الأعرابي، أن «السن» مصدر والفعل منه «سَنَّ» والاسم «سُنَّةٌ» و «سُنَن» وعليه يقال: من الحديد سنا وسن للقوم سنة وسُننا» وفي «المحكم» لابن سيده: «سن الشئ يسنه فهو مسنون»(1).
وبذلك يظهر لك عربية الكلمة بتصاريفها المختلفة، أما استعمالاتها، فيرجع معظم ما أفاض في ذكره فيها إلى إطلاق كلمة «السنة» على صورة أو حالة معينة، حسية أو معنوية، سواء كانت حسنة أو سيئة، ولذلك تُستعمل في الشئ ونقيضه، كما في الحديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة» الحديث(2).
ومن استعمالها في السيرة السيئة قول الشاعر العربي خالد بن عتبة الهذلي:
لا تجزعن من سيرة أنت سرتها … فأول راض سنة من يسيرها(3).
إلا أن أكثر استعمالها فيما هو حسن، ولذلك إذا استعملت مجردة عن الوصف، تنصرف لذلك، فإذا أريد ما هو سي قيدت به(4)، وعندما نستعرض ما أُطلقت عليه «السنة» في اصطلاح علمائها وغيرهم من المختصين في جوانب الشريعة على تنوع مقاصدهم، من أصوليين وفقهاء ووعاظ، نجده لا يجاوز--------------------------------------------
(1) «لسان العرب» جـ 17 ص 87.
(2) «لسان العرب» جـ 17 ص 89. والحديث في «صحيح مسلم» بلفظ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»، (ج 2 ص 705) وأخرجه ابن ماجه بنحوه باب من سن سنة حسنة أو سيئة جـ 1 ص 74.
(3) «اللسان» جـ 17 ص 89.
(4) «أعلام المحدثين» لشيخنا الفاضل الدكتور محمد أبو شهبة ص 6 و «أصول الفقه»، لشيخنا الفاضل الدكتور طه الدسوقي ص 99 رحمهما الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
الاستعمال اللغوي للكلمة فيما هو حسن ماديا أو معنويا، فإليك تعريفها في اصطلاح كل وتوضيح مشتملاتها، ثم بيان مطابقة ذلك لمدلولاتها اللغوية.
جـ - السنة في اصطلاح علمائها
لما كان مقصود علماء السنة نقل وإثبات كل ما هو مضاف للنبي صلى الله عليه وسلم، مباشرة أو بالواسطة، فإن جمهورهم عَرَّف السنة بما يُحقق هذا القصد، فقالوا: «السنة كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو سيرة أو صفة خُلقية أو خَلقية، حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها، وسواء تعلق به حكم شرعي أم لا».
وزاد المحققون: ما أضيف إلى الصحابة والتابعين كذلك من أقوال وأفعال وتقريرات تتعلق بالدين(1)؛ لكون ذلك مآله الرجوع للرسول صلى الله عليه وسلم، وإن لم يُصرحوا بذلك في كل حال، رهبة من الخطأ في النقل أو رغبة في التقليل من الحديث(2) والتركيز على العمل التطبيقي، أو اعتمادًا على ما عُرِفُوا به من--------------------------------------------
(1) انظر «الإلماع» للقاضي عياض ص 6، 7. و «الخلاصة» للطيبي ص 30. و «التعريفات» للجرجاني ص 65، و «الموافقات» للشاطبي جـ 4 ص 4 - 6. و «فتح المغيث» للسخاوي جـ 1 ص 20 و «شرح السيوطي لألفيته في المصطلح» و المسمى: «البحر الذي زَخَر» ورقة 6 ب و 7 أ (مخطوط). و «فتح الباري بشرح البخاري» لابن حجر ج 1 ص 210، 211 وجـ 17 ص 2، 9. و «نيل الأماني بتوضيح مقدمة القسطلاني» للإبياري ص 10، 11 و «حاشية لقط الدرر على شرح النخبة» للشيخ حسين خاطر ص 3. و «النخبة النبهانية بشرح المنظومة البيقونية» للشيخ خليفة النبهاني ص هـ، 6. و «قواعد التحديث» للقاسمي ص 36 - 38. و «السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب ص 16. و «أعلام المحدثين» للدكتور أبو شهبة ص 6. و «النكت الوفية بما في شرح الألفية» للبقاعي ورقة 101 ب (مخطوط مصور).
(2) انظر «سنن ابن ماجه» باب التوقي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ج 1 ص 10، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
التزامهم بما شاهدوه، وما بلغهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ربما صرحوا بإضافته للرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينقل إلينا(1).
