وثمرة هذه السكينة: الطمأنينة للخبر تصديقًا وإيقانًا، وللأمر تسليمًا وإذعانًا؛ فلا تدع شبهةً تعارض الخبر، ولا إرادةً تعارض الأمر. بل لا تمرُّ(1) معارضات السوء بالقلب إلا وهي مجتازة(2) مرورَ الوساوس الشيطانية التي يبتلى بها العبد، ليقوى إيمانه، ويعلو عند الله ميزانه، بمدافعتها وردِّها وعدم السكون إليها؛ فلا يظنَّ المؤمن أنها لنقصِ درجته عند الله.
فصل
ومنها: السكينة عند القيام بوظائف العبودية، وهي التي تورث الخضوع والخشوع وغضَّ الطرف وجمعيةَ القلب على الله تعالى بحيث يؤدِّي عبوديته بقلبه وبدنه. والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها، وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب. وقد رأى النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلبُ هذا لخشعت جوارحُه»(3).
فإن قلت: قد ذكرتَ أقسامها، ونتيجتها، وثمرتها، وعلامتها؛ فما أسبابها الجالبة لها؟ قلت: سببها استيلاء مراقبة العبد لربِّه جل جلاله حتى كأنه يراه. وكلما اشتدَّت هذه المراقبة أوجبَتْ له من الحياء، والسكينة، والمحبَّة،--------------------------------------------
(1) ب: «فلا تمر»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) زيد بعدها في النسخ المطبوعة: «من»!
(3) رواه الحكيم الترمذي (1310، 1414) من حديث أبي هريرة، وفيه سليمان بن عمرو ضعيف جدًّا. ضعف الحديث ابنُ رجب في «الخشوع في الصلاة» (ص 33)، والزيلعي في «تخريج كشاف» (2/ 399)، والعراقي في «تخريج الإحياء» (1/ 151). وانظر: «السلسلة الضعيفة» (110).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 81)
والخضوع [201/ب] والخشوع، والخوف والرجاء= ما لا يحصل بدونها. فالمراقبة أساس الأعمال القلبية كلِّها، وعمودُها الذي قيامها به. ولقد جمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصول أعمال القلب وفروعها كلَّها في كلمة واحدة، وهي قوله في الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه». فتأمَّلْ كلَّ مقام من مقامات الدين، وكلَّ عمل من أعمال القلوب، كيف تجد هذا أصلَه ومنبعَه؟
والمقصود: أن العبد محتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة في أصل الإيمان، ليثبت قلبه ولا يزيغ؛ وعند الوساوس والخطرات القادحة في أعمال الإيمان، لئلا تقوى وتصير همومًا وغمومًا وإراداتٍ ينقص بها إيمانه؛ وعند أسباب المخاوف على اختلافها، ليثبت قلبُه ويسكن جأشُه؛ وعند أسباب الفرح، لئلا يطمَح به مركبُه(1)، فيجاوزَ الحدَّ الذي لا يُعبَر، فينقلب ترَحًا وحزنًا ــ وكم ممن أنعم الله عليه بما يُفرِحه، فجمَح به مركبُ الفرح، وتجاوزَ الحدَّ، فانقلب ترحًا عاجلًا! ولو أُعِين بسكينة تعدِل فرحَه لأريد به الخير وبالله التوفيق ــ وعند هجوم الأسباب المؤلمة على اختلافها لظاهره وباطنه(2)، فما أحوجَه إلى السكينة حينئذ! وما أنفعها له، وأجداها عليه، وأحسن عاقبتها! والسكينة في هذه المواطن علامة على الظفر، وحصول المحبوب، واندفاع المكروه؛ وفقدُها علامة على ضدِّ ذلك، لا يخطئ هذا ولا هذا. والله المستعان.
وأما قوله: «أن يكون قويًّا على ما هو فيه، وعلى معرفته»، أي مستظهرًا مضطلعًا بالعلم، متمكِّنًا منه، غير ضعيف فيه. فإنه إذا كان ضعيفًا قليلَ--------------------------------------------
(1) ك، ب: «مركوبه».
(2) في النسخ المطبوعة: «الظاهرة والباطنة».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 82)
البضاعة غيرَ مضطلع به أحجَم عن الحقِّ في موضع ينبغي فيه الإقدام، لقلة علمه بمواضع الإقدام والإحجام. فهو يُقدِم في غير موضعه، ويُحجِم في غير موضعه، ولا بصيرة له بالحق، ولا قوة له على تنفيذه. فالمفتي محتاج إلى قوة في العلم، وقوة في التنفيذ، فإنه لا ينفع تكلُّمٌ بحقٍّ لا نفاذ له.
