كتب الحديث، حيث كان هو الآخر مشتغلاً آنذاك بتخريج أحاديث كتاب «الهداية» في فقه الأحناف، و «تفسير الكشاف» للزمخشري، فكانا يتعاونان(1).
وعند التأمل يظهر لنا أن هذا لا يبعد بالعراقي عن نشاط الطلب، باعتباره مرافقة في المطالعة والبحث لعالم بالسنة في مرحلة نضجه، ويعد من طبقة شيوخ العراقي، كما أن هذا يدل على أن العراقي في هذه الآونة، قد بلغ درجة علمية جعلت من هو بمنزلة شيخه يعتمد عليه في أعمال علمية يتحمل مسؤوليتها، ويثق فيما يمده به من نصوص ومعلومات تدخل في تكوين مؤلفاته، على ما سيأتي توضيحه في أثر العراقي في علم التخريج.
وإذا كانت قواعد الطلب قد اقتضت العراقي أن يركز اهتمامه في التلقي على من ذكرنا من شيوخه لتقدم سنهم، حتى تخرج كما أوضحنا، فإنه قد حرص أيضًا على التلمذة الموجهه الأول في طريق السنة وهو الشيخ عز الدين ابن جماعة، فتلقى عنه كثيرًا من عوالي مروياته، وما تفرد به عن الآخرين، كما تقتضي قواعد الطلب التي بينها بنفسه للعراقي ليسير عليها، ونظرًا لتأخر وفاته كثيرًا عن الشيوخ السابقين فإن صلة العراقي به وتلمذته له قد امتدت بعمق إلى أواخر حياته، حتى شاركه في السماع عليه ولده ولي الدين.
وإذا كان العراقي بتخرجه على يد ابن التركماني، قد أصبح أحد المحدثين بمصر، فحدث وألف، فإن ابن جماعة قد لمس من نشاطه وسعة علمه، ما جعله يرفعه للدرجة التالية حينئذ للمحدث وهي درجة الحافظ(2)، فوصفه--------------------------------------------
(1) (الدرر الكامنة) جـ 2/ 417 و (ذيل الدرر) ص 70.
(2) انظر (ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة 774 هـ (ترجمة ابن رافع) و (تدريب الراوي) / 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
بالحفظ والتحقيق، وشهد له بالتفرد بعلم الحديث بالديار المصرية، وصار يستعين به في بعض مؤلفاته الحديثية، كما سنوضح ذلك في التعريف به.
وبمقتضى هذا يكون العراقي قد أصبح في حياة شيخه ابن جماعة المتوفى سنة 767 هـ مشهودًا له - عن جدارة - بلقبي: «محدث الديار المصرية، والحافظ معا» وليس معنى ذلك حفظه لمصادر السنة عن ظهر قلب، بل المراد معرفته الجيدة بها، وفهمه لمضامينها كما سيأتي بيانه في ألقابه العلمية بالمشيئة.
أما أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادًا على الإطلاق، فهو أبو الفتح محمد ابن محمد بن أبي القاسم الميدومي المتوفى سنة 754 هـ(1)، فقد ذكر العراقي أنه تفرد في وقته بالسماع من النجيب الحراني، وعبد الله بن عبد الواحد المعروف بابن علاق، فكان آخر من حدث عنهما بالسماع على وجه الأرض(2)، وقد قدمنا أن السماع من هذين الشخصين كان مقياسًا لأعلا أسانيد السماع حينئذ، حتى إن دعوى تراخي العراقي في الطلب، عُمدة ابن حجر فيها، عَدَمُ تلقي العراقي عن كثيرين ممن سمع منهما، بل ذكر السخاوي أن العراقي ليس عنده من أصحاب النجيب غير الميدومي هذا(3)، أي لم يوجد له سماع عن أحد ممن سمع من النجيب غيره، وإلا فقد سمع من عدد ممن أجازهم النجيب.
وقد سبق ردنا على ذلك بوجود البدائل العديدة التي عرضناها من نشاط العراقي في الرواية والدراية، حتى تخرج وألف، واعتبر واحدًا من المحدثين، فحدث عنه ورافقه في البحث، من هو بمنزلة شيوخه، تقديرًا لتقدمه في--------------------------------------------
(1) «الدرر الكامنة» جـ 4/ 274.
(2) «المنتقى من ذيل العراقي على العبر» سنة 754 هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).
(3) «الضوء اللامع» جـ 4/ 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
التحصيل، ودعوة للأخذ عنه والاستفادة بعلمه.
ومع هذا فإن العراقي أدرك ميزة علو سند الميدومي، واجتهد، حتى بعد تخرجه السالف بيانه، في تحصيل أكبر قدر ممكن من مروياته الكبرى والعالية، وأكثر السماع منه والقراءة عليه بالقاهرة، كما سنبينه في التعريف به، بل إن العراقي لم يرحل خارج مصر لطلب السنة إلا قبل وفاة الميدومي بشهور، بعد استيفاء حظه الأوفى من عواليه، كما سنفصله عقب تعريفنا بأهم شيوخه في تلك المرحلة بما فيهم الميدومي.
أبرز شيوخ العراقي بمصر، وتأثيرهم فيه
أولا: «الحافظ ابن البابا»:
أول من قرأ العراقي عليه الحديث(1)، هو أبو العباس، شهاب الدين، أحمد ابن فريج، المشهور بابن البابا الشافعي.