وقد وجد بعد التدوين العام للسنن كثير مما رُوي موقوفًا على الصحابة أو التابعين، مرويًا من طرق أخرى مضافًا للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن المعروف أنهم لا يصدرون في مثل هذا إلا عن توقيف أو استنباط.
وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على اجتهادهم في حديث معاذ رضي الله عنه حين أرسله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: كيف تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأبي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله(2)، وتقريره صلى الله عليه وسلم من سنته بالاتفاق(3).
كما أنه قرن سنة خلفائه الراشدين بسنته وأمر باتباعهما فقال في حديث العرباض بن سارية: «وسترون بعدي اختلافا شديدًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ»(4).--------------------------------------------
= و «أعلام الموقعين» جـ 4 ص 147 و «معرفة علوم الحديث»، للحاكم ص 61.
(1) «أعلام الموقعين»، جـ 4 ص 148.
(2) عزاه العراقي في تخريج أحاديث «منهاج الأصول» للبيضاوي لأبي داود والترمذي من حديث معاذ. وقال: «إن هذا لفظ الترمذي» وأنه قال عنه: «ليس إسناده عندي بمتصل»، ولكن ابن القيم صحح أصل الحديث (انظر تخريج المنهاج للعراقي ورقة 75 ب، 76 أ مخطوط) و (أعلام الموقعين) جـ 1 ص 175.
(3) «تكملة شرح الترمذي» للعراقي جـ 1 ورقة (16 ب) مخطوط مصور.
(4) أخرجه ابن ماجه في «سننه» وبوب عليه باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ج 1 ص 15، 16 وأبو داود في السنن أيضًا جـ 2 ص 506.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
كما جعل أصحابه هداة للأمة من بعده حيث رفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجوم أَمَنَة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعدون، وأنا أَمَنَة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي، ما يوعدون، وأصحابي أَمَنَة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»(1).
وقد كان شأن التابعين بإحسان مع الصحابة شأن الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت أقوالهم وأفعالهم في أمور الدين ترجمة وتطبيقا لما شاهدوه منهم وما تلقوه عنهم وإن لم يُصرحوا بذلك بدورهم في كل حال؛ خشية ما ظهر من الفتن، كما أنه لم يُنقل إلينا كل تصريحاتهم، وهم مُرْتَضَوْن من الله تعالى في قوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}(2).
كما أنهم مشاركون للصحابة في الخيرية المشهود لهم بها من الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «خير أُمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم»، قال أبو هريرة راوي الحديث: «والله أعلم أذكر الثالث أم لا»(3).
فليس بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم إلا واسطة واحدة وهم الصحابة، لهذا كان الأحوط اعتبار ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من أمور الدين أقوالا وفتاوى وأعمالاً وتقريرات، من السنة، طالما لم يكن ذلك من باب الرأي والاجتهاد، حتى--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في «صحيحه» باب بيان أن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة جـ 7 ص 183 و «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية جـ 4 ص 130.
(2) سورة التوبة آية 100.
(3) أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الفضائل، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم جـ 7 ص 185.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
لا يفوتنا منها شيء وإن تفاوتت درجاتها في الاستدلال كما سيأتي عن الأصوليين.
الجمع بين التعريفين ودليله:
وإذا كانت سنة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، مردها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم على النحو الذي أوضحته، فإنها تعد من اللوازم المتفرعة عن مشتملات السنة في تعريف الجمهور المتقدم، فهي تفصيل للوازم ما ذكر فيه من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، ولا يبعد أن يكون عدم النص عليها في تعريفهم، ليس لاستبعادها بل لما هو معروف من الاكتفاء في تعريف الشئ بأصوله دون استيعاب فروعه ولوازمه، صونًا للتعريف عن الإسهاب.
وبهذا الوجه يمكن الجمع بين التعريفين واعتبارهما تعريفا واحدا اختلفت عبارته بالإجمال والتفصيل، وعليه يصبح أعم تعريف للسنة عند علمائها وأجمعه للمتفق عليه بينهم أنها: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما تقدم عند الجمهور، وما أُضيف إلى الصحابة والتابعين من قول أو فعل أو تقرير مما يتعلق بأمور الدين، وليس من الرأي أو الاجتهاد، وبذلك يشمل سائر جوانب السنة صراحة لا التزاما، ولهذا ارتضاه السلف والمحققون من العلماء(1).