وأما قوله: «الرابعة: الكفاية وإلا مضَغَه الناس»، فإنه إذا لم يكن له كفاية احتاج إلى الناس، وإلى الأخذ مما في أيديهم؛ فلا يأكل منهم شيئًا إلا أكلوا من لحمه وعرضه أضعافَه. وقد كان لسفيان الثوري شيء من مال، وكان لا يتهوَّر(1) في بذله، ويقول: لولا ذلك لتمندَلَ بنا هؤلاء(2). فالعالم إذا مُنِح غنًى فقد أُعِينَ على تنفيذ علمه، وإذا أُحْوِجَ(3) إلى الناس فقد مات علمه وهو ينظر.
وأما قوله: «الخامسة(4): معرفة الناس» فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم. فإن لم يكن فقيهًا فيه، فقيهًا في الأمر والنهي، ثم يطبِّقْ أحدَهما على الآخر= وإلا(5) كان ما يُفسِد أكثرَ مما يُصلِح، فإنه إذا لم--------------------------------------------
(1) ك، ب: «ينهو»، تحريف. وفي النسخ المطبوعة: «يتروَّى»، وهو ضدّ المقصود!
(2) رواه ابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (70)، والدينوري في «المجالسة» (2427)، وأبو نعيم في «الحلية» (6/ 381)، والبيهقي في «المدخل» (549)، وإسناده صحيح.
(3) في النسخ المطبوعة: «احتاج».
(4) ز، ك: «الخامس».
(5) «وإلا» هذه أفسدت السياق، ولا يستقيم إلا بحذفها. وقد سبق التنبيه على استعمالها الملحون في زمن المؤلف (1/ 353).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 83)
يكن(1) له معرفةٌ بالناس تصوَّر له الظالمُ بصورة المظلوم وعكسه، والمحِقُّ بصورة المبطِل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصوَّر له الزنديق في صورة الصدِّيق، والكاذبُ في صورة الصادق، ولبِس كلُّ مبطلٍ ثوبي زورٍ(2) تحتهما(3) الإثم والكذب والفجور؛ وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميِّز هذا من هذا. بل ينبغي له أن يكون فقيهًا في معرفة مكر الناس(4) وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان والعوائد والأحوال، [202/أ] وذلك كلُّه من دين الله، كما تقدَّم بيانه. وبالله التوفيق.
الفائدة الرابعة والعشرون: في كلماتٍ حُفِظت عن الإمام أحمد في أمر الفتيا، سوى ما تقدَّم آنفًا:
قال في رواية ابنه صالح: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا بالسنن(5).
وقال في رواية أبي الحارث: لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة(6).--------------------------------------------
(1) بعده في النسخ المطبوعة: «فقيهًا في الأمر». وأخشى أن يكون من زيادة بعض الناشرين أو النساخ.
(2) في النسخ المطبوعة: «ثوب زور».
(3) في النسخ المطبوعة: «تحتها»!
(4) ز: «معرفة الناس».
(5) سبق في أول الكتاب بأتمَّ من هذا.
(6) سبق في أول الكتاب أيضًا.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 84)
وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدَّم، وإلا فلا يفتي(1).
وقال في رواية يوسف بن موسى: واجبٌ(2) أن يتعلَّم رجلٌ(3) كلَّ ما تكلَّم(4) فيه الناس.
وقال في رواية ابنه عبد الله(5)، وقد سأله عن الرجل يريد أن يسأل(6) عن أمر(7) دينه، مما يُبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مصره من أصحاب الرأي، وأصحاب الحديث لا يحفظون، ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي؛ فلمن يسأل؟ لهؤلاء، أو لأصحاب الحديث على قلَّة معرفتهم؟ فقال: يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث خير من الرأي(8).--------------------------------------------
(1) تقدَّم أيضًا.
(2) ب: «وجب».
(3) في النسخ المطبوعة: «الرجل».
(4) حرف المضارع مهمل في النسخ. وفي مطبوعة «العدَّة» (5/ 1595): «يكلِّم الناس فيه».