كان رحمه الله عبدا أسود، مملوكًا لأمير من المماليك، لكن العلم شرف قدره، وخلد ذكره أكثر من سيده، فقد كان عالماً فاضلا في علوم كثيرة، في مقدمتها علم السنة، وقد تلقاها عن جماعة، وأهم من سمع منهم الحافظ أبو محمد الدمياطي، وتقي الدين ابن دقيق العيد، مؤلف كتاب «الإلمام»، الذي بدأ به العراقي دراسته للسنة، وقرأ معظمه على ابن البابا كما سلف، وتتلمذ أيضًا لعلم الدين العراقي، الذي يختلط على البعض بالحافظ زين الدين العراقي، كما تقدم توضيحه.--------------------------------------------
(1) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على «ذيل وفيات الأعيان» للعراقي 6 أ، و «طبقات الشافعية» للأسنوي جـ 1/ 296 بتحقيق الجبوري، و «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص 128.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
ولم أجد بيانا لتاريخ مولد «ابن البابا» هذا، ولكنه مات شهيدًا بالطاعون في أواخر سنة 749 هـ. وتأثيره في العراقي يرجع إلى ما قدمناه من كونه أوّل من قرأ العراقي عليه الحديث في ابتداء طلبه بنفسه 742 هـ، وتعتبر قراءته عليه معظم كتاب «الإلمام» أنموذجا لتلقيه مؤلفات المتأخرين بالسند المتصل عن مؤلفيها، مثل تلقيه مؤلفات المتقدمين، كالبخاري ومسلم، ثم وجدنا العراقي نفسه، بعد أن ذكر قراءته عليه أكثر كتاب «الإلمام» يقول: «واستفدت منه كثيرًا»، وهذا تعبير صريح عن تجاوز التلمذة له والاستفادة منه حد القراءة عليه لكتاب أو كتابين، وإلا لقال: «قرأت عليه أكثر الإلمام وغيره».
وقد كان «ابن البابا» من حفاظ الحديث الذين تَتَلَقَّى عنهم الرواية والدراية معا، ولقبه تلميذه العراقي بالإمام العلامة الحافظ، مع دقته في إطلاق الألقاب العلمية الحديثية، وذكر غيره أنه اشتغل فوق رواية الحديث بتدريسه لطلابه بعدة أماكن، منها قبة بيبرس بالقاهرة، ومقتضى ذلك أن تكون استفادة العراقي الكثيرة منه متعلقة بعلوم السنة، من المصطلح، وبيان ما يتعلق بسند الحديث ومتنه، فكان بذلك شيخ العراقي في الرواية، وأستاذه المفيد في علوم الدراية، وقد اعتنى العراقي به، فترجمه في ذيله على وفيات الأعيان، وفي ذيله على العبر للذهبي، وتلقيبه له بما ذكرنا وتصريحه بكثرة الاستفادة منه، يدلان على قناعته بعلمه وتقديره المنصف لشيوخه، واعترافه بفضلهم عليه، وبأثرهم في تكوين شخصيته الحديثية، وهكذا ينبغي أن تكون أخلاق الطالب مع أستاذه، خاصة بعد زمن التلمذة، كما فعل العراقي.
ثم إن تلمذته هذه لابن البابا في الرواية والدراية معا، وتصريحه بكثرة الاستفادة منه، لها أكثر من دلالة، فإن هذا الحافظ قد توفي - كما ذكرت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
آواخر سنة 749 هـ، ومعنى ذلك أن العراقي قرأ عليه، ولازم دروسه في علوم السنة قبل سنة وفاته بفترة تناسب كثرة الاستفادة.
وهذا مما يدفع قول ابن حجر ومن تبعه بتراخي العراقي في طلب السنة حتى سنة 752 هـ، ثم إن ابن البابا كان حافظاً للقرآن، وقارئًا بالسبع، ومن طبقة شيوخ العراقي في القراءات كما تقدم، فلو كان العراقي حين تتلمذ له مهتماً بغير السنة، لأكمل عليه القراءات السبع بجانب علم الحديث، ولم يؤخر هذا كما مر نحو 26 سنة بعد اتجاهه للسنة سنة 742 هـ.
كذلك كان ابن البابا بجانب تبريزه في الحديث، ضليعاً في الفقه وأصوله، حتى أفتى وأعاد للطلبة، كما كان عارفًا بالتفسير والنحو وأصول الدين، ومع ذلك لم يذكر العراقي تلمذته له في أي من تلك العلوم بجانب السنة، ولا ذكر ذلك غيره ممن ترجمه.
فلو كان اشتغاله حينئذ بالسنة غير مركز، بل واقع في غضون اشتغاله بالعلوم الأخرى كما يقول ابن حجر ومن تبعه، لتتلمذ عليه في أي من تلك العلوم بجانب السنة.
