Arabic source text

📘 আল-হাফিজ আল-ইরাকি ওয়া আসারুহু ফিস সুন্নাহ (আহমদ বিন মাবাদ আবদুল কারিম)

📘 الحافظ العراقي وأثره في السنة (أحمد بن معبد عبد الكريم)

📘 আল-হাফিজ আল-ইরাকি ওয়া আসারুহু ফিস সুন্নাহ (আহমদ বিন মাবাদ আবদুল কারিম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
العربية على نشر عقيدة السنة وعلومها بعد القضاء على دولة الشيعة الفاطمية، فقد عاشت هذه المنطقة، كما هو معروف قرابة مائتي سنة تحت حكم الفاطميين الذين اعتنقوا المذهب الشيعي المعوج، وربوا عليه أكثر من جيلين من شعوب المنطقة، مخالفين بذلك مذهب أهل السنة الذي عليه جماعة المسلمين، والخلافة العباسية القائمة حينئذ ببغداد، فلما كان عام 567 هـ أسقط الأيوبيون، وهم سنيون شافعيون، دولة الفاطميين، وأقاموا دولتهم مكانها، فاهتموا منذ اللحظة الأولى بالقضاء على المذهب الشيعي، وإحلال المذهب الشني محله، تحقيقا للوحدة المذهبية مع الخلافة العباسية ومن والاها(1).
ففي القضاء، أحلوا مذهب الإمام الشافعي ناصر السنة، محل المذهب الإسماعيلي الشيعي كما قدمنا، أما في التعليم، فإنهم أدخلوا بمصر والشام نظام المدارس الذي كان معروفًا ببلاد العراق، بينما كانت مصر والشام تعتمد حتى عصرهم، في التعليم على المساجد، التي هي مدرسة الإسلام الأولى(2) فأنشأ الأيوبيون بالإضافة للمساجد نوعين من المدارس، هما: المدارس الفقهية، والمدارس الحديثية، أما المدارس الفقهية فتختص بدراسة فقه المذاهب الأربعة الممثلة لمذهب أهل السنة والجماعة كما ذكرنا في القضاء، وأما المدارس الحديثية، فتختص بالدرجة الأولى بدراسة السنة وعلومها، باعتبارها منطلق جميع المذاهب، بعد القرآن الكريم، فبانتشارها تتكشف حقيقة مذاهب الشيعة والمبتدعة، وأهل السنة على السواء.
ويتفق المؤرخون على أن مؤسس الدولة الأيوبية نور الدين محمود بن زنكي--------------------------------------------
(1) (الأيوبيون والمماليك) للدكتور سعيد عاشور ص 15، 29، 31، 150.
(2) المرجع السابق ص 154، 155 و (صفحات من عصر السيوطي) لعبد الوهاب حمودة ص 97.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

المتوفى سنة 569 هـ، هو أول من أنشأ مدرسة تحمل اسم «الحديث» وتختص بدراسة السنة وعلومها، ولم يُعرف حتى الآن من سبقه لذلك(1) مع ملاحظة أنه أنشأ غيرها عددًا من المدارس الفقهية والمساجد(2)، مما يوحي بأنه قصد بتلك المدرسة إحياء شعار السنة، في مواجهة الشيعة والمبتدعة، وقد حظيت دمشق بأن تكون محل هذا السبق، حيث أنشأ نور الدين تلك المدرسة بها وعرفت بـ «دار الحديث النورية» نسبة إليه وتولى مشيختها حينئذ الحافظ ابن عساكر المتوفى سنة 571 هـ(3).
وقد انتشرت مدارس الحديث بعد ذلك ببلاد العراق، كالموصل وتكريت وإربيل(4)، ثم أنشأ الملك الكامل محمد بن أبي بكر، من الأيوبيين أيضًا، دارا للحديث بمصر سنة 622 هـ، وعُرفت بـ «دار الحديث الكاملية» نسبة إليه، وقد بقيت حتى درس العراقي بها كما سيأتي، وعلى ذلك فإن قول المقريزي(5) والسيوطي(6) ونور الدين علي السخاوي(7) ومن تبعهم من الباحثين(8): إن دار--------------------------------------------
(1) «تحفة الأحباب» لعلي السخاوي ورقة 24 ب و «جامع كرامات الأولياء» للنبهاني جـ 2/ 240 و «المنذري وكتابه التكملة» للدكتور بشار عواد ص 128، 129.
(2) «وفيات الأعيان» لابن خلكان جـ 4/ 271 وما بعدها.
(3) «خطط المقريزي» جـ 2/ 375 و «الدارس في تاريخ المدارس» للنعيمي جـ 1/ 499 و «المنذري وكتابه التكملة» للدكتور بشار عواد ص 129.
(4) «المنذري وكتابه التكملة»، ص 129، 132.
(5) «الخطط» جـ 2/ 375.
(6) «حسن المحاضرة» جـ 2/ 159.
(7) «تحفة الأحباب»، ورقة 24 ب.
(8) كالدكتور عبد العظيم شرف في كتابه عن ابن قيم الجوزية ص 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

