Arabic source text

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

📘 أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (ابن القيم - ت 751 هـ)

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة. وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك القدرية في نصوص القدر، وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم. وكذلك القرامطة والباطنية طردت البابَ، وطمَّت(1) الواديَ على القَريِّ، وتأولت الدينَ كلَّه!
فأصلُ خراب الدنيا والدين(2) إنما هو من التأويل الذي لم يُرِده الله ورسوله بكلامه، ولا دلَّ على(3) أنه مراده. وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه دُخِل إليها. وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟
وليس هذا مختصًّا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد، حتَّى دخلها(4) التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا ربُّ العباد.--------------------------------------------
(1) كذا ورد الفعل في النسخ الخطية والمطبوعة بتعديته إلى «الوادي». ونحوه في كتاب «الروح» (2/ 724): «وجاءت طائفة الاتحادية، فطمُّوا الواديَ على القَري». والمثل: «طمَّ الوادي على القري»، أي جرى سيله، فدفن القريَّ وأتى عليه. والقري: مجرى الماء في الروضة. فالوادي هو الذي يطُمُّ. ولا يقال: طممتُه على الشيء، فلا يصح «طمَّ فلانٌ الواديَ على القري». وانظر تعليقي على كتاب «الروح». ويضرب المثل عند تجاوز الشرِّ حدَّه. انظر: «مجمع الأمثال» (1/ 282).
(2) في النسخ المطبوعة: «الدين والدنيا».
(3) ك، ب: «عليه» وكذا في النسخ المطبوعة، والصواب ما أثبت من ز.
(4) ما عدا ز: «دخل عليها».

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 161)

وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدِّمة، ولكن سلَّطوا عليها التأويلاتِ فأفسدوها ــ كما أخبر سبحانه عنهم ــ من التحريف والتبديل والكتمان. فالتحريف: تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يُرِدها المتكلم(1)، والتبديل: تبديل لفظ بلفظ آخر. والكتمان: جحدُه. وهذه الأدواء الثلاثة منها غُيِّرت الأديان والملل. وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما [216/ب] تطرَّقوا إلى فساده(2) بالتأويل بما لا يكاد يوجد(3) مثلُه في شيء من الأديان، ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل.
وكذلك زنادقة الأمم جميعهم إنما تطرَّقوا إلى إفساد ديانات الرسل بالتأويل، ومن بابه دخلوا، وعلى أساسه بنَوا، وعلى نقطه خطُّوا.
والمتأولون أصناف عديدة، بحسب الباعث لهم على التأويل، وبحسب قصور أفهامهم ووفورها. وأعظمُهم توغُّلًا في التأويل الباطل مَن فسد قصدُه وفهمُه، فكلَّما ساء قصدُه وقصَر فهمُه كان تأويله أشدَّ انحرافًا. فمنهم من يكون تأويله لنوع هوًى من غير شبهة، بل يكون على بصيرة من الحق. ومنهم من يكون تأويله لنوع شبهةٍ عرضت له أخفَتْ عليه الحقَّ(4). ومنهم من يجتمع له الأمران: الهوى في القصد، والشبهة في العلم.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بها».
(2) في النسخ المطبوعة: «إفساده».
(3) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «قط».
(4) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «ومنهم من يكون تأويله لنوع هدى من غير شبهة، بل يكون على بصيرة من الحق». قلت: أولًا: لفظ «هدى» في هذه الزيادة تحريف «هوى»، ثم هذه العبارة هي السابقة بعينها قبل سطر، فلا معنى لتكرارها.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 162)