(5) انظر: «مسائله» (ص 438). وقد ذكره المصنف في أول الكتاب أيضًا، ولكن نقلًا من كتب ابن حزم.
(6) في النسخ المطبوعة: «يسأله»، وهو خطأ.
(7) لفظ «أمر» ساقط من ب. وفي ك: «أمره دينه».
(8) في «مسائل عبد الله»، وكذا في «العدَّة» (5/ 1596) ومنه في «المسودة» (ص 515): «خير من رأي أبي حنيفة». نعم، في «الواضح» لابن عقيل (1/ 283): « … من رأي أهل الرأي».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 85)
وقال في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادي، وقد سمع رجلًا يسأله: إذا حفظ الرجلُ مائة ألف حديث يكون فقيهًا؟ قال: لا، قال: فمائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، وحرَّكها. قال حفيده أحمد بن جعفر بن محمد: فقلت لجدِّي: فكم(1) كان يحفظ أحمد؟ فقال: أجاب عن ستمائة ألف(2).
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنَّفة، فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم و [اختلاف](3) الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصرٌ بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف؛ فيجوز أن يعمل بما شاء، ويتخيَّر منها(4)، فيفتي به، ويعمل به؟ قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح؛ يسأل عن ذلك أهلَ العلم.
وقال أبو داود: سمعت أحمد وسئل عن مسألة، فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة. وما أحصي ما سمعتُ أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلافُ من العلم، فيقول: لا أدري(5). وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتيا أحسن فتيا منه، كان أهونَ عليه أن يقول: لا أدري، من يحسن--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «كم».
(2) بعده في المطبوع زيادة: «حديث». وقد تقدَّم تخريج هذه الرواية في أول الكتاب.
(3) ما بين المعقوفين من «مسائل عبد الله» (ص 438) و «العدَّة» (5/ 1601) وغيرهما. وقد تقدَّم بهذا اللفظ في أول الكتاب.
(4) ز: «فيها».
(5) «مسائل أبي داود» (ص 367). وقد تقدَّم الجزء الثاني من قول الإمام أحمد.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 86)
هذا(1)؟ سَلِ العلماءَ(2).
وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك، فقال: لا تقلِّد دينَك أحدًا من هؤلاء. ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخُذْ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر(3).
وقال إسحاق بن هانئ: سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» فقال: يفتي بما لم يسمع(4).
وقال أيضًا(5): قلت لأبي عبد الله: يطلب الرجل الحديثَ بقدر ما يظن أنه قد انتفع به. قال: العلم لا يعدِله شيء.
وجاءه رجل يسأل عن شيء، فقال: لا أجيبك في شيء. ثم قال: قال عبد الله بن مسعود: إنَّ كلَّ من يفتي الناس في كلِّ ما يستفتونه [202/ب] لمجنون. قال الأعمش: فذكرتُ ذلك للحكم(6)، فقال: لو حدَّثتَني به قبل اليوم ما أفتيتُ في كثير مما كنتُ أفتي به(7).
قال ابن هانئ(8): وقيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قرية، فيسأل عن--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «مثل هذا»، زادوا كلمة «مثل».
(2) المصدر السابق (ص 368)، وقد تقدَّم بعضه.
(3) المصدر السابق (ص 369)، وقد تقدَّم.
(4) سبق في أول الكتاب مع تخريج الحديث.
(5) في «مسائله» (ص 437).
(6) هو الحكم بن عتيبة الكندي الفقيه عالم أهل الكوفة (ت 115). «سير أعلام النبلاء» (5/ 208).
(7) المصدر السابق (ص 435). وانظر: «إبطال الحيل» لابن بطة (ص 128).
(8) في «مسائله» أيضًا (ص 436).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 87)
الشيء الذي فيه اختلاف. قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنَّة، وما لم يوافق الكتابَ والسنَّة أمسك عنه. قيل له: أفتخاف عليه؟ قال: لا. قيل له: ما كان من كلام إسحاق بن راهويه وما كان وُضع في الكتاب وكلام أبي عبيد ومالك، ترى النظر فيه؟ فقال: كلُّ كتاب ابتُدِع فهو بدعة، أو كلُّ كتاب محدَث فهو بدعة. وأما ما كان عن مناظرة يخبر الرجلُ بما عنده، وما يسمع من الفتيا، فلا أرى به بأسًا. قيل له: فكتاب أبي عبيد «غريب الحديث»؟ قال: ذلك شيء حكاه عن قوم أعراب. قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير ترى أن تُكتَب؟ قال: المنكر أبدًا منكر!
