مستقلًّا بالاجتهاد، فهل له أن يفتي بقول(1) ذلك الإمام؟ على قولين، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد:
أحدهما: الجواز، ويكون متبعه مقلِّدًا للميت، لا له، وإنما له مجرَّد النقل عن الإمام.
والثاني: لا يجوز له أن يفتي، لأن السائل مقلِّد له، لا للميِّت، وهو لم يجتهد له، والسائل يقول(2): أنا أقلِّدك فيما تفتيني به.
والتحقيق: أن هذا فيه تفصيل. فإن قال له السائل: أريد(3) حكم الله في هذه المسألة، أو أريد الحقَّ، أو ما يخلِّصني ونحو ذلك= لم يسعه إلا أن يجتهد له في الحق، ولا يسعه أن يفتيه بمجرَّد تقليد غيره، من غير معرفة بأنه حق أو باطل. وإن قال له: أريد أن أعرف في هذه النازلة قول الإمام ومذهبه، ساغ له الإخبار به، ويكون ناقلًا له، ويبقى الدَّرَك(4) على السائل. فالدرك في الوجه الأول على المفتي، وفي الثاني على المستفتي.
الفائدة الحادية والثلاثون: هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجِب لصحة العمل بها؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي. فمن منعه قال: يجوز تغيُّر اجتهاده لو كان حيًّا، فإنه كان يجدِّد النظر عند نزول هذه النازلة إما وجوبًا وإما استحبابًا، على النزاع--------------------------------------------
(1) ب: «بمذهب».
(2) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».
(3) في المطبوع: «أنا أريد».
(4) أي التبعة.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 101)
المشهور، ولعله لو جدَّد النظر لرجع عن قوله الأول.
والثاني: الجواز، وعليه عملُ جميع المقلِّدين في أقطار الأرض. وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات، ومن منع منهم تقليدَ الميت فإنما هو شيء يقوله بلسانه، وعملُه في فتاويه وأحكامه بخلافه. والأقوال لا تموت بموت قائليها(1)، كما لا تموت الأخبار بموت رواتها وناقليها.
الفائدة الثانية والثلاثون: الاجتهاد حالةٌ تقبل التجزِّي(2) والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم، مقلِّدًا في غيره، أو في باب من أبوابه؛ كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض [205/ب] وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج، أو غير ذلك؛ فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوِّغةً له الإفتاء بما لا يعلم في غيره.
وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحُّها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.
فحجة الجواز: أنه قد عرف الحقَّ بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب؛ فحكمه في ذلك النوع(3) حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع.--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية والمطبوعة: «قائلها»، ومقتضى قوله: «رواتها وناقليها» ما أثبت.
(2) مصدر تجزَّى بتسهيل الهمزة، والأصل: التجزُّؤ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) لم ترد كلمة «النوع» في ز.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 102)
وحجة المنع: تعلُّق أبواب الشرع وأحكامه بعضِها ببعض، فالجهلُ ببعضها مظنَّة للتقصير في الباب والنوع الذي(1) عرفه. ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعِدَد(2) وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلَّق به، وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه.
ومن فرَّق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع أحكام قسمة المواريث ومعرفة الفروض ومستحقِّها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنضال وغيرها، وعدم تعلُّقاتها(3). وأيضًا فإن عامة أحكام المواريث قطعية، وهي منصوص عليها في كتاب الله(4).
فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين، هل له أن يفتي بهما؟
قيل: نعم يجوز في أصحِّ القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد. وهل هذا إلا من التبليغ عن الله ورسوله(5)؟ وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيرًا، ومنعُ هذا من الإفتاء بما علِمَ خطأ محض. وبالله التوفيق.
الفائدة الثالثة والثلاثون: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «قد».
(2) في النسخ المطبوعة: «والعِدَّة».
(3) ب: «تعلقها بها».
(4) في النسخ المطبوعة: «في الكتاب والسنة».
(5) في النسخ المطبوعة: «وعن رسوله».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 103)
عاص. ومن أقرَّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا.
قال أبو الفرج بن الجوزي(1): ويلزم وليَّ الأمر منعُهم كما فعل بنو أمية. وهؤلاء بمنزلة من يدلُّ الركبَ وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطُبّ الناس؛ بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلِّهم. وإذا تعيَّن على ولي الأمر منعُ من لم يحسن التطبُّب من مداواة المرضى(2)، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟
وكان شيخنا رضي الله عنه شديد الإنكار على هؤلاء. فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعِلتَ محتسبًا على الفتوى؟ فقلتُ له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟
وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا: «من أُفتيَ بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه»(3).