وبالجملة، فافتراق أهل الكتابين وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل. وإنما أريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصِفِّين والحَرَّة وفتنة ابن الزبير وهلمَّ جرًّا بالتأويل. وإنما دخل أعداء الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية من باب التأويل. فما امتُحِن الإسلام بمحنة قطُّ إلا وسببها التأويل، فإنَّ محنته إمَّا من المتأولين، وإما أن يسلَّط عليهم الكفارُ، بسبب ما ارتكبوا من التأويل، وخالفوا فيه(1) ظاهرَ التنزيل، وتعلَّلوا بالأباطيل.
فما الذي أراق دماءَ بني جَذيمة ــ وقد أسلموا ــ غيرُ التأويل حتى رفع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يديه وتبرَّأ إلى الله من فعل المتأوِّل بقتلهم وأخذ أموالهم؟(2).
وما الذي أوجب تأخُّرَ الصحابة رضي الله عنهم يومَ الحديبية عن موافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرُ التأويل، حتى اشتدَّ غضبه لتأخُّرهم عن طاعته، حتى رجعوا عن ذلك التأويل؟
وما الذي سفَكَ دمَ أمير المؤمنين عثمان ظلمًا وعدوانًا وأوقع الأمة فيما أوقعها فيه حتى الآن غيرُ التأويل؟
وما الذي سفَك دمَ عليٍّ رضي الله عنه وابنه الحسين وأهل بيته غيرُ التأويل؟
وما الذي أراق دمَ عمار بن ياسر وأصحابه غيرُ التأويل؟
وما الذي أراق دمَ [ابن](3) الزبير وحُجْر بن عدي وسعيد بن جبير--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية: «في»، ولعل الصواب ما أثبت. وفي النسخ المطبوعة: «وخالفوا ظاهر التنزيل».
(2) تقدَّم غير مرة.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ الخطية.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 163)

وغيرهم من سادات الأمة غيرُ التأويل؟
وما الذي أريقت عليه دماء العرب في فتنة أبي مسلم غيرُ التأويل؟
وما الذي جرَّد الإمامَ أحمد بين العقابين وضرب السياط حتى عجَّت الخليقة إلى ربِّها غيرُ التأويل؟
وما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي وخلَّد خلقًا من العلماء في السجون حتى ماتوا غيرُ التأويل؟
وما الذي سلَّط سيوفَ التتار على دار الإسلام حتى ردُّوا أهلها غيرُ التأويل؟
وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل؟
وهل فُتِح بابُ التأويل إلا مضادّةً ومناقضةً لحكم الله في تعليمه عبادَه البيان الذي امتنَّ(1) في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه؟ فالتأويل بالألغاز والأحاجي والأغلوطات أولى منه بالبيان والتبيين. وهل فرقٌ بين دفع [217/أ] حقائق ما أخبرت به الرسل عن الله وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له، وبين ردِّه وعدم قبوله؟ ولكن هذا ردُّ جحود ومعاندة، وذاك ردُّ خداع ومصانعة!
قال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمَّى بـ «الكشف عن مناهج الأدلة»(2)، وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة، إلى أن قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة زيد بعده لفظ الجلالة: «امتن الله».
(2) (ص 148 - 149).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 164)

قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}(1) [آل عمران: 7] وهؤلاء أهل الجدل والكلام. وأشدُّ ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرًا مما ظنُّوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإنما أمر الله(2) به في صورة المتشابه ابتلاءً لعباده واختبارًا لهم. ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجِزًا من جهة الوضوح والبيان، فما أبعد(3) من مقصد الشارع مَن قال فيما ليس بمتشابه: إنه متشابه، ثم أوَّل ذلك المتشابه بزعمه، وقال لجميع الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل! مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا: إن ظاهره متشابه.
ثم قال(4): وبالجملة، فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تُؤُمِّلت وُجِدت ليس يقوم عليها برهان.
إلى أن قال(5): ومثالُ مَن أوَّلَ شيئًا من الشرع وزعم أن ما أوَّله هو الذي قصده الشرعُ مثالُ مَن أتى إلى دواءٍ قد ركَّبه طبيب ماهر، ليحفظ صحة جميع الناس أو الأكثر، فجاء رجل، فلم يلائمه ذلك الدواء الأعظم، لرداءة--------------------------------------------
(1) في النسخ: «وأما».
(2) كذا في النسخ. وفي «الكشف»: «أتى الله»، فأثبت ذلك في المطبوع بدلًا مما في النسخ الخطية.
(3) أثبت في المطبوع: «فإذا ما أبعد» كما جاء في «الكشف»، وزعم أن ما في النسخ غير مستقيم.
(4) في (ص 149).
(5) في (ص 149 - 150).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 165)

