
المسألة الثالثة والثلاثون:
مجهول الحال في العدالة لا يقبل خبره؛ لدليلين:
أولهما: قياس مجهول الحال في العدالة على مجهول الحال في الإسلام، والتكليف والضبط، بيانه: أنه كما أن مجهول الحال في الإسلام والتكليف والضبط لا يقبل خبره، فكذلك مجهول الحال في العدالة - وهو الذي لا يعرف عنه عدل ولا فسق - لا يقبل خبره، ولا فرق والجامع: أنه لم يثبت فيه شرط قبول الرواية، وإذا تخلف الشرط: تخلف المشروط - وهو القبول - كالطهارة في الصلاة إذا لم توجد الطهارة فإن الصلاة لا تصح، كذلك هنا.
ثائيهما: قياس مجهول العدالة في الرواية على مجهول العدالة في الفتوى، بيانه: أن المفتي إذا بلغ درجة الاجتهاد وشك في عدالته فإن فتواه لا تُقبل، فكذلك إذا شك في عدالة الراوي فإن خبره لا يقبل ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما يحكي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
حكماً شرعياً يعمل به، إلا أن المفتي يحكيه عن اجتهاد نفسه واستنتاجه من الأدلة المعتبرة، والراوي يحكي ذلك الحكم عن غيره بصورة خبر.
* * *
المسألة الرابعة والثلاثون:
التعديل: هو وصف المسلم المكلَّف الضابط بملازمة التقوى والمروءة، بحيث يُنسب إليه الخير والعِفَّة، والحرص على فعل الواجبات، وترك المحرَّمات والشبهات، وتحري الصدق وتجنب الكذب، مما يجعلنا نظن غالباً بأن قوله صدق.
والتجريح هو ضد التعديل، وهو: أن لا يوصف المسلم، بما سبق، فلا نصفه بالعدالة، مما يجعلنا نظن ظناً غالباً بأن هذا الشخص لا يتحرى الصدق.
* * *
المسألة الخامسة والثلاثون:
يحصل تعديل الشخص بأمور:
أولها: التعديل بالحكم بشهادته.
فإذا علمنا أن هذا الحاكم العدل قد حكم بشهادة ذلك الشخص فإنه يدل على أن هذا الشخص عدل، وهذا أقوى من التعديل بالقول، وهو قوله: " هو عدل رضي "؛ لأن الحكم بشهادته استلزم القول وتضمنه، أما القول فهو مجرد لم يتضمن الحكم بشهادته فيكون الحكم بشهادته قولاً وزيادة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
ثانيها: التعديل بالقول، وهو على مراتب:
المرتبة الأولى: قول المعدل: " هو عدل رضي " مع ذكر السبب.
المرتبة الثانية: قول المعدل: " هو عدل رضي " مع عدم ذكر السبب.
وهذه المرتبة تتفاوت في القوة، فأعلاها قوة: أن يكرر اللفظ قائلاً: " هو عدل عدل "، أو " ثقة ثقة "، أو " ثقة عدل "، أو " ثقة ثبت "، أو " ثقة حجة "، أو " ثقة حافظ "، أو " ثقة ضابط ".
وأدناها: أن يذكر اللفظ بدون تكرار فيقول: " هو عدل " أو " ثقة ".
المرتبة الثالثة: قول المعدل: " هو صدوق " أو " مأمون " أو " خيار ".
المرتبة الرابعة: قول المعدل: " محله الصدق "، أو " رووا عنه "، أو " صالح الحديث "، أو " حسن الحديث "، أو " أرجو أن ليس به بأس " ونحو ذلك.
ثالثها: التعديل بعمل العدل الثقة بخبر ذلك الشخص بشرط: أن يُعلم يقيناً أن هذا العدل لم يعمل إلا بخبر ذلك الشخص، أما إذا لم يتوفر ذلك الشرط، فإن العمل بذلك الخبر لا يكون تعديلاً للمروي عنه؛ لاحتمال أن يكون قد عمل به احتياطاً، أو أنه عمل بدليل آخر وافق روايته، وإذا تطرق الاحتمال بطل الجزم.
