الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله والملقب بالمستكفي بأمر الله، وقد بقي في الخلافة 31 سنة.
ومهما قيل عن دافع المماليك لإحياء الخلافة بمصر، ومع اعترافنا بأنه لم يكن للخليفة سلطان سياسي ولا عسكري، بل كان السلطان من المماليك يولي ويعزل وينفي(1) ويحبس(2) من شاء منهم، رغم هذا، فإنه كان لإحياء الخلافة الإسلامية التي تعلق بوجودها فكر المسلمين وعقيدتهم ووحدتهم، من عهد الخلفاء الراشدين أثر محمود في نفس كل مسلم، سواء من يتبع مصر أو غيرها، نظرًا لجو العصبية الدينية، التي حكمت العالم كله حينئذ، واكتسحت حروبها العالم الإسلامي، من الغرب على يد الصليبيين، ومن الشرق على يد التتار، واستهدفت دائما مساجده وعلماءه وتراثه الديني حتى أطبقت على قلبه في مصر والشام في وقت واحد، بعد إسقاط خلافتهم، فكان لإحيائها من جديد على أي وضع، وفي العاصمة التي كسرت شوكة الصليبيين والتتار على السواء، وقع عظيم، وغدت كل القلوب تهفو إلى القاهرة مقر خلافة المسلمين وملاذهم، وحامية مقدساتهم، ورائدة تضحياتهم وانتصاراتهم على الدوام، كما كان لإقامتها أثره في إحياء السنة ومحاربة الفرق الأخرى من شيعة ورافضة وغيرهم كما سيجيء.
4 - يضاف إلى ذلك أن الحافظ العراقي ولد ونشأ في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي تولى الحكم للمرة الثالثة سنة 709 هـ واستمر حتى وفاته سنة 741 هـ حيث كان العراقي في السادسة عشرة من عمره، ويجمع--------------------------------------------
(1) المرجع السابق ص 116.
(2) نفس المرجع ص 118.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
المؤرخون على أن عصر الناصر هذا كان أزهى عصور المماليك فقد دام حكمه 31 سنة، ولم يماثله في ذلك سلطان من المماليك، كما كانت الدولة في أقصى اتساعها، بعد قهر التتار وطرد الصليبيين، فقد امتد نفوذه من بلاد المغرب غربا ثم الشام والحجاز شرقا، ومن بلاد النوبة التي أقام عليها أول حاكم مسلم جنوبًا، حتى آسيا الصغرى شمالا(1) كما عقد معاهدة الصلح والأمان مع العراق كما أسلفنا.
أما في الداخل، فإصلاحاته ومظاهر الرخاء وإنشاءاته العمرانية والثقافية عديدة وهامة، مما جعله يحظى بشعبية كبيرة في الشام ومصر حتى تظاهر الشعب بالقاهرة على غير العادة في عهد المماليك، يطالب ببقائه في الحكم عندما تعرض للتآمر على خلعه، فاضطر المتآمرون للتراجع(2).
بل لقد كان بقاؤه الطويل في الحكم، وحسن سيره فيه داخليا وخارجيا، مما جعل الناس يتعلقون بذريته من بعده، ويرون فيهم رمز الهدوء والرخاء، فظل الحكم وراثيا فيهم حيث تولاه ثمانية من أبنائه و 4 من أحفاده، وبانتهاء حكم آخرهم سنة 784 هـ انتهى عصر المماليك البحرية(3)، إلا أنه كان معظمهم بمقتضى الوراثة يُولَّى السلطنة طفلًا أو صبيا(4) ويعين وصي أو نائب من أمراء المماليك للقيام بمهمات الحكم ريثما يتأهل ولي العهد لذلك، فكان هذا مولدا.--------------------------------------------
(1) «الأيوبيون والمماليك» للدكتور سعيد عاشور ص 281، 282.
(2) المرجع السابق ص 274، 276، 277 و «العصر المماليكي» ص 104، 112، 113، 117، 120، 121 كلاهما للدكتور سعيد عاشور.
(3) «العصر المماليكي» ص 121، 122، 123، 128.