مزاجٍ كان به ليس يعرض إلا للأقلِّ من الناس، فزعم أن بعض تلك الأدوية التي(1) صرَّح باسمه(2) الطبيبُ الأول في ذلك الدواء العامِّ المنفعة لم يُرِد به ذلك الدواء العامَّ الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواءً آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة. فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركَّب الأعظم، وجعل فيه بدله الدواءَ الذي ظنَّ أنه قصده الطبيب، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول. فاستعمل الناس ذلك الدواء المركَّب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأوِّل، ففسدت أمزجة كثير من الناس. فجاء آخرون، فشعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركَّب، فراموا إصلاحه بأن بدَّلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوعٌ من المرض غير النوع الأول.
فجاء ثالث، فتأول في أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني، فعرض من ذلك للناس(3) نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين. فجاء متأول رابع، فتأول دواءً آخر غير الأدوية المتقدمة؛ فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة.--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، و «درء التعارض» (6/ 220)، وكذا في مطبوعة «الكشف» نفسه، وهو غريب! فإن الصواب: «الذي»، وهو صفة لكلمة «بعض»، والعائد: الضمير المذكر في «باسمه». وكذا في «مختصر الصواعق» (1/ 152).
(2) في النسخ المطبوعة: «باسمها»، والظاهر أن بعض الناشرين غيَّر ما في النسخة من أجل «التي» غير ناظر إلى تذكير الدواء المقصود من ذلك الدواء العامّ المركَّب في سائر الكلام الآتي.
(3) ب: «للناس من ذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت من (ز، ك) موافق لما في مصدر النقل.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 166)

فلما طال الزمان بهذا الدواء المركَّب الأعظم، وسلَّط الناس التأويل على أدويته، وغيَّروها وبدَّلوها= عرض منه للناس أمراض شتَّى، حتى فسدت [217/ب] المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حقِّ أكثر الناس. وهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة(1) مع الشريعة، وذلك أن كلَّ فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه هو الذي قصده صاحبُ الشرع، حتى تمزَّق الشرعُ كلَّ ممزَّق، وبعد جدًّا عن موضوعه(2) الأول.
ولما علم صاحبُ الشرع صلوات الله وسلامه عليه أن مثل هذا يعرض ــ ولا بدَّ ــ في شريعته قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة»(3)، يعني بالواحدة: التي سلكت ظاهر الشرع، ولم تؤوِّله.
وأنت إذا تأمَّلتَ ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبيَّنتَ أن هذا المثال صحيح.
وأول من غيَّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية. ثم جاء أبو حامد، فطمَّ الوادي على القَريِّ(4).--------------------------------------------
(1) أثبت في المطبوع: «الطريقة»، وأحال على «الكشف». وفي الطبعة التي بين يديَّ كما هنا وفي «درء التعارض» (6/ 221) و «الصواعق» (2/ 415).
(2) ب: «موضعه»، وكذا في طبعة «الكشف»، ولعله تحريف. وفي «درء التعارض» (6/ 222) و «الصواعق» (2/ 416) كما أثبت من (ز، ك).
(3) رواه أحمد (12208، 12479)، وابن ماجه (3993) من حديث أنس، والحديث حسن بشواهده. انظر: «السلسلة الصحيحة» (203) وتعليق محققي «المسند».
(4) سبق هذا المثل قريبًا.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 167)