ومن الطريف أن ابن البابا مع درايته بتلك العلوم والثناء على خلقه ودينه، كان عارفًا بالطب والموسيقى، وينظم الشعر الجيد، ولكن تركيز نشاطه في السنة جعله يستحق لقب الحافظ، ويباشر تدريس السنة بكفاءة، ورواية دواوينها بثقة، دون أن يغمزه في ذلك أحد، وعند قياس هذا بحال العراقي التي يعدها ابن حجر تشاغلا بغير طلب السنة، تجد أن دائرة اشتغال العراقي بغير الحديث كانت أضيق من دائرة انشغال شيخه بكثير، ونجد نشاطه في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
السنة أوسع وأعمق، بحيث يمكن القول: إنه منذ اتجه لطلب السنة بنفسه سنة 742 هـ، كان انشغاله بغيرها يقع في غضون اشتغاله بالسنة، وليس العكس، والحكم إنما يكون للغالب.
ثانيا: الحافظ علاء الدين ابن التركماني:
مخرج العراقي في علوم السنة(1): هو الإمام الحافظ علاء الدين علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، المارديني الأصل، المصري، المعروف بابن التركماني، الحنفي المذهب، ولد سنة 683 هـ، وقد سمع الحديث من الحافظ الدمياطي، وكثيرين غيره، وكتبه وقرأه بنفسه، حتى برز فيه، كما حصل عدة علوم غيره، في مقدمتها الفقه الحنفي، حتى أفتى به، ودرسه بعدة مدارس بالقاهرة، كما درس الحديث أيضًا، وتركز نشاطه التأليفي في الفقه وفي علوم السنة، ومن مؤلفاته فيها: «المنتخب في علوم الحديث»، اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، «والجوهر أو الدر النقي في الرد على البيهقي» يقع في مجلدين، وقد ناقش فيه البيهقي، واعترض عليه فيما أورده في «سننه الكبرى» من الأحاديث والآثار من جهة المتن والسند، نصرة منه للإمام الطحاوي الحنفي(2)، وتتبعه للبيهقي بمكانته المعروفة في السنة وفي كتابه «السنن» البالغ (10) مجلدات ضخمة، دليل على تمكنه من علل الحديث ومعرفة المتون وفقهها، كما ألف أيضًا «تخريج أحاديث الهداية» وكتاب--------------------------------------------
(1) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على نقول العراقي عنه في مؤلفاته و «الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ 1/ 116 أ، و (الحظ الألحاظ) / 125، 126 و «الدرر الكامنة»، ج 3/ 156 و (رفع الإصر عن قضاة مصر) قسم/ 2/ 401 كلاهما لابن حجر.
(2) «فتح المغيث» للعراقي هامش/ 26 أ نسخة خطية رقم (218) مصطلح طلعت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
«المؤتلف والمختلف» و «الضعفاء والمتروكين».
ولم يتول منصب قاضي قضاة الحنفية بمصر إلا في أواخر حياته، حيث تولاه في شوال سنة 748 هـ، ثم توفي في طاعون سنة 749 هـ كما ذكر العراقي، وأقره ابن فهد، لكن ابن حجر ذكر أن وفاته كانت بعد ارتفاع الطاعون، في عاشر المحرم سنة 751 هـ. والتقى معه عليه ابن قاضي شهبة. ويمكن أن يكون العراقي قصد أن وفاته آخر سنة 749 هـ، فيصبح الفرق بين القولين عدة أيام من مطلع سنة 750 هـ، وعلى أبعد تقدير لوفاته وهو مطلع سنة 750 هـ، يكون منصب القضاء لم يشغل من حياته إلا نحو عامين، ولذلك قال مؤرخوه: إنه أفنى عمره في الاشتغال بالعلوم، وتفنن فيها وصنف التصانيف العديدة، وكثر الآخذون عنه، كما ذكروا أنه عند تولي القضاء كان كبير السن، وبالتالي ضعف نشاطه العلمي، وخاصة في التدريس.
وذلك مما يفيد أن تلمذة العراقي له وتخرجه على يديه، كان في فترة متقدمة على زمن إنشغاله بمنصب القضاء سنة 752 هـ، وبالتالي يندفع قول ابن حجر وأتباعه: (إن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه إلَّا في سنة 752 هـ).
أما تأثيره في العراقي، فيرجع إلى أنه يمثل نقطة هامة في تكوين شخصيته الحديثية، وهي نقطة تخرجه في علوم السنة، على يد أحد علمائها، فابن حجر كما قدمنا يقرر: أن العراقي مع شغفه بالسنة واشتغاله المبكر بها، إلا أنه لم يكن له من يخرجه على طريقة أهل الإسناد، وأنه لم يحصل من ابن التركماني إلا بعض سماع، قبل الطلب بنفسه الذي يعتبر هو وأتباعه بدايته الحقيقية سنة 752 هـ(1).--------------------------------------------
(1) (المجمع المؤسس) ص 176 و «الأعلام»، جـ 4/ 129 أ و (طبقات الشافعية) =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
بينما يقرر غيرهم، أنه بدأ الطلب بنفسه على الوجه الصحيح سنة 742 هـ، وأنه سمع على ابن التركماني (صحيح البخاري)، وأخذ عنه علم الحديث، وانتفع به، وتخرج على يديه(1)، وهذا يؤيده ما سبق عرضنا له من وقائع وظواهر نشاط العراقي الحديثي خلال تلك الفترة، وبذلك يكون هو الراجح في تقديري.