وفي «الصحيحين»(4) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء. فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساءَ جُهَّالًا؛ فسئلوا، فأفتَوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا».--------------------------------------------
(1) في «تعظيم الفتيا» فيما يظهر، ولكن في نسختيه اللتين طبع عنهما سقطًا.
(2) في النسخ الخطية: «المرض»، والمثبت من المطبوعة.
(3) تقدَّم تخريجه.
(4) تقدَّم في أول الكتاب.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 104)
وفي أثر مرفوع ذكره أبو الفرج(1) وغيره [206/أ]: «من أفتى الناسَ بغير علم لعنته ملائكةُ السماء وملائكةُ الأرض».
وكان مالك رحمه الله يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له من(2) قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها(3).
وسئل عن مسألة، فقال: لا أدري. فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة. فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف. أما سمعتَ قول الله عز وجل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]؟ فالعلم كلُّه ثقيل، وخاصةً ما يسأل عنه يومَ القيامة(4).
وقال: ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهلٌ لذلك. وقال: لا ينبغي لرجل أن يرى نفسَه أهلًا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه. وما أفتيتُ حتى سألتُ ربيعة ويحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، ولو نهياني انتهيت. قال: وإذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصعب عليهم المسائل، ولا يجيب أحد منهم--------------------------------------------
(1) في «تعظيم الفتيا» (ص 57). وقد رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1043)، وابن عساكر (20/ 52) من طريق عبد الله بن أحمد بن عمر، قال: حدثني أبي، حدثني عبد الله، حدثنا سيدي علي بن موسى الرِّضا، حدثني موسى بن جعفر، حدثني جعفر بن محمد، حدثني علي بن الحسين عن الحسين، حدثنا علي بن أبي طالب. قال الذهبي في «الميزان» (2/ 390): هذه نسخة موضوعة.
(2) «من» ساقطة من النسخ المطبوعة.
(3) «أدب المفتي والمستفتي» (ص 80)، «صفة الفتوى» (ص 8).
(4) انظر المصدرين السابقين.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 105)
عن مسألة حتى يأخذ رأيَ صاحبه، مع ما رُزِقوا من السداد والتوفيق والطهارة؛ فكيف بنا الذين غطَّت الذنوب والخطايا قلوبنا؟ وكان رحمه الله إذا سئل عن مسألة فكأنه واقف بين الجنة والنار(1).
وقال عطاء بن أبي رباح(2): أدركت أقوامًا إن كان أحدُهم لَيُسأل عن الشيء(3) فيتكلَّم وإنه لَيُرعَد(4).
وسئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أي البلاد شرٌّ؟ فقال: «لا أدري حتى أسأل جبريل». فسأله، فقال: «أسواقها»(5).
وقال الإمام أحمد: من عرَّض نفسه للفتيا فقد عرَّضها لأمر عظيم، إلا أنه قد تلجئ الضرورة(6).--------------------------------------------
(1) «صفة الفتوى» (ص 8 - 9).
(2) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وقد ورد في «صفة الفتوى» ــ وهو مصدر النقل هنا ــ: «وقال عطاء»، فظن المؤلف أنه ابن أبي رباح، وإنما هو ابن السائب كما ترى في تخريج قوله.
(3) في النسخ المطبوعة: «شيء».
(4) رواه الفسوي (2/ 718)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1085) من طريق سفيان عن عطاء بن السائب، وسفيان قديم السماع عن عطاء.
(5) «صفة الفتوى» (ص 9). وقد رواه ابن حبان (1599)، والحاكم (2/ 7)، والبيهقي (3/ 65) من طريق جرير عن عطاء، وجرير روى عنه بعد الاختلاط. وله شاهد حسن من حديث جبير بن مطعم رواه أحمد (16744)، وأبو يعلى (7403)، والطبراني (1545، 1546)، والحاكم (2/ 7) من حديث جبير بن مطعم. وأصل الحديث في مسلم (671).
