فلعل العراقي قدم غير هذه السنن بعد الصحيحين، خشية فواته بوفاة من قدمنا من شيوخه، ثم عاد للترتيب، فقرأ بنفسه تلك السنن على هذا المسند الفاذ في وقته، بالإضافة لغيرها من عواليه وما تفرد به كما أشرنا، خشية فواته أيضًا بموته، بل إنه سمعها أيضًا عليه بقراءة غيره(1)، ثم بلغت همته أن أعاد قراءتها بنفسه، وسماعها أيضًا على مُسند آخر، هو أبو الحسن علي بن أحمد العرضي المتوفى سنة 764 هـ(2).
وسبق بياننا لأهمية تلقيه الكتاب الواحد أكثر من مرة عن أكثر من شيخ، ولكن كانت روايته المتعددة لهذه السنن قراءةً وسماعًا من طريق ابن طبرزد، الذي سمع بعضها على شيخه مفلح الدومي، وباقيها على شيخه إبراهيم الكيرخي، فَسُمِّيَ هذا سماعًا ملفقًا، وقد نظم العراقي بيانه في (5) أبيات كما أشرنا في شعره العلمي، وذلك لسهولة ضبطه فقال:
وقد وقع التلفيق لابن طبرزد … بحمل أبي داود فاضبطه بالشعر
فعن مفلح ثان وتلواه، سابع … وتاسعه، والأربع التلو في الأثر
وخامس عشر ثم تلو، ثالث … وعشرون مع حادي ثلاثين بالحصر--------------------------------------------
(1) هـ ذيل التقييد، للفاسي/ 219 أ.
(2) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و هـ «ذيل التقييد» للفاسي/ 219 أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
وباقيه والثاني، فثاني عشرة … جميعا عن الكرخي، أعني أبا البدر
ثم بين نوع التجزئة التي توزع السماع على أساسها فقال:
وتجزئة الأجزاء ليست خفية … وذاك بتجزئة الخطيب أبي بكر
وقد جزأ الخطيب الكتاب 32 جزءًا في روايته له عن ابن طبرزد، وتناقل العلماء من بعد العراقي هذه الأبيات للاستعانة بها في ضبط هذا السماع(1).
ولم تقتصر استفادة الرواية التفصيلية من الميدومي والجهد المبذول من العراقي في تحصيلها على حد مقروءاته العديدة كما أوضحنا، بل سمع أيضًا بعض كتب السنة الأخرى، والشروح الكبيرة من لفظه(2)، وسمع بعضا آخر بقراءة غيره على الشيخ(3)، وبعضا ثالث أجازه بروايته عنه(4)، وكل ذلك مما أسهم في تكوين شخصية العراقي الحديثية، وفي مضاعفة حصيلته من الرواية، كما يدل على عمق استفادته من الميدومي.
أما القسم الإجمالي: فهو عبارة عن تلقيه بعض المشيخات عن الميدومي. والمشيخة - كما سيأتي بيانها في مؤلفات العراقي - عبارة عن كتاب يجمع--------------------------------------------
(1) هـ «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و «المعجم المفهرس» لابن حجر/ 4 أ، و هـ «الفهرست الأوسط» لابن طولون الحنفي/ 200 ب.
(2) انظر (أمالي العراقي) / 2 و (محجة القرب) / 233 أو (قرة العين) / 20، و هـ «فتوى: عاشوراء» / 38، 39، 03
(3) «المجمع المؤسس» 1/ 184
(4) «محجة القرب» 2/5 ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
أسماء شيوخ الشخص، وأسماء وأنواع مروياته عنهم بأسانيدهم. فإذا تلقاها الطالب عن شيخه اتصل سنده بما ذكر فيها من المرويات إجمالا، دون أن يقرأ أو يسمع نفس الكتب المذكورة أسماءها في المشيخة، وبذلك يتاح له اتصال السند بمئات الكتب والأجزاء الحديثية جملة، وهذه ميزة تلقي المشيخات، بينما لو أراد الطالب تلقي نفس الكتب بالقراءة أو السماع لفني عمره، وعمر شيخه، دون استيعاب ما تحويه مشيخة واحدة، وقد تلقى العراقي عن الميدومي عدة مشيخات، في مقدمتها مشيخة الميدومي نفسه، تخريج الحسيني(1)، ومشيخة ابن كليب، صرح العراقي بقراءتها على الميدومي بنفسه، ومشيخة النجيب الحراني الكبرى، تخريج الحافظ ابن الظاهري، صرح العراقي أيضًا بقراءتها بنفسه عليه، وذكر غيره أنه سمعها أيضًا(2)، ولعل هذا النشاط المكثف في تحصيل المرويات على الميدومي فضلا عن غيره، هو الذي جعل الحافظ ابن حجر يستقل نشاط العراقي فيما قبل سنة 752 هـ، كما قدمنا.
ويتضح أثر كثرة مرويات العراقي عن الميدومي من شيوعها في عامة مؤلفاته، بحيث نجد فيها كثيرًا مما رواه عن الميدومي، سواء بالقراءة عليه، أو السماع منه مشافهة، أو السماع عليه بقراءة غيره، أو إجازته منه، ومن أكثر مؤلفاته التي اشتملت على ذلك ما ضمنه مروياته العالية، نظرًا لعلو سند الميدومي، وذلك مثل الأربعين حديثا العشارية الإسناد، وقد افتتحها بأول حديث سمعه من الميدومي مسلسلا بالأولية(3)، ومثل (أماليه الحديثية)، وكتاب (محجة--------------------------------------------
(1) (المعجم المفهرس) لابن حجر/ 90 أ.