الحديث الكاملية، تُعدُّ ثاني دار عُمِلَتْ للحديث، ليس صحيحًا بهذا التعميم، وقد أكثر الأيوبيون عموما من المدارس ودور الحديث بالشام عن مصر، لكون الشام كانت قاعدة ملكهم، ولتركز معاقل الشيعة فيها حينئذ، حتى أحرق الإسماعيلية حلب سنة 575 هـ.
وكانت كلما بنيت بها مدرسة لأهل السنة خربوها(1)، وبلغ عدد دور الحديث في دمشق وحدها ثمانية عشر دارًا(2)، وفي حلب ستة دور(3)، وجلبوا لها كثيرًا من علماء السنة من الأقطار المجاورة(4)، وبهذا ارتفع منار السنة بالمنطقة، ونهضت علومها في عصر الأيوبيين، وخرجت المساجد ودور الحديث بالشام ومصر، جيلا رائدًا من حُفَّاظ السنة ونقادها، كالحافظ عبد الغني المقدسي، وابن الصلاح والمنذري وغيرهم.
فلما انتزع المماليك الحكم من سادتهم الأيوبيين، وأقاموا دولتهم سنة 648 هـ(5)، واصلوا المسيرة العلمية، مع العناية بالسنة في مواجهة الشيعة الذين ظلت لهم مواقع ظاهرة على امتداد الدولة(6) رغم جهود الأيوبيين العلمية والحربية في القضاء عليهم كما أشرنا.--------------------------------------------
(1) «الأدب في عصر صلاح الدين» للدكتور محمد زغلول ص 147، 148.
(2) «خطط الشام» لمحمد كرد علي جـ 6/ 71.
(3) «الأدب في عصر صلاح الدين» للدكتور محمد زغلول ص 149.
(4) المصدر السابق ص 80، 156.
(5) «الأيوبيون والمماليك» للدكتور سعيد عاشور ص 3، 4، 205.
(6) «المعصر المماليكي» ص 207، 212 و «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 153 وما بعدها، كلاهما للدكتور سعيد عاشور.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

2 - ثم جَدَّ في دولة المماليك عاملان جديدن جعلا المنطقة قاعدة لأكبر نشاط في عصره للعلوم الإسلامية، وفي مقدمتها السنة وعلومها التي هي شعار الدولة الأساسي:

‌‌أول هذين العاملين وأهمهما:
هو تخريب التتار للجناح الشرقي عمومًا للعالم الإسلامي حتى بغداد، وانتقال الخلافة العباسية لعاصمة المماليك في القاهرة كما سلف، على حين كان الصليبيون قد سبقوا لإسقاط الجناح الغربي من الأندلس، وضعضعوا بلاد المغرب، فتحوّل التيار الثقافي الإسلامي عامة إلى دولة المماليك، من مصر حتى الحرمين نتيجة لذلك ويُقرر العلامة ابن خلدون والإمام الذهبي وهما من شهود العصر وعيون الخبرة بالتاريخ والحديث: أنه على رأس القرن السابع الهجري، وخلال الثامن، حيث عاش العراقي معظم حياته، كان نشاط العلوم الإسلامية، وفي مقدمتها السنة، يكاد ينحصر في مناطق دولة المماليك، وبعض الأقطار القليلة بجوارها كتونس في الغرب، وجنوب شرق العراق في الشرق، وما عدا ذلك من حواضر الإسلام في الماضي شرقا وغربا، طُوي منها بساط تلك العلوم وأصبحت أثرًا بعد عين(1).
أما العامل الثاني:
فهو توفر الإمكانيات المادية لدى المماليك أكثر من الأيوبيين، وتركز ثروات--------------------------------------------
(1) «مقدمة ابن خلدون»، ص 367، 368، 369، 376، 377، 379، و «زغل العلم والطلب» للذهبي ص 11 و (الإعلان بالتوبيخ) للسخاوي ضمن «علم التاريخ عند المسلمين». لفرانتس روزنتال ص 363 - 369 و 5 «فهرس الفهارس للكتاني» جـ 1/9

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)

البلاد في أيديهم كما قدمنا، فاستطاعوا الإنفاق بسخاء على العلم والعلماء، كما أنه بعد قضائهم على الصليبيين، وقهر التتار قبيل مولد العراقي كما أسلفنا، هدأت الحروب الخارجية مدة طويلة، وبذلك تهيأ المناخ لتركز العلماء، ونهضة العلوم الإسلامية في المنطقة.
وقد تقدم أن المؤرخين اتفقوا على أن العصر الذي ولد فيه العراقي ونشأ وهو عصر الناصر محمد بن قلاوون، كان أزهى عصور المماليك في مختلف الجوانب، ولا سيما الجانب العلمي، وفي مقدمته علوم السنة، ورغم الاضطراب الداخلي بعد الناصر كما قدمنا، إلا أن العاملين الدافعين للنهضة العلمية ظلا باقيين يؤتيان أعظم الثمار.
فقد استمر هدوء الحروب الخارجية معظم حياة العراقي البالغة ثمانين عاما، فكان ذلك مما جعل الناس في الداخل يستشعرون الأمن والاستقرار فينبعثون لترميم جوانب حياتهم، وتعويض المفتقد منها، وعلى رأس ذلك الاهتمام بتراثهم العلمي، تعلما وتعليما وتأليفا، يُعوّض ما أعدمته وحشية التتار، وتعصب الصليبيين.
ومن جهة أخرى أتاحت تلك الهدنة الطويلة، للحكام أن يتجهوا لأحوال الدولة الداخلية، ويتعهدوها بالإصلاح والتنمية، وأبرز ما عنوا به، هو العلم والعلماء، ولم يكن تقاتلهم المتعدد على الحكم بعد الناصر، وانغماس بعضهم في الملذات، وتورط كثير منهم في المعاصي، حائلا دون ذلك، بل على العكس، فإنه دفعهم إلى التسابق في خدمة العلوم الإسلامية، إما تكفيرًا عن خطاياهم وطلبا لعون الله ورضوانه، تبعا لتدينهم كما يُقرر ابن خلدون(1).--------------------------------------------
(1) «المقدمة» ص 379.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