(6) رواه الأثرم. انظر: «صفة الفتوى» (ص 10). وقد رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (2/ 29) بإسناده عن الأثرم عن الإمام أحمد.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 106)
وسئل الشعبيُّ عن شيء(1)، فقال: لا أدري. فقيل(2): ألا تستحيي من قولك لا أدري، وأنت فقيه أهل العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالوا: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32](3).
وقال بعض أهل العلم(4): تعلَّمْ «لا أدري»، فإنك إن قلتَ: «لا أدري» علَّموك حتى تدري. وإن قلت: «أدري» سألوك حتى لا تدري.
وقال عُقبة(5) بن مسلم: صحبتُ ابن عمر أربعة وثلاثين شهرًا، فكان كثيرًا ما يُسأَل، فيقول: لا أدري(6).
وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يُفتي فتيا ولا يقول شيئًا إلا قال: اللهم سلِّمني، وسلِّم مني(7).--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «مسألة».
(2) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».
(3) «صفة الفتوى» (ص 9). وقد رواه ابن أبي الدنيا في «الإشراف» (258)، وفيه محمد بن مزاحم، لم يسمع من الشعبي. ورواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1123) وابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (26) من طريق أحمد بن عبيد، عن الهيثم بن عدي، عن مجالد؛ ثلاثتهم ضعفاء.
(4) نقله في «صفة الفتوى» (ص 9) عن أبي الذَّيَّال. وقد رواه ابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (ص 89).
(5) في النسخ الخطية: «عتبة»، تصحيف.
(6) «صفة الفتوى» (ص 10). وقد رواه ابن المبارك في «الزهد» (52)، والفسوي (1/ 490، 493)، وابن عبد البر في «الجامع» (1585)، وإسناده صحيح.
(7) «صفة الفتوى» (ص 10). وقد رواه البخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 511)، وابن سعد (5/ 136)، وأبو نعيم (2/ 164)، وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 107)
وسئل الشافعي عن مسألة، فسكت. فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري: الفضلُ في سكوتي أو في الجواب(1).
وقال ابن أبي ليلى: أدركتُ مائةً وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردُّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتّى ترجعَ إلى الأول. وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يُسأل عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه(2).
وقال أبو حَصِين(3) الأسدي: إن أحدهم لَيفتي في المسألة، لو وردَتْ على عمر بن الخطاب لجمَع لها أهلَ بدر(4).
وسئل القاسم بن محمد عن شيء، فقال: إني لا أحسنه. فقال له السائل: إني جئت إليك(5) لا أعرف غيرك. فقال له القاسم: لا تنظر إلى--------------------------------------------
(1) «صفة الفتوى» (ص 10). وانظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص 79).
(2) «صفة الفتوى» (ص 7). وقد رواه ابن المبارك في «الزهد» (58)، والدارمي (137)، وأبو خيثمة في «العلم» (21) من طريق سفيان، عن عطاء بن السائب. وإسناده صحيح.
(3) في النسخ الخطية: «الحسين»، والصواب ما أثبت من مصادر التخريج.
(4) «صفة الفتوى» (ص 7). رواه ابن بطة في «الحيل» (72)، والبيهقي في «المدخل» (803)، ابن عساكر (38/ 410)، وإسناده صحيح.
(5) أثبت في المطبوع: «دفعت إليك». وقال في التعليق: «كذا في (ق) ومصادر التخريج»، مع أن في «صفة الفتوى» (ص 8) ــ وهو مصدر النقل ــ كما أثبتنا من النسخ الخطية. نعم، في «جامع بيان العلم» ومنه في «أدب المفتي» (ص 78) كما ذكر هو.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 108)
طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أُحسِنه. فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: والله لأن يُقطَع لساني أحبُّ إليَّ من أن أتكلَّم بما لا علم لي به.
[206/ب] وكتب سلمان إلى أبي الدرداء، وكان بينهما مؤاخاة: بلغني أنك قعدت طبيبًا فاحذر أن تكون متطبِّبًا أو تقتل مسلمًا! فكان ربما جاءه الخصمان، فيحكم بينهما، ثم يقول: ردُّوهما عليَّ، متطبِّب والله، أَعِيدا عليَّ قضيتكما(1).
الفائدة الرابعة والثلاثون: إذا نزلت بالعامِّيِّ نازلة، وهو في مكان لا يجد من يسأله عن حكمها، ففيه طريقان للناس:
إحداهما(2): أنه(3) له حكم ما قبل الشرع، على الخلاف في الحظر والإباحة والوقف؛ لأن عدم المرشد في حقِّه بمنزلة عدم المرشد بالنسبة إلى الأمة.