• ويؤيده الآتي:
(1) ما استقر عليه علماء السنة المعتمدون منذ فجر تدوينها العام وما تلاه من التصنيف المنظم حتى الآن.--------------------------------------------
(1) «المختصر في علم رجال الأثر» لشيخنا الفاضل، الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف رحمه الله ص 4 و «علوم الحديث ومصطلحه» للدكتور صبحي الصالحي ص 107، و «كشاف اصطلاحات العلوم» للتهانوي جـ 2/13 و «شرح الديباج المذهب» لمنلا حنفي ص 6، 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
حيث نجد التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري رائد الجامعين للسنة في عصره، يحدثنا عنه رفيقه صالح بن كيسان فيقول: «كنت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم فاجتمعنا على أن نكتب السنن فكتبنا كل شي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال (أي الزهري) نكتب ما جاء عن أصحابه فقلت لا، ليس سنة، وقال هو: بل هو سنة، فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت»(1).
ومن هذا يظهر لك استقرار الأمر على ما رأى الزهري، من عد ما جاء عن الصحابة سنة، ورجوع صالح لذلك وندمه على ما ضيعه منها بمخالفته أولا، وعدم مشاركة الزهري في تدوينها بالإضافة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبهذا كان مفهوم السنة الذي جرى عليه الزهري كما نرى، ووافقه عليه معاصروه، مطابقًا لتعريفها العام الذي ذكرناه، وقد بين الزهري مشاركة غيره له في هذا، وانتشار ما دونوه على ذلك المنهج رسميًا في أقطار الإسلام عمومًا بأمر الخليفة العالم عمر بن عبد العزيز، دون نكير عليه، فيقول: «أمرنا عمر ابن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا»(2).
وقد تتابع علماء السنة على ذلك فيما تلا هذا التدوين العام، من التأليف المنظم على مر العصور، حتى عصر العراقي وما بعده إلى يومنا هذا، فما من مؤلف جامع، للمتقدمين أو المتأخرين، على مختلف شروطهم ومناهجهم، إلا نجده مشتملًا على ما هو مضاف للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه وللتابعين،--------------------------------------------
(1) رواه ابن عبد البر بسنده من طريقين، «جامع بيان العلم» جـ 1 ص 92.
(2) المصدر السابق ج 1/ 91، 92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
ونجدهم يعدون كل ذلك سننا مأثورة، وأن تفاوت القدر الوارد في كل منها قلة وكثرة، وتفاوتت جهة إيراد المروي عن الصحابة والتابعين، من دليل أصلي تارة، إلى دليل ثانوي للتقوية والاستشهاد والاستئناس.
فأمير المؤمنين في الحديث عبد الله بن المبارك وطبقته، من أوائل المصنفين في السنة في العالم الإسلامي جمعوا في مصنفاتهم بين المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمروي عن صحابته وتابعيهم، متخذين الكل دليلا أصليا(1)، ونظرة منا إلى الفهرس التحليلي لكتاب «الزهد والرقائق» لابن المبارك ترينا أن الوارد فيه عن الصحابة والتابعين، ضعف الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم(2).
وأيضا الإمام مالك في «موطئه» يورد ما جاء عن الصحابة والتابعين، دليلا أصليا ويسميه سنة(3)، لكن ما أورده أقل كما مما أورده ابن المبارك في الزهد بكثير، أما الإمام البخاري في «صحيحه» فقال عنه الحافظ ابن حجر: «وإنما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين وتفاسيرهم لكثير من الآيات، على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل المختلف فيها»(4)، وهذا بلا شك نوع من الاستدلال بها، وإن كان أوفى من صنيع من تقدموه، ولو نظرنا إلى المسانيد نجد أوفاها وهو مسند الإمام أحمد--------------------------------------------
(1) انظر «مقدمة فتح الباري» لابن حجر ج 1 ص 17 و «شرح السيوطي لألفيته» ورقة (16 ب) وما بعدها (مخطوط).
(2) انظر فهرس كتاب «الزهد والرقائق» من ص 1 - 8 و من ص 8 - 20.
(3) انظر كتاب الصلاة - باب السنة في السجود في «الموطأ» رواية محمد بن الحسن ص 69، وكتاب السهو في الصلاة في «الموطأ» رواية يحيى بن يحيى ص 83.
(4) انظر مقدمة «فتح الباري» ج 1 ص 238.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
يشتمل على ما رواه الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى ما روي عن الصحابي نفسه من كلامه أو فعله أو تقريره، وكذلك عن التابعي(1) وعلى نهج هؤلاء الأئمة سار من بعدهم إلى يومنا هذا.