وإما ليثبت كل منهم وجوده، ويخلد ذكره، فيحظى أمام منافسيه بولاء العلماء وعامة الناس، كما يقرره غيره(1)، هذا فضلا عن الهدف العام الذي نيط بهم، وهو مناهضة بقايا المذهب الشيعي، بنشر السنة وعلومها، واحتضان العلوم الإسلامية، بعد تلاشي مراكزها شرقا وغربا، كما أوضحنا، ومهما تعددت الدوافع والأسباب، فإن الذي نشاهده حتى اليوم من آثارهم، وتراث عصرهم، وخاصة في زمن العراقي، خير دليل على وجود التسابق حينئذ بين السلاطين والأمراء والأميرات(2)، في النهوض بالحركة التعليمية، والتوسع فيها بطرق متعددة منها: إصلاح المنشآت التعليمية، التي كانت قائمة من قبل وهي المدارس الفقهية ودور الحديث والمساجد(3).
ومنها: إدخال التعليم في المنشآت الصوفية، من خوانق وربط وزوايا، بحيث صارت تؤدي هدفا مزدوجا، يجمع بين التعليم، والتربية الصوفية.
ومنها: إكثارهم من إنشاء تلك المؤسسات جميعا، سواء المدارس أو المساجد والخوانق والزوايا والربط، التي جعل التعليم غرضا مشاركا فيها، بجانب العبادة، بحيث أصبحت جميعها تعد من المنشآت التعليمية في هذا العصر(4)، وجدير بالذكر أن المماليك ونساءهم، لم يستأثروا بتلك النهضة،--------------------------------------------
(1) (سيرة القاهرة) لستانلي لينبول ص 76.
(2) 1 «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك»، ص 143.
(3) 1 «صفحات من عصر السيوطي» لعبد الوهاب حمودة ص 39، 40 و 1 «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة 778 هـ ترجمة 1 «خوند الحجازية».
(4) 1 «عصر الانحدار» لمحمد سعد أطلس ص 174.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)

بل شاركهم الكثير من العلماء والتجار(1) وذوي النفوس الخيرة من عامة رجال الشعب(2) ونسائه(3)، وقد بلغ هذا التضافر ذروته في عصر الناصر محمد بن قلاوون، الذي ولد فيه العراقي، ونشأ، حتى صوره المقريزي بقوله: «وكأنما نودي في الناس: أن لا يبقى أحد حتى يَعْمُر، وذلك أن الناس على دين ملكهم»(4) وبهذا زخرت القاهرة وما يُسمى حاليًا بمصر القديمة وضواحيها، بمؤسسات التعليم، حتى أصبحت متجاورة أو متلاصقة(5) ولو كان الباني لها شخصا واحدا(6)، ولعل هذا ما جعل القلقشندي معاصر العراقي أيضًا، يصف شوارع القاهرة حينئذ بأنها شُحنت بالمدارس(7).
ولم تقتصر همة المماليك والشعب على مصر، بل سرت في باقي أرجاء الدولة، ففي الشام تكاثرت المنشآت العلمية بأنواعها(8) تعويضًا عما تخرب منها خلال القرن السابع وأوائل الثامن، تارة من جهة الصليبيين وأخرى بسبب نزاع الأيوبيين فيما بينهم في آخر دولتهم، ثم هجمات التتار التي توالت عليها--------------------------------------------
(1) «صفحات من عصر السيوطي» لعبد الوهاب حمودة ص 80 و «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة 764 هـ صدر النجار ابن الكويك
(2) «صفحات من عصر السيوطي» ص 94.
(3) (الضوء اللامع) جـ 7/12، 8.
(4) «الناصر محمد بن قلاوون» للدكتور/ محمود عبد العزيز ص 302.
(5) «بهجة الناظرين» للغزي ص 122.
(6) «صفحات من عصر السيوطي» ص 76 - 79.
(7) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) ص 142
(8) «بهجة الناظرين» للغزي ص 122، 146، 162 - 169 وعصر الانحدار ص 66