(2) هـ «ذيل التقييد» للفاسي/ 219 ب.
(3) و «الأربعين العشارية» ورقة 2 أ - ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
القُرب)، و (قرة العين)، وقد مرت الإحالة بالهامش على بعض مواضع منها.
وقد عرف العراقي لشيخه الميدومي قدره، فخرج له (40) حديثا من مروياته العالية، تساعية الإسناد(1)، لكي يسهل عليه التحديث بها، ولما توفي حضر جنازته، وصلى عليه وودعه لمثواه الأخير، ثم ترجمه في مؤلفاته في الرجال كـ «ذيل العبر» للذهبي(2)، ورجال كتاب «تقريب الأسانيد»(3)، وقال عنه: «شيخنا المسند، الرحلة، مسند الديار المصرية»، ثم وثقه فقال: «كان رجلا جيدا ثقة، صحيح السماع، صدوقا خيرا … وافر العقل متين الديانة، ولم يخلف في الشيوخ بعده مثله»، ومن هنا آثر العراقي التلقي عن الرجل كما وصفنا، إلى أواخر حياته، ولم يرحل إلى خارج مصر إلا قبل وفاة الميدومي بشهور، كما سنفصله في الفقرة التالية.--------------------------------------------
(1) «لحظ الألحاظ» / 232، والضوء اللامع جـ 4/ 173.
(2) «المنتقى من ذيل العبر» (وفيات سنة 754 هـ) (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).
(3) «طرح التثريب في شرح التقريب» للعراقي وولده ج 1/ 107، 108.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
رحلات العراقي في سبيل السنة ونتائجها
قدمنا في كيفية طلب السنة في عصر العراقي أن تدوين علومها في مؤلفات متداولة لم يغن عن تلقيها من أفواه المسندين والحفاظ، وقراءتها وبحثها عليهم، وهكذا يقال بالنسبة للرحلة في سبيلها، فقد ظلت لها أهميتها عند حفاظ السنة، واعتبارها في تكوين شخصيتهم حتى عصر العراقي، وذلك لما يأتي(1):
1 - تحصيل مرويات السنة بسند عال أو أعلا من سند أهل بلد الشخص.
2 - تحصيل مرويات لا يوجد في بلد الشخص من له بها رواية متصلة السند، خاصة بالسماع.
3 - مباحثة حفاظ السنة ومذاكرتهم في فنون الدراية، المتعلقة بسند الحديث ومتنه، ومصطلح أهله.
4 - الرغبة في الثواب الجزيل الذي وعد الله به الراحلون في سبيل العلم، والتأسي بمن رحل في سبيل السنة، من الصحابة والتابعين وأئمة الحفاظ، ومن أجل تحقيق تلك المقاصد، رحل العراقي كثيرا، وبذل أقصى جهده لدرجة المخاطرة بحياته، فشكلت الرحلات ركنا أساسيا، لا تكتمل ولا تستبين جوانب شخصيته باعتباره حافظا للسنة على مستوى عصره، بدون وضعها في الاعتبار، وبيان نتائجها تأثرا وتأثيرا، وأول ما يطالع الباحث في رحلات العراقي كثرتها، حتى صعب على مؤرخيه إحصاؤها، وفي مقدمتهم تلاميذه.--------------------------------------------
(1) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ 2/ 66 أصل وهامش و جـ 3/ 86، 87 و «المحدث الفاصل» للرامهرمزي/ 214 - 228 و «الرحلة في طلب الحديث» للخطيب البغدادي ضمن مجموعة «رسائل في علوم الحديث» / 42 - 72 و «فتح المغيث» للسخاوي جـ 2/ 314 - 317.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
وولده ولي الدين أحمد، الذي صاحبه في غالبها.
فيذكر ابن حجر: أن شيخه العراقي أكثر الترحال إلى الشام والحجاز، ورحل إلى الإسكندرية(1)، ونحو هذا ذكر البدر العيني(2)، وذكر ابن حجر أيضاً أن تولية العراقي قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، كان سببه ما لاحظه المسئولون من كثرة مجاوراته بالحرمين(3) أي إقامته فترات متعددة، لتحصيل فضل العبادة في الحرمين بمكة والمدينة، وكذلك أشار ولي الدين بن العراقي إلى تعدد حجات والده ومجاوراته(4)، أما ابن فهد والسخاوي، فبعد أن ذكرا بعض رحلاته تفصيلاً، لجا للتقدير الإجمالي، بأنه منذ رحلته الأولى للشام سنة 754 هـ، مكث مدة لا تخلو له سنة - غالبًا - من الرحلة، إما من أجل الحديث وإما من أجل الحج(5).