الفائدة الخامسة والعشرون: في دلالة العالم للمستفتي على غيره. وهو موضع خطر جدًّا، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك، فإنه متسبِّب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه، أو القول عليه بلا علم. فهو(1) معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى؛ فلينظر الإنسان إلى من يدلُّ عليه، وليتَّق الله ربَّه.
وكان شيخنا ــ قدَّس الله روحه ــ شديد التجنب لذلك. ودللتُ مرةً بحضرته على مفتٍ أو مذهبٍ، فانتهرني، وقال: ما لك وله؟ دعه(2). ففهمتُ من كلامه أنك لتبوء(3) بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه. ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد.--------------------------------------------
(1) ب: «والقول عليه بلا علم، وهو».
(2) زاد في المطبوع بعده: «عنك»!
(3) في النسخ الثلاث: «لا تبوا»!
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 88)
قال أبو داود في «مسائله»(1): قلت لأحمد: الرجل يَسأل عن المسألة، فأدلُّه على إنسان يسأله؟ فقال: إذا كان ــ يعني الذي أُرْشِدَ إليه ــ يتَّبع(2) ويفتي بالسنة. فقيل لأحمد: إنه يريد الاتباع، وليس كلُّ قوله يصيب. فقال أحمد: ومن يصيب في كلِّ شيء؟ قلت له: فرأي مالك؟ فقال: لا تتقلد في مثل هذا بشيء.
قلت: وأحمد كان يدلّ على أهل المدينة، ويدلّ على الشافعي، ويدلّ على إسحاق. ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه في أنه لا يُستفتَى أهلُ الرأي المخالفون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وبالله التوفيق؛ ولا سيَّما كثيرٌ من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره(3)!
وقد رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. قال: ولَبعضُ من يفتي هاهنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق(4).
قال بعض العلماء(5): فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدامَ من لا علم عنده على الفتيا، وتوثُّبَه عليها، ومدَّ باعِ التكلُّف إليها، وتسلُّقَه بالجهل--------------------------------------------
(1) (ص 375).
(2) في النسخ المطبوعة: «متَّبعًا»، وفي «المسائل» كما أثبت من النسخ الخطية.
(3) كأن المصنف بعدما كتب «وبالله التوفيق» بدا له أن يزيد «ولاسيما … وغيره». وقد يكون زاده في طرّة مسودته، وكان موضعه قبل «وبالله التوفيق»، فأخطأ الناسخ.
(4) رواه الفسوي (1/ 670)، وابن عبد البر في «الجامع» (2410)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1039) من طريق مالك، قال: أخبرني رجل، وفيه إبهام الرجل.
(5) لعله يقصد ابن حمدان الحنبلي. انظر كتابه «صفة الفتوى» (ص 11).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 89)
والجرأة عليها، مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة. وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، وليس(1) له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب. لا يبتدئ(2) جوابًا بإحسان، وإن ساعد القدر ففتواه(3): كذلك يقول فلان بن فلان(4). [203/أ]
يمدُّون للإفتاء باعًا قصيرةً … وأكثرُهم عند الفتاوى يُكَذْلِكُ
وكثير منهم نصيبهم مثلُ ما حكاه أبو محمد بن حزم، قال(5): كان عندنا مفتٍ قليلُ البضاعة، فكان لا يفتي حتى يتقدَّمه من يكتب الجواب، فيكتب تحته: جوابي مثلُ جواب الشيخ. فقُدِّر أن اختلف مفتيان في جواب، فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين. فقيل له: إنهما قد تناقضا، فقال: وأنا أيضًا تناقضتُ كما تناقضا!
وقد أقام الله سبحانه لكلِّ عالم ورئيس وفاضل من يُظهِر مماثلته، ويرى الجهال ــ وهم الأكثرون ــ مساجلته ومشاكلته، وأنه يجري معه في الميدان، وأنهما عند المسابقة كفرسَي رِهان، ولا سيما إذا طوَّل الأردان، وأرخى--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «فليس».
(2) في النسخ المطبوعة: «ولا يبدي».
(3) في النسخ المطبوعة: «فتواه» دون فاء الجواب. وفي ك بعده: «يقول». وفي ب: «تقول».