(4) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» حوادث سنة 783 مخطوط منصور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
للاضطرابات بعد وفاة الناصر، بحيث لو قسمت مدة حكم ذرية الناصر وهي 23 سنة على عددهم وهو 12 لخص الواحد أقل من عامين، وذلك لأن النواب والأوصياء كانوا يتطلعون للانفراد بالحكم، وتظهر زعامتهم، فيتذرعون لإقصاء السلطان الأصلي بشتى الوسائل، أو قتله، حتى إن أول أبناء الناصر لم يتم في الحكم 3 شهور وقبض عليه وقتل منفيًا(1) كما قتلوا غيره من إخوته(2). وبذلك كانت تقوم المنازعات والقتال بين أنصار الفريقين أو غيرهم من الأمراء الطامعين في الحكم(3)، حتى كانوا يتقاتلون في شوارع القاهرة بين حين وآخر(4)، بل في الحرمين الشريفين(5)، وسجل العراقي(6) كثيرًا من ذلك في ذيله على «العبر» للذهبي، مما جعل عامة الشعب في مصر والشام والحجاز تعاني آثار ذلك، دون أن يملكوا تغيير الأمور، ويذكر لنا ولي الدين ابن العراقي(7) ثورة للعامة كانت سنة 770 هـ ضد والي القاهرة «بكتمر» وبعض أعوانه، وتجمعوا حول القلعة فرسم السلطان بتفريقهم، فطاردهم الجند،--------------------------------------------
(1) «العصر المماليكي»، ص 123.
(2) المرجع السابق ص 124.
(3) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده»، حوادث سنة 781 هـ مخطوط مصور.
(4) «العصر المماليكي» ص 121، 122، 123، 128.
(5) «ذيل ولي الدين على ذيل والده» وفيات سنة 763 هـ وحوادث 767 هـ و 779 هـ و 783 هـ مخطوط مصور.
(6) انظر «المنتقى من ذيله على العبر» حوادث 742 هـ ضمن مجموع ابن الخطيب الناصرية مخطوط مصور.
(7) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» للذهبي حواديث 770 هـ مخطوط مصور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
حتى دخلوا بالخيل جامع الحاكم بأمر الله، وقتلوا بعضهم، ثم نودي في اليوم التالي بالأمان وعزل «بُكْتُمُر»، هذا بالإضافة لما كانت تقوم به القبائل العربية التي كانت تقيم في صعيد مصر، والبحيرة والشرقية، والشام من ثورات لانتزاع الحكم، أو الامتناع عن دفع الخراج للدولة، ومن غارات للسلب على عواصم المدن، كأسيوط والإسكندرية والقاهرة، وبذلك تضعضعت أحوال البلاد حتى تجرأ الصليبيون بعد تطهير البلاد منهم - كما أسلفنا - على غزو مصر سنة 767 هـ في عهد الأشرف شعبان، ثاني أحفاد الناصر، وكان في الحادية عشر من عمره ووصيه الأمير «يَلْبُغَا» المعروف بظلمه وكبريائه، مما جعله يهزأ بخبر عزم ملك قبرص على القيام بتلك الحملة، بدلا من الاستعداد لها، وفعلا جاءت الحملة من قبرص، وهاجمت الإسكندرية في توقيت مقصود، وهو يوم الجمعة 24 محرم، حين تجمع المسلمين في المساجد للصلاة، ولم يكن أمير الإسكندرية بها، لغيابه في الحج، فاحتلوا المدينة بسهولة، وأحرقوا المساجد، وخربوا الزوايا، واستباحوا المدينة عدة أيام، ثم أجلوا عنها مثقلين بالمنهوبات ومصطحبين كثيرا من الأسرى، من مسلمين ويهود ونصارى، ولم يصل «يلبغا» بجيشه الكثيف إلا بعد مغادرة الحملة للمدينة وهي خراب، تعج بجثث الشهداء، فأمر بإصلاح التخريب ودفن الشهداء(1)، وتصنيع سفن حربية لقتال الفرنج(2).
وقد أرّخ العراقي في «ذيله على وفيات النقلة» للمنذري، لبعض شهداء هذه المعركة من العلماء الذين سمع منهم الحديث في رحلته للإسكندرية قبل هذه--------------------------------------------
(1) «العصر المماليكي»، ص 133.
(2) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده» حوادث سنة 767 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
المعركة، لسماع الحديث كما سيأتي، وصور بشاعة استشهاده بأنه صعد مئذنة بعض المساجد للأذان، فصعد إليه أحد الصليبيين وألقى به من فوق المئذنة(1). أما ولي الدين ابن العراقي فأرخ الموقعة وأحداثها ووصفها بقوله: «وكانت أَحَدُ الدواهي على الإسلام»(2).