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

بعد سقوط بغداد(1)، وقد بلغت مدارس دمشق وحدها في عصر العراقي ثلاثمائة واثنين وعشرين مدرسة، عدا دور الحديث السابق ذكرها، وبقية المنشآت الجامعة بين العلم والعبادة من مساجد وخوانق وربط ورزوايا(2)، هذا بالإضافة لما أنشئ في بقية مدن الشام التي أعيد تعميرها أيضًا بعد تطهيرها من الصليبيين، كالقدس وطرابلس وعكا، وغيرهم مما رحل العراقي إليه لطلب الحديث كما سيجيء.
أما مكة والمدينة حيث الحرمين الشريفين، فهما متعلق قلوب المسلمين وجامعتهم الكبرى، وما من حاكم مسلم إلا تمنى الإتصاف بأنه حامي الحرمين، ولذا اهتم المماليك وخاصة الناصر محمد بن قلاوون(3) وكذا أفراد المسلمين، بإقامة المنشآت العلمية والخيرية في رحاب الحرمين، فضلا عن الأوقاف الكثيرة بمصر والشام على ذمتهما، وقد رحل العراقي لمكة والمدينة وجاور بها، دارسًا ومدرسًا وقاضيا للمدينة كما سيجيء. لكن رغم هذه النهضة الشاملة لكل الدولة، فإن مصر كانت في المركز الأول، ويليها الشام ثم الحجاز، ومرجع ذلك تحول أنظار العالم كله إليها حينئذ بعد أن أصبحت عاصمة دولة المماليك، وحامية الإسلام، ومقر الخلافة العباسية التي ظلت قلوب العالم الإسلامي متعلقة بها كرمز للعلم والدين والوحدة والجماعة، رغم الانفصال السياسي عنها(4)، ويذكر السيوطي أنه--------------------------------------------
(1) «عصر الانحدار» ص 56 - 65.
(2) «خطط الشام» لمحمد كرد علي جـ 6/ 71 و «شرح علل الترمذي لابن رجب» مقدمة التحقيق للدكتور همام سعيد جـ 1/ ص 11.
(3) «عصر الانحدار» ص 99.
(4) «السيد البدوي» للدكتور سعيد عاشور ص 56.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

منذ إحياء الخلافة بمصر، غدت محل سكن العلماء ومحط رجال الفضلاء(1).
وقد اتسعت هجرة العلماء إلى مصر جماعات وأفرادا، من أقصى الأندلس غربا وفارس والعراق شرقا، فرارًا بدينهم وعلمهم تحت وطأة الصليبيين والتتار(2). ومن مدارس مصر حينئذ ما سُمّي بالأندلسية(3)، كما هاجر إليها طلبا للعلم كثيرون من أنحاء أفريقيا، كغانا ومالي(4) وزيلع، بل هاجر إليها كثير من العلماء والطلاب من داخل الدولة، كالشام(5)، وقد ارتبطت حياة العراقي ووجوده بمصر بتلك الهجرات، فأسرته ممن هاجر لمصر من العراق، ثم كان رفيقه في علم تخريج الحديث هو جمال الدين الزيلعي، وعاصر أيضًا أبا حيان الأندلسي، وكان له منه موقف كما سيجيء، وكما كانت مصر مقاما لمهاجري العلماء، كذلك خرج منها علماء ينشرون العلم من جديد بين ربوع البلاد الإسلامية شرقا وغربا(6)، وقد قدر الحكام والمحكومون في مصر حق التقدير تلك المكانة التي تبوأتها كبديلة عن بغداد وفارس وقرطبة وإشبيلية والقيروان، وغيرهم من الحواضر التي طوي بساط علوم الإسلام فيها حينئذ، فإلى جانب القاهرة التي شحنت شوارعها بالمدارس على حد تعبير القلقشندي شاهد العيان، اتسعت ربوع مصر من الإسكندرية حتى أسوان، لكل من وفد عليها ليعيش بين أبنائها،--------------------------------------------
(1) «حسن المحاضرة»، للسيوطي جـ 2/ 86.
(2) «عصر الانحدار» ص 159 و و الأدب في عصر صلاح الدين الأيوبي) ص 93.
(3) «بهجة الناظرين» للغزي ص 122.
(4) («العصر المماليكي» للدكتور سعيد عاشور ص 244 - 245.
(5) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) ص 141 و «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة 764 هـ.
(6) «مقدمة ابن خلدون» ص 376.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

ناشرا للعلم، أو طالبا له، وأقيم في مدن الوجه البحري والصعيد من دور العلم ما قرر الرحالة المغربي ابن بطوطة، حين زار مصر في سنة مولد العراقي 725 هـ أنها تفوق الحصر مع تعديده لكثير منها(1).
أما الرحالة البلوي المغربي أيضًا، فلم يسعه عند زيارة مصر سنة 737 هـ إلا أن يقول: إن مصر منبع العلم(2)، وفي سنة 749 هـ كان بجامع عمرو بن العاص وحده بضع وأربعون حلقة علمية لا تكاد تنفض(3)، وذلك لأن همة المماليك والشعب لم تقتصر على إنشاء دور العلم فقط، وإنما وفروا لتلك المنشآت جميع الإمكانيات اللازمة لقيامها بنشاطها العلمي على الوجه الكامل، فأوقفوا عليها آلاف الأفدنة، من الأرض الزراعية، والعقارات(4)، واختاروا لها أكفأ المهارات العلمية للتدريس والإدارة، حتى ينتظم الأساتذة والطلاب(5)، وخصصت لكل من العالم والمتعلم كافة المطالب من مأكل وملبس ومسكن، ورواتب شهرية، بحيث يتفرغ الجميع للعلم والتحصيل والتأليف(6)، كما ألحقت بمعظم المنشآت التعليمية مكتبات مزودة بالنساخين، لعدم وجود الطباعة حينئذ، وبالأمناء وغيرهم، لتوفير المراجع للطلاب والأساتذة(7).--------------------------------------------
(1) «العصر المماليكي بمصر والشام» ص 241 و «رحلة ابن بطوطة» ج 1/ 70، 96 - 100.
(2) «العصر المماليكي بمصر والشام» ص 329.
(3) «حسن المحاضرة» للسيوطي جـ 2/ 152.
(4) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 127، 148.
(5) المرجع السابق ص 143 - 145 و «السلوك» للمقريزي جـ 1/ 723 و «صفحات من عصر السيوطي» ص 95.
(6) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 148 و «الأيوبيون والمماليك» ص 366 - 367.
(7) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 145، 146.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