* * *
المسألة السادسة والثلاثون:
رواية العدل عن غيره لا تعتبر تعديلاً لذلك الغير؛ لدليلين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
أولهما: أنه قد يكون هذا الشخص عدلاً عند الراوي، وليس عدلاً عند غيره، فيجب التأكد.
ثانيهما: أنه وقع أن بعض الأئمة قد رووا عن العدل وغير العدل، وإذا كان الأمر كذلك فقد وجد الاحتمال، وهو: احتمال أن يكون المروي عنه عدلاً أو غير عدل، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيجب التوقف فيه حتى يأتي دليل وقرينة تبين عدالة المروي عنه.
* * *
المسألة السابعة والثلاثون:
إذا اشتهر شخص بين طائفة من الناس بالعدالة والثقة وشاع الثناء عليه بينهم - وهو ما يُسمَّى بالاستفاضة - فإن هذا لا يعتبر من الأمور التي يحصل بها التعديل؛ لأن الشخص قد يُشاع عنه بأنه عدل وثقة، وما أشاع ذلك إلا أنصاره وأتباعه ومن لهم فيه مصلحة، فإذا تحققنا من الأمر ودققنا فيه بان خلاف ذلك - وقد وقع كثيراً - لذلك يُقتصر في التعديل على الأمور الثلاثة التي يحصل بها التعديل، وقد سبقت، لما فيها من الاحتياط.
* * *
المسألة الثامنة والثلاثون:
إذا لم يحكم الحاكم بشهادة الراوي ولم يعمل بها فإن هذا لا يعتبر جرحاً في الراوي، أي: لا يلزم من عدم قبول شهادته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
عدم قبول روايته، لأن الحاكم قد يتوقف في الحكم بشهادة الراوي لأسباب غير الجرح، كعداوة، أو تهمة قرابة، أو صداقة، فيكون الحاكم قد ترك العمل بشهادة الراوي لواحد من تلك الاحتمالات، لا لانتفاء العدالة، وعليه: فلا يحكم عليه بالجرح والتفسيق مع وجود تلك الاحتمالات.
* * *
المسألة التاسعة والثلاثون:
يُكتفى في الجرح والتعديل بقول واحد ليس من عادته التساهل في التعديل أو المبالغة في الجرح، فإذا عدَّل شخص عارف بأمور التعديل راوياً من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونقبل رواية الراوي المعدَّل، وكذا لو جرَّح شخص عارف بأمور الجرح راوياً من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونرد رواية ذلك الراوي المجرَّح؛ لأن العدالة شرط من شروط قبول الرواية، والشرط لا يزيد في إثباته على مشروطه، ومعروف أن الأصل - وهو الرواية - يكفي فيه واحد، فتعديل الراوي وتجريحه تبع للرواية وفرع لها؛ لأنه إنما يُراد لأجلها، فإذا كانت الرواية يكفي فيها راوٍ واحد، فكذا ما هو تبع وفرع لها.
* * *
المسألة الأربعون:
تعديل العبد والمرأة للراوي مقبول؛ قياساً على روايتهما، بيانه: كما أن رواية العبد والمرأة مقبولة، فكذلك تعديلهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
للراوي مقبول، ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما خبر يجب فيه الصدق.
* * *
المسألة الواحدة والأربعون:
إذا عدَّل الثقة العدل شخصاً، أو جرَّحه، فإنه يجب ذكر سبب التعديل والجرح.