هذا كلامه بلفظه(1).
ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين وما نال الأممَ قديمًا وحديثًا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدَّة أسفار(2). والله المستعان.
الفائدة السادسة والخمسون: لا يجوز له(3) العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئنَّ نفسه، وحاك في صدره من فتواه(4)، وتردَّد فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «استفتِ نفسَك … وإن أفتاك الناس وأفتَوك»(5)، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولًا. ولا تخلِّصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قضيتُ له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار»(6).
والمفتي والقاضي في هذا سواء. فلا يظنَّ(7) المستفتي أن مجرَّدَ فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه، إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء--------------------------------------------
(1) نقله المؤلف في «الصواعق» (2/ 404 - 417) بأطول مما هنا. وانظر: «درء التعارض» (6/ 212 - 222).
(2) وقال في «شفاء العليل» (ص 82): «وسنفرد إن شاء الله كتابًا نذكر فيه جناية المتأويلن على الدنيا والدين». وانظر: «ابن قيم الجوزية» للشيخ بكر أبو زيد (ص 248).
(3) «له» ساقط من النسخ المطبوعة.
(4) ب: «قبوله»، وكذا في النسخ المطبوعة. والظاهر أنه تصحيف ما أثبت من ز.
(5) تقدَّم تخريجه.
(6) تقدَّم تخريجه.
(7) في النسخ المطبوعة: «ولا يظن».

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 168)

تردَّد أو حاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكِّه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهلَ المفتي، أو محاباتَه في فتواه، أو عدمَ تقيُّده(1) بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرُّخَص المخالفة للسنة وغير ذلك، من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها. فإن كان عدمُ الثقة والطمأنينة لأجل المفتي سأل ثانيًا وثالثًا حتى تحصل له الطمأنينة(2). فإن لم يجد فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة.
فإن كان في البلد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر، فهل يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل؟ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد. فمن جوَّز ذلك رأى أنه يُقبَل قولُه إذا كان وحده، فوجود من هو أفضل منه لا يمنع من قبول قوله كالشاهد. ومن منع استفتاءه قال: المقصود حصول ما يغلِّب على الظن الإصابة، وغلبةُ الظن بفتوى الأعلم أقوى، فيتعيَّن. والحقُّ: التفصيل بأن المفضول إن ترجَّح بديانة [218/أ] وورع وتحرٍّ(3) للصواب، وعدِمَ ذلك الفاضلُ، فاستفتاء المفضول جائز إن لم يتعيَّن. وإن استويا فاستفتاءُ الأعلم أولى(4). والله أعلم.
الفائدة السابعة والخمسون: إذا لم يعرف المفتي لسان السائل، أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي، أجزأ ترجمةُ واحد بينهما، لأنه خبر محض--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «تقييده».
(2) انظر: «صفة الفتوى» (ص 56).
(3) في النسخ المطبوعة: «أو ورع أو تحرٍّ».
(4) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص 134).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 169)

فيكتفَى فيه بواحد، كأخبار الديانات(1). وطردُ هذا الاكتفاء بترجمة الواحد في الجرح والتعديل، والرسالة، والدعوى، والإقرار والإنكار بين يدي الحاكم، والتعريف، في إحدى الروايتين. وهي مذهب أبي حنيفة، واختارها أبو بكر إجراءً لها مجرى الخبر(2).
والرواية الثانية: لا يقبل في هذه المواضع أقلُّ من اثنين، إجراءً لها مجرى الشهادة، وسلوكًا بها سبيلها، لأنها تُثبت الإقرار عند الحاكم، وتُثبت عدالة الشهود وجرحهم، فافتقرت إلى العدد؛ كما لو شهد على إقراره شاهد واحد، فإنه لا يكتفى به. وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال، فإنه خبر محض، فافترقا.
الفائدة الثامنة والخمسون: إذا كان السؤال محتملًا لصور عديدة، فإن لم يعلم(3) الصورةَ المسؤولَ عنها لم يُجب عن صورة واحدة منها. وإن علم الصورة المسؤول عنها فله أن يخصَّها بالجواب، ولكن يقيِّد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها، فيقول: إن كان الأمر كيت وكيت، أو كان المسؤول عنه كذا وكذا، فالجواب كذا(4). وله أن يُفرد كلَّ صورة بجواب، فيفصِّل الأقسام المحتملة، ويذكر حكمَ كلِّ قسم.
ومنع بعضهم من ذلك لوجهين. أحدهما: أنه ذريعة إلى تعليم الحِيَل، وفتحُ بابٍ لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء. الثاني: أنه سبب--------------------------------------------
(1) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «والطب».
(2) يعني: أبا بكر عبد العزيز غلام الخلال. انظر: «المغني» (14/ 84).
(3) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «المفتي».
(4) في النسخ المطبوعة: «كذا وكذا».