وسيأتي بيان اشتمال رحلاته للحج والمجاورة على الاشتغال بالسنة، بجانب أداء الشعائر، وكذلك الأمر بالنسبة لتولي قضاء المدينة، ولذا عدت جميع رحلاته تلك رحلات حديثية، وتلك المدة التي أجملها ابن فهد والسخاوي وقررا أنها شهدت نشاطه الدائب في الرحلات، أستطيع من جانبي تحديدها بالفترة من 754 هـ حيث قام بأول رحلة للشام، إلى سنة 791 هـ حيث عزل.--------------------------------------------
(1) «ذيل الدرر الكامنة» / 70 و «إنباء الغمر»، جـ 2/ 276.
(2) و عقد الجمان للعيني وفيات سنة 806 هـ ترجمة العراقي (مخطوط مصور).
(3) و المجمع المؤسس» / 178.
(4) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة 783 هـ (ترجمة أم أحمد عائشة) وسنة 784 هـ (ترجمة الحاجة أم عمر).
(5) و لحظ الألحاظ» / 225 و «الضوء اللامع»، جـ 4/ 173.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
عن قضاء المدينة المنورة، فحج وعاد إلى القاهرة، وقضى بها بقية حياته كما سيأتي.
ويلاحظ أن تلك الفترة طويلة، بحيث تقارب نصف عمر العراقي، وقل في عصره من عُرف عنه ذلك، وهذا يؤكد لنا أهمية الرحلات في حياته العلمية، ويفسر لنا كثرة عددها فعلا، حتى تعذر إحصاؤها وتتبع تفاصيلها حتى على ولده الذي صاحبه في غالبها.
ولكن على ضوء ما حصلت عليه من معلومات مباشرة وغير مباشرة بشأن تلك الرحلات، وما ذكره العراقي نفسه من إشارات إليها، يمكنني تقسيمها إلى ثلاثة أقسام هي:
1 - الرحلات الشامية.
2 - الرحلات المحلية داخل مصر.
3 - الرحلات الحجازية.
وعلى ضوء هذا الترتيب سأتناولها بالتحليل والموازنة، ورصد النتائج بعون الله.
1 - الرحلات الشامية وأهم نتائجها
أ - الرحلة الأولى: لما كانت الشام في عامة عصر العراقي هي المركز الثاني بعد مصر لعلوم السنة ومعاهدها، فإن العراقي آثرها بكثير من رحلاته، وكانت أولاها في سنة 754 هـ(1). ونلاحظ قيامه بها بعد أن توفي غالب الطبقة الذين تخرج على أحدهم وهو--------------------------------------------
(1) (لحظ الألحاظ) / 226 و (الضوء اللامع) (جـ 4/ 173) و (غاية المقصد في زوائد المسند) للهيثمي/ 4 ب (مخطوط بدار الكتب المصرية).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
الحافظ علاء الدين ابن التركماني، كما أنه استوفى حظه من أعلا شيوخه المصريين إسنادًا وهو الميدومي كما قدمنا.
وبذلك أصبح عليه بمقتضى قواعد الطلب وشروط الحفاظ أن يرحل إلى أهم الجهات الأخرى التي تتوافر فيها الرواية والدراية، ليضيف إلى رصيده منها جديدًا، حيث لا يدرك سعة العلم من قنع بما عنده(1)، فقام بتلك الرحلة، وقصد من الشام مركز الثقل العلمي فيها وهو دمشق، حيث كانت حينذاك كالقاهرة بالنسبة لمصر، فرحل من قمة إلى قمة، وكان ذلك على ما يظهر بعد منتصف شهر صفر من سنة 754 هـ؛ لأن العراقي سمع من «الحافظ مغلطاي» بالقاهرة في 14 صفر من السنة المذكورة، ثم كان أول من سمع منه في رحلته بضاحية الصالحية ظاهر دمشق، هو محمد بن موسى الشقراوي، وقد أرّخ العراقي بنفسه وفاته في جمادى الآخرة سنة 754 هـ(2) - كما أرخ وفاة شيخه الميدومي بمصر في 25 رمضان من نفس السنة، وقال إنه حضر الصلاة على جنازته(3)، ومعنى ذلك أنه عاد لمصر من الرحلة قبل هذا التاريخ، وعليه تكون الرحلة استغرقت عدة شهور، ومع ذلك فإنها كانت أخصب رحلات العراقي للشام، لالتقائه فيها بأبرز المشتغلين بالسنة حينئذ، من حفاظ ومحدثين ومسندين، وتحصيله لنتائج لم يحصلها في غيرها.
وكان في مقدمة من التقى بهم من الحفاظ، تقي الدين السبكي، نظرًا لمكانته حيث كان قاضي قضاة الشام، ولسابق تلمذة العراقي عليه بمصر في--------------------------------------------
(1) (فتح المغيث) للسخاوي/ 2/ 314.
(2) «الدرر الكامنة» جـ 5/37، 38.
(3) (المنتقى من ذيل العراقي على العبر) وفيات سنة 754 هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
الفقه والحديث كما قدمنا، وقد كان السبكي بجانب رئاسة القضاء، يجلس للتحديث بناحية الكلاسة من دمشق، فقرأ عليه كبار حفاظها كالمزي والذهبي(1).
كما ولي مشيخة الحديث بعدة مدارس بدمشق وضواحيها(2)، وتناول في دروسه بها الحديث من مختلف جوانبه سندًا ومتنا(3)، وشهد له الشمس الحسيني بالتبريز في فقه الحديث وعلله. فوصل العراقي حبل التلمذة له من جديد واستفاد منه في الرواية والدراية، فالرواية تظهر فيما رواه العراقي عنه في مؤلفاته الحديثية بسماعه منه مشافهة بدمشق(4)، كما ذكر أيضًا بعض مروياته عنه بالإجازة(5).