وقلنا: يجب بيان سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل لا يكون محصلاً للثقة بالعدالة؛ حيث إن العادة قد جرت بتسارع الناس إلى ذلك، بناء على الظاهر، وكم من شخص قد خدع غيره بمظهره، حيث يظهر التقى، والصلاح، والعلم، ومخافة الله تعالى، ويُعبر بتعبيرات تدل على ذلك في المجالس والمحافل، فإذا دققنا في شأنه وحالته وأموره الخاصة وجدناه على خلاف ظاهره تماماً، حيث وجدناه يتساهل في كسب ماله فلا يأخذه من طرقه المشروعة.
وبعض الأشخاص تجده يظهر أنه عالم وصالح لطائفة من النبلاء أو العلماء؛ نظراً لطمعه في منصب وجاه، بينما هو على خلاف ذلك، كذلك تجد أناساً يتساهلون في تعديل شخص، بينما يتشدَّدون في تعديل آخر، وهكذا، والأمثلة على ذلك كثيرة، فيجب أن يُبين المعدل أسباب تعديله لأي شخص، ثم نتأكد منها، فإن كانت صحيحة قبلنا ذلك، وإن كانت غير ذلك بينا وجه الخطأ فيه.
وقلنا: يجب بيان سبب الجرح؛ لاختلاف الناس فيما يجرح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
به، فلعل الجارح اعتقد شيئاً جارحاً، وغيره لا يراه جارحاً، فبعضهم قد جرح بعض الرواة بكونه يبول قائماً، وبعضهم قد جرحه بسبب أنه يركض على برذونه، وبعضهم قد جرحه بسبب كثرة كلامه، ونحو ذلك. وكل ما سبق لا يُجرح به الراوي، وبعضهم قد يُجرح شخصاً آخر؛ للتقليل من قيمته العلمية أو للنيل منه حتى لا يُفضَّل عليه، وهكذا، فلا بد من ذكر سبب الجرح حتى نتأكد منه، فإن كان صالحاً قبلناه، وإن كان فاسداً رددناه.
المسألة الثانية والأربعون:
إذا ذكر اسم راوي الحديث، وهذا الاسم معدَّل، ولكنه اشتبه باسم رجل آخر مجروح فإن خبره لا يقبل، نظراً للاشتباه بالاسم الثاني، وذلك لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح، فلا تقبل روايته، بل يتوقف حتى يُعلم هل هو المجروح أو غيره.
* * *
المسألة الثالثة والأربعون:
إذا عدَّل زيد الراوي؛ وجرَّحه بكر، فإنا ننظر في سبب التعديل وسبب الجرح، فإن كان أحدهما أقوى من الآخر رجحنا الأقوى، وإن كانا متساويين في القوة: تساقطا، وتوقفنا في هذا الراوي؛ قياساً على الأدلة إذا تعارضت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
المسألة الرابعة والأربعون:
إذا ورد التعديل والتجريح من واحد، فإن علمنا المتأخر منهما، قدمنا المتأخر وعملنا به؛ لكونه ناسخاً للمتقدم، وإن لم نعلم المتأخر منهما، فإنا نتوقف حتى يثبت جرحه أو تعديله.
* * *
المسألة الخامسة والأربعون:
إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين فإنا نقدم الجرح على التعديل وإن كثر عدد المعدِّلين، لأن الجارح اطلع على زيادة في العلم عن الراوي قد خفيت على المعدِّل؛ فالمعدلون وإن كثروا ليسوا يُخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون فلم ينفوا ما قاله المجرحون، فلا ينتفي ذلك العلم الذي أخبر به الجارحون بسبب كثرة عدد المعدلين، فلا يلتفت إلى الكثرة مع وجود زيادة في الجرح.
* * *
المسألة السادسة والأربعون:
رواية المحدود في القذف مقبولة بشرط: أن يكون قد أخرج القول بالقذف مخرج الشهادة، أما إن أخرج القول مخرج القذف فإن روايته لا تقبل، لدليلين:
أولهما: الوقوع؛ حيث إن عمر قد جلد أبا بكرة واثنين معه حدَّ القذف لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا، ولم تتم الشهادة، ومع ذلك فقد قبل أهل الحديث ما رواه أبو بكرة من الأحاديث، وبعضها موجود في صحيح البخاري ومسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
ثانيهما: أن الشاهد العدل يغلب على الظن صدقه، ولكن لم يكمل العدد في الشهادة على الزنا، ونقصان عدد الشهادة لم يكن من جهته، ولا من فعله، وبناء على نقصان الشهادة أقام الإمام الحد عليه، وذلك لا يقدح بعدالة المحدود بالقذف، ولذا قبلت روايته.