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 170)

لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العامِّي، فيضيع مقصوده(1).
والحقُّ: التفصيل. فيكره حيث استلزم ذلك، ولا يكره ــ بل يستحَبُّ ــ إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان، وإزالة لبس. وقد فصَّل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في كثير من أجوبته بقوله: إن كان كذا فالأمر كذا، كقوله في الذي وقع على جارية امرأته: إن كان استكرهها فهي حُرَّة، وعليه لسيدتها مثلُها، وإن كانت مطاوعتَه(2) فهي [له، وعليه لسيدتها مثلُها](3).
الفائدة التاسعة والخمسون، وهي مما ينبغي التفطن له: إن رأى المفتي خلال السطور بياضًا يحتمل أن يُلحَق به ما يُفسد الجواب فليحترز منه، فربما دخل من ذلك عليه مكروه. فإما أن يأمره(4) بكتابة غير الورقة، وإما أن يخُطَّ على البياض أو يشغله بشيء، كما يحترز منه كُتَّابُ الوثائق والمكاتيب(5).
وبالجملة، فليكن حذرًا فطنًا، ولا يُحسن ظنه بكلِّ أحد. وهذا الذي حمل بعضَ المفتين على أنه كان يقيِّد السؤال عنده في ورقة، ثم يجيب في ورقة السائل. ومنهم من كان [218/ب] يكتب السؤال في ورقة من عنده، ثم--------------------------------------------
(1) انظر: «أدب المفتي» (ص 135) و «صفة الفتوى» (ص 57).
(2) كذا في النسخ. وقد سبق الحديث غير مرة بلفظ «طاوعته».
(3) في موضع ما بين المعقوفين بياض في النسخ الثلاث. وقد أكمل الحديث في النسخ المطبوعة مع زيادة: «وهذا كثير في فتاويه صلى الله عليه وسلم» أخذًا مما سبق في الفائدة الثامنة عشرة فيما أظن.
(4) ك: «يلزمه». وفي النسخ المطبوعة: «يأمر».
(5) انظر: «أدب المفتي» (ص 137) و «صفة الفتوى» (ص 58).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 171)

يكتب الجواب. وليس شيء من ذلك بلازم، والاعتماد على قرائن الأحوال ومعرفة الواقع والعادة.
الفائدة الستون: إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه، فينبغي له أن يشاوره(1). ولا يستقلَّ بالجواب ذهابًا بنفسه، وارتفاعًا بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم. وهذا من الجهل، فقد أثنى سبحانه على المؤمنين بأنَّ أمرهم شورى بينهم، وقال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159].
وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيستشير لها من حضر من الصحابة، وربما جمعهم وشاورهم، حتى كان يشاور ابنَ عباس وهو إذ ذاك أحدَثُ القوم سنًّا. وكان يشاور عليًّا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم(2)، ولا سيَّما إذا قصَد بذلك تمرينَ أصحابه، وتعليمهم، وشحذ أذهانهم.
قال البخاري في «صحيحه»(3): «باب إلقاء العالمِ المسألةَ على أصحابه»(4).--------------------------------------------
(1) انظر: «أدب المفتي» (ص 138) و «صفة الفتوى» (ص 58).
(2) رواه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (193)، والبيهقي في «المدخل» (803)، وهو ثابت عنه في غير قصة، وتقدم البعض.
(3) في كتاب العلم قبل الحديث (61).
(4) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. ولفظ الباب في «الصحيح»: «باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم» ولم ترد إشارة إلى اختلاف في اللفظ في النسخ المذكورة في الطبعة الأميرية (1/ 22).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 172)