(4) ترك بعده في ز سطرًا في أول الصفحة بياضًا، وقال في أول السطر: «كذا». وفي ك ترك نصف سطر أو يزيد بياضًا.
(5) في «الإحكام» (6/ 77) بنحوه، وقد تقدَّم في الفائدة السادسة عشرة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 90)
الذَّنَب الطويل(1) وراءه كذنَب الأتان، وهذَر(2) باللسان، وخلا له الميدان الطويل من الفرسان.
فلو لبِس الحمارُ ثيابَ هذا(3) … لقال الناس: يا لك من حمار!
وهذا الضرب إنما يُستفتَون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية. قد غرَّهم عكوفُ من لا علم عنده عليهم، ومسارعةُ مَن أجهلُ منهم إليهم. تعِجُّ منهم الحقوق إلى الله عجيجًا، وتضِجُّ منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا.
فمَن أقدَم بالجرأة على ما ليس له بأهل من فتيا أو قضاء أو تدريس استحقَّ اسم الذم، ولم يحِلَّ قبولُ فتياه ولا قضائه. هذا حكم دين الإسلام.
وإن رغِمَتْ أنوفٌ من أناس … فقل: يا ربِّ لا تُرغِمْ سواها
الفائدة السادسة والعشرون في حكم كذلكة المفتي: ولا يخلو من حالين: إما أن يعلم صوابَ جوابِ مَن تقدَّمه بالفتيا، أو لا يعلم. فإن علِم صوابَ جوابه فله أن يُكَذْلِكَ. وهل الأولى له(4) الكذلكة، أو الجواب المستقل؟ فيه تفصيل. فلا يخلو المبتدئ إما أن يكون أهلًا أو متسلِّقًا متعاطيًا ما ليس له بأهل. فإن كان الثاني فتركُ(5) الكذلكة أولى مطلقًا، إذ في كذلكته--------------------------------------------
(1) يعني: طرف عمامته. وفي النسخ المطبوعة: «الذوائب الطويلة».
(2) الذال مهملة في غ.
(3) كذا في النسخ الثلاث. يقصد ثياب هذا الرجل الذي وصفه. وفي النسخ المطبوعة: «ثياب خَزٍّ»، وهي الرواية، والظاهر أن المصنف تصرَّف فيها. انظر: «الأمثال المولدة» للخوارزمي (ص 338) و «التمثيل والمحاضرة» (ص 345).
(4) «له» ساقط من ب.
(5) في النسخ المطبوعة: «فتركه».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 91)
تقريرٌ له على الإفتاء، وهو كالشهادة له بالأهلية.
وكان بعض أهل العلم يضرب على فتوى من كتَب وليس بأهل. فإن لم يتمكَّن من ذلك خوف الفتنة(1)، فقد قيل: لا يكتب معه في الورقة، ويردُّ السائل. وهذا نوع تحامل. والصواب أنه يكتب في الورقة الجواب، ولا يأنف من الإخبار بدين الله الذي يجب عليه الإخبار به، لكتابة من ليس بأهل؛ فإن هذا ليس عذرًا عند الله ورسوله وأهل العلم في كتمان الحق. بل هذا نوع رياسة وكبر، والحقُّ لله عز وجل، فكيف يجوز أن يعطِّل حقَّ الله ويكتم دينَه لأجل كتابة من ليس بأهل؟
وقد نصَّ الإمام أحمد على أن الرجل إذا شهد الجنازةَ، فرأى فيها منكرًا لا يقدر على إزالته= أنه لا يرجع. ونصَّ على أنه إذا دُعي إلى وليمة عرسٍ، فرأى فيها منكرًا لا يقدر على إزالته= أنه يرجع. فسألتُ شيخنا عن الفرق، فقال: لأن الحق في الجنازة للميت، فلا يترك حقَّه لما فعله الحيُّ من المنكر. [203/ب] والحقُّ(2) في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقَّه من الإجابة(3).
وإن كان المبتدئ بالجواب أهلًا للإفتاء، فلا يخلو إما أن يعلم المُكَذلِكُ صوابَ جوابه، أو لا يعلم. فإن لم يعلم صوابه لم يجُز له أن يُكَذلِك تقليدًا له، إذ لعله أن يكون قد غلط، ولو نُبِّه لرجع، وهو معذور؛ وليس المُكذلك معذورًا، بل مفتٍ بغير علم. ومن أفتى بغير علم فإثمه على--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «منه».