وأما الدراية وهي أهم ما يستفاد من الحفاظ، فتظهر من اتفاق المؤرخين على أنه أثناء تلمذة العراقي في هذه الرحلة للسبكي، ذكره السبكي في دروسه، معظمًا شأنه، ومنوها بذكره، ووصفه بالمعرفة والإتقان والفهم والمهارة في الفن(6). وتلك--------------------------------------------
(1) «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ 6/ 156.
(2) «شذرات الذهب» لابن العماد جـ 6/ 180.
(3) «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ 6/ 157 وما بعدها و «الجواهر والدرر» / 11 ب.
(4) انظر «قرة العين» / 14، 67 و «محجة القرب»، 8 أ، 9 أ، 15 أ و «الأمالي الحديثية» ص 11 الجميع للعراقي (مخطوطات).
(5) «التقييد والإيضاح» / 390 و «محجة القرب» 16 ب كلاهما للعراقي.
(6) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و «المجمع المؤسس» / 177 و «ذيل الدرر الكامنة» / 72 و «الأعلام» جـ 4/ 219 ب و «طبقات الشافعية» 111 أ و «بهجة الناظرين» / 131 و «المنهل الصافي» جـ 2/ 312 ب و «الضوء اللامع» جـ 4/ 173 و «ذيول تذكرة الحفاظ» 370 و «حسن المحاضرة» جـ 1/ 360 و «فهرس الفهارس» جـ 2/ 197.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
أوصاف يدل غالبها على مباحثة العراقي معه فيما يتعلق بفهم معاني الحديث وعلله ومصطلح أهله، وعلى إبدائه في ذلك ما يوافق الصفات المذكورة، وشهادة الإمام السبكي له بذلك، بعد تلمذته له بمصر والشام، لها قيمتها في ميزان الأستاذ والتلميذ، كما أسلفنا في التعريف بالسبكي، وبيان أثره في العراقي، ونضيف هنا فقط تآزر هذا مع ما سيأتي، في تسجيل الدرجة العلمية للعراقي في علوم السنة رواية ودراية، حين قام بتلك الرحلة الأولى خارج مصر.
وقد التقى العراقي أيضًا في تلك الرحلة بالحافظ الكبير إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير المتوفى بدمشق في 15 شعبان سنة 774 هـ(1)، وما وصلنا من وقائع هذا اللقاء، يدل على أن رحلات العراقي منذ بدايتها كانت رحلات أخذ وعطاء، وكان العراقي خلالها عالمًا مفيدًا، بجانب كونه طالبًا مستزيدا، فإن غير واحد من مؤرخيه يذكرون أن السبكي حينما شهد للعراقي بما قدمنا، كان الحافظ ابن كثير موجودًا، فرد عليه بقوله: إنا استفدنا منه تخريج حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الماء المشمس(2)، ولا تظهر قيمة تصريح ابن كثير باستفادته تخريج هذا الحديث من العراقي، إلا إذا عرفنا الآتي:
1 - أن ابن كثير مشهود له بمعرفة متون الأحاديث وعزوها لمخرجيها.
2 - أن هذا الحديث أورده الرافعي بدون سند في شرحه الكبير للوجيز،--------------------------------------------
(1) (ذيل ولي الدين) وفيات سنة 774 هـ.
(2) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و (الضوء اللامع) جـ 4/ 173 و (لحظ الألحاظ):/ 223 وفيه (أنا استبعد منه) بدل (أنا استفدنا منه)، وهو خطأ؛ لقلبه للمعنى ومخالفته لبقية المصادر فليتنبه له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
وكان هذا الشرح عمدة فقهاء الشافعية حينئذ، ومحل عناية محدثي مصر والشام بتخريج أحاديثه كما قدمنا.
وقد أورد الرافعي الحديث في كتاب الطهارة عن عائشة وابن عباس، فخرج العلماء رواية عائشة من عدة مصادر بعدة طرق غالبها موضوع(1).
أما رواية ابن عباس فتعذر عليهم حينئذ أن يجدوا لها إسنادا(2)، وبذلك صار الوقوف عليها في أحد مصادر السنة مُسندةً، قضية علمية تشغل مدرسة الحديث بمصر والشام، وتهم كلا من نفاة الحديث كابن كثير، ومثبتيه من الشافعية وغيرهم.