* * *
المسألة السابعة والأربعون:
ألفاظ الصحابي في نقل الخبر هي:
الأول: قول الصحابي: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا ".
أو قال: " أخبرني رسول الله بكذا "، أو قال: " حدثني بكذا "، أو قال: " شافهني بكذا "، حجة يجب قبوله والعمل به؛ لصراحته في أنه لا يوجد واسطة بين الصحابي ورسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعدم تطرق أي احتمال إلى هذه الرواية.
الثاني: قول الصحابي: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "، أو " أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم "، أو " حدَّث رسول الله "، حجة يجب قبوله؛ لاتفاق السلف على قبول ذلك؛ حيث إنهم لم يفهموا من ذلك إلا السماع من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة؛ حيث إن الظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة العربية، وطرق استعمالاتها، أنه لا يُعبر بمثل هذا اللفظ إلا إذا كان سامعاً ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لو فرض أن الصحابي قد سمعه من غير النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ولأن مراسيل الصحابة مقبولة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
الثالث: قول الصحابي: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا "، أو " نهى عن كذا "، أو " حرم كذا "، أو " أباح كذا "، أو " فرض كذا "، أو نحو ذلك، حجة يجب العمل به، لإجماع الصحابة السكوتي على قبول ذلك والعمل به، حيث إن بعض الصحابة كانوا ينقلون الحديث بمثل تلك الألفاظ، ويقبل الصحابة الآخرون ذلك، ويعملون به من غير نكير، ومن ذلك ما قاله بعض الصحابة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح، وفرض زكاة الفطر صاعاً من تمر، ونهى عن المخابرة والوصال.
الرابع: قول الصحابي: " أُمرنا بكذا "، أو " نُهينا عن كذا "، أو " أوجب علينا كذا "، أو " حرم علينا كذا "، أو " أبيح لنا كذا "، ونحو ذلك، يفيد أن الآمر والناهي هو الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يحمل على غير ذلك، لذلك يجب العمل به؛ لأن مراد الصحابي من قوله هذا هو الاحتجاج لإثبات الأحكام الشرعية، فيجب حمل الأمر أو النهي على أنه صدر ممن يحتج بقوله، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يحمل على أنه صدر ممن لا يحتج بقوله من الأئمة والولاة والعلماء.
الخامس: قول الصحابي: " من السنة كذا "، أو " السنة جارية بكذا "، أو " مضت السنة بكذا "، يفيد أن المراد هو: سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيحمل على ذلك دون غيره، فيكون حجة ويعمل على ذلك لأنه مراد الصحابي من هذا التعبير أن يعلمنا الشرع،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
فيجب حمل قوله هذا على أنه صادر من الشرع، وهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك إذا قال التابعي أو من بعدهم: " من السنة كذا "، فانه يحمل على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يمكن لأي عالم من التابعين أو غيرهم ممن ثبتت عدالته أن يقول ذلك ويطلق إلا وهو يريد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث إنه هو الذي تجب طاعته.
السادس: قول الصحابي: " عن النبي صلى الله عليه وسلم" يفيد أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لأن الصحابي لا يمكن أن يطلق ذلك إلا إذا ثبت عنده أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة؛ حيث إن عدالته تمنعه من إطلاق ذلك إذا لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
السابع: قول الصحابي: " كنا نفعل "، أو " كانوا يفعلون " وأطلق، فإنه لا يكون حجة، لأن الحجة في إقراره صلى الله عليه وسلم، والإقرار هنا منتف في غير عهده، فيحتمل أنه رأي جماعة.