وأقيمت أسواق للكتب المختلفة، وحرص على اقتنائها العلماء والأمراء.
ولا شك أن ذلك كله خير ما يكفل النهضة العلمية إلى أبعد الحدود، مما جعل العلماء يقبلون على التعليم يشاركهم في ذلك النساء(1)، كما أقبل على التعلم أيضا الطلاب والطالبات، ولم يكن هناك تقيد بسن معين، ولا فرض تخصص معين.
وقد سجل ابن خلدون معاصر العراقي هذه النهضة بقوله: «فكثرت الأوقاف لذلك، وعظمت الغلات والعوائد، وكثر طالب العلم ومعلمه، بكثرة جرايتهم منها، وارتحل إليها (مصر) الناس في طلب العلم من العراق والمغرب، ونفقت بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها(2).
وجدير بالذكر أنه قد شارك بعض السلاطين والأمراء مشاركة رمزية في تعلم بعض العلوم الإسلامية وتعليمها(3) والتأليف فيها، كما سيجيء».
ولم تكن العناية الكبرى بالنهضة العلمية في عاصمة الدولة ومقر الخلافة، تحول دون العناية بدور العلم السابق ذكرها بالشام والحجاز؛ بل كانت تنال نفس النمط من العناية(4)، مع التفاوت بطبيعة الحال، تبعا لشدة الإقبال على العاصمة كما أشرنا، وقد عمرت الشام والحجاز في عصر العراقي بمشاهير العلماء كالذهبي والعلائي وغيرهم(5)، ممن أخذ عنهم العراقي في رحلاته، أو--------------------------------------------
(1) (الضوء اللامع) للسخاوي جـ 12/11، 12.
(2) المقدمة لابن خلدون ص 319.
(3) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) ص 141، 142.
(4) (البداية والنهاية) لابن كثير جـ 14/ 184.
(5) «الإعلان بالتوبيخ» للسخاوي ضمن علم التاريخ عند المسلمين، لفرانتس روزنتال =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

عاصرهم كما سيأتي:
أما العلوم التي كانت تدرس حينئذ فإنا نجدها من خلال تراجم علماء العصر(1) تشمل مختلف العلوم الإسلامية وغيرها كالحساب والهندسة والطب والموسيقى! وكان لكل دارس الحرية في أن يلم بما شاء منها ثم يتخصص في علم معين فيعرف به ويعد من رجاله، فإذا قام بنتاج علمي في فن آخر بجانبه يعد مشاركا فيه، وتكون آراؤه وتأليفه فيه، في الدرجة الثانية بعد المتخصصين(2).
وقد كانت العناية بتلك العلوم متفاوتة، بحيث نجد أن الفقه وأصوله في المقدمة، ويليه علوم القرآن من تفسير وقراءات وغيرها، ثم يليه الحديث وعلومه، ثم التاريخ والسيرة النبوية، ثم علوم اللغة والأدب، ثم بقية العلوم الأخرى(3).
ونلاحظ من هذا الترتيب أن العناية كانت مركزة على العلوم الشرعية المتضمنة لأصول الدين وفروعه، ومرجع هذا ما قدمناه في الفقرات السابقة من الاضطهاد الديني الذي أطبق على العالم الإسلامي من الغرب والشرق حتى، قلص ظله وتراثه، وطوي بساط الشرع ورواية الحديث من معظم.--------------------------------------------
= ص 660 و «بهجة الناظرين» للغزي ص 78.
(1) «كالدرر الكامنة» لابن حجر و «الضوء اللامع» للسخاوي و «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» للذهبي.
(2) «بهجة الناظرين» للغزي ص 91، 92 و «الرسالة المتطرفة» للكتاني ص 165.
(3) «صفحات من عصر السيوطي» ص 123، 128، 129، 134، 137.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

عواصم الإسلام في الماضي شرقا وغربا كما قدمناه(1) وضيق الخناق على صلحاء الصوفية والعلماء، حتى هاجرت جماعاتهم من أوطانهم كما بينا وتكدس غالبهم في بقعة واحدة هي مصر(2).
فكان عليهم بعد أن لاذوا بالأمان، وتوفر لهم العيش الكريم، والإمكانيات العلمية أن يجعلوا تلك العلوم في المحل الأول، ليثبتوا روح التحدي والبقاء لأصول الدين وفروعه رغم أنف أعدائها(3)، وأن يعيدوا صياغتها من جديد، وتنميتها، تعويضا لما أعدم أو تبدد، حتى يتأكد لأعدائهم أن حرص المسلمين على استنقاذ تراثهم لا يقل عن حرصهم على استنقاذ أرضهم، وقد كان لهذا الوضع أثره العميق في منهج التعليم والتأليف.
فبالنسبة للتعليم جعل أساسه الحفظ لكثير من الكتب عن ظهر قلب، وأخذها عن الشيوخ بالسند، وفي مقدمتها القرآن الكريم وكتب السنة النبوية وفنون العلوم الشرعية والعربية، كما سنفصله في تعلم العراقي.
وبالنسبة للتأليف اهتم العلماء بجانب تأليف الكتب الموضوعية في كل علم بالمؤلفات الجامعة التي تشبه الموسوعات المعاصرة، بحيث يجمع المؤلف أقصى ما يمكنه من المعلومات في موضوعات متعددة، أو يجمع بين أكثر من كتاب في مؤلف واحد(4)، حتى يخيل إليك عند مطالعة هذه الموسوعات إحساس.--------------------------------------------
(1) انظر أيضا: «مقدمة ابن خلدون» ص 367، 376، 377، و هـ الإعلان بالتوبيخ ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين، لفرانتس روزنتال ص 663، 669 و 5 فهرس الفهارس و للكتاني جـ 1/9.
(2) (مقدمة ابن خلدون) ص 379 و 1 عصر الانحدار (ص 14، 36، 157 - 159.
(3) 1 صفحات من عصر السيوطي) ص 59.
(4) المرجع السابق ص 134، 138، 140.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