وجدير بالذكر أنه في تلك الموقعة التي غاب فيها دفاع المماليك، ظهرت مقاومة الشعب، حيث تجمع - على عَجَل - عرب البحيرة، وحاولوا صد الهجوم عن المدينة، لكنهم لم يصمدوا(3) لعدم تكافئهم مع جيش نظامي كبير، ولم يكن من سياسة المماليك تكوين جيش من الشعوب المحكومة لهم في مصر أو غيرها، خوفًا من قضائه عليهم، وليس تقصيرًا أو قصورًا من الشعب.
كما كانت موارد مصر هي مصدر تموينهم وتسليحهم، في كل معاركهم، وتتابع حكم حفيدي الناصر الآخرين، على هذا المنوال، من الضعف والاضطراب، حتى غربت، بنهاية حكم آخرهم، شمس دولة المماليك البحرية، وذلك في سنة 784 هـ وخلفتها دولة المماليك البرجية، الذين اشتد جانبهم حينئذ، وكان أول سلاطينهم: الظاهر برقوق، الذي تولى سنة 784 هـ وهو الذي دخل بنفسه على الحافظ العراقي، وطلب منه تولي قضاء المدينة المنورة كما أشرنا، وقد توفي برقوق سنة 801 هـ، فخلفه ولده الناصر فرج، وفي عهده توفي الحافظ العراقي سنة 806 هـ.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق وفيات سنة 767 هـ.
(2) نفس المرجع حوادث سنة 767 هـ.
(3) «الأيوبيون والمماليك» ص 290.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
ولم تفترق تلك المرحلة التي عاصرها العراقي من حكم المماليك البرجية عن الطابع العام للعصر المملوكي الذي أشرنا إليه، فقد قامت الحروب الداخلية بين أمراء المماليك وطوائفهم على أشدها، في مصر والشام على السواء، حتى قتل برقوق خصمه «مِنْطَاش» بحلب سنة 795 هـ وحُمِلَت رأسه للقاهرة، فطيف بها الشوارع، وعلّقت على باب «زُوَيْلَة»(1) أحد أبواب القاهرة، كما خَلَعَ الخليفة المتوكل، لتآمره عليه(2) وبلغت قسوة السلطان فرج أن استهل حكمه بقتل أخويه، ثم قُتِل هو الآخر قتلة شنيعة(3).
كذلك ثار العربان بمصر والشام، متعاونين على برقوق لاستلاب الحكم(4)، وبلغ به الأمر أن ينفجر باكيا أمام جنوده ومماليكه، لتعقد الأمور دونه(5)، وما كاد يتم التغلب على مصاعب الداخل، حتى داهم البلاد الشامية هجوم جديد للتتار، على يد تيمورلنك وذلك سنة 803 هـ، وبعد أن كان الشرق الإسلامي كله قد استراح من شرورهم ثمانين عاما كما أسلفنا، وبدأ يعمر ما خربوه، ويسترد شيئًا فشيئًا نهضته العلمية والإسلامية، وقد سار تيمورلنك - رغم إسلامه - سيرة سلفيه جنكيز خان وهولاكو، فاكتسح بلاد الشرق الإسلامي حتى بغداد، ثم أسقطها وحرقها مرة أخرى(6)، ودخل الشام فدمر معظم--------------------------------------------
(1) «العصر المماليكي» ص 157.
(2) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده»، حوادث سنة 785 هـ.
(3) «العصر المماليكي»، ص 161، 162.
(4) المرجع السابق ص 158.
(5) نفس المرجع ص 156.
(6) «العصر المماليكي» ص 158، 159.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
أطرافه، واستولى على حلب، وأحرق دمشق، دون أن يستطيع الشام وحده المقاومة(1)، وكان السلطان حينئذ الناصر فرج، لكنه كان صبيًا، وأوصياؤه والقائمون بالأمر في نزاع مع بعضهم، مما جعل خروج السلطان الصغير، والخليفة العباسي على رأس جيش من القاهرة، لملاقاة تيمورلنك، لا يُجدي شيئًا، فهزم قرب دمشق، واضطر فرج لتوقيع صلح مع تيمورلنك، ليخرج بموجبه من الشام، وعاد فرج للقاهرة مهزومًا، على أمل الاستعداد للقاء جديد مع التتار، يزيل به تلك الوصمة التي لا تتفق مع انتصارات أسلافه في حطين وعين جالوت(2)، كما لا تُذكر بجانبهما.