والطريقة الثانية: أنه يخرَّج على الخلاف في مسألة تعارض الأدلة عند المجتهد، هل يعمل بالأخفِّ، أو بالأشدِّ، أو يتخيَّر؟ والصواب أنه يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويتحرَّى الحق بجهده ومعرفة مثله. وقد نصب الله تعالى على الحق أماراتٍ كثيرةً، ولم يسوِّ الله سبحانه بين ما يحبه وبين ما--------------------------------------------
(1) رواه مالك (2/ 769)، وأحمد في «الزهد» (839)، وأبو نعيم (1/ 205)، من طرق عن سلمان، وكلها منقطعة.
(2) ز: «أحدهما»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) في النسخ المطبوعة: «أن».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 109)
يسخطه من كلِّ وجه، بحيث لا يتميَّز هذا من هذا. ولا بد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق، مؤثِرة له، ولا بد أن يقوم لها عليه بعضُ الأمارات المرجِّحة، ولو بمنام أو بإلهام. فإن قُدِّر ارتفاعُ ذلك كلِّه، وعُدِمت في حقِّه جميعُ الأمارات، فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة، ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة، وإن كان مكلَّفًا بالنسبة إلى غيرها؛ فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكُّن من العلم والقدرة. والله أعلم.
الفائدة الخامسة والثلاثون: الفتيا أوسع من الحكم والشهادة، فيجوز فتيا العبد والحر، والمرأة والرجل، والقريب(1) والأجنبي، والأمّي والقارئ، والأخرس بكتابته والناطق، والعدو والصديق. وفيه وجه أنه لا تُقبَل فتيا العدو، ولا من لا تُقبَل شهادته له كالشهادة. والوجهان في الفتيا كالوجهين في الحكم، وإن كان الخلاف في الحاكم أشهر.
وأما فتيا الفاسق فإن أفتى غيرَه لم تُقبَل فتواه، وليس للمستفتي أن يستفتيه. وله أن يعمل بفتوى نفسه، ولا يجب عليه أن يستفتي غيره.
وفي جواز استفتاء مستور الحال وجهان، والصواب جواز استفتائه وإفتائه.
قلت: وكذلك الفاسق، إلا أن يكون معلنًا بفسقه داعيًا إلى بدعته، فحكمُ استفتائه حكمُ إمامته وشهادته. وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة والعجز. فالواجب شيء، والواقع شيء. والفقيه من يطبِّق بين الواقع والواجب، وينفِّذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يُلقي العداوة--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «البعيد»!
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 110)
بين الواجب والواقع. فلكلِّ زمان حكمٌ، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. وإذا عمَّ الفسوق وغلب على أهل الأرض، فلو مُنِعت(1) إمامةُ الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعُطِّلت الأحكام، وفسد نظام الخلق، وبطلت أكثر الحقوق. ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح، وهذا عند القدرة والاختيار. وأما عند الضرورة والغلبة بالباطل، فليس إلا الاصطبار، والقيام بأضعف مراتب الإنكار.
[207/أ] الفائدة السادسة والثلاثون: لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما تجوز الفتيا(2) به، ووجوبها إذا تعيَّنت. ولم يزل أمر السلف والخلف على هذا، فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور، والذين لا يجوِّزون قضاء الجاهل. فالقاضي مفتٍ، ومثبت، ومنفِّذ لما أفتى به.
وذهب بعض الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي إلى أنه يُكره للقاضي أن يفتي في مسائل الأحكام المتعلقة به، دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها(3).
واحتجَّ أرباب هذا القول بأن فتياه تصير كالحكم منه على الخصم، ولا يمكن نقضُه وقت المحاكمة. قالوا: ولأنه قد يتغيَّر اجتهاده وقت الحكومة، أو تظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء؛ فإن أصرَّ على فتياه والحكم--------------------------------------------
(1) ب: «اتبعت»، وفي المطبوع: «امتنعت»، والصواب ما أثبت من ز، وكذا في الطبعات القديمة.
(2) ب: «يجوز الإفتاء»، وكذا في المطبوع. وفي الطبعات السابقة كما أثبت من ز، ك.