(2) تقرير مصطلح علوم السنة:
ومما يؤيد دخول المروي عن الصحابة والتابعين، مما ليس من رأيهم واجتهادهم، في مفهوم السنة الاصطلاحي، تقرير العلماء الذين ألفوا في مصطلح علوم السنة وقواعد بحثها لذلك، فنجدهم يقسمون السنن باعتبار من أضيفت إليه، إلى ثلاثة أقسام، ويُلقبون كلا منها بلقب خاص، ويخصصون له مبحثًا فيلقبون المضاف للرسول صلى الله عليه وسلم بالمرفوع.
وفي ذلك يقول العراقي في «ألفيته»:
وسمْ مرفوعًا مضافًا للنبي(2)
ويلقبون المضاف للصحابي بالموقوف، كما يقول العراقي في «الألفية»:
وسِمْ بالموقوف ما قصرته … بصاحب وَصَلْتَهُ أو قطعته
قال السخاوي: أي ما قصرته على صحابي قولا له وفعلا أو نحوهما مما لا قرينة فيه للرفع(3).
ويلقبون المضاف للتابعي بالمقطوع، يقول العراقي في «الألفية» أيضًا:--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة مسند أحمد طبع دار الاعتصام بالقاهرة ج 1 ص 39، و «المسند» نفسه في نفس الجزء ص 46، 79، 80.
(2) «فتح المغيث» جـ 1 ص 56 و «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» ص 65.
(3) «مقدمة ابن الصلاح» ص 66. و شرح العراقي لألفيته المطبوع باسم «فتح المغيث» جـ 1 ص 58 و «فتح المغيث» للسخاوي جـ 1/ 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
وسم بالمقطوع قول التابعي وفعله … الخ(1) ويطلقون على الجميع اسم السنة، كما يقول العراقي:
وأهل هذا الشأن قسموا السنن إلى صحيح وضعيف وحسن(2).
(3) الاعتماد على ما جاء عن الصحابة والتابعين في التشريعات:
فقد اعتبر جمهور الأئمة من أصوليين وفقهاء، ما جاء عن الصحابة والتابعين، أحد أدلة الأحكام الشرعية وأنواعها المعمول بها، كما سنذكره عنهم، وبالتالي كان لابد من اعتبار علماء السنة لذلك ضمن أنواعها مع تمييزها عن المرفوع وعنايتهم بجمعها وإثباتها كالسنة المرفوعة، حتى يُوفّروا أقصى ما يمكن من الأدلة والأحكام الواردة عن السلف، لتمكين العلماء والمجتهدين من استنباط الأحكام المتجددة في ضوء ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، أو بواسطة صحابته وتابعيهم بإحسان كما قدمنا.
أمثلة لمشتملات مفهوم السنة عند علمائها
وبعد أن بينا إستقرار الأمر على أن السنة في اصطلاح علمائها ومؤلفاتهم، تتضمن ما أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه وتابعيهم بإحسان، نرى الأمر يتطلب ذكر أمثلة توضيحية من واقع مدونات السنة وعلومها، ليتأكد انطباق التعريف على المعرف، وتتضح عموم الجوانب التي جعلها العراقي مجال أعماله وآثاره وتزول بعض الشبهات.
1 - السنة القولية والرد على من ينكرها:
فمثال ما أُضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من الأقوال: ما رواه الإمام الشافعي--------------------------------------------
(1) «فتح المغيث» للعراقي جـ 1 ص 59. و «مقدمة ابن الصلاح»، ص 66.
(2) المصدر السابق ج 1 ص 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
رضي الله عنه قال: وجدنا علي بن الحسين يقول: أخبرنا عمر بن عثمان عن أسامة ابن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرث المسلم الكافر» فيثبتها «أي عمر ابن عثمان» سنة ويثبتها الناس بخبره سنة(1).
وأخرج الحاكم أيضا بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» ثم قال: «هذه سنة صحيحة لا معارض لها»(2).
وفي تسمية الشافعي والحاكم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «سنة» رد على من يقول: «إن المراد بـ «السنة» عمل الرسول صلى الله عليه وسلم المتواتر وليس المراد بها كل رواية رويت بالسند اللفظي، فلان عن فلان(3) بل الموجود في كتب السنة المتعددة، من السنة القولية الثابتة، أكثر من السنن الفعلية فضلا عن المتواتر منها».
2 - السنة العملية:
وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم فمن أمثلة ما كان منها قبل البعثة ما روته عائشة رضي الله عنها من قول خديجة رضي الله عنها له: «إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»(4).
وهذا الحديث من أمثلة ما تشمله السنة في اصطلاح علمائها، دون الأصوليين والفقهاء؛ لأنه لا يتضمن حكما تكليفيا للأمة ولا يعد دليلا،--------------------------------------------
(1) «الرسالة» للشافعي ص 195.