وقد سجل ذلك رفيق العراقي ابن الملقن، حيث ألف تخريجًا كبيرًا لكتاب الرافعي المذكور، وفرغ منه قبل رحلة العراقي هذه بسنين. وخرج فيه حديث--------------------------------------------
(1) منها ما رواه البيهقي في (سننه) من طريق خالد بن إسماعيل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «أسخنت ماء الرسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل به فقال: يا حميراء لا تفعلي فإنه يورث البرص»، قال البيهقي: هذا لا يصح، ثم بين علته، وخرجه من طرق أخرى، مبينا عللها أيضا (السنن الكبرى جـ 1/6، 7) ونص على ضعف جميعها في: معرفة السنن والآثار، جا/ 164 وأخرجه ابن الجوزي في 8 «موضوعاته» من الطريق المتقدم، وطرق ثلاثة غيره، وحكم برده من الطرق الأربعة، وأقر بما يروى في معناه موقوفا على عمر رضي الله عنه (الموضوعات لابن الجوزي الطهارة جـ 2/ 78 - 80) وقد اعتبر العلماء الموقوف عن سيدنا عمر شاهدًا للمرفوع عن عائشة، خاصة وأن الدارقطني أخرج ذلك الموقوف من طريق حَسَّنها الحافظ المنذري وغيره وبذلك ردوا الحكم بوضع المرفوع عن عائشة لهذا الشاهد (انظر تنزيه الشريعة لابن عراق جـ 2/ 69) و (نصب الراية) للزيلعي جـ 1/ 101 - 103 و 5 الجواهر والدرر و للسخاوي/ 220 وه «الأحاديث الضعيفة والقوية» للألباني (مجلة الوعي الإسلامي) (عدد ذي القعدة سنة 1391 هـ.
(2) مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و (الضوء اللامع) جـ 4/ 173
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
عائشة السابق كغيره من المخرجين، ثم أتبعه بقوله:
«الحديث السادس»: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل بالمشمس فأصابه وضح(1) فلا يَلُومَنَّ إِلَّا نفسه» ثم عَقب عليه قائلا: «هذا الحديث غريب، ليس في السنن الأربعة قطعا، حاشا الصحيحين منه، وليس هو في (السنن الكبير) و (المعرفة) للبيهقي ولا في «سنن الدارقطني» و «عِلله»، ولا في المسانيد، فيما فحصت عنه عدة سنين فوق العشرة، وسؤالي لبعض الحفاظ بمصر والقدس ودمشق عنه، فلم يعرفوه»(2).
ومن هذا يتضح أن تخريج العراقي للحديث ببيان موضعه من بعض كتب السنة أيا كان نوعها، يعتبر إفادة علمية ادخرها الله للعراقي، حتى جعل أستاذه ابن كثير مع مكانته في السنة، يشيد بها، ويذيعها عنه في إجابته لشيخه الآخر تقي الدين السبكي، مصدقًا على ما شهد به أمامه للعراقي، من المعرفة والإتقان والمهارة في فن الحديث، فكان ذلك أبلغ جواب، لتضمنه الموافقة ودليلها، واجتمع به للعراقي الشهادة بما ذكر، من أبرز حفاظ دمشق حينئذ، الموافق والمخالف، وهذا غاية ما يطمح إليه طامح.
وقول ابن كثير وهو من نفاة الحديث المذكور، وخبراء التخريج (إنا استفدنا منه تخريج حديث ابن عباس) الخ، يشير إلى أن السؤال توجه من جماعة غيره واستفادوا مثله الجواب، حيث كان الوقوف على تخريج الحديث كما بينا مطلبا عاما، وخاصة للمتوقفين فيه من المشتغلين بالتخريج، وقد أشار ولي الدين--------------------------------------------
(1) أي «برص» (انظر لسان العرب جـ 3/ 474).
(2) و البدر المنير في تخريج أحاديث وآثار الشرح الكبير لابن الملقن جـ 1/ 140 (مخطوط مصور).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
ابن العراقي لذلك أيضًا فقال: «قال لهم والدي رحمه الله «إنه أي الحديث، في مشيخة القاضي أبي بكر الأنصاري»»(1)، ومما يسترعي النظر هنا أن تلك المشيخة التي دلهم العراقي على وجود الحديث بسنده فيها، كانت متداولة بمصر والشام حينذاك، ورواها العلماء في هذا العصر كاملة عن شيوخهم، مثلما رواها العراقي عن بعض شيوخه(2)، بل كان ممن سمعها على العز الحراني ورواها لتلاميذه: الحافظ المزي(3)، وابن كثير، ألصق تلاميذ المزي به، فقد لازمه، وتخرج على يديه، وقرأ عليه مؤلفه الضخم «تهذيب الكمال»، وصاهره على ابنته(4)، فكيف خفي عليه هذا الحديث مع كل هذا، مثلما خفي على غيره، حتى جاء العراقي إلى دمشق، فاستفاده منه؟ يبدو لي أن الجواب القاطع هنا عسير، لكن على ضوء ما تقدم من اعتراف ابن كثير نفسه باستفادة تخريج الحديث من العراقي، وتقرير ابن الملقن وغيره أن تخريجه كان متعذرًا على مستوى مصر والشام، يمكن القول إن تداول رواية تلك المشيخة عن المزي وغيره، كان يتم إما بطريق الإجمال الذي أشرنا له في مرويات العراقي عن الميدومي، وإما بقراءة أولها على الشيوخ، واستجازتهم--------------------------------------------
(1) و «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) وهذا القاضي، هو محمد بن عبد الباقي الأنصاري ويُعرف بقاضي المارستان، ولهذا يُطلق على تلك المشيخة أيضًا «مشيخة قاضي المرستان»، وهي عبارة عن كتاب في (5) أجزاء حديثية، مجموعها نحو مجلد متوسط، وتشتمل على أسماء شيوخ الأنصاري ومروياته عنهم من كتب السنة والأحاديث المتفرقة، بأسانيدها كحديث ابن عباس هذا (انظر المعجم المفهرس لابن حجر/ 85 ب).