(3) انظر: «أدب المفتي» (ص 108) و «صفة الفتوى» (29).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 111)
بموجبها حكَم بخلاف ما يعتقد صحته، وإن حكَم بخلافها طرق الخصمُ إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكُم بخلاف ما يعتقده ويفتي به.
ولهذا قال شريح: أنا أقضي لكم، ولا أفتي(1). حكاه ابن المنذر(2)، واختار كراهية الفتوى في مسائل الأحكام.
وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني(3): لأصحابنا في فتواه في مسائل الأحكام جوابان.
أحدهما: أنه ليس له أن يفتي فيها، لأن لكلام الناس عليه مجالًا، ولأحد الخصمين عليه مقالًا. والثاني: له ذلك، لأنه أهل له.
الفائدة السابعة والثلاثون: فتيا الحاكم ليست حكمًا منه، فلو(4) حكم غيرُه بخلاف ما أفتى به لم يكن نقضًا لحكمه. ولا هي كالحكم، ولهذا يجوز أن يفتي الحاضرَ والغائبَ ومن يجوز حكمه له ومن لا يجوز. ولهذا لم يكن في حديث هند(5) دليل على الحكم على الغائب، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أفتاها فتوى مجرَّدة، ولم يكن ذلك حكمًا على الغائب، فإنه لم يكن غائبًا عن البلد، وكانت مراسلته وإحضاره ممكنة، ولا طلب البينة على صحة دعواها. وهذا ظاهر بحمد الله.--------------------------------------------
(1) رواه عبد الرزاق (16921) والطحاوي في «معاني الآثار» (4/ 96) من طريقين ضعيفين عن عطاء بن السائب.
(2) في «الإقناع» (2/ 514). وانظر: «أدب المفتي» (ص 107 - 108).
(3) في بعض تعاليقه. ونقل منها ابن الصلاح في «أدب المفتي» (ص 108).
(4) في النسخ المطبوعة: «ولو».
(5) رواه البخاري (2211) ومسلم (1714) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 112)
الفائدة الثامنة والثلاثون: إذا سأل المستفتي عن مسألة لم تقع، فهل تستحَبُّ إجابته، أو تُكرَه، أو يخيَّر؟ فيه ثلاثة أقوال. وقد حكي عن كثير من السلف(1) أنه كان لا يتكلَّم فيما لم يقع. وكان بعض السلف إذا سأله الرجل عن مسألة قال: هل كان ذلك؟ فإن قال: نعم، تكلَّف له الجواب، وإلا قال: دعنا في عافية(2).
وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلَّم في مسألة ليس لك فيها إمام(3).
والحقُّ: التفصيل. فإن كان في المسألة نصٌّ من كتاب الله أو سنَّةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أثرٍ عن الصحابة لم يُكرَه الكلام فيها. وإن لم يكن فيها نصٌّ ولا أثر، فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدَّرةً لا تقع لم يُستحَبَّ له الكلام فيها. وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرضُ السائل الإحاطةُ بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت= استُحِبَّ له الجواب بما يعلم، لا سيما إن كان السائل يتفقَّه بذلك، ويعتبر بها نظائرها، ويفرِّع عليها. فحيث كانت مصلحة الجواب راجحةً كان هو الأولى. والله أعلم.
الفائدة التاسعة [207/ب] والثلاثون: لا يجوز للمفتي تتبُّعُ الحيل المحرَّمة والمكروهة، ولا تتبُّع الرخص لمن أراد نفعه. فإن تتبَّعَ ذلك فسَقَ، وحرُم استفتاؤه وإن(4) حسن قصدُه في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة--------------------------------------------
(1) في «صفة الفتوى» (ص 30): «بعض السلف».
(2) تقدم في الفائدة الأولى.
(3) تقدم في أول الكتاب.
(4) في النسخ المطبوعة: «فإن».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 113)
لتخليص(1) المستفتي بها من حرجٍ جاز ذلك، بل استُحِبَّ. وقد أرشد الله سبحانه نبيَّه أيوب إلى التخلُّص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثًا، فيضرب به المرأة ضربة واحدة(2).
وأرشد النبيُّ صلى الله عليه وسلم بلالًا إلى بيع التمر بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرًا آخر، فيتخلَّص من الربا(3). فأحسنُ المخارج ما خلص من المآثم، وأقبحُ الحيل ما أوقع في المحارم، أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحقِّ اللازم. وقد ذكرنا من النوعين ما لعلك لا تظفر بجملته في غير هذا الكتاب. والله الموفق للصواب.