ورغم هذا التدهور السريع في القوى الدفاعية والسياسة الخارجية، فقد كانت هناك مقاومة ناجحة من أمراء الشام لبعض حملات، انتهز الصليبيون تلك الظروف وقاموا بها على بعض سواحل الشام سنة 769 هـ، بحيث ظلت المنطقة كما كانت نظيفة منهم(3)، كما أن هجوم تيمورلنك هذا جاء بعد هدوء استمر ثمانين عاما من عصر العراقي، أمنت فيها مصر والشام والعراق من غزو التتار كما أسلفنا، مما جعل عصر العراقي رغم هذا، أكثر عصور المماليك استقرارًا في سياسته وأحواله الخارجية.
أما في الداخل، فإن إنجازات العصر الإصلاحية والعمرانية والثقافية التي ما زالت روائعها باقية إلى الآن، تشهد بأنه رغم الأحداث العديدة السالفة، كان مجموع فترات الهدوء والإصلاح الداخلي أكثر.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق ص 160.
(2) نفس المرجع ص 160، 161.
(3) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» حوادث سنة 769 هـ مخطوط مصور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
عَلى أن هُناك مُلاحظة في تَقييم عصر المَماليك عُمومًا، وَهي أن المُؤرِّخين يَصِلون بِشأن بَعض الحُكَّام لدرجة التَّناقُض، مَع مُعاصَرَتِهم لَهم أو قُربِهم الشَّديد مِنهُم، فمثلا يَصِف المَقريزي وابن تغري بردي، المَلِك الصَّالح إسماعيل، ابن النَّاصر محمد بن قَلاوون، بِأنهُ أعرض عَنْ تَدبير المُلْك، بِإقبالِه على النِّساء والمُطربين(1)، بينما يَصِفهُ مُعاصِره الحافظ العراقي، بأنهُ مِنْ خَير المُلوك(2)، كَما يَذكر المُتتبعون لِلعَصر عُمومًا: أنهُ يتميز بِاقتران الأحداث والاضطرابات، بِالنشاط العُمراني والثقافي(3).
تِلك هي أَهَّم مَلامح الأَحوال السِّياسية في عصر العراقي وَسَيأتي تَفصيل مَوقِفُه مِنها في مَحَلِّه.
وننتقل للأحوال الدَّاخِلية:
أحوال العَصر الدَّاخِلية وَصلة العراقي بِها
1 - نِظام الإِدارة:
كان السُّلطان هو رَئيس الجِهاز الحُكومي العام، وصاحب السّلطة العُليا في البِلاد، ويليه نائب أو أكثر، يُعِّينُهم لِتصريف الأُمور في غِيابِه لِلحَج أَوْ الجِهاد ونحوهما، وَعندما يَكون السُّلطان صَغيرًا كَما في الحالات التي أَشرنا إليها، يُعّين نائب لَهُ أو وَصي عَليه، يَقوم بِمُهام المَنصب، حَتى بُلوغ السُّلطان رُشده.--------------------------------------------
(1) «العصر المماليكي» ص 124، و «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ 10 ص 96، 97.
(2) «المنتقى من ذيل زين الدين العراقي على العبر» للذهبي حوادث سنة 742 هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية مخطوط مصور).
(3) «الأدب في عصر صلاح الدين» للدكتور محمد زغلول ص 78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
أما الخليفة العباسي فلا سلطة له كما أشرنا، غاية ما هنالك أنه كان يؤلف مجلس شورى برئاسة السلطان أيضًا أو نائبه، للبت في الأحداث الخطيرة، كقرار الحرب، أو العزل والترقية، فيكون الخليفة عضوا فيه، بالإضافة لرؤساء قضاة المذاهب، وقائد الجيش، وغيره من كبار أمراء المماليك، لكن لم يكن السلطان ملزما بدعوة هذا المجلس للإنعقاد أو الأخذ برأيه في كل حال(1)، بل كان ذلك مرتبطا بقوة شخصية أفراد المجلس أو بعضهم، كقائد الجيش أو قاضي القضاة، كما سنشير له.
وكانت الشام مقسمة إلى نيابات أهمها: دمشق وحلب، وعلى كل نيابة أحد أمراء المماليك، نائبا عن السلطان في إدارتها والدفاع عنها، منفردا أو بالتعاون مع غيره، ويرجع للسلطان في المسائل الخطيرة، أما الحجاز فكانت بها إمارتا مكة والمدينة، ويُعيّن لها أمير من قبل السلطان في مصر، كما كان إقليم مصر مقسما إلى أقسام كالمحافظات الحالية، ولكل منها والي من الأمراء المماليك، بما في ذلك القاهرة.