(2) «قرة العين» للعراقي/ 8
(3) «المعجم المفهرس» 85 ب.
(4) «الدرر الكامنة» جـ 1/ 400 و 5 «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة 774 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
بباقيها، لتحصيل اتصال السند، كما كان معتادًا، والحديث المذكور موجود في آخرها، فلا يوقف عليه إلا بنشاط المحدّث في الاطلاع الشخصي، كما هو شأن العراقي، فلما دعت الحاجة إلى الاهتمام بهذا الحديث، لم يتنبه أحد من طالبيه لوجوده في تلك المشيخة؛ لأن المشيخات عمومًا يقل فيها إيراد الأحاديث المفردة، وبالتالي فهي ليست من المظان المعتادة للتخريج
ومع هذا فإن من الإنصاف أن نقرر أن العراقي كما لم ينفرد برواية المشيخة كلها، فإنه لم ينفرد أيضًا بالوقوف على الحديث فيها وتخريجه منها، بل شاركه في ذلك قرينه «سراج الدين بن الملقن» فإن في كتابه المتقدم في (تخريج أحاديث شرح الرافعي) بعد أن ذكر تعذر الوقوف على الحديث من جانبه عدة سنين ومن جانب غيره من حفاظ مصر والشام كما سبق، قال وفي مشيخة قاضي المرستان في أواخر الجزء الخامس منها، وقد أخبرني بها المسند أبو عبد الله محمد بن خالد الفارقي، أنا العز الحراني سماعًا و «النجيب» إجازة، أخبرنا ابن الحريف ضياء بن أبي القاسم سماعًا، أنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد [الباقي] البزاز المعروف بقاضي المرستان … . وساق سنده بالحديث إلى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من احتجم يوم الأربعاء أو السبت فأصابه داء فلا يلومن إلا نفسه، ومن اغتسل بالمشمس فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه»، (الحديث بطوله)، ثم عقب عليه بأنه حديث واه، وبأن الضحاك لم يَلْقَ ابن عباس يعني أن سنده منقطع، كما ذكر أن في سنده عمر بن صالح، وهو كذاب اعترف بالوضع، وفيه أيضًا ابن المجد وهو صدوق، لكنه ناصبي منحرف عن الحق(1)، وبذلك نرى أنه خرج الحديث بسنده من نفس--------------------------------------------
(1) هـ «البدر المنير» لابن الملقن جـ 1/40 أ (مخطوط مصور).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
المصدر الذي خرجه منه العراقي، وبحث سنده وبين درجته، كما ذكر روايته للمشيخة المذكور فيها الحديث كلها، مثلما ذكر العراقي روايته لها كلها عن بعض شيوخه(1)، وتخريج ابن الملقن الذي أثبت فيه ما تقدم، قد فرغ منه قبل رحلة العراقي هذه بسنين(2)؛ بل أن العراقي نفسه قرر أن ابن الملقن، وغيره حدثوه عن الفارقي(3) الذي روى عنه ابن الملقن هذه المشيخة، فلا يبعد أن يكون العراقي تلقى هذه المشيخة عن ابن الملقن، أو عن غيره ممن تلقاها عن الفارقي.
لكن يظهر أن استفادة ابن كثير وغيره للحديث من العراقي في تلك الرحلة، كانت قبل اطلاعهم على تخريج ابن الملقن المذكور، وإلا لم يكونوا سألوه، وأحدث جوابه هذه الضجة، حتى صرح ابن كثير باسمهم، استفادته منه. وبذلك صار للعراقي فضل السبق في إخراج الحديث إلى دائرة الضوء أمام السائلين له بدمشق، ونُسب إليه إزالة توقف المغنيين منهم بتخريج الحديث في تلك الآونة، ثم شاركه بعد ذلك في إشهار الحديث بين الباحثين قرينه ابن الملقن، بتخريجه في كتابه كما مر.
ثم إن موقف العراقي مع شيخه ابن كثير، قد تعدى حل قضية هذا الحديث إلى غيره، حيث قال: (وسمع عليَّ شيخنا الحافظ عماد الدين حديثا من أمالي ابن سمعون، ولم أكمل يومئذ ثلاثين سنة، سنة 754 هـ بدمشق)--------------------------------------------
(1) «قرة العين» 5/8.
(2) و الخلاصة، لابن الملقن 188 ب و 308 أضمن مجموعة مخطوطة بدار الكتب المصرية.