(2) ضبط في ز برفع «الحق» ونصبه، وكتب فوقه: «معًا».
(3) انظر: «مختصر الفتاوى المصرية» (ص 251).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 92)
من أفتاه، وهو أحد المفتين الثلاثة الذين هم(1) في النار.
وإن علِم أنه قد أصاب، فلا يخلو إما أن تكون المسألة ظاهرةً لا يخفى وجهُ الصواب فيها بحيث لا يُظَنُّ بالمكذلك أنه قلَّده فيما لا يعلم، أو تكون خفيّةً. فإن كانت ظاهرةً فالأولى الكذلكة، لأنه إعانة على البر والتقوى، وشهادة للمفتي بالصواب، وبراءة من الكبر والحمية. وإن كانت خفيةً بحيث يُظَنُّ بالمكذلك أنه وافقه تقليدًا محضًا، فإن أمكنه إيضاح ما أشكله الأول أو زيادة بيان، أو ذكرُ قيدٍ، أو تنبيهٌ على أمرٍ أغفله= فالجواب المستقلّ أولى. وإن لم يمكنه ذلك فإن شاء كَذْلَكَ، وإن شاء أجاب استقلالًا.
فإن قيل: ما الذي يمنعه من الكذلكة إذا لم يعلم صوابه تقليدًا له، كما قلَّد المبتدئ مَن فوقه؟ فإذا أفتى الأول بالتقليد المحض فما الذي يمنع المكذلك من تقليده؟
قيل: الجواب من وجوه:
أحدها: أن الكلام في المفتي الأول أيضًا. فقد نصَّ الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة على أنه لا يحِلُّ للرجل أن يفتي بغير علم، وحكي في ذلك الإجماع. وقد تقدَّم ذكر ذلك مستوفًى.
الثاني: أن هذا الأول وإن جاز له التقليد للضرورة، فهذا المُكَذْلِك المتكلِّف لا ضرورة له إلى تقليده؛ بل هذا من بناء الضعيف على الضعيف. وذلك لا يسوغ، كما لا تسوغ الشهادة على الشهادة، وكما لا يجوز المسح--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ الخطية، والصواب: «ثلثاهم» كما في النسخ المطبوعة. وانظر ما سبق في الفائدة الحادية عشرة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 93)
على الخفين على طهارة التيمم، ونظائرُ ذلك(1).
الثالث: أن هذا لو ساغ لصار الناس كلُّهم مفتين، إذ ليس هذا بجواز تقليد المفتي أولى من غيره. وبالله التوفيق.
الفائدة السابعة والعشرون: يجوز للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له؛ وإن لم يجز أن يشهد له، ولا يقضي له. والفرق بينهما أن الإفتاء يجري مجرى الرواية، فكأنه حكم عامٌّ، بخلاف الشهادة والحكم فإنه يخصُّ المشهودَ له والمحكومَ له. ولهذا يدخل الراوي في حكم الحديث الذي يرويه، ويدخل في حكم الفتوى التي يفتي بها، ولكن لا يجوز له أن يحابي من يفتيه(2) فيفتي أباه أو ابنه أو صديقه بشيء، ويفتي غيرهم بضدِّه محاباةً. بل هذا يقدح في عدالته، إلا أن يكون ثَمَّ سببٌ يقتضي التخصيص غير المحاباة. ومثال هذا: أن يكون في المسألة قولان: قول بالمنع وقول بالإباحة، فيفتي ابنه وصديقه بقول الإباحة، والأجنبيَّ بقول المنع.
فإن قيل: فهل(3) يجوز له أن يفتي نفسه؟
قيل: نعم، إذا كان له أن يفتي غيره. وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «استفتِ قلبَك … وإن أفتاك المفتون»(4). فيجوز له أن يفتي نفسه بما يفتي به غيره، ولا يجوز--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «كثيرة»!
(2) في النسخ الخطية: «نفسه»، والمثبت من النسخ المطبوعة.
(3) في النسخ المطبوعة: «هل».