والعبارة المذكورة عن تلمذة العراقي لابن التركماني، تعطي أبعادًا أربعة لتأثيره في العراقي، وترد أيضًا على دعوى الحافظ ابن حجر وأتباعه
فأولها: أن هذا السماع للبخاري كان سماع بحث ودراسة، بدليل أن العراقي كما بينا، كان يسمعه في نفس الوقت على المسند ابن شاهد الجيش، لتحصيل روايته بسند عال، وبذلك يكون مراعيًا لقواعد الطلب، بعكس ما يدعي الحافظ ابن حجر، كما يكون ابن التركماني قد أفاده دراسة صحيح البخاري متنا وسندا.
وثانيها: أنه أخذ عنه علم الحديث، وإذا أطلق علم الحديث هكذا، فإنه يراد به كما بينا في الباب الأول: «علم المصطلح» أو «أصول الحديث»(2)، ومعنى ذلك أن العراقي دَرَسَ هذا العلم بفنونه المتعددة على الحافظ ابن التركماني، وهذا لا يقتضي طلبه للسنة على الوجه المطلوب فحسب؛ بل--------------------------------------------
= 110 ب كلاهما لابن قاضي شهبة و «بهجة الناظرين» للغزي/ 129.
(1) (لحظ الألحاظ) لابن فهد/ 222 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 172 و 5 «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و (المنهل الصافي) ج 2/ 312 ب.
(2) انظر أيضًا (فتح المغيث) للعراقي جـ 1/7 و 5 «فتح الباقي لشرح ألفية العراقي» للشيخ زكريا الأنصاري/ 3 أ (مخطوط بدار الكتب المصرية).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
يقتضي تعمقه في ذلك وتوسعه، وخاصة إذا لاحظنا بقيَّة أنشطته في نفس الفترة كما سبق بيانها، ويقتضي أيضًا كثرة تردد العراقي على دروس أستاذه، حتى استوفى مباحث هذا العلم وقواعده، وقد كان لابن التركماني عناية خاصة بمباحثه وفنونه، حتى ألف فيه كما أشرنا كتاب «المنتخب»، واختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، وقد تحدث العراقي عن هذا الكتاب بما يدل على استيعابه له، واستفادته منه فقال: «واختصر علوم الحديث لابن الصلاح اختصارًا حسنًا مستوفي».
وقال ابن حجر: سمعت شيخنا العراقي يقول: «إنه - أي ابن التركماني في مختصره - أوفى بمقصوده، ولا نعلم أحدًا ساواه في ذلك».
لكن هذا لم يمنعه من نقده في بعض أوهامه فيه كما سنبينه في مؤلفات العراقي(1).
وكلامه السابق يفيد أنه تلقى الفن عن القمة في عصره.
وثالثها: أنه انتفع به، وهذا يقتضي مواظبته على دروس ابن التركماني الحديثية، وكثرة إفادته له في بقية علوم السنة التي بينا تأليفه فيها، كالرجال والتخريج.
ورابعها: أنه تخرج به، وبذلك ثبت له على يديه تلك النقطة الهامة التي ينفيها ابن حجر تمامًا.
وتَخَرُّجُ الشخص بالعالم، يقتضي طول ملازمته لمجالسه في الرواية والدراية، وإبدائه أمامه من تحصيل المرويات والبحوث والفوائد الحديثية، ما يجعله يقتنع.--------------------------------------------
(1) «التقييد والإيضاح»، للعراقي/ 418.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
بكثرة مروياته الجيدة، وبصواب رأيه، وحسن فهمه المسائل العلم وفنونه، حتى يشهد له - كتابيًا - بأنه أصبح واحدًا من أهل الحديث، صالحاً للرواية والاستقلال بالبحث في السند والمتن وإفادة الغير، وعليه يكون شأن العراقي مع أستاذه ابن التركماني، قد جرى على هذا النحو، حتى شهد بتخرجه في علوم السنة.
وهذا من أظهر الآثار التي يدين بها الطالب لأستاذه، ويظل إسم مخرجه مقترنا باسمه وتظل منزلته العلمية متأثرة بمكانة مخرجه، باعتباره أول من أعطاه إشارة البدء، وأدخله في عداد أهل الفن، وقرر له الصفة الرسمية لممارسته، وهكذا يُعد الحافظ ابن التركماني بالنسبة للعراقي، خاصة في مواجهة من أنكر وجود مُخرّج له كلية، وقد كان هذا الرجل من أعيان عصره ومصره، وبشهادته للعراقي صار مُحدثًا مُتخرّجا، وليس مجرد طالب، وذلك قبل سنوات من التاريخ الذي حدده ابن حجر البداية طلبه فقط على الوجه المطلوب.
وقد ظهر تأثر العراقي أيضًا بمؤلفات مُخرّجه الحديثية غير كتابه السابق ذكره، فقرر أن من مؤلفاته المفيدة: تخريج «أحاديث الهداية» و «الدر النقي في الرد على البيهقي» السابق بيان قيمته العلمية، وقد نقل العراقي منه - مستدلا - في غير موضع من مؤلفاته(1).