(2) «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص 129.
(3) قال هذا: السيد سليمان الندوي كبير علماء الهند في عدة مواضع من رسالة بعنوان «تحقيق معنى السنة» انظر ص 18 - 19 - 22 منها.
(4) أخرجه البخاري في «صحيحه» باب بدء الوحي، مع «فتح الباري» ج 1 ص 25، 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
حيث لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بُعِثَ بعد، حتى يتوجه بتكليف للأمة.
ومن أفعاله بعد البعثة: الصلوات الخمس، وأعمال الحج والجهاد، وغير ذلك. ومنها أيضًا: همّه صلى الله عليه وسلم بالشيء؛ لأنه من فعل القلب وهو صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بمطلوب شرعًا، وقد بُعِثَ لبيان ما شرع الله، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم»(1).
ومن أفعاله أيضًا: إشارته صلى الله عليه وسلم، كحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في حجته فقال (السائل): ذَبحتُ قبل أن أرمي فأومأ بيده قال: لا حرج(2). وأما تقريره صلى الله عليه وسلم فهو عبارة عن كفه عن إنكار ما يقع تحت حواسه أو يعلم به، والكف فعل، وعليه كان إقراره من ضمن سننه، ومن أمثلته ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة، فتيمما صعيدًا طيبا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وقال للآخر: لك الأجر مرتين(3). ومنه إقراره صلى الله عليه وسلم على الاجتهاد فيما لا نص فيه كما تقدم.
3 - صفاته صلى الله عليه وسلم الخلقية والخلقية:
وأما صفاته صلى الله عليه وسلم الخلقية والخلقية، فقد تضمنت كتب السنة كثيرا منها؛ بل--------------------------------------------
(1) «صحيح البخاري مع فتح الباري»، كتاب الصلاة باب وجوب صلاة الجماعة ج 1 ص 269، 270.
(2) «صحيح البخاري» كتاب العلم باب الفتيا بإشارة اليد والرأس مع فتح الباري ج 1 ص 191
(3) رواه أبو داود والنسائي. انظر: «سبل السلام في شرح بلوغ المرام»، ج 1 ص 97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
ألف فيها ما يُعرف بكتب الشمائل، ومن أمثلتها ما رواه أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس وأسمح الناس»(1) وما جاء في هذا الحديث من وصفه صلى الله عليه وسلم بالحسن الفائق، وإن كان لا يتضمن حُكماً تكليفياً، لكنه تضمن إثبات وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لتعريفنا بشخصه الكريم، وبهذا كان من أنواع السنة في اصطلاح علمائها(2).
4 - سيرته صلى الله عليه وسلم-:
وأما عموم سيرته صلى الله عليه وسلم فقد ضمنها علماء السنة أطوار حياته وأحداثها، منذ حمله ومولده، حتى وفاته، وهي تقع ضمن أبواب كتب السنة الجامعة كالصحيحين وغيرهما، وتقع في كتب السيرة المستقلة، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله عند بيان ما ألفه العراقي في السيرة.
5 - أقوال الصحابة والتابعين وأعمالهم وتقريراتهم:
وأما أقوال الصحابة رضي الله عنهم، فمنها ما أخرجه مسلم أنه جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: إني رجل أصوّر هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: أُدنُ مني (الحديث) وفي آخره أنه قال له: إن كنت ولابد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له(3).--------------------------------------------
(1) «أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه» لأبي الشيخ بن حيان الأصبهاني ص 59.
(2) انظر «النكت الوفية بما في شرح الألفية» للبقاعي ورقة 101 ب (مخطوط مصور).
(3) «صحيح مسلم» كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة جـ 6 ص 162 و «الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف» لابن حجر العسقلاني ورقة 69 أ (مخطوط بدار الكتب المصرية).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ومن أمثلة أقوال التابعين: ما رواه البخاري عن الحسن البصري في حكم الصلاة في السفينة حيث قال: تصلي قائما ما لم تشق على أصحابك، تدور معها وإلا فقاعدًا(1).
ومن أمثلة ما اجتمع عليه عمل الصحابة والتابعين وأهل المدينة التي عُرفت بدار السنة، ما رواه البخاري بسنده عن أبي جعفر رضي الله عنهما قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة، إلا يزرعون على الثلث والربع ثم قال: وَزارِع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين(2).
ومن أمثلة تقرير التابعين: ما رواه النسائي عن عبد الرحمن بن الأسود قال كان عماي يزارعان بالثلث والربع وأنا شريكهما وعلقمة والأسود يَعْلَمَان فلا يُغيّران(3). وعلقمة والأسود تابعيان، ويلاحظ أن إقرارهما كان لعمل الصحابة وغيرهم من التابعين كما في المثال المتقدم، مما يدل على أنهما لم يقرا إلا عن علم بإجازة الصحابة من قبلهم لذلك، وعملهم به.