وقد كان بين العراقي وبين بعض سلاطين وأمراء عصره علاقات ومواقف سيأتي توضيحها.
وكانت هناك دواوين مُعَدَّة بموظفين وعمال وإمكانيات، للقيام بمرافق الدولة المختلفة، كديوان الجيش وهو أهمها، لاضطلاعه بتجهيز الجيوش المعارك المماليك الباسلة كما تقدَّم، وكديوان الإنشاء الخاص بمراسلات الدولة، وديوان الأحباس وهي الأشياء الموقوفة من قبل الدولة للإنفاق على المؤسسات.--------------------------------------------
(1) «العصر المماليكي» ص 352.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
التعليمية والخيرية الآتي ذكرها.
2 - القضاء وإلزامه بالمذاهب الأربعة:
أما جهاز القضاء وإقامة العدل بين الناس، فهو من أخطر أجهزة الدولة، ويقوم به صفوة الأمة من علماء الشريعة، وإليهم يرجع الأمر في سن جميع التشريعات والقوانين المنظمة لمختلف مرافق تلك الدولة المترامية وفئاتها المتعددة، وقد كان القضاء في الدولة الأيوبية التي أعقبتها دولة المماليك مقصورًا على فقهاء المذهب الشافعي فقط، رغم عنايتهم بإقامة المدارس في مصر والشام واليمن والحرمين لتدريس فقه المذاهب الأربعة، وهي الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي، وذلك للقضاء على المذهب الشيعي، بعد إسقاطهم دولة الفاطميين التي كانت تتبعه في قضائها وتُعلّمه وتنشره، واستمر المماليك على ذلك حتى عصر الظاهر بيبرس، فجعل القضاء بمقتضى المذاهب الأربعة جميعًا سنة 665 هـ، وأمر أن لا يرشح للقضاء أو الإدارة إلا من كان مقلدًا لأحد هذه المذاهب، وتحريم ما عداها(1).
وقد كان هذا من أسباب شيوع التقليد الذي يُنْتَقَدُ به العلماء، وهو مفروض عليهم كما ترى، بل إنهم حاولوا الاجتهاد في إطاره كما سيأتي، وجعل لقضاة كل مذهب رئيسًا، يُلقب بقاضي القضاة، ويعين نوابًا عنه في مناطق العاصمة، مع احتفاظ قاضي القضاة الشافعي بمكان الصدارة، وتمتعه بميزات--------------------------------------------
(1) «الطبقات الكبرى» للشعراني ج 1/18 و «تاريخ التشريع» للخضري ص 342، 343 و «الأيوبيون والمماليك» ص 155، 156، 356، و «العصر المماليكي في مصر والشام» ص 337 و «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 154 و «الثلاثة للدكتور سعيد عاشور» و «عصر الانحدار» للدكتور محمد أسعد طلس ص 184، 186.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
منها، تعيين نواب له في الأرياف، وجعل للجيش أيضا أربعة قضاة يلقبون بقضاة العسكر، وكانت هناك محكمة عليا تُعرف بمحكمة المظالم، ولها مقار تُعرف بدور العدل، في عواصم الشام ومصر، وتعقد في بعض أيام الأسبوع برئاسة السلطان وعضوية قضاة القضاة، للجيش والشعب، وتقدم الدعاوى للسلطان وهو يشاور القضاة، ويعضي رأيهم، ثم قرر السلطان رفع جميع القضايا للقضاء العادي أولا، فإذا لم يرتض الحكم أحد المتخاصمين رفع قضيته لمحكمة المظالم تلك، وبذلك قوي مركز القضاء، وصار الرجوع إليه عاما.
كما كان الاحتكام العام حينئذ إلى شريعة الإسلام المستمدة من الكتاب والسنة، في كل شئ من القضايا المدنية والجنائية والإدارية، وبهذا تعددت مسئوليات القضاة، وكثر عددهم وتركز الاعتماد عليهم، وارتبطت مصالح الشعب بكل فئاته بهم، وكانت تُسند إليهم وظيفة مراقبة الأسواق والمرافق، والأخلاق العامة وتُعرف بالحسبة.