(3) و الدرر الكامنة، جـ 4/ 405
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
وَعَقَّبَ على ذلك بقوله: «وهذا ونحوه، من رواية الأكابر عن الأصاغر»(1)
وأمالي ابن سمعون المذكورة، عبارة عن عشرين مجلسًا، من أمالي محمد بن أحمد بن سمعون الحديثية، وهي من عوالي مرويات العراقي، بقراءته على الميدومي(2)، أعلا شيوخه المصريين إسنادًا كما تقدم، ولكن هذا لا ينسيه كما ترى الوصف الاصطلاحي لذلك، بأنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فبادل أستاذه ابن كثير تقديرًا بتقدير، حيث قدمنا أن في رواية الشهاب المقدسي أيضًا عن العراقي، وهو مقارب العشرين، دلالة هذا النوع من الرواية على تقدير الطرفين بعضهما البعض، حتى قال تاج الدين السبكي: «إن هذا فخار للراوي والمروي عنه، لا يعدله شئ»(3) وذكر ابن فهد أيضًا: «أن ابن كثير كتب في هذه الرحلة بعض الفوائد العلمية عن العراقي»(4)، وأكثر من هذا دلالة على قدر العراقي حينئذ، أنه اصطحب معه في تلك الرحلة الباكورة الضخمة النتاجه في السنة، وهو تخريجه الكبير للإحياء حيث كان قد فرغ من مسودته قبلها بنحو عامين، فلما أطلع عليه من لقيهم من أهل الحفظ والإتقان أقروا بجودته وإبداعه، حيث لم يعرف من سبقه لتخريج الكتاب، وقد كان من هؤلاء الحافظ ابن كثير أيضًا، وبلغ من تقديره للكتاب والمؤلفه أنه قرأ عليه--------------------------------------------
(1) «فتح المغيث» للعراقي جـ 3/ 74 وجاء في «الضوء اللامع» جـ 4/ 173 نقلًا عن «شرح الألفية» وهذا أن الحديث الذي سمعه ابن كثير على العراقي من مشيخة قاضي المرستان، ولعله يشير بهذا الحديث الماء المشمس الذي بيناه ولكن ما وجدته في «شرح الألفية» أن الحديث من أمالي ابن سمعون فهو أثبت.
(2) «منتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي على العبر» وفيات سنة 754 هـ.
(3) «فتح المغيث» للسخاوي جـ 3/ 159.
(4) «لحظ الألحاظ» / 224.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
بعضه، فاتصل بذلك سنده برواية الكتاب عن تلميذه العراقي، ولعل هذا مراد السخاوي بقوله: «إن ابن كثير قرأ في هذه الرحلة على العراقي شيئًا(1)، وهذا التقدير لتخريج الإحياء مما يرد دعوى الحافظ ابن حجر: أن العراقي تشاغل به عن الطلب، فلو كان هذا عمل شخص لم يحصل السنة على وجهها، ويتمرس بالفن، لما نال هذا التقدير من الحفاظ المتقنين، حتى يقرأ منه ابن كثير على مؤلفه ما سمح به المقام».
وإذا كان ابن كثير قد استفاد من العراقي في تلك الرحلة على هذا النحو، وأقر بمعرفته لعلوم السنة، وإتقانه، وبجودة تأليفه، فإن العراقي قد استفاد من ابن كثير أيضًا فيها وفي رحلاته التالية، نظرًا لتأخر وفاته إلى ما بعد آخر رحلة للعراقي إلى الشام كما سيأتي. وقد ظهرت هذه الاستفادة في جانب الدراية أكثر من جانب الرواية، حيث نقل في نكته على كتاب ابن الصلاح نقولا عديدة عن مختصر ابن كثير للكتاب(2)، ومع أنه ناقشه في بعض تلك النقول بشدة كما سنرى ذلك في موضعه، إلا أن كثرة النقول في حد ذاتها دليل على اطلاعه على الكتاب واستفادته منه بصفة عامة، وهو متضمن الخلاصة آراء الحافظ ابن كثير في دراية فنون السنة ومصطلح أهلها.
أما ثالث الحفاظ الذين التقى بهم العراقي التقاء مؤثرا: فهو صلاح الدين العلائي، ويظهر أن العراقي ذهب إليه بالقدس، بعد أن أخذ حظه العلمي والتقديري من علماء دمشق، وضواحيها، وذلك لأنه كان أول سماعه في تلك الرحلة بصالحية دمشق، كما قدمنا، بينما كان العلائي حينذاك بالقدس،--------------------------------------------
(1) «الضوء اللامع» جـ 4/ 173.
(2) «التقييد والإيضاح» 1/45، 54، 61، 144.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
يسكن المدرسة الصلاحية، ويشتغل فيها بالتدريس والتحديث(1).
وقد أثبت العراقي روايات متعددة عنه بالقراءة عليه ببيت المقدس(2)، ويذكر ابن فهد أن العراقي في هذا اللقاء انتفع بالعلائي ولازمه وأخذ عنه علم الحديث(3)، كما ذكر هو وغيره أن اجتماع العراقي في هذه الرحلة بالسبكي والعلائي زاد تفننه(4)، نظرًا لما لكل منهما من تضلع في دراية علوم السنة متنا وسندًا، وفي تعريفنا المتقدم بالسبكي بينا مدى تأثيره في العراقي وإفادته له، وسيأتي توضيحنا لهذا في التعريف بالعلائي باعتباره أنموذجًا لشيوخ العراقي من حفاظ الشام المؤثرين فيه.
وقد ذكر ابن فهد وغيره من تقدير العلائي للعراقي ما يطابق تقدير السبكي وابن كثير المتقدم ذكره، مع زيادة «وصفه بالحفظ»(5). وقد أوضحنا من قبل أنه وصف اصطلاحي، متى وصف به أحد الحفاظ المعتبرين تلميذه، صار شهادة له ببلوغ درجة «الحافظ»، ولما كان العلائي من الحفاظ المعتبرين، وقد تتلمذ له العراقي ولازمه، فمقتضى وصفه له بالحفظ أنه صار في ختام رحلته تلك أحد حفاظ السنة المشهود لهم بذلك، على مستوى مصر والشام، حيث تقدم تلقيبه بالحفظ أيضًا من شيخيه المصريين، الإسنوي وابن جماعة، وهذا--------------------------------------------
(1) و الدرر الكامنة، جـ 2/ 181.