وأولى ما ألقى عليهم: المسألة التي سئل عنها. هذا ما لم يعارِض ذلك مفسدةٌ من إفشاء سرِّ السائل أو تعريضه للأذى، أو مفسدة لبعض الحاضرين، فلا ينبغي له أن يرتكب ذلك.
وكذلك الحكم في عابر الرؤيا. فالمفتي والمعبِّر والطبيب يطَّلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطَّلع عليه غيرهم، فعليهم استعمال الستر فيما لا يحسن إظهاره.
الفائدة الحادية والستون: حقيق بالمفتي أن يُكثِر الدعاء بالحديث الصحيح: «اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»(1) وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك. وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: «يا معلِّمَ إبراهيم(2)»، ويُكثر الاستعانة(3) بذلك اقتداءً بمعاذ بن جبل رضي الله عنه(4) حيث قال لمالك بن يُخامِر السَّكسَكي عند موته، وقد رآه يبكي، فقال: والله ما أبكي على دنيا كنتُ أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنتُ أتعلَّمهما منك. فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. اطلب العلم عند أربعة: عند--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (770) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) في ز بعده: «علِّمني»، ولكن فوقه حرف الحاء، يعني: محذوف.
(3) ك، ب: «الاستغاثة»، وكذا في المطبوع.
(4) ذكره ابن رُشيِّق في رسالته «أسماء مؤلفات ابن تيمية» (ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام: ص 283). وانظر: «العقود الدرية» (ص 38 - 39).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 173)

عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري ــ وذكر الرابع ــ(1)، فإن عجز عنه هؤلاء، فسائرُ أهل الأرض عنه أعجَز، فعليك بمعلِّم إبراهيم(2).
وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32](3).
وكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله(4).
وكان مالك يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله(5).
وكان بعضهم يقول: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 25 - 28](6).
وكان بعضهم يقول: اللهم وفِّقني، واهدِني، وسدِّدني، واجمع لي بين--------------------------------------------
(1) هو عبد الله بن سلام، كما سبق.
(2) تقدم في أول الكتاب.
(3) انظر: «أدب المفتي» (ص 140) و «صفة الفتوى» (ص 60).
(4) انظر: «أدب المفتي» (ص 140) و «صفة الفتوى» (ص 59 - 60). وقد روى الترمذي (3601)، وابن أبي شيبة (30447) من طريق هشام بن الغاز، عن مكحول، قال: من قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه، دفع الله عنه سبعين بابًا من الضر، أدناها الفقر. وإسناده صحيح.
(5) انظر: «ترتيب المدارك» (1/ 192). وفي «أدب المفتي» و «صفة الفتوى» كما ذكر عن مكحول.
(6) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص 140).

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 174)

الصواب والثواب، وأعِذني من الخطأ والحرمان(1).
وكان بعضهم يقرأ الفاتحة. وجرَّبنا نحن ذلك(2)، فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة.
والمعوَّل في ذلك كلِّه على حسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجُّه في الاستمداد من المعلِّم الأول معلِّم الرسل والأنبياء فإنه لا يرُدُّ مَن صدَق في [219/أ] التوجه إليه لتبليغ دينه، وإرشاد عبيده ونصيحتهم، والتخلُّص من القول عليه بلا علم. فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم يعدَم أجرًا، إن فاته أجران. والله المستعان.
وسئل الإمام أحمد، فقيل له: ربما اشتدَّ علينا الأمر من جهتك، فلمن نسأل بعدك؟ فقال: سلُوا عبد الوهاب الورَّاق، فإنه أهل أن يوفَّق للصواب(3).
واقتدى الإمام أحمد بقول عمر بن الخطاب: اقربوا(4) من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون؛ فإنهم تجلى لهم أمور صادقة، وذلك لقرب قلوبهم من الله. وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء، وكان نورُ كشفِه للحقِّ أتمَّ وأقوى. وكلما بعد من الله كثرت عليه المعارضات، وضَعُف نورُ كشفه للصواب، فإن العلم نور يقذفه الله في--------------------------------------------
(1) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص 141). وأخرج مسلم (2735) مرفوعًا: «قل اللهم اهدني وسدِّدني، واذكر بالهدى هدايتَك الطريق، والسداد سدادَ السهم».
(2) في المطبوع: «ذلك نحن».
(3) انظر: «طبقات الحنابلة» (2/ 202)، «العدَّة» (5/ 1572).
(4) في النسخ المطبوعة: «اقتربوا».