كما كان يُعين بدور العدل السابق ذكرها، مفتون لإفتاء الناس في كل قضاياهم، وبيان الحلال من الحرام، نظرًا لرجوع الناس حينئذ في مختلف شئونهم للشرع، وبالإضافة لهذا كان القضاة والمفتون يقومون بتدريس الفقه وعلوم القرآن والسنة، والتأليف فيها(1).
وبذلك صارت لهذه الطائفة خطورتها، وتعلق بالأكفاء منهم جمهور الشعب، ورأوا فيهم حماة لمصالحهم، ونفعهم في شئون الدين والدنيا، كما--------------------------------------------
(1) «العصر المماليكي» ص 354 - 369.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
صارت لهم هيبتهم المشروعة في نفوس الحكام، من سلاطين وأمراء، على توالي الدول، لترفعهم عما بأيديهم من المنح والعطايا(1).
وعن مغريات المنصب، وعدم المجاملة في الحق ولو لأكبر رأس تملك العزل والتولية والقتل(2)، فكان حكمهم ينفذ، وفتواهم لا يجد أحد مناصا من الحكم بمقتضاها، ومطالبتهم الحكام بمصالح الناس لا ترد، ويمثل هؤلاء أصدق تمثيل، شيخ العراقي قاضي القضاة الشافعية عز الدين بن جماعة المتوفى سنة 767 هـ(3)، وقرين العراقي أيضا سراج الدين البلقيني المتوفى سنة 805 هـ الذي قضى حياته في مناصب الإفتاء والقضاء المدني والعسكري بمصر والشام، حتى صار قاضي قضاة الشافعية(4) وكذا الحافظ العراقي الذي تولى قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، وغيرهم كثيرون، أما من حاد عن ذلك فخان مسؤليته، أو رشى أو ارتشى، أو اختلس، فهو ساقط الاعتبار حتى في عصره(5).
3 - المجتمع والاقتصاد:
أما المجتمع الذي عاش فيه العراقي بين ربوع الوطن العربي، فكان طبقيا، يضم جنسيات متعددة، وخاصة الأتراك، والأكراد الذين منهم الحافظ العراقي، وعلى رأس الجميع طبقة الحكام، المكونة من السلطان وأمراء--------------------------------------------
(1) «بهجة الناظرين» للغزي ص 63 ترجمة محمد بن موسى الدميري المتوفى سنة 808 هـ.
(2) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 31، 32.
(3) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 31، 32.
(4) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده على العبر» وفيات سنة 767 هـ مخطوط مصور.
(5) «بهجة الناظرين» للغزي ص 4، 5 (مخطوط) و «مجموعة ابن طولون الحنفي» ورقة 182 أ - 183 أ (مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 351 مجاميع تيمور) 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
المماليك وطوائفهم التي يتكون منها الجيش، وهؤلاء كانوا أغرابًا عن الشعب العربي، واختلاطهم بالناس محدود، ونظرتهم متعالية، وفي نفس الوقت كانت أراضي مصر والشام مقسمة بينهم إلى إقطاعات، كما كانوا يحتكرون المعادن، ومعظم التجارة الداخلية والخارجية، وإلى جانب ذلك يجمعون الزكاة والخراج وعددًا من الضرائب، ومن سنحت لهم فرصة للثراء كالتجار الذين يلون الحكام من الناحية المالية، فإنهم كانوا عرضة لاقتراض الدولة منهم، مع الإخلال بالسداد، بل وللمصادرة، خاصة عند الأزمات وإعداد الجيوش(1).
ومع هذا، لم تجدهم يظهرون للشعب الذي هو مصدر كل إمكانيات انتصاراتهم الخالدة على أعداء الإسلام، إلا ظلالا باهتة، لا تتناسب مع عطائه وأعبائه، بل أظهروا دائما أنهم حكام البلاد ومالكوها وصناع مجدها مع أنهم دخلوا البلاد كسلعة مشتراة بأموالها، وتمتعوا من خيراتها بما يفوق الوصف(2)، وما يصل إلى الشعب من أجور أو خدمات صحية وعلمية وإنسانية، يُقدم في صورة تفضّل وإحسان من السادة أولياء النعم(3)، ولابد أن ينالوا عليه الشكر والثناء.
أما العلماء الذين كان العراقي واحدًا من أبرزهم، فكان يطلق عليهم المعممون، أو أهل العمامة وأرباب الأقلام(4)، ومنهم من تمتَّع بنفوذ في الدولة، كالقضاة السابق الإشارة إليهم، وموظفي الدواوين، والحسبة، وهؤلاء--------------------------------------------
(1) «إغاثة الأمة» للمقريزي ص 31.