كما أنه ترجم لشيخه هذا، في ذيله على العبر للذهبي، ترجمة أبدى فيها تقديره، وصرح بأستاذيته له، فقال: «شيخنا الإمام، العلامة، الحافظ،--------------------------------------------
(1) (فتح المغيث) للعراقي جـ 1/ 103 و هـ تكملة شرح الترمذي 1/ 187.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
قاضي القضاة علاء الدين … الخ»(1)
ثالثا: (الحافظ ابن جماعة):
هو موجه العراقي للاختصاص بالسنة، وملقبه بالمحدث والحافظ(2)، وهو الإمام الحافظ قاضي القضاة، عز الدين عبد العزيز بن محمد بن سعد الله بن جماعة، ولد بدمشق في 19 من المحرم سنة 694 هـ، ونشأ نشأة حديثية نموذجية، بعناية والده المحدث، وقاضي القضاة أيضا، فقد أحضره في طفولته بدمشق كالمعتاد، على ذوي الإسناد العالي فيها، كأبي حفص عمر بن القواس وغيره.
ثم انتقل به إلى مصر، فأسمعه من عيون محدثيها: كالحافظ عبد المؤمن الدمياطي وغيره، ثم بدأ هو يطلب بنفسه وهو في السادسة عشرة من عمره تقريبا، أي في أقل من سن العراقي حين طلب بنفسه، بعام واحد، وقد أكثر السماع والقراءة والرحلة داخل مصر وخارجها، واستجاز الشيوخ، حتى بلغ شيوخه بالسماع والإجازة أزيد من (1300) شيخ، وتبادل السماع مع--------------------------------------------
(1) و لحظ الألحاظ» / 126.
(2) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على نقول وروايات العراقي في مؤلفاته عنه وعلى هـ «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة 767 هـ و هـ «ذيل تذكرة الحفاظ» للحسيني/ 41، 42 للسيوطي/ 363 و و «طبقات الشافعية» للأسنوي/ 61 (مخطوط) و «الدرر الكامنة» جـ 2/ 489 - 491، وأنبه هنا إلى أن للعراقي شيئًا آخر يعرف بابن جماعة وهو برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة المتوفى سنة 764 هـ وهو ابن أخي والد عز الدين الذي نُعرّف به، انظر (ذيل وفيات الأعيان) للعراقي ورقة 10 أ و (ذيل ولي الدين، وفيات سنة 764 هـ و (المجمع المؤسس) ص 185
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
الذهبي، فسمع كل منهما من الآخر، وقال ولي الدين ابن العراقي: وتفرد فيما أعلم بإجازته من البوصيري صاحب البردة من القاهرة، وبالإجازة من بغداد، وبالإجازة من المغرب من العلامة أبو جعفر بن الزبير، فكان آخر من حدث عنه بالديار المصرية، ثم إنه تلقى الفقه والأصول والعربية بمصر على شيوخها.
وقد تولى منصب قاضي قضاة الشافعية بمصر في جمادى الآخرة سنة 738 هـ، وهو أنموذج للعلماء الذين كانت تسعى إليهم المناصب، وتعظمهم الملوك والدول، لعفتهم ونزاهتهم، ولهذا تعدد استعفاؤه من المنصب، ثم عودته برجاء الحكام له، وآخر مرة استعفي فيها سنة 766 هـ، وغادر مصر للحج، فتوفي ودفن بمكة المكرمة في 11 جمادى الآخرة سنة 767 هـ، ويهمنا من نشاطه العلمي الكبير: أنه اشتغل بتدريس الفقه والحديث بدار الحديث الكاملية بالقاهرة، وبغيرها من المدارس والمساجد، وذلك ابتداء من سنة 714 هـ إلى سفره للحج سنة 766 هـ كما أشرت، وهذا مما يؤكد القول بالتقائه بالعراقي وتوجيهه للسنة سنة 742 هـ لا سنة 752 هـ كما يرى ابن حجر ومن تبعه، خاصة وأن نشاط ابن جماعة كان مركزًا في علم الحديث، حتى عُد مُحدث الديار المصرية في وقته، وعند توليه منصب قاضي القضاة كان يُلقي أعباء المنصب على نائبه، ويقبل هو على الاشتغال بالحديث والعبادة والمجاورة بالحرمين.
ومن مؤلفاته في السنة (تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير) في الفقه الشافعي، وتركه مسودة لم يبيضه، كما ألف كتابًا فيما يروي من الشعر بسنده، على حروف أسماء الشعراء، ويقع في مجلدات، وهو أنموذج لتأثير:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
منهج المحدثين في العلوم الأخرى كما أشرنا من قبل، وله مؤلفات أخرى.
وتأثيره في العراقي يرجع إلى أنه أول من وجهه للتخصص بالسنة، ورشحه لذلك ترشيحا تربويا، ويدعي التربيون الآن أنه ابتكار أوربي، حيث بين له تناسب مواهبه واستعداده الطبيعي لدراسة السنة، فشجعه ذلك على الإقبال على التحصيل بهمة وشغف، حتى صار حافظ عصره في حياة شيخه ابن جماعة وغيره، وصار ابن جماعة يمثل في حياة العراقي وشخصيته العلمية نقطة التحول، وعامل الانطلاق نحو السنة، وحمل لوائها، ولولا أن الله قيضه له لظل مشتغلا بعلم القراءات ولم يتحوّل عنه إلى علم السنة، فكان له حقا فضل المشورة والترشيح والتوجيه.
ثم امتد تأثيره إلى الإسهام الفعلي في التنفيذ، حيث بين للعراقي المنهج الصحيح للطلب كما تقدم، ثم مارس الرواية له، وتدريس علوم السنة، وظل يتابع نشاطه ويعني به، منذ أن وضع قدمه على الطريق الصحيح لتحصيل الرواية والدراية.