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 175)

القلب، يفرِّق به العبد بين الخطأ والصواب(1).
وقال مالك للشافعي رضي الله عنهما في أول ما لقيه: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية(2).
وقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] ومن الفرقان: النور الذي يفرِّق به العبدُ بين الحق والباطل، وكلما كان قلبه أقرب إلى الله كان فرقانه أتمَّ. وبالله التوفيق.
الفائدة الثانية والستون: قد تكرَّر لكثير من أهل الإفتاء الإمساكُ عما يفتون بها مما يعلمون أنه الحق، إذا خالف غرضَ السائل ولم يوافقه. وكثير منهم يسأله عن غرضه، فإن صادفه عنه كتَب له، وإلا دلَّه على مفتٍ أو مذهبٍ يكون غرضه عنده. وهذا غير جائز على الإطلاق، بل لا بدَّ فيه من تفصيل:
فإن كان المسؤول عنه من مسائل العلم والسنة والمسائل العمليات(3) التي فيها نصٌّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسَع المفتيَ تركُه إلى غرض السائل، بل لا يسعه توقفُه في الإفتاء به على غرض السائل، بل ذلك إثم عظيم. وكيف يسعه من الله أن يقدِّم غرضَ السائل على الله ورسوله؟
وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب أعِنَّتَها الأقوال--------------------------------------------
(1) لم أجده، وهو أبعد شيء من كلام عمر بن الخطاب أو غيره من الصحابة، وإنما هو من كلام بعض المتصوفة، ولا أدري كيف ذهب ذلك على المصنف.
(2) «مناقب الشافعي» (1/ 104).
(3) ز: «العلميات». وفي النسخ المطبوعة: «أو من المسائل … ».

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 176)

والأقيسة، فإن لم يترجَّح له قول منها لم يسَعْ له أن يرجِّح بغرض(1) السائل. وإن ترجَّح له قول منها وظنَّ أنه الحق فأولى بذلك، فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسعه عند الله. فإن عرفه المفتي أفتاه به سواءً وافق غرضَه أو خالفه. ولا يسعه ذلك أيضًا إذا علم أن السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة، فيجعل استفتاءه تنفيذًا لغرضه، لا تعبُّدًا لله بأداء حقِّه. ولا يسعه أن يدلَّه على غرضه أين كان، بل ولا يجب عليه أن يفتي هذا الضربَ من الناس؛ فإنهم لا يستفتون ديانةً، وإنما يستفتون توصُّلًا إلى حصول أغراضهم بأيِّ طريق اتفق(2). فلا يجب على المفتي مساعدتهم، فإنهم لا يُربُّون(3) الحقَّ، بل يُربُّون أغراضهم(4). ولهذا إذا وجدوا أغراضهم في أيِّ مذهب اتفق اتبعوه في ذلك الموضع، وتمذهبوا به، كما يفعله أرباب الخصومات بالدعاوى عند الحكام. ولا يقصد أحدهم حاكمًا بعينه، بل أيُّ حاكم نفذ غرضه عنده صار إليه.
وقال شيخنا مرةً: أنا مخيَّر بين [219/ب] إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدين، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إليَّ، بخلاف من يسأل عن دينه. وقد قال الله تعالى لنبيِّه في--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «لغرض».
(2) ك، ب: «وافق»، وكذا في المطبوع.
(3) كذا في ز، ب هنا وفي الجملة التالية، وقد ضبط في ز بضم الراء والباء. فإن صح، فلعله من قولهم: يُربُّون العلَم، أي يقومون به. وفي ك: «يرون» في الموضعين. وفي النسخ المطبوعة: «يريدون».
(4) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بأي طريق وافق».