الفائدة الأربعون في حكم رجوع المفتي عن فتياه:
إذا أفتى المفتي بشيءٍ ثم رجع عنه، فإن علِم المستفتي برجوعه ولم يكن عمِل بالأول فقيل: يحرُم عليه العمل به(4). وعندي في المسألة تفصيل، وأنه لا يحرم عليه الأول بمجرَّد رجوع المفتي، بل يتوقَّف حتى يسأل غيرَه. فإن أفتاه بموافقة الأول استمرَّ على العمل به، وإن أفتاه بموافقة الثاني، ولم يُفْتِه أحدٌ بخلافه، حرُم عليه العمل بالأول. وإن لم يكن في البلد إلا مفتٍ واحد سأله عن رجوعه عما أفتاه به، فإن رجع إلى اختيار خلافه مع تسويغه لم يحرُم عليه. وإن رجع لخطأٍ بان له، وأن ما أفتاه به لم يكن صوابًا، حرُم عليه العمل بالأول.--------------------------------------------
(1) ب: «ليخلص»، وكذا في المطبوع.
(2) انظر: «أدب المفتي» (ص 111) و «صفة الفتوى» (ص 32).
(3) سبق تخريجه.
(4) انظر: «أدب المفتي» (ص 109) و «صفة الفتوى» (ص 30).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 114)
هذا إذا كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي. فإن كان رجوعه لمجرَّد ما بان له أن ما أفتى به(1) خلافُ مذهبه لم يحرُم على المستفتي ما أفتاه به أولًا، إلا أن تكون المسألة إجماعية. فلو تزوَّج بفتواه ودخل، ثم رجع المفتي، لم يحرُم عليه إمساك امرأته إلا بدليل شرعي يقتضي تحريمها. ولا يجب عليه مفارقتها بمجرَّد رجوعه، ولا سيَّما إن كان إنما رجع لكونه تبيَّن له أن ما أفتى به خلافُ مذهبه، وإن وافق مذهب غيره. هذا هو الصواب.
وأطلق بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي وجوبَ مفارقتها عليه، وحكوا في ذلك وجهين، ورجَّحوا وجوب المفارقة. قالوا: لأن المرجوع عنه ليس مذهبًا له، كما لو تغيَّر اجتهادُ من قلَّده في القبلة في أثناء الصلاة، فإنه يتحوَّل مع الإمام في الأصح(2).
فيقال لهم: المستفتي قد دخل بامرأته دخولًا صحيحًا سائغًا، ولم يقُمْ ما يوجب مفارقته لها من نصٍّ ولا إجماع، فلا يجب عليه مفارقتها بمجرَّد تغيُّر اجتهاد المفتي. وقد رجع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن القول بالتشريك، وأفتى بخلافه، ولم يأخذ المال من الذين شرَّك بينهم أولًا(3).
وأما قياسكم ذلك على من تغيَّر اجتهاده في معرفة القبلة، فهو حجة عليكم؛ فإنه لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد الأول، ويلزمه التحوُّل ثانيًا لأنه مأمور بمتابعة الإمام. بل نظير مسألتنا: ما لو تغيَّر اجتهاده بعد الفراغ من الصلاة، فإنه لا تلزمه الإعادة، ويصلِّي الثانية بالاجتهاد الثاني.--------------------------------------------
(1) ك، ب: «أفتاه به»، وكذا في المطبوع.
(2) انظر المصدرين المذكورين.
(3) تقدَّم تخريجه.
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 115)
وأما قول أبي عمرو بن الصلاح(1)، وأبي عبد الله بن حمدان(2) من أصحابنا: «إذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب [208/أ] إمام معيَّن، فإذا رجع لكونه بان له قطعًا أنه خالف في فتواه نصَّ مذهب إمامه، فإنه يجب نقضُه، وإن كان ذلك في محل الاجتهاد؛ لأن نصَّ مذهب إمامه في حقِّه كنصِّ الشارع في حقِّ المفتي المجتهد المستقل»؛ فليس كما قالا. ولم ينصَّ على هذه المسألة أحد من الأئمة، ولا تقتضيها أصول الشريعة. ولو كان نصُّ إمامه بمنزلة نصِّ الشارع لَحرُم عليه وعلى غيره مخالفته، وفسَقَ بخلافه.