فقد تلقى عنه العراقي كثيرًا من مروياته، خاصة وأنه لما لاحظ أن شيخه يتمتع بكثرة المرويات والشيوخ كما أشرنا، خرج له معجما بمروياته عنهم بالسماع والإجازة، كما سنذكره في مؤلفاته، وقد كتب منه (9) أجزاء حديثية، وحدث ابن جماعة فعلا بثلاثة أجزاء منها، ومقتضى ذلك أن يكون العراقي قد اتصل سنده بمحتوى تلك المشيخة من المرويات، سواء بالسماع لما حدث به منها، أو بالإجازة للباقي، كما يُستفاد من بعض مروياته عن ابن جماعة في مؤلفاته الحديثية(1).--------------------------------------------
(1) «محجة القرب» للعراقي/ 24 ب نسخة المؤلف وص 6، 46، 58، 79، 80 (من نسخة المغرب)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
وتلقى عنه أيضا ما هو من عواليه أو ما تفرد به عن سواه، فقد روى عنه في كتابه «الأربعين حديثا العشارية الإسناد»، بقراءته عليه بدار الحديث الكاملية بالقاهرة وغيرها(1)، وقد قدمنا أن تلك العشاريات كانت أعلا ما يُروى بالسند الصحيح المتصل في عصره، وروى عنه أيضا بعض ما علا سنده به من طريقه، عن سنده من طريق غيره من شيوخه(2)، وروى عنه من فوائد الخلعي المتوفى سنة 492 هـ، وهو أعلا أهل مصر سندًا في عصره(3) وروى عنه مما تفرد به «مسند البزار» بإجازة ابن جماعة من أبي جعفر بن الزبير ببلاد المغرب(4)، وكان ابن جماعة كما سبق، آخر من حدث عن أبي جعفر هذا بالديار المصرية.
ونقل عنه في بعض مؤلفاته أيضًا شيئًا من فوائده العلمية له(5).
ونظرا لتأخر وفاة ابن جماعة عن عامة شيوخ العراقي الذين تلقى عنهم قبل رحلته العلمية الأولى خارج مصر سنة 754 هـ، فإن تلمذته له قد استمرت إلى أن تزوج وأنجب ولده ولي الدين أحمد، فأحضره عليه منذ ولادته آخر سنة 762 هـ، فصار له حضور وسماع عليه، كما أشار أحمد بنفسه لذلك حيث قال: «حضرت عليه كثيرا بقراءة والدي وغيره، وبعضه سماع»، وهذه العبارة توضح لنا أثر ابن جماعة في هذه المرحلة الأخيرة من حياته في تلميذه العراقي، فهي تفيد كثرة قراءة العراقي وبحثه لكتب السنة عليه.--------------------------------------------
(1) «الأربعين حديثا العشارية»، 6 ب، 17 ب.
(2) «محجة القرب» 6 ب، 7 أ.
(3) «محجة القرب» 46 أ، 118 ب و «الرسالة المستطرفة» / 68.
(4) «محجة القرب» 29 أ، ب، 132 ب و 133 أ.
(5) «التقييد والإيضاح» / 443.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
وتقسيم ولي الدين مقروءات والده إلى حضور وسماع بالنسبة له، يفيد امتداد تلك القراءة خلال السنوات الثلاث من سنة 763 هـ عقب ولادة أحمد إلى سنة 766 هـ حيث غادر ابن جماعة مصر للمرة الأخيرة كما ذكرنا، مع استثناء فترة رحلة العراقي سنة 765 هـ كما سيأتي، ويستفاد من عبارة ولي الدين ابن العراقي أيضًا، حرص والده على الاستفادة من الحافظ ابن جماعة إلى أقصى حد، وتركيز ذلك في آخر حياة الرجل، حيث نضجت ثقافته الحديثية، وعلا إسناده، حتى تفرّد عن عامة المصريين ببعض مروياته التي تلقاها عنه العراقي كما مر، بل إنه روى عنه بعض ما قرأ عليه بمكة(1)، حيث كان كل منهما كثير الحج والمجاورة بالحرمين، وهذا مما يدل على حرص العراقي على التلقي عنه أينما كان.
ولم يلق ابن جماعة ربه حتى شهد صدق نظرته في تلميذه العراقي قد تحققت، وثمرة توجيهه قد أينعت، حيث أثبت بين يديه كفاءته الفعلية للعلم الذي أحبه ورشحه له أستاذه، وأظهر في التحصيل والإنتاج تفوقه على أقرانه ومعاصريه، فكان ابن جماعة في مقدمة من قرت عينه بذلك، فرفعه من درجة المحدث التي استحقها بتخرجه على ابن التركماني، إلى درجة الحافظ، حيث وصفه بالتحقيق والحفظ(2)، والأخير وصف اصطلاحي إذا وصف به أحد الحفاظ المعتمدين تلميذا له صار شهادة منه ببلوغه درجة الحافظ(3).
على أن ابن جماعة لم يقتصر على ذلك، بل قال عن العراقي في صراحة:--------------------------------------------
(1) المجلس 86 من (أمالي العراقي الحديثية) / 77 (ضمن مجموعة مخطوطة).