الثامن: قول الصحابي: " كنا نفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو " كانوا يفعلون في عهده صلى الله عليه وسلم، يكون كالمسند فيكون حجة؛ لأنه يعتبر من السنة التقريرية؛ حيث إن الظاهر من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
حال الصحابة أنهم لا يقدمون على أمر من أمور الدين والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم إلا إذا كان عالماً به.
والتاسع: قول الصحابي: " كانوا يفعلون كذا "، يفيد حكاية الإجماع؛ لأن اللفظ في هذه العبارة يدل دلالة واضحة على أن الصحابي يحكي هذا الفعل عن الجميع؛ لأنه قال ذلك في معرض الاحتجاج به على حكم معين، فيجب أن يحمل على من قولهم حجة، وهو الإجماع.
* * *
المسألة الثامنة والأربعون:
ألفاظ الراوي غير الصحابي في نقل الخبر تختلف باختلاف موقف الشيخ المروي عنه من هذا الراوي والعكس مما سيتبين على التفصيل الآتي:
أولاً: قراءة الشيخ على الراوي وهو يسمع تجوز الرواية عنه والعمل به سواء قرأ إملاء من حفظه أو من مكتوب.
ثانياً: إذا قصد الشيخ إسماع الراوي خاصة، فإن الراوي يقول: " حدثني فلان "، أو " أخبرني فلان ".
ثالثاً: إذا قصد الشيخ إسماع الراوي مع غيره فإن الراوي يقول: " حدثنا فلان "، أو " أخبرنا فلان ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
رابعاً: إذا لم يقصد الشيخ إسماع الراوي منفرداً ولا مع جماعة فإنه يقول: " سمعته يقول كذا "، أو يقول: " سمعته يخبر بكذا ".
خامساً: قراءة الشيخ الحديث على الراوي أقوى من قراءة الراوي على الشيخ، لأنه هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن ذلك أبعد عن الخطأ والسهو والغلط؛ لكون الشيخ يقرأ ما تحقق منه، فيكون أحق فيما هو المقصود، وهو تحمل الأمانة بصفة تامة.
سادساً: قراءة الراوي على الشيخ وهو يسمع، وقول الشيخ بعد ذلك: " سمعت ذلك "، أو قوله: " الأمر كما قرئ علي "، تجوز الرواية عنه مع العمل بذلك.
سابعاً: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو يسمع، ثم قال الراوي: هل سمعت أيها الشيخ؛ فسكت الشيخ، فإنه تجوز الرواية عنه، ويجب العمل بذلك بشرط: أن لا يوجد لدى الشيخ أي مانع من الإنكار إذا أخطأ الراوي في القراءة؛ لأنه لو لم تكن قراءة الراوي على الشيخ صحيحة، لكان سكوت الشيخ عن الإنكار مع القدرة عليه فسقاً؛ لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح، وذلك بعيد جداً عن العدل والثقة، أما إذا غلب على ظننا وجود مانع من الإنكار لدى الشيخ كغفلة أو قلة مبالاة، أو نوم، أو إكراه على السكوت، ففي هذه الحالة لا يكتفى بسكوته، بل لا بد من نطقه بلفظ " نعم " أو نحو ذلك مما يدل على موافقته على صحة ما قرئ عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
ثامناً: إذا قرأ الراوي على الشيخ، وأراد - هذا الراوي - أن يُحدِّث بما قرأه على الشيخ فإنه يقول: " أخبرنا أو أنبأنا أو حدثنا فلان قراءة عليه "، فلا يجوز أن يقول: " حدثنا أو أخبرنا " مطلقاً بدون ذكر لفظ " قراءة عليه "؛ لأن هذا يوهم: أن الشيخ هو الذي قرأ على الراوي، وهذا ليس بصحيح، حيث إن الحقيقة: أن الراوي هو الذي تولى القراءة على الشيخ، وفرق بين أن يقرأ الشيخ على الراوي وبين أن يقرأ الراوي على الشيخ؛ حيث إن الأولى أقوى من الثانية كما سبق بيانه.