(4) رواه بهذا اللفظ أحمد (18001، 18006)، والدارمي (2575)، وأبو يعلى (1586، 1587) من حديث وابصة بن معبد. وفيه الزبير أبو عبد السلام، ضعيف، ولعله هو الذي كذبه الدارقطني، لم يسمع من أيوب بن عبد الله بن مكرز الراوي عن وابصة كما جاء مصرَّحًا عند أحمد (18006)، وعند ابن المنذر في «الأوسط»: «حدثني أصحاب أيوب … عن أيوب». انظر: تعليق محققي «المسند». وله شاهد صحيح رواه أحمد (17742)، والطبراني (22/ 219) من حديث أبي ثعلبة الخشني.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 94)
له أن يفتي نفسه بالرخصة، وغيرَه بالمنع. ولا يجوز له إذا كان في المسألة قولان: [204/أ] قول بالجواز وقول بالمنع، أن يختار لنفسه قولَ الجواز، ولغيره قولَ المنع. وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه: يكون عندهم في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها الجواز، والثاني المنع، والثالث التفصيل، فالجواز لهم، والمنع لغيرهم وعليه العمل.
الفائدة الثامنة والعشرون: لا يجوز للمفتي أن يعمل بما يشاء(1) من الأقوال والوجوه، من غير نظر في الترجيح، ولا يعتدّ به، بل يكتفي في العمل بمجرَّد كون ذلك قولًا قاله إمام، أو وجهًا ذهب إليه جماعة، فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال: حيث رأى القول وفقَ إرادته وغرضه عمِلَ به، فإرادتُه وغرضُه هو العِيار(2)، وبها الترجيح؛ وهذا حرامٌ باتفاق الأمة(3).
وهذا مثلُ ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي(4) عن بعض أهل زمانه--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «شاء» هنا وفيما يأتي.
(2) في المطبوع: «المعيار»، وهما بمعنى.
(3) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص 125).
(4) في كتابه «التبيين لسنن المهتدين»، ومنه نقل الشاطبي في «الموافقات» (5/ 90). أما المؤلف فهو صادر عن «أدب المفتي والمستفتي» (ص 125).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 95)
ممن نصب نفسه للفتوى أنه كان يقول: إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومةٌ أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه. قال: وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضرُّه، وكان غائبًا فلما حضر سألهم بنفسه، فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتَوه بالرواية الأخرى التي توافقه. قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يُعتدُّ بهم في الإجماع أنه لا يجوز.
وقد قال مالك في اختلاف الصحابة رضي الله عنهم: «مخطئ، ومصيب؛ فعليك بالاجتهاد»(1).
وبالجملة، فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهِّي والتخيُّر وموافقة الغرض، فيطلبَ القولَ الذي يوافق غرضَه وغرضَ من يحابيه، فيعمل به، ويفتي ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضدِّه. وهذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر. والله المستعان(2).
الفائدة التاسعة والعشرون: المفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام:
أحدها(3): العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة. فهو--------------------------------------------
(1) «جامع بيان العلم وفضله» (2/ 906). والمؤلف صادر عن «أدب المفتي».
(2) في (ك، ب) بعده زيادة: «وعليه التكلان».
(3) في النسخ المطبوعة: «أحدهم».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 96)
المجتهد في أحكام النوازل، يقصد(1) فيها موافقةَ الأدلة الشرعية حيث كانت. ولا ينافي اجتهادُه تقليدَه لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلِّد من هو أعلم منه في بعض الأحكام. وقد قال الشافعي في موضع من الحج: قلته تقليدًا لعطاء(2). فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مائة سنة مَن يجدِّد لها دينها»(3) وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب: لن تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجته(4).
فصل
النوع الثاني: مجتهد مقيَّد في مذهب من ائتمَّ به. فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومآخذه وأصوله، عارف بها، متمكِّن من التخريج عليها وقياس ما لم ينُصَّ من ائتمَّ به عليه على منصوصه، من غير أن يكون مقلِّدًا لإمامه، لا في الحكم ولا في الدليل؛ لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتَّبه وقرَّره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا.
وقد ادَّعى هذه المرتبة [204/ب] من الحنابلة القاضي أبو يعلى، والقاضي أبو علي بن أبي موسى في «شرح الإرشاد» الذي له، ومن الشافعية--------------------------------------------
(1) تصحف في ك، ب إلى «بقصده».
(2) تقدَّم غير مرَّة.
(3) تقدم تخريجه.