(2) (المنهل الصافي) ج 2 ص 312 ب.
(3) انظر: «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة 774 هـ (ترجمة ابن رافع).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
«كل من يدعي الحديث بالديار المصرية سواه فهو مدع ومدفوع»(1).
ومهما كان في هذه القضية الكلية من مبالغة، فإن قائلها لم ينفرد بها كما سيأتي بعد، بالإضافة إلى أنه كان أقرب إلى العراقي، وأخبر به منا، وقد قال ذلك عن دراية شاملة بمواهب العراقي، وبكفاءته العلمية التي لمسها من تلمذته الطويلة له، ومن تعامله العلمي معه، حيث يذكر ابن فهد: «أن ابن جماعة كان يراجع العراقي فيما يهمه ويشكل عليه من مسائل الحديث، وأن مصنفه في تخريج أحاديث الرافعي مشحون في حواشيه بخطه: يسأل من الشيخ عبد الرحيم عنه».
وبموجب تلك الشهادة من ابن جماعة أصبح العراقي كما قدمنا معترفا له بلقبي «مُحدِّث مصر» و «الحافظ» ومع هذا فقد ظل العراقي تلميذا وفيا لأستاذه وموجهه الأول، فهو يلقبه عند الرواية عنه بالإمام، وبالحافظ(2)، تقديرا لمكانته في الفقه والحديث، كما أنه حفظ له أسانيده بمروياته الكثيرة، وساعد على نشرها في معجم شيوخه الذي ألفه له، وحدث ببعضه كما ذكرنا.
وقد توطدت علاقة العراقي بابن جماعة حتى انعكست آثارها على ولي الدين ابن العراقي، حيث يقول عن ابن جماعة: «وكان كثير الاعتناء بي والإحسان إلي، وإظهار المحبة».
وقد كان ولي الدين إذ ذاك طفلا في الثالثة من عمره، فكانت معاملة الشيخ له على هذا النحو موجهة لوالده في صورته.--------------------------------------------
(1) «لحظ الألحاظ» / 227 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 173 و «البدر الطالع» جـ 1/ 354.
(2) و «الأربعين العشارية» 6 ب و «محجة القرب» 6 ب، 7 أ، 29 أ، ب، 46 أ، 118 ب وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
رابعا: «الميدومي»:
هو أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادا(1)، وهو مسند الديار المصرية، المعمر الرحلة، صدر الدين، أبو الفتح، محمد بن محمد بن إبراهيم البكري الميدومي(2) المصري، ولد في 14 شعبان سنة 664 هـ، وقد حرص العراقي دون غيره ممن ترجم للميدومي، على إثبات نقطة يشترك معه فيها، وهي افتقاده المرحلة الإحضار في طفولته قبل التمييز، إلى مجالس الحديث، وإثبات اسمه في طبقات السماع، تحصيلا لعلو السند كما قدمنا، فقال: «ولم نجد له حضورا»، ثم تناول افتقاده لهذه المرحلة بالتحليل فقال: «ولم يحضره والده مجالس السماع، إلا بعد استكمال الخامسة - التي هي سن السماع عند الجمهور - فلم يوجد له حضور أصلا، وكان والده من أهل هذا الشأن، وولي مشيخة دار الحديث الكاملية».
«وكأن العراقي في هذا يُعَزِّي نفسه، ويعتذر عما كان من تقصير والده هو، بعدم إثبات حضور له أصلا كما قدمنا، فإذا كان والد الميدومي شيخ المحدثين في دار الحديث، ومع ذلك فوت على ولده مرحلة الإحضار، فإن تفويت والده هو عليه ذلك يهون، نظرًا لأن اهتمامه الأساسي كان بالتعبد، ومعرفته بالحديث لا تذكر بجانب المتخصص».--------------------------------------------
(1) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على مؤلفات العراقي التي روى فيها عنه و (منتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي على العبر) (وفيات سنة 754 هـ) و (طرح التشريب في شرح التقريب) للعراقي وولده جـ 1/ 107، 108 و (الأعلام)، لابن قاضي شهبة ج 1/ 131 ب و (الدرر الكامنة) جـ 4/ 274.
(2) نسبة إلى (ميدوم) من أعمال محافظة بني سويف، بصعيد مصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
وبعد هذا التحليل، يعود العراقي فيتفق مع غيره على أن والد الميدومي ركز عنايته به بعد مرحلة الإحضار هذه، فبكر بإسماعه في أول سن يصح فيه السماع عند الجمهور وهو تمام الخامسة، فأسمعه بنفسه، كما أسمعه واستجاز له من أعلا أهل عصره إسنادا بمصر والشام، فمن سمع منه بمصر (النجيب الحراني، وابن علاق) وممن أجازه من الشاميين: ابن عبد الدايم والكرماني، وهؤلاء الأربعة كانوا مقياس علو السند في عصره، وبذلك عوض مرحلة الإحضار، حتى وصفه تلميذه الحافظ أبو المحاسن محمد بن علي الحسيني بأنه: كان مسند الدنيا في عصره، ثم أشار إلى أنه أصدر هذا الحكم بناء على: فحص أسانيده عمليا، فقال: (خرجت له جزءا من عواليه، حدث به غير مرة، وقد مكنه من ذلك - بالإضافة لسماعه المبكر واستجازته - طول عمره حتى جاوز التسعين سنة).