هذه هي الأمثلة التطبيقية الموضّحة لكل ما تضمنه تعريف السنة عند علمائها، ومنها يتضح اشتمال كتب السنة المعتبرة على كل ما نص عليه تعريفها فتطابق التعريف والمعرف.
وقد قسم العلماء ما تضمنه هذا التعريف إلى أقسام، وجعلوا كلا منها عِلْمًا.--------------------------------------------
(1) «صحيح البخاري مع فتح الباري» كتاب الصلاة. باب الصلاة على الحصير جـ 2 ص 35.
(2) «البخاري مع فتح الباري» جـ 5 ص 407.
(3) «فتح الباري» جـ 5 ص 408.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
قائما بذاته كما سنبينه في بيان علوم السنة، وجدير بالذكر أن السنة بهذا المفهوم الاصطلاحي عند علمائها، تُستعمل في مقابل القرآن الكريم، وقد ورد استعمالها في مقابله على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «تركت فيكم اثنين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي»(1) وجرى على ذلك الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة.
د - السنة في اصطلاح الأصوليين
أما علماء الأصول فلما كان مقصدهم من السنة ما يستدل به منها على الأحكام التكليفية طلبًا أو تخييرًا وما يتعلق بذلك، فقد عرفوها بما يختص بهذا منها فقالوا: السنة ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول غير القرآن، أو فعل أو تقرير، مما يثبت حكمًا شرعيًا(2).
وبعضهم يضيف أقوال وأفعال وتقريرات الخلفاء فقط.
وبعضهم أدخل عموم الصحابة(3)، وبعضهم أضاف ما جاء عن التابعين، غير مخالف لما جاء عن الصحابة، فضلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم(4)، وقد مر لك في--------------------------------------------
(1) «جامع بيان العلم» جـ 2 ص 221 أصل وهامش.
(2) «نهاية السول شرح منهاج الأصول» للأسنوي، و «حاشية الشيخ بخيت المطيعي عليه» جـ 3 ص 618 - 619. و «فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت» لعبد العلي الأنصاري جـ 2 ص 97 و «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» لابن حجر جـ 17 ص 3 و «السنة قبل التدوين» للدكتور محمد عجاج ص 16 و «أصول الفقه» للدكتور طه الدسوقي ص 40.
(3) «تهذيب توضيح الأصول» للدكتور سليمان عبد الفتاح ص 21 و «البدعة» للأخ الفاضل الدكتور عزت عطية ص 119 و «قواعد التحديث» للقاسمي ص 257 - 261 و «الحديث والمحدثون» لشيخنا الفاضل الدكتور محمد أبو زهو ص 9، 10.
(4) «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية جـ 4 ص 156 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
تعريف السنة توجيه ذلك كله، وعليه يكون أعم تعريف للسنة عند علماء الأصول أنها: «ما أضيف للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، من قول أو فعل أو تقرير يثبت حكما شرعيا» ومع هذا فإنه أخص من تعريف السنة في اصطلاح علمائها؛ لأنه لا يشمل إلا ما يتضمن الأحكام التكليفية للأمة من فرض أو نفل أما ما يتعلق، بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة التي هي مناط التكليف للأمة وما يتعلق بصفاته صلى الله عليه وسلم الخلقية كما ذكرنا، ونحو ذلك فإنه لا يدخل في تعريف السنة عند الأصوليين، بينما هو معدود من مشتملات السنة عند علمائها، كما سلف.
وليس معنى هذا عدم اعترافهم بثبوت تلك الأحوال والصفات ونحوها مما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وأتباعهم، وإنما هم فقط يُقررون عدم اشتمالها على محكم يترتب على مخالفته مؤاخذة من قبل الشارع، وهذا لا يعارض اعتبارها من السنة عند علمائها، لأنهم كذلك لا يقولون بتضمن كل ما يثبتونه ويسجلونه من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، أحكاما تكليفية كما قدمنا.
أما تقييد الأصوليين ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال، بأن تكون غير القرآن، فيوافقهم فيه علماء السنة، وقد تقدم أنهم يستعملون السنة في مقابلة القرآن، كما يستعملها الأصوليون حين يقولون: «أدلة الشرع: الكتاب والسنة والإجماع … الخ».