ولم يوجب أحد من الأئمة نقضَ حكم الحاكم ولا إبطالَ فتوى المفتي بكونه خلاف قول زيد أو عمرو، ولا يُعلَم أحدٌ سوَّغ النقضَ بذلك من الأئمة والمتقدمين من أتباعهم، وإنما قالوا: يُنقَض من حكم الحاكم ما خالف نصَّ كتاب أو سنة أو إجماع الأمة، ولم يقل أحد: يُنقَض من حكمه ما خالف قول فلان أو فلان. وينقض من فتوى المفتي ما ينقض من حكم الحاكم، فكيف يسوغ نقضُ أحكام الحكام وفتاوى أهل العلم بكونها خالفت قولَ واحدٍ من الأئمة، ولا سيَّما إذا وافقت نصًّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فتاوى الصحابة؟ أيسوغ نقضُها لمخالفة قول فلان وحده، ولم يجعل الله ولا رسوله ولا أحد من الأئمة قولَ فقيه من الأمة بمنزلة نصِّ الله ورسوله بحيث يجب اتباعُه ويحرُم خلافه؟--------------------------------------------
(1) في «أدب المفتي والمستفتي» (ص 109 - 110).
(2) في «صفة الفتوى» (ص 31).
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 116)
فإذا بان للمفتي أنه خالف إمامه ووافق قول الأئمة الثلاثة لم يجب على الزوج أن يفارق امرأته، ويخرِّب بيتَه، ويشتِّت شملَه وشملَ أولاده، بمجرَّد كون المفتي ظهر له أن ما أفتى به خلافُ نصِّ إمامه. ولا يحِلُّ له أن يقول له: «فارِقْ أهلَك» بمجرَّد ذلك، ولا سيما إن كان النص مع قول الثلاثة.
وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر من أن نتكلَّف بيانه.
فإن قيل: فما تقولون لو تغيَّر اجتهاد المفتي، فهل يلزمه إعلام المستفتي؟
قيل: اختُلِف في ذلك. فقيل: لا يلزمه إعلامه، فإنه عمل أولًا بما يسوغ له، فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثمًا، فهو في سعة من استمراره. وقيل: بل يلزمه إعلامه، لأن ما رجع عنه قد اعتقد بطلانه، وبان له أنَّ ما أفتاه(1) ليس من الدين، فيجب عليه إعلامه؛ كما جرى لعبد الله بن مسعود حين أفتى رجلًا بحِلِّ أم امرأته التي فارقها قبل الدخول، ثم سافر إلى المدينة وتبيَّن له خلاف هذا القول، فرجع إلى الكوفة، وطلب الرجل(2)، وفرَّق بينه وبين أهله(3). وكما جرى للحسن بن زياد اللؤلؤي لما استُفتي في مسألة، فأخطأ فيها، ولم يعرف الذي أفتاه(4)، فاستأجر مناديًا ينادي أن الحسن بن زياد استُفْتي يومَ(5) كذا وكذا في مسألة، فأخطأ. فمن كان أفتاه الحسن بن زياد--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده: «به».
(2) في النسخ المطبوعة: «هذا الرجل».
(3) تقدَّم تخريجه.
(4) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «به».
(5) في النسخ المطبوعة: «في يوم» بزيادة «في».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 117)
بشيء فليرجع إليه. ثم لبث أيامًا لا يُفتي حتى وجد(1) صاحبَ الفتوى، فأعلمه أنه قد أخطأ، وأن الصواب خلاف ما أفتاه به(2).
قال القاضي أبو يعلى في «كفايته»(3): من أفتى بالاجتهاد ثم تغيَّر اجتهاده لم يلزمه إعلامُ المستفتي بذلك إن كان قد عمل به، وإلا أعلَمه.
والصواب: التفصيل. فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعًا بكونه(4) خالف نصَّ الكتاب أو السنة التي لا معارض لها، أو خالف إجماعَ الأمة، وجب عليه(5) إعلام المستفتي. وإن كان [208/ب] إنما ظهر له أنه خالف مجرَّدَ مذهبه أو نصَّ إمامه لم يجب عليه إعلام المستفتي.