(2) «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي جـ 7/ 198، و «إغاثة الأمة» للمقريزي ص 46.
(3) (النجوم الزاهرة) جـ 7/ 180.
(4) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» للدكتور سعيد عاشور ص 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
وغيرهم من فقهاء ومحدثين ووعاظ، كانوا محل الإحترام من الحكام والمحكومين على السواء ومَرَدُّ ذلك إلى أن مبادئ الإسلام كانت هي السائدة، والعلماء هم حملتها، ومُعلموها، والقدوة في التمسك بها، وهم أهل الوعي ومصدره، ولذا اهتم الحكام عمومًا بهم لضمان ولاء العامة لهم.
ويُصوّر المقريزي ذلك بقوله: «كانوا يرون أن بهم عرفوا دين الإسلام وفي بركتهم يعيشون، وحسب أعظمهم قدرًا أن يُقبل يد الفقيه والقاضي»(1)، ومع هذا كانت تلك المكانة تُحرّك أحيانًا حقد بعض الحكام فيسيئون إليهم(2)، كما كان من العلماء من لا يتخلق بأخلاقهم، فيسقطه الحكام والمحكومون من نظرهم، ولكن هؤلاء وأولئك كانوا قلة لا تمثل طابعًا عامًا، ومن العلماء من كانت تتوفر له موارد عديدة للرزق، فيكون غنيًا مُترفًا(3)، ومنهم من كان ضيق العيش، صابرًا، مع العفة وعزة النفس، ومن هؤلاء الحافظ العراقي كما سيأتي.
ويتصل بطبقة العلماء جماعات الصوفية! ويُطلق عليهم أيضًا الفقراء، وأكملهم: الجامع بين العلم والعمل، وقد كان الصوفية أكثر تغلغلا في المجتمع من العلماء، لانتشارهم في نجوعه وقراه، إلى جانب المدن والعواصم(4) بخلاف العلماء الذين كانوا متمركزين في العواصم والمدن، وقد كانت--------------------------------------------
(1) «السلوك» للمقريزي جـ 3/ 383 مخطوط بدار الكتب المصرية.
(2) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 28، 32، 33 و «العصر المماليكي» في «مصر والشام» ص 312 كلاهما للدكتور سعيد عاشور.
(3) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 33، 34.
(4) «تحفة الأحباب» لمحمود السخاوي ترجمة الشيخ نجم الدين أبو الغنايم ورقة 12 أ:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
الأخطار المتربصة بالعالم الإسلامي حينئذ من الشرق والغرب رغم كسر شوكتها، بالإضافة لنزاعات الحكام، والجوائح العامة بالأوبئة والمجاعات، مما جعل الحكام والمحكومين على السواء، يحسون بحاجتهم المستمرة للالتجاء إلى الله تعالى الذي لا يكشف الضر غيره، ولا يؤتي الملك أو ينزعه سواه والالتجاء إلى الله سبحانه هو جوهر التصوف الحق عند أهله، ولهذا مالت نفوس الجميع إليه، والتفوا حول دعاته(1)، واعتقدوا في كراماتهم الدالة على قوة اتصالهم بالله، بحيث نجد كتب التراجم تُطلق على كثير من الصوفية وصف «المُعْتَقد» - اسم مفعول - أي الذي اعتقد الناس كرامته وصلاحه.
ويقال أيضًا في ترجمة بعضهم: كان يعتقده السلطان، أو الأمير فلان، أو كان للناس فيه اعتقاد، كما سيأتي بالنسبة لبعض من تربى عنده والد الحافظ العراقي، وعلى هذا تقرب الحكام عمومًا إلى أرباب التصوف، فمنحوهم الأموال واصطحبوهم في الأسفار(2)، وتنافس السلاطين والأمراء والأميرات والموسرون والموسرات، من الشعب في بناء المنشآت الخاصة بالصوفية، والتي عُرفت باسم الخوانق والربط والزوايا، على امتداد الدولة كلها(3)، ووقفوا عليها أوقافًا عديدة بحيث توفر لنزلائها كل مطالب الحياة، حتى يتفرغوا للعبادة والتأمل، وقد شاركت المرأة الرجل في سلوك طريق التصوف! ولبس خرقته--------------------------------------------
(1) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) للدكتور سعيد عاشور ص 167، 168.
(2) (تحفة الأحباب و المحمود السخاوي ورقة 11 أ إلى 13 أ وما بعدها (مخطوط).