ويتفق الأصوليون أيضًا كما ترى في التعريف مع علماء السنة على أنها تشمل القول والعمل، وقال الإسنوي في «شرح التعريف»: «إن عطف الفعل على القول «بأو» الدالة على التقسيم، للإعلام بأن كلا من القول والفعل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
يُطلق عليه اسم السنة»(1) وبهذا يتضامنون في الرد على من قصر السنة على الأعمال كما قدمنا.
كما أنهم لم يفرقوا بين ما ثبت بالتواتر وما ثبت بطريق الآحاد من الرواة، فصار الكل عندهم صالحاً للاحتجاج مع ترجيح الأقوى.
هـ - السنة في اصطلاح الفقهاء:
لما كان مقصود الفقهاء بيان أنواع الأحكام الشرعية من فرض ونفل فإنهم عرفوا السنة على الرأي المختار بأنها: «ما في القيام به ثواب، وفي تركه عتاب لا عقاب»(2).
وعلى هذا فهي تشمل ما كان بهذه المثابة من الأعمال والأقوال المشروعة، سواء دلّ عليها القرآن أو السنة بأنواعها، كما تشمل ما واظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من السنن وما تركه أحيانًا، وأحبه السلف من بعده فلازموه، كما أنها تقابل الفرض والواجب.
و - السنة في اصطلاح الوعاظ:
وبعض الفقهاء ومعهم الوعاظ الدعاة إلى الدين الحق، يُطلقون السنة على كل ما دلّ عليه دليل شرعي، صراحة أو التزاما، وما أُحدث على خلاف ذلك يسمونه بدعة، ويستعملون السنة في مقابله فيقولون: فلان على السنة؛ أي على ما أقره الشرع عموما، وفلان على البدعة؛ أي على ما يخالفه،--------------------------------------------
(1) «نهاية السول» للأسنوي جـ 3 ص 619.
(2) انظر «تحفة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار» للإمام اللكنوي ص 9 و «شرح محمد المشيشي على كفاية المبتدئ» للأسقاطي ورقة (27 أ) مخطوط بمكتبة الأزهر، و «أعلام المحدثين» للدكتور محمد أبو شهبة ص 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
والسنة بهذا المفهوم تشمل الدين كله، عقيدة وشريعة وسلوكا، سواء ما تضمنه كتاب الله تعالى من الأوامر والنواهي، أو ما تضمنته السنة بأنواعها(1).
وإلى هذا المعنى أشار الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «من أحيا سنة من سنتي قد أُميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس، لا ينقص من أجور الناس شيئا، ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله، فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس، لا ينقص من آثام الناس شيئًا»(2).
وقوله أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»(3).
ويقول سيدنا عمر رضي الله عنه: «السنة ما سنه الله ورسوله، ولا تجعلوا خطأ الرأي سنة»(4).
ويقول الإمام ابن حزم: «السنة هي الشريعة نفسها، وأقسامها في الشريعة: فرض أو ندب أو إباحة أو كراهة أو تحريم، كل ذلك قد سنه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل»(5).
ونلاحظ أن السنة بهذا المفهوم، وبمفهومها المتقدم عند الفقهاء، تفترق عن مفهومها عند الأصوليين وعلماء السنة؛ لأنها عند الفقهاء والوعاظ كما ترى، تشمل ما تضمنه القرآن الكريم، بينما تُسْتَعْمَل السنة عند الأصوليين وعلماء--------------------------------------------
(1) «رسائل الإصلاح» للشيخ الخضر حسين شيخ الأزهر ج 3 ص 83، 84، و «الحديث والمحدثون» للدكتور محمد أبو زهو ص 10 و «السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج ص 18.
(2) أخرجه ابن ماجه في «مقدمة سننه» باب من أحيا سنة قد أميتت جـ 1 ص 75.
(3) أخرجه ابن ماجه في «مقدمة سننه» عن عائشة باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 7.
(4) «جامع بيان العلم» جـ 2 ص 166.
(5) «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم الظاهري ج 1 ص 43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
السنة، في مقابله كما ذكرنا، وقد جاء كل من الاستعمالين على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما مثلنا، فأخذ كل منهم بما يناسب جهة بحثه، وجعلوه اصطلاحا متداولا بينهم للدلالة على الجوانب التي يبحثونها من السنة، ولا مشاحة في الاصطلاح، فليس هناك إذن تعارض بين تلك الاصطلاحات، وإنما هو تعدد مقاصد، وتحديد المجال البحث والدراسة والتأليف بحيث تتفرغ كل طائفة، من محدثين وفقهاء وأصوليين ومفسرين ووعاظ لبحث جانب خاص من جوانب السنة التي تسع الجميع في رحابها وتحوي مطالبهم دون تناقض، فكلهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ملتمس، تبعًا للجانب الذي يبحثه وجهودهم في النهاية يكمل بعضها بعضا، وبمجموعها تُخدم السنة وعلومها، فهذا يتولى إثباتها وتنقيتها من الدخيل، وذاك يستخرج أدلتها والآخر يبين فقهها وأحكامها وآدابها ومواعظها ترغيبا وترهيبا، وهكذا.