وعلى هذا تُخرَّج قصة ابن مسعود، فإنه لما ناظر الصحابةَ في تلك المسألة بيَّنوا له أن صريح الكتاب يحرِّمها، لكون الله أبهمها فقال: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ}، وظنَّ عبد الله أن قوله: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] راجع إلى الأول والثاني. فبيَّنوا له أنه إنما يرجع إلى أمهات--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «جاء»، وفي مصادر التخريج كما أثبت من النسخ الخطية هنا وفيما سبق.
(2) «أدب المفتي والمستفتي» (ص 110). وقد رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1209) ــ وعنه ابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (34) ــ من طريق علي بن محمد النخعي، عن محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد، عن أبيه، وفيه مَن لا أعرف.
(3) نقله منه ابن حمدان في «صفة الفتوى» (ص 31).
(4) في النسخ المطبوعة: «لكونه».
(5) في النسخ المطبوعة: «الأمة فعليه».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 118)
الربائب خاصّةً، فعرَف أنه الحقُّ، وأن القول بحِلِّها خلافُ كتاب الله، ففرَّق بين الزوجين. ولم يفرِّق بينهما بكونه تبيَّن له أن ذلك خلاف قول زيد أو عمرو. والله أعلم.
الفائدة الحادية والأربعون: إذا عمل المستفتي بفتيا مفتٍ في إتلاف نفس أو مال، ثم بان خطؤه.
فقال(1) أبو إسحاق الإسفراييني من الشافعية: يضمن المفتي إن كان أهلًا للفتوى وخالف القاطعَ. وإن لم يكن أهلًا فلا ضمان عليه، لأن المستفتي قصَّر في استفتائه وتقليده(2). ووافقه على ذلك أبو عبد الله بن حمدان في كتاب «أدب المفتي والمستفتي»(3) له، ولم أعرف هذا لأحد من الأصحاب قبله. ثم حكى وجهًا آخر في تضمين من ليس بأهل، قال: لأنه تصدَّى لما ليس له بأهل، وغرَّ من استفتاه بتصدِّيه لذلك.
قلت: خطأ المفتي كخطأ الحاكم والشاهد، وقد اختلفت الرواية في خطأ الحاكم في النفس أو الطرف. فعن الإمام أحمد في ذلك روايتان(4)، إحداهما: أنه في بيت المال، لأنه يكثر منه الحكم(5) فلو حملته العاقلة لكان--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «قال».
(2) نقله عن أبي إسحاق أبو عمرو ابن الصلاح في «أدب المفتي» (ص 111).
(3) في النسخ المطبوعة: «آداب … ». وهو مطبوع بعنوان «صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» (ص 31).
(4) انظر: «الهداية» لأبي الخطاب (ص 535).
(5) في النسخ المطبوعة: «ذلك الحكم».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 119)
ذلك إضرارًا عظيمًا بهم. والثانية: أنه على عاقلته، كما لو كان الخطأ بسبب غير الحاكم. وأما خطؤه في المال فإذا حكَم بحقٍّ، ثم بان كفرُ الشهود أو فسقُهم، نُقِض حكمُه، ثم رجع المحكوم عليه ببدل المال على المحكوم له. وكذلك إن(1) كان الحكم بقود رجع أولياء المقتول ببدله على المحكوم له.
وإن(2) كان الحكمُ بحقٍّ لله(3) بإتلاف مباشر أو بالسِّراية، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الضمان على المزكِّين، لأن الحكم إنما وجب بتزكيتهم.
والثاني: يضمنه الحاكم، لأنه لم يتثبت، بل فرَّط في المبادرة إلى الحكم، وترك البحث والسؤال.
والثالث: أن للمستحقِّ تضمين أيهما شاء، والقرارُ على المزكِّين، لأنهم ألجؤوا الحاكمَ إلى الحكم. فعلى هذا إن لم يكن ثمَّ تزكية، فعلى الحاكم.
وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا ينقض بفسقهم، فعلى هذا لا ضمان(4). وعلى هذا إذا استفتى الإمام أو الوالي مفتيًا، فأفتاه، ثم بان(5) خطؤه فحكمُ المفتي مع الإمام حكمُ المزكِّين مع الحاكم.
وإن عمل المستفتي بفتواه، من غير حكم حاكم ولا إمام، فأتلف نفسًا--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «إذا».
(2) في النسخ المطبوعة: «وكذلك إن»، و «كذلك» زائدة.
(3) في النسخ المطبوعة: «بحق الله».
(4) انظر: «المحرر» (2/ 211).
(5) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».
(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 120)