مؤلفها بأن العلوم قد نسيت، ونصوصها تبددت، وأن عليه أن يتوفر على جمعها وتبويبها وعرضها من جديد(2).
وفي كل ذلك كان يحرص العلماء على نقل أكبر قدر يحصلون عليه من نصوص وأقوال الأئمة السابقين، أكثر من حرصهم على إبداء رأيهم الشخصي تأثرا منهم بحالة الإبادة التي حلت بالتراث في معاقله بالشرق والغرب، فأصبح ما تبقى لديهم من نصوص أسلاف العلماء عزيزا عليهم وأهم من آرائهم، فحرصوا على تسجيله وجمعه حتى ينتشر من جديد، ويحفظ فلا يضيع كما ضاع كثير غيره، ولم تبق إلا أسماؤه في تراجم أصحابه ثم إن معظم العلوم الإسلامية إن لم يكن جميعها، كانت قبل نكبتها هذه، قد بلغت على يد السابقين درجة عالية من الاكتمال والنضج والخصوبة، فأصبح الابتكار مرهونا بوجود قضايا لم تطرق من قبل على نحو ما رأى السابقون، ولم توضع بشأنها قاعدة بواسطة أولئك الرواد الأوائل يرتضيها من جاء بعدهم، وقد أكثر الأوائل من طرق المسائل ووضع القواعد لمعظم العلوم، ثم كان إحساس المتأخرين بفساد الزمن وضعف الهمم عاملا قويا في جعلهم يفضلون آراء المتقدمين، الذين توسموا فيهم الصلاح والتحقيق العلمي، هذا بالإضافة إلى أن طبيعة العلوم النقلية، أن يعتمد المتأخر فيها على المتقدم، حتى الأوائل كالشافعي والبخاري والحاكم، وأمثالهم، قد فعلوا ذلك، فما بالنا بالمتأخرين، وما بالنا إذا كانت تلك العلوم أصل العقيدة والشريعة؟!
لكن كثيرا من الباحثين المحدثين يعرضون عن هذه الاعتبارات ويسرعون--------------------------------------------
(2) المرجع السابق ص 92 و «الأيوبيون والمماليك»، ص 364، 365.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

بالحكم على العلم والعلماء في عصر المماليك بصفة عامة بالجمود، وتعليل ذلك بأنهم أكثروا النقل عمن تقدمهم وترديد آراء غيرهم(1).
ولو أنهم نظروا إلى العصر بمنظاره، ولاحظوا تلك الظروف والعوامل التي واجهت الحركة العلمية فيه تعليما وتعلما وتأليفا، لرأوا أنه كان عصرا مجددا لحضارة الإسلام بعد التدمير، لا جامدا، وأن علماءه بهذا الاعتبار مجددون عصريون؛ حيث لبوا مطالب عصرهم الملحة، وهي حفظ التراث الذي هو مخ العلوم أولا من عوامل الضياع المتسلطة عليه والمتربصة به من كل جانب، فأكبوا على تعويض ما قذفه الغزاة في بطن دجلة والفرات، وما أشعلوا حرائقه في ربوع الشام، وما مزقته سنابك الخيل حيثما حلت، فكانوا بلا مبالغة بناة لحضارة الإسلام بعد تعرضها لحملات المحو والطمس الضاريتين، وكان في حرصهم على النص زاد لمن بعدهم، وإن من يتصفح مراحل التدوين العام لأصلي العلوم الإسلامية من النصوص، وهما الكتاب والسنة يجدها تمت في ظروف مشابهة لظروف المسلمين في الحروب الصليبية والتترية وما تلاها، فكان جمع القرآن في عهد أبي بكر لما استحر القتل بحفاظه في حروب الردة، وجمع السنة في عهد عمر بن عبد العزيز لما رأى حفاظها يتناقصون بالموت، ثم تركزت الهمم بعد ذلك للتحليل والاستنباط.
وإذا كنا مع انتقاد علماء تلك المرحلة بالإكثار من النقل والجمود عليه كما يقال، ما نزال نجد البون شاسعا بين مؤلفات المتقدمين الواردة في تراجمهم، وبين الموجود لدينا حاليا منها، فماذا كان سيصبح عليه حال التراث العلمي لو--------------------------------------------
(1) (الناصر محمد بن قلاوون) للدكتور محمد عبد العزيز ص 41، 42.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