وقد حدث الميدومي كثيرًا بالقاهرة ومصر، وبالقدس في زيارته لها بعد سنة 750 هـ وأتاح بذلك فرصة السماع منه بالسند العالي الموثق للكثيرين، ومنهم بعض شيوخ العراقي: كالعلائي وابن رافع، ثم عاد لمصر وتوفي بها في 25 رمضان سنة 745 هـ.
وتأثيره في العراقي يرجع إلى جانب الرواية وعلو السند فحسب؛ لأنه كان مسندا فقط، والمسند كما قدمنا، مهمته أداء المرويات مضبوطة بسندها كما: تحملها، وميزته هي علو الإسناد كما بينا، مع الثقة والضبط كما شهد له العراقي وغيره بذلك، وقد توفر للعراقي بمروياته عنه كما سنفصلها، كثير مما: يشترط لطالب السنة روايته حتى يستحق لقب (الحافظ)، وعوض عن طريقه كثيرا مما فاته من علو الإسناد، حيث قال ابن حجر: إنه أعلا شيخ عند شيخنا:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
العراقي من المصريين، ويدل على ذلك مشاركة البارزين من شيوخه في السماع منه، سواء الشاميين كالعلائي وابن رافع كما ذكرنا، أو المصريين كابن جماعة، وقد كان العراقي يدرك هذا، حيث ذكر هؤلاء ضمن تلاميذ الميدومي، كما ذكر أنه تفرد في وقته بالسماع من النجيب وابن علاق، وكان آخر من حدث عنهما بالسماع على وجه الأرض.
ولهذا أكثر العراقي الرواية عنه، حتى بعد تخرجه على يد ابن التركماني كما سيظهر لنا من تاريخ بعض قراءاته عليه، وذلك لأن التخرج مرحلة صلاحية للإشتغال بالسنة كما أوضحنا، وبعد ذلك يستمر الشخص في الأخذ والعطاء، حتى تتكامل شخصيته الحديثية وينضج، ويمكننا تقسيم مرويات العراقي عن الميدومي إلى قسمين: أحدهما تفصيلي والثاني إجمالي.
فالتفصيلي: عبارة عما قرأه عليه أو سمعه منه أو عليه أو أجازه به من مصادر السنة، كالكتب والأجزاء والأمالي الحديثية والمنتخبات.
وقد ذكر العراقي مما قرأه عليه بنفسه على سبيل المثال لا الحصر (13) كتابًا للمتقدمين والمتأخرين حتى عصره، وبعضها من الأمهات، كسنن أبي داؤد، وبعضها نادر كـ «الثبات عند الممات لابن الجوزي»، وبعضها أجزاء حديثية لبعض الحفاظ أو المسندين، كجزء شيخ الحفاظ المعروف بالنبيل المتوفى سنة 212 هـ(1)، وكجزء أبي بكر أحمد بن نصر الله الدارع، وهو من العوالي التي انفرد بها الميدومي، وقد قرأه عليه العراقي في سنة 752 هـ(2)، وبعضها--------------------------------------------
(1) «الرسالة المستطرفة»، للكتاني 64، 65.
(2) «المجمع المؤسس» لابن حجر/ 77، 189.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
«أمال» لمشاهير المحدثين، كالأمالي العشرين لأبي الحسن ابن شمعون(1)، وبعضها مجموعة أحاديث من عوالي المسندين، مثل ثمانيات النجيب الحراني في (4) أجزاء حديثية(2)، وبعضها منتقى من مؤلفات ضخمة، كالمنتقى من الحلية لأبي نعيم(3)، بل منها ما قرأه العراقي عليه أكثر من مرة(4).
وقراءة العراقي بنفسه على الميدومي لهذه المصادر التي مثل بها فقط، ولما أشار له بقوله: «وغيرها»، دليل على عظم استفادته المباشرة من الشيخ، كما أنها أنموذج واضح للجهد والنشاط اللذين بذلهما العراقي في طلب السنة، وتحصيل السند العالي الموثق، بمصادرها، من الأمهات والأجزاء وغيرها، كما تقضي قواعد الطلب وشروط الحفاظ، فمثلاً قراءته لسنن أبي داؤد كاملة على الميدومي بعد تقدم سماعه للصحيحين على غيره كما مر، يُعد تطبيقا لما شُرِطَ في التلقيب بالمحدّث والحافظ، من تلقى الكتب الستة ودراستها(5). ويعد تطبيقا أيضًا لقواعد الطلب التي تقضي بتلقي طالب الحديث بعد الصحيحين سنن أبي داؤد، لعنايته فيها بجمع الكثير من أحاديث الأحكام(6)، ما لم يوجد مقتض للعدول عن هذا الترتيب، كرواية ما يخشى فوته لو اتبع الترتيب(7).--------------------------------------------
(1) «المجمع المؤسس» 185.
(2) «الرسالة المستطرفة» 74.
(3) «المجمع المؤسس» / 192.
(4) «الأربعين العشارية» (حديث 1).
(5) «تدريب الراوي»، للسيوطي/ 8، 9.
(6) «فتح المغيث» للعراقي جـ 3/ 93 و «فتح المغيث» للسخاوي جـ 2/ 332.
(7) المصدر السابق ص 333.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)