ثاسعاً: إذا قال الشيخ: " حدثنا "، يجوز للراوي أن يبدلها بقوله: " أخبرنا " أو العكس، ولا مانع من ذلك؛ لأن معنى " حدثنا " و " أخبرنا " واحد في اللغة؛ لاشتقاقه من الخبر والحديث، فهما لفظان لمعنى واحد.
عاشراً: إذا قال الشيخ للراوي عنه: " أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي "، فإن ذلك يُسمَّى: " إجازة ".
حادي عشر: إذا قال الشيخ للراوي عنه: " خذ هذا الكتاب فأروه عني ".
أو قال: " خذ هذا وحدث به عني فقد سمعته من فلان "، فإن هذا يُسمَّى " مناولة ".
ثاني عشر: تجوز الرواية بالإجازة والمناولة، فيقول الراوي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
" حدثني فلان إجازة " أو " أخبرني فلان إجازة "؛ لأن الطريق - وهو قول الراوي: " حدَّثنا فلان عن فلان " - إنما هو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، ومعرفة صحة الحديث حاصلة بالإجازة والمناولة؛ لأن الظاهر من حال المجيز العدل الثقة أنه لا يُجيز شيئاً إلا إذا علم صحته، وإلا كان - بإجازته رواية ما لم يروه - فاسقاً وهو لا يمكن في العدل. وإذا علمت الرواية بإجازته: جازت الرواية عنه.
ثالث عشر: الراوي المجاز لا بد أن يقول: " حدثني فلان إجازة "، ولا يجوز أن يقول: " حدثني أو أخبرني " مطلقاً، بدون ذكر " إجازة "؛ لأن ذلك يوهم أن الرواية بالتحديث على الحقيقة والسماع؛ لأنها الأصل المتبادر إلى الذهن، فمنعاً لذلك الوهم قلنا: لا بد من ذكر لفظ: " إجازة ".
رابع عشر: إذا قال الشيخ: " خذ هذا الكتاب وهو مسموعي " ولم يقل: " اروه عني "، فإنه لا تجوز الرواية عنه مطلقاً؛ لأن علامة الإذن في الرواية هي عبارة: " اروه عني "، وهي لم توجد هنا، فيحتمل احتمالاً قوياً أن الشيخ لم يقل: " اراوه عني " نظراً لكونه يعرف أن في هذا الكتاب خللاً قد منع من إذنه لروايته عنه، فلم يجوز ذلك، فامتنع من قوله: " اروه عني ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
خامس عشر: إذا وجد الراوي شيئاً من الأحاديث مكتوباً بخط الشيخ الذي يعرفه ويثق بأنه خطه: فإن ذلك يسمى " وِجادة ".
سادس عشر: لا تجوز الرواية في الوجادة، فلا يجوز أن يقول: " حدثني فلان أو أخبرني فلان إجازة "، ولا غيرها؛ لأن روايته بذلك شهادة عليه بأنه قاله، وهذا ليس بصحيح، فيكون كذباً، ولكن الشخص إذا وجد صحيفة مكتوبة بخط شيخه له أن يقول: " رأيت مكتوباً في كتاب بخط ظننت أنه خط فلان "، يقول ذلك لأن الخط قد يشبه الخط.
سابع عشر: إذا قال الشيخ: " هذا خطي " يقبل قوله، ولكن لا يروى عنه ما لم يأذن بروايته عنه بصريح قوله بأن يقول: " اروه عني "، أو يكون الإذن بقرينة حاله في الجلوس لرواية الحديث.