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 177)

حقِّ من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه، لا لالتزامه لدينه صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا} [المائدة: 42]. فهؤلاء لما لم يلتزموا دينه لم يلزمه الحكمُ بينهم. والله أعلم.
الفائدة الثالثة والستون: عاب بعضُ الناس ذكرَ الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أولى بالعيب(1)! بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكرُ كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة والقياس الصحيح عيبًا؟ وهل ذكرُ قول الله ورسوله إلا طراز الفتاوى؟ وقولُ المفتي ليس بموجِب للأخذ به، فإذا ذكر الدليلَ فقد حرُم على المستفتي أن يخالفه، وبرِئ هو من عهدة الفتوى بلا علم.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأَل عن المسألة، فيضرب لها الأمثال، ويشبِّهها بنظائرها. هذا، وقوله وحده حجة، فما الظنُّ بمن ليس قوله بحجَّة، ولا يجب الأخذ به! وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ(2) قبول قوله، وهيهات أن يسوغ بلا حجة!
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل أحدُهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها، فيقول: قال الله كذا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل كذا؛ فيُشفَى السائل، ويبلِّغ القائل. وهذا كثير جدًّا في فتاويهم لمن تأمَّلها. ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم، فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه، وعلمه--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «بالمعيب».
(2) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 178)

يأبى أن يتكلَّم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل.
ثم طال الأمد، وبعد العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم، إلى أن صار بعضهم يجيب بـ «نعم» أو «لا» فقط، ولا يذكر للجواب دليلًا ولا مأخذًا، ويعترف بقصوره وفضلِ من يفتي بالدليل.
ثم نزلنا درجةً أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمِّه. ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى ما حالهم في الفتاوى! والله المستعان.
الفائدة الرابعة والستون: هل يجوز للمستفتي تقليد الميت إذا علم عدالته وأنه مات عليها من غير أن يسأل الحي؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي، أصحُّهما: له ذلك، فإن المذاهب لا تبطل بموت أصحابها، ولو بطلت بموتهم لبطل ما بأيدي الناس من الفقه عن أئمتهم، ولم يسُغ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم. وأيضًا لو بطلت أقوالهم بموتهم لم يُعتدَّ بهم في الإجماع والنزاع(1). ولهذا لو شهد الشاهدان، ثم ماتا بعد الأداء وقبل الحكم بشهادتهما، لم تبطل شهادتهما. وكذلك الراوي لا تبطل روايته بموته، فكذلك المفتي لا تبطل فتواه بموته.
ومن قال: تبطل فتواه بموته قال: أهليته زالت بموته. ولو عاش لوجب عليه تجديد الاجتهاد، ولأنه قد يتغيَّر اجتهاده.
وممن حكى الوجهين في المفتي: أبو الخطاب(2) فقال: إن مات--------------------------------------------
(1) انظر: «أدب المفتي» (ص 160)، و «صفة الفتوى» (ص 70 - 71).
(2) في «التمهيد في أصول الفقه» (4/ 394). ونقل عنه في «صفة الفتوى».

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 179)

المفتي قبل عمل المستفتي، فله [220/أ] العملُ بها. وقيل: لا يعمل بها. والله أعلم.
الفائدة الخامسة والستون: إذا استفتاه عن(1) حكم حادثة، فأفتاه، وعمل بقوله، ثم وقعت له مرة ثانية؛ فهل له أن يعمل بتلك الفتوى الأولى أم يلزمه الاستفتاء مرة ثانية؟
فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي(2). فمن لم يُلزمه بذلك قال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فله أن يعمل بالفتوى وإن أمكن تغيُّر اجتهاده(3)، كما أن له أن يعمل بها بعد مدة من وقت الإفتاء وإن جاز تغيُّر اجتهاده.
ومن منعه من ذلك قال: ليس على ثقة من بقاء المفتي على اجتهاده الأول، فلعله أن يرجع عنه، فيكون المستفتي قد عمل بما هو خطأ عند من استفتاه. ولهذا رجَّح بعضُهم العمل بقول الميت على قول الحي، واحتجُّوا بقول ابن مسعود: من كان منكم مستنًّا فليستَنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة(4).
الفائدة السادسة والستون: هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين، ويسأل الأعلم والأديَن، أم لا يلزمه ذلك؟--------------------------------------------
(1) ب: «في»، وكذا في المطبوع.
(2) انظر: «أدب المفتي» (ص 167) و «صفة الفتوى» (ص 82).
(3) في المطبوع: «تغير الاجتهاد».
(4) تقدَّم تخريجه.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 180)