ز - تطابق مفهوم السنة في الاصطلاح مع مفهومها في لغة العرب دون المنافاة لعالميتها
بعد أن فرغنا من بيان المفهوم الاصطلاحي للسنة ومشتملاتها عند علمائها وغيرهم ممن شاركهم في بحث جوانبها والاستفادة بها، وبينا وجوه التمايز والالتقاء بينهم ومرجعه، آن لنا أن نبين أن السنة في عموم مفاهيمها الاصطلاحية المتقدمة، ترجع إلى المعاني اللغوية التي استعملت بها الكلمة في اللسان العربي من قبل الإسلام ومن بعده، وذلك أنه تقدم إطلاق السنة في الاصطلاح، على أوامر الله ونواهيه وأحكامه التي بينها في كتابه وبواسطة رسوله، ورسم بها الطريق القويم لصلاح المعاش والمعاد، وقد ذكر صاحب «اللسان» أنه يقال في اللغة: «سنة الله، أي أحكامه وأمره ونهيه، ويقال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
سَنَّها، للناس أي بَيَّنها، ويقال: سَنَّ الله سنة، أي بَيَّن طريقًا قويما»، واستشهد بقول الله تعالى: «{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْل}(1) وقال: أي سَنَّ الله ذلك»(2).
كذلك تقدم إطلاق السنة في الاصطلاح على أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته العملية وطريقته التي سلكها في عموم حياته، طبيعة واعتيادا .. وتشريعا وبيانا لطريق الإيمان بالله، والعمل الصالح، فصار ذلك طريقًا مسلوكًا ممهدًا لأمته وهو رائدهم الأول فيه، ثم تبعه صحابته وأتباعهم على ذلك، مراعين التأسي به على أتم وجه.
وقد قال رجل لابن مسعود: «ما الطريق المستقيم؟ قال: تركنا محمد في أدناه وطرفه الجنة»(3).
وقد استعملت السنة في لغة العرب بهذه المعاني، قال صاحب «اللسان»: وكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سَنَّه، واستشهد بقول الشاعر العربي:
كأني سَنَنْتُ الحب أول عاشق … من الناس اذ أحببت من بينهم وحدي(4)--------------------------------------------
(1) انظر الآية 38 من سورة الأحزاب، و «لسان العرب» جـ 17 ص 89.
(2) أخرجه الطبري في تفسير قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} الآية 153 من سورة الأنعام جـ 8/ 88، 89
(3) «لسان العرب» جـ 17 ص 98.
(4) «لسان العرب» جـ 17 ص 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
ونقل أيضًا عن «تهذيب اللغة» للأزهري: «أن السنة في اللغة الطريقة المحمودة .. والمستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، معناه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. والسنة: الطبيعة»
ثم نقل عن شمر قوله: «السنة في الأصل: سنة الطريق، وهو طريق سَنَّه أوائل الناس فصار مَسْلَكًا لمن بعدهم، وَسَنَّ فلان طريقًا من الخير يسنه، إذا ابتدأ أمرًا من البر لم يعرفه قومه فاستنوا به وسلكوه»
وأيضًا: ذكر صاحب «اللسان» إطلاق السنة على الوجه الحسن الخالي من العيوب، وعلى صورته الصافية وإطاره المحدد فقال: «ورجل مسنون الوجه حَسَنُهُ سَهْله، وسنة الوجه دوائره، وسنة الوجه صورته».
واستشهد بقول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة … ملساء ليس بها خال ولا ندب(1)
ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم بإحسان، قد رسموا بشنتتهم القولية والفعلية، أحسن صورة للإسلام وأنقاها، مجردة عن البدع والخرافات وما لم يأذن به الله، وحددوا ملامح الدين واضحة لا لبس فيها، كما أن علماء السنة قد بذلوا أضنى الجهود لتخليصها من كل شوب ودخيل، فصارت أنقى ما تكون، وهكذا لا نأخذ جانبًا من جوانب السنة وما يتعلق بها، وننظر في مدلوله، إلا نجد له وجها أصيلا، ومناسبة في الاستعمالات اللغوية لها، سواء في الجاهلية أو الإسلام.--------------------------------------------
(1) «لسان العرب» جـ 17 ص 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)