(2) و فتح المغيث، للعراقي جـ 4/ 67 - 69 - 71.
(3) و لحظ الألحاظ» / 225.
(4) و لحظ الألحاظ،: 225 و الأعلام، جـ 4/ 219 ب، و «طبقات الشافعية»، 111 أ، و (بهجة الناظرين) 5/ 131، و «المنهل الصافي»، جـ 2/ 312 ب، و (ذيل تذكرة الحفاظ) للسيوطي/ 370، و «حسن المحاضرة»، جـ 1/ 360 و «الضوء اللامع»، جـ 4/ 173.
(5) و لحظ الألحاظ» / 225 و (ذيل التقييد للفاسي) / 219 ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
مما يدفع قول الحافظ ابن حجر: «إن العراقي لم يطلب السنة على وجهها، إلا منذ سنة 752 هـ، حيث لا يعقل أن يتفق أولي الخبرة من شيوخه بمصر والشام على وصفه بالإتقان، والمهارة في الفن، ويلقبه غير واحد منهم بالحافظ، وهو لم يطلب السنة على وجهها غير عامين فقط، قبل قيامه بتلك الرحلة، ولعل هذا ما جعل الحافظ ابن حجر أيضًا يعتبر إطباق هذه الصفوة من شيوخ العراقي، وشيوخ عصره، على الشهادة له حينئذ بمعرفة الفن والمهارة فيه، نوعا من المبالغة، فذكر وصف الإسنوي له بحافظ العصر، ووصف العلائي والسبكي له بالمهارة في الفن(1) ثم قال في موضع آخر: وتقدم (أي العراقي) في فن الحديث، بحيث كان شيوخ عصره وحفاظه يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة، كالسبكي والعلائي والعز بن جماعة والعماد بن كثير وغيرهم(2)، ثم قلد ابن حجر في هذا غير واحد من بعده(3)، والمعروف أن ما يتفق عليه ذووا الشأن يعتبر حقيقة وليس مبالغة ولذا فإن ابن حجر نفسه يعود فيعترف ببلوغ شيخه العراقي فيما بعد درجة الحافظ الكامل كما سيأتي، فانحصرت معارضته في التوقيت فحسب. هذا مجمل لقاء العراقي بأبرز حفاظ الشام أولي الدراية، وأهم نتائج لقائه تأثرًا وتأثيرًا».
وبالنسبة لغير الحفاظ من المحدثين، فقد التقى العراقي بغير واحد منهم، حتى جمع بين اثنين منهم مع الحافظ السبكي في سياق رواية واحدة فقال: «وأخبرني--------------------------------------------
(1) و ذيل الدرر الكامنة» / 72.
(2) و «المجمع المؤسس» / 177.
(3) و «الضوء اللامع» جـ 4/ 173 و هـ ذ «يل تذكرة الحفاظ» للسيوطي/ 370 و 5 «حسن المحاضرة» ج 1/ 360.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
الحافظ أبو الحسن علي بن عبد الكافي (السبكي)، والمحدثان: أبو الثناء محمود بن خليفة المنبجي، وعبد الله بن يعقوب بن سيدهم … مشافهة منهم بدمشق الخ»(1)، وجمع بين المنبجي والسبكي في روايات أخرى عنهما مشافهة بدمشق أيضًا(2).
أما قسطه الأوفى من الرواية، فقد تلقاه عن أبرز المسندين المنفردين بعلو من الإسناد والمكثرين من المرويات، فكان فيما حصله منهم تعويض عما فاته من قبل، وإلى ذلك أشار ابن حجر فقال: «ثم رحل إلى دمشق سنة 754 هـ، فأعلا من بقي بها: أحمد بن عبد الرحمن المرداوي، وهو خاتمة أصحاب الكرماني، ومحمد بن إسماعيل بن الخباز، وهو خاتمة أصحاب ابن عبد الدايم، (فأخذ عنهما) وعن ابن القيم، وابن الحموي ونحوهم»(3).
وقوله: «ونحوهم»، إنما هو إشارة لكثيرين، ظهر لي من البحث صعوبة حصرهم، ممن لقيهم العراقي في رحلته تلك، وروى عنهم كتب علوم السنة المختلفة، مراعيا تحصيل ما انفرد به كل منهم، أو ما امتازت به روايته عن غيره، أو ما لم يكن للعراقي به رواية سابقة من الكتب، ونحو ذلك مما يحقق به قواعد الطلب، وشروط الحفاظ، وفوائد الرحلة.
ولو أنني تتبعت فقط من أثبت العراقي روايته عنهم في مؤلفاته المختلفة من شيوخ تلك الرحلة، لطال المقام، ولذا فإنني أكتفي ببيان ما تلقاه عن الأربعة الذين مثل بهم ابن حجر، نظرا لكثرة مروياته عنهم، واشتمالها على أنواع--------------------------------------------
(1) «محجة القرب» / 8 أ.
(2) «محجة القرب» / 9 ب، 14 ب، 21 ب.
(3) «المجمع المؤسس» / 177 و و «ذيل الدرر الكامنة» / 71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)