(4) تقدم أيضًا.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 97)
خلق كثير(1). وقد اختلفت الحنفية في أبي يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل، والشافعية في المزني وابن سريج وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزي، والمالكية في أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب، والحنابلة في ابن حامد(2) والقاضي: هل كان هؤلاء مستقلِّين بالاجتهاد، أو متقيِّدين بمذاهب أئمتهم؟ على قولين. ومن تأمَّل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علِمَ أنهم لم يكونوا مقلِّدين لأئمتهم في كلِّ ما قالوه، وخلافُهم لهم أظهر من أن يُنكَر، وإن كان منهم المستقِلّ والمستكثر. ورتبة هؤلاء دون رتبة الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد.
فصل
النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرِّر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها؛ لكن لا يتعدَّى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نصَّ إمامه لم يعدِل عنه إلى غيره البتة. وهذا شأن أكثر المصنِّفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف. وكثير منهم يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية، لكونه مجتزئًا(3) بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، قد(4) اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه الإمام استنباطَ الأحكام ومؤنةَ استخراجها من--------------------------------------------
(1) انظر: «صفة الفتوى» لابن حمدان (ص 17).
(2) في النسخ المطبوعة: «أبي حامد»، تصحيف.
(3) ز: «مجتزي».
(4) ب: «وقد».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 98)
النصوص. وقد يرى إمامَه ذكر حكمًا بدليله، فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له.
وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق، والكتب المطوَّلة والمختصرة. وهؤلاء لا يدَّعون الاجتهاد، ولا يُقِرُّون بالتقليد. وكثير منهم يقول: اجتهدنا في المذاهب، فرأينا أقربها إلى الحقِّ مذهب إمامنا. وكلٌّ منهم يقول ذلك عن إمامه، ويزعم أنه أولى بالاتباع من غيره. ومنهم من يغلو فيوجب اتباعه، ويمنع من اتباع غيره.
فيا لله العجب من اجتهادٍ نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلَّدهم أعلمَ من غيره، وأحقَّ بالاتباع من سواه، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائرٌ معه؛ وقعد بهم عن الاجتهاد في كلام الله ورسوله، واستنباط الأحكام منه، وترجيح ما يشهد له النص، مع استيلاء كلام الله ورسوله على غاية البيان، وتضمُّنه لجوامع الكلم، وفصلهِ للخطاب، وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطراب. فقعدت بهم هممهم واجتهادهم عن الاجتهاد فيه، ونهضت بهم إلى الاجتهاد في كون إمامهم أعلمَ الأمة وأولاها بالصواب، وأقوالِه في غاية القوة وموافقة السنة والكتاب! فالله(1) المستعان.
فصل
النوع الرابع: طائفة تفقَّهت في مذاهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرَّت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه. فإن ذكروا الكتاب والسنة يومًا ما في مسألة فعلى وجه التبرُّك والفضيلة، لا على وجه--------------------------------------------
(1) ك، ب: «والله».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 99)
الاحتجاج والعمل. وإذا رأوا حديثًا صحيحًا مخالفًا لقول من انتسبوا إليه أخذوا بقوله، وتركوا الحديث. وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم قد أفتوا بفتيا، [205/أ] ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفها أخذوا بفتيا إمامهم وتركوا فتاوى الصحابة قائلين: الإمام أعلم بذلك منَّا، ونحن قد قلَّدناه فلا نتعدَّاه ولا نتخطَّاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منَّا.
ومن عدا هؤلاء فمتكلِّف متخلِّف، قد ربأ(1) بنفسه عن رتبة المشتغلين، وقصَّر عن درجة المحصِّلين، فهو مُكَذْلِكٌ مع المكذلكين. وإن ساعد القدر، واستقلَّ بالجواب قال: يجوز بشرطه، ويصح بشرطه، ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي، ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم؛ ونحو ذلك من الأجوبة التي يُحسنها كلُّ جاهل، ويستحيي منها كلُّ فاضل.
ففتاوى القسم الأول من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم، وفتاوى النوع الثاني من جنس توقيعات نوَّابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم. ومن عداهم فمتشبِّع بما لم يُعْطَ، متشبِّه بالعلماء، محاكٍ للفضلاء. وفي كلِّ طائفة من الطوائف متحقِّق بفنِّه(2)، ومحاكٍ له متشبِّه به، والله المستعان.
الفائدة الثلاثون: إذا كان الرجل مجتهدًا في مذهب إمام، ولم يكن--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «دنا»، تصحيف.
(2) ك: «ففنه». وفي ب: «نفيه». وفي النسخ المطبوعة: «بغيه». ولعل الصواب ما أثبت من ز.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 100)