ثامن عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب ووجده، ولم يذكر سماعه ولا قراءته، لكن غلب على ظنه سماعه كما يراه من خطه الذي توثَّق منه، فإنه يجوز له روايته والعمل به؛ لأن الرواية قد بُني أمرها على حسن الظن وغلبته، والمسامحة، ومراعاة الظاهر من الحال، ألا ترى أن الرواية تقبل من العبيد والنساء، ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، كل ذلك يدل على خفتها، فإذا وجد الراوي سماعه، وغلب على ظنه أنه سمعه كما يراه من خطه الذي توثق منه فإنه تجوز الرواية بذلك والعمل به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
تاسع عشر: إذا روى الراوي كتاباً عن بعض المحدثين فيه مائة حديث، ولكنه شك في سماع حديث واحد منها، ولم يستطع تعيين ذلك الحديث المشكوك فيه، فإنه لا يجوز أن يروي شيئاً من جميع تلك الأحاديث المائة؛ لأن الرواية تعتبر شهادة، والشهادة لا تجوز مع الشك والتردد؛ حيث إنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي لم يسمعه من شيخه، فلذلك يتركها جميعها احتياطاً.
عشرون: إذا غلب على ظن الراوي أن حديثاً قد سمعه من شيخه، ولكنه لم يقطع بذلك السماع، فإنه يجوز أن يرويه ويعمل به، لأن الراوي العدل الثقة إذا غلب على ظنه وجود شيء فهو صدق يجب العمل به، في حين أنه لا معارض لذلك، وغالب الأحكام مبناها على غلبة الظن.
واحد وعشرون: إذا روى الراوي حديثاً عن شيخ، ولكن الشيخ قد أنكر ذلك إنكاراً صريحاً وقال: " كذب علي " أو " ما رويت له قط "، فلا يقبل هذا الحديث، ولا يعمل به؛ لأن كل واحد من الشيخ والراوي موصوف بالعدالة والثقة، وكل منهما مكذَّب للآخر فيما يدعيه، فلا بد أن يكون أحدهما كاذب، وهذا موجب للقدح في الحديث، لكن هذا لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين؛ لأنه وقع الشك في كذبه، والأصل العدالة، وهي متيقنة، فلا يترك اليقين بالشك، ولذلك؛ فإن رواية كل واحد منهما تقبل في غير ذلك الحديث الذي أنكره الشيخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
ثاني وعشرون: إذا أنكر الشيخ الحديث الذي رواه عنه الراوي إنكاراً غير صريح؛ حيث يقول: " لست أذكر ذلك الحديث "، فإنه لا يقدح في الحديث، بل يُقبل ويُعمل به، لأن الراوي العدل الثقة قد جزم بهذه الرواية عن ذلك الشيخ في حين أن الشيخ لم يكذبه، ولم ينكر حديثه على وجه الجزم، فيقتضي ذلك ترجيح صدق الراوي، واذا كان صادقاً فيجب قبول الحديث الذي رواه والعمل به، أما قول الشيخ فيحمل على أنه نسي الحديث، لأن النسيان غالب على الإنسان.
* * *
المسألة التاسعة والأربعون:
زيادة الثقة في الحديث يختلف الحكم في قبولها أو عدم ذلك باختلاف تعدد المجالس أو عدم ذلك، وكون الراوي قد انفرد بالزيادة أو لا على التفصيل الآتي:
أولاً: إن عُلم تعدد المجلس، قبلت الزيادة اتفاقاً؛ لأنه لا يمتنع أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة في مجلس، ويتركها في مجلس آخر، فيكون راوي الزيادة قد حضر المجلس الذي ذكرت فيه تلك الزيادة، أما الآخر فلم يحضر ذلك المجلس.
ثانياً: إن جهلنا أن المجلس متعدد أو متحد فإنا نقبل تلك الزيادة، لأن ذاكر تلك الزيادة قد توفرت فيه شروط الراوي ومنها: العدالة والثقة، فيترجح صدقه، وإذا ترجح صدقه فيجب قَبول قوله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)