لم ينشطوا لجمعه، ويوفروا جهودهم على تحقيق النصوص ونشرها؟ من المؤكد أننا كنا سنعاني الإفلاس كغيرنا ممن أهمل أسلافهم فيما جد فيه أسلافنا، فجزاهم الله خيرا، على أن كثيرا منهم كان يعمد إلى تعقب ما ينقله من الآراء والنقول برأيه الخاص، فيستحسن ويرجح ويختار وينتقد مع قرن ذلك بالحجة والبرهان، كما سنراه في الإنتاج العلمي للحافظ العراقي وأقرانه.
هذا ما يتعلق بالوضع العام الذي سيطر على الروح العلمية لهذا العصر ووجهها وجهة الاهتمام بالعلوم الشرعية بالدرجة الأولى، وجعل منهج التعليم يقوم على الحفظ، ومنهج التأليف يقوم على النقل والجمع والترتيب مع إبداء الرأي في أحيان كثيرة، وإلى جانب هذا الوضع العام، وجدت عوامل خاصة أثرت في درجة الاهتمام بكل علم وما يتعلق به، فبالنسبة للفقه، كان على رأس القائمة، لأنه وسيلة بيان العبادات والمعاملات، ومادة القضاء في جميع الأحكام كما قدمنا.
ومن جهة أخرى فإن الدولة ربطت عموم الوظائف بالإنتساب لأحد المذاهب الأربعة، كطريق لمناهضة الشيعة، فلم يكتف الظاهر بيبرس بقصر القضاء والإمارة على مقلدي المذاهب الأربعة كما بينا، بل كان قراره «أن لا يول قاض ولا تقبل شهادة أحد، ولا يرشح لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التدريس، ما لم يكن مقلدا لأحد المذاهب الأربعة»(1).
وقد استمر هذا القرار معمولاً به طيلة عصر المماليك، وكان له أثر معاكس لما قصد به من النفع، حيث أشاع روح التقليد في العلوم الفقهية وتعداها--------------------------------------------
(1) «الخطط» للمقريزي جـ 4/ 161 و «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 154.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

لغيرها، وكان يميل للتقليد حتى من توفرت له شروط الاجتهاد، بُعدا عن الفتن وبطش الحكام، حتى إن الشيخ عز الدين بن جماعة شيخ العراقي رمى معاصريه من الفقهاء بالجبن حين قالوا: إن المجتهد المطلق في هذا الزمن معدوم فقال: (إحالة أهل زماننا وجود المجتهد يَفْتُرُ عن جبن ما، وإلا فكثيرا ما يكون القائلون لذلك من المجتهدين)(1).
أما ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، فشناها حربا على الحكام والعلماء القائلين بالتقليد المحض، وأبديا بالفعل، بعض الأقوال الاجتهادية، وقد تبع العراقي مذهب الشافعي واجتهد من خلاله في الإفتاء والقضاء، وفي بحثه لفقه السنة كما سيأتي.
أما بالنسبة لعلوم السنة، فقد تقدم أنه توارد على رفع رايتها الأيوبيون ثم المماليك، وكانت عدتهم في مساندة الفقه السني ومناهضة التشيع.
ولا شك أن توفر دولتين كبيرتين على العناية بعلوم الرواية والدراية لأكثر من قرنين من الزمان، حتى وفاة العراقي، كفيل بأن يصل بها إلى ذروة النهوض والإتساع، خاصة مع تضاعف الاهتمام بها من دولة لأخرى، نتيجة لتطور الأحداث، ذلك أن الأيوبيين كان عليهم إحياء السنة في مواجهة الشيعة في الداخل، فاكتفوا - كما مر - بإقامة دور عديدة اختصت بدراسة الحديث وتخريج المحدثين.
أما المماليك، فإن دولتهم إلى جانب مسئوليتها عن مناهضة بقايا الشيعة،--------------------------------------------
(1) «الرد على من أخلد إلى الأرض» للسيوطي ص 200 ضمن مجموعة مخطوطة بدار الكتب المصرية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

كان عليها القيام برسالة إحياء علوم السنة، كبديل عن بقية بلاد العالم الإسلامي شرقا وغربا، التي تلاشت بها تلك العلوم نتيجة لسقوط بغداد، وما اكتنفها من أحداث كما مر.
ولهذا فإنهم بجانب دور الحديث، خصصوا قسما له في بقية المدارس الأخرى، وفي جميع المنشآت التعليمية المشتركة الغرض، من مساجد وخوانق وربط وزوايا، سواء ما كان قائما أو ما أنشئ مجددا(1)، ومن تلك الأقسام ما عين له ثلاثون محدثا، لكل منهم راتب شهري، ويقبل عليه الطلاب والطالبات في أوقات معينة لكل منهما(2).
فإذا أخذنا في الاعتبار، أن هذه المنشآت ودور الحديث كانت في عصر العراقي، تفوق الحصر على إمتداد الدولة من الحرمين حتى القاهرة كما بينا آنفا، أمكننا أن ندرك الكثرة البالغة التي توافرت على الاشتغال بالسنة، والإقبال الشديد على تعلمها وتعليمها، والتأليف فيها لكل المستويات العلمية، حتى وصفت كثير من الأسر بأنها بيت الحديث والرواية، رجالا ونساء(3).--------------------------------------------
(1) «ذيل وفيات الأعيان» للعراقي ورقة 36 ب ترجمة عبد الكريم الحلبي مدرس الحديث بجامع الحاكم ورقة 55 ب ترجمة يعقوب بن أحمد، مدرس الحديث بالمدرسة المنكوتمرية، و «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة 762 هـ ترجمة مغلطاي بن قليج شيخ العراقي ومدرس الحديث بالمدرسة الظاهرية وقبة «بيبرس» والجامع الحاكمي والمدرسة المهذبية، جميعهم بالقاهرة و «تحفة الأحباب» للسخاوي ورقة 34 ب ترتيب درس الحديث بالمدرسة المحمودية بالقاهرة، وانظر بصفة عامة «خطط» المقريزي و «خطط الشام» لمحمد كرد علي و «الدارس في أخبار المدارس» للنعيمي و «صفحات من عمر السيوطي» ص 64، 65، 71، 74، 76، 83، 94، 90، 98، 99.
(2) «البداية والنهاية»، لابن كثير جـ 14/ 184 و «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 137.
(3) «المجمع المؤسس» لابن حجر العسقلاني ص 109، 110، 240 (مخطوط مصور).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

وخير دليل لذلك الحفاظ البارزون الذين أنجبهم هذا العصر، من طبقة شيوخ العراقي، كالمزي والذهبي والعلائي وعبد العزيز بن جماعة، وطبقة أقرانه، كالحافظ ابن كثير وكابن رجب الحنبلي، وابن الملقن، وطبقة تلاميذه كالهيثمي وابن حجر العسقلاني والبوصيري، وأمثال هؤلاء ممن طبقت شهرتهم وعلمهم الآفاق، وتردد اسمهم في مسامع التاريخ، وأعادوا للسنة مجدها الغابر، سواء في مجال تحملها وأدائها بالسند على طريقة المتقدمين منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو في مجال بحثها والتأليف فيها، بحيث صاروا عمدة لمعاصريهم، ومن جاء بعدهم حتى الآن، مباشرة أو بالواسطة، وقدمت مؤلفاتهم خير العوض والعزاء عما فقدناه من تراث المتقدمين، فعمرت بها أركان المكتبة الحديثية بعد خواء، وحفظوا لنا فيها أكبر قدر أتيح لهم من نتاج المتقدمين وآراء المعاصرين، وما تزال حتى اليوم في كل العالم مرجع الباحثين في السنة وعلومها والراغبين في الهداية والمعرفة.
وإليك بعض المظاهر التي تصور العناية بالسنة وعلومها حتى نهضت تلك النهضة في ذلك العصر الذي صارت فيه مصر - بحق - قاعدة لمنارة السنة في العالم، تؤازرها الشام والجزيرة العربية، فمن ذلك أن السلاطين والأمراء لم يقفوا عند توفير الإمكانيات المادية والكوادر العلمية السابقة، بل شاركوا بأنفسهم مشاركات رمزية في سماع الحديث وإسماعه لطلابه، حتى في بيوتهم الخاصة(1) وألفوا فيه بعض المؤلفات(2).--------------------------------------------
(1) (ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة 786 هـ ترجمة أبو المسك كافور الهندي الناصري.
(2) (تحفة الأحباب) لعلي السخاوي ورقة 35 ب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

وهذا فوق ما يعطيهم من المكانة في نفوس الشعب المتدين، فإن من شأنه أن يحفز الهمم للإقبال على تعلم السنة وتعليمها، فالناس غالبا على دين ملوكهم.
وحسبنا من تلك المساهمات أن الحافظ العراقي من أوائل شيوخه في الحديث: الأمير سنجر الجاولي المتوفى سنة 745 هـ، وقد بلغ درجة الفتوى على مذهب الشافعي، وشرح مسند الإمام الشافعي شرحًا كبيرًا، كما أنه معروف بمنشآته العلمية والخيرية بالقاهرة وغزة والخليل(1).
كما حضر العراقي أيضًا مجلس السلطان الأشرف شعبان المتسلطن سنة 365 هـ لقراءة صحيح البخاري بحضور عدد من العلماء، وكان السلطان يسألهم عن معاني بعض الأحاديث عند قراءتها ويُجيبونه(2)، كما كان للأشرف هذا أيضًا وقف بالحرمين، يُعيّن فيه المحدثين، ويكثر الناس السماع عنهم(3) وهناك أمراء آخرون شاركوا العراقي في سماع الحديث من شيوخه كما سيأتي.
وقد سجل السخاوي أن عناية الأمراء في عصر العراقي بالسنة اتخذت صفة العموم، فعين كل منهم محدثاً خاصا يُسمع الناس الحديث ويدعوهم للسماع، وكان العراقي ممن اختير لذلك كما سيجيء.--------------------------------------------
(1) (تحفة الأحباب) لعلي السخاوي ورقة 35 ب و «المجمع المؤسس» لابن حجر العسقلاني ص 176 و «الضوء اللامع» للسخاوي 4/ 171.
(2) (ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة 783 هـ، ترجمة ركن الدين القرمي المرعشي.
(3) (ذيل ولي الدين بن العراقي) وفيات 782 هـ ترجمة نور الدين علي بن أحمد بن إسماعيل مدرس الحديث بوقف الأشرف بالمدينة، و «المجمع المؤسس» لابن حجر ترجمة إبراهيم بن محمد مدرس الحديث بوقف الأشرف بمكة ص 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)