(3) (رحلة ابن بطوطة، جـ 1/ 71 و و تحفة الأحباب، ورقة 28 أ و ا سيرة القاهرة) لستانلي لنيبول ص 268، و هـ ذيل ولي الدين ابن العراقي) ترجمة أبو حفص ابن الشحنة وفيات سنة 767 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
فأعدت ربط خاصة بهن(1)، وقد كان يعين لكل منشأة شيخ أو أكثر من جماعتهم، لرعاية شئونها، وتخصص بها دروس للعلم والوعظ، ولم يسمع الرحالة ابن جبير حين شاهد الصوفية على هذا الوضع إلا أن يقول: «وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد؛ لأنهم قد كفاهم الله مؤن الحياة وفضولها، وفرغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في أسباب المعايش(2)».
غير أنه كان لهذه العناية وتوفير سبل العيش السهلة لهم أثر عكسي على التصوف، حيث دفع الكثرة التي كانت تعاني حينئذ شظف العيش إلى الالتجاء لتلك المنشآت للتعيش، وأقاموا رسوم الصوفية الظاهرية، كلبس الخرقة، وأخذ العهد، ونحو ذلك، ولهذا قسم الإمام ابن تيمية معاصر العراقي الصوفية آنذاك إلى ثلاثة أقسام:
أولها: صوفية الحقائق، وهم القائمون بأداء الفرائض الشرعية واجتناب المحارم، والتأدب بآداب أهل الطريق، التي هي آداب الشرع مع عدم تمسكهم بفضول الدنيا، وأكثرهم لا يتقيدون بلوازم الخوانق.
وثانيها: صوفية الأرزاق، وهم الذين وقفت عليهم الوقوف كالخوانق، ولا يشترط فيهم أن يكونوا من أهل الحقائق، فإن هذا عزيز.
وثالثها: صوفية الرسوم وهم المقتصرون على النسبة، فَهَمّهم اللباس والآداب الوضعية، ونحو ذلك، بحيث يظنهم الجاهل منهم وليسوا منهم(3).--------------------------------------------
(1) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 173، 174 و «الضوء اللامع» جـ 12/14 و «صفحات من عصر السيوطي» ص 21 لعبد الوهاب حمودة.
(2) «رحلة ابن جبير» ص 284.
(3) الصوفية والفقراء لابن تيمية ص 31، 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
ومع هذا يتضح لنا أن الصوفيين الحقيقيين كانوا قلة، بينما كثر الأدعياء وسيطروا على عقول العامة برسومهم الظاهرة، وأحدثوا في سبيل ذلك كثيرًا من البدع في الاعتقادات والأقوال والأفعال التي لا تعتمد على كتاب ولا سنة، وتجافي تصوف الحقائق، كما سماه الإمام ابن تيمية آنفا، فكان هذا مما جعل القائمين به على الحقيقة، والعلماء وعامة الناس في عصر العراقي، تتعدد مواقفهم من الصوفية كما سيأتي تفصيله في موقف العراقي منهم.
ومما ساعد على انتشار التصوف أيضًا في عصر العراقي، أن وحشية الصليبيين في الغرب، والتتار في الشرق، ألجأت الكثيرين من دعاة التصوف وأقطابه كالسيد البدوي، وأبي الحسن الشاذلي إلى الهجرة من مواطنهم، والرحلة إلى مصر التي غدت حصنًا للإسلام، وأقبل أهلها على التصوف وأهله، وآثروهم بخيراتها، مع غاية التقدير، وكانت أسرة العراقي ممن هاجر لمصر من أكراد العراق تحت وطأة التتار، واستقروا بها كما سنوضحه.
وبسبب تلك الهجرات امتزج المجتمع المصري والشامي والحجازي بكثير من الجنسيات الإسلامية من الشرق والغرب وعاشوا جميعا أخوة في السراء والضراء، لا تفرقهم الخلافات العارضة، أو النزاعات الداخلية، كما عاش المسلمون والمسيحيون واليهود، في تسامح وتآخ سجله المنصفون من الأوروبيين أنفسهم(1)، وما سجله التاريخ خلاف ذلك يُعد حوادث فردية لا تمثل ظاهرة عامة، كما تعد أقل ما يتصور حدوثه في جو كانت مساعي العدو--------------------------------------------
(1) «الإسلام والحضارة العربية» المحمود كرد علي ص 293 و «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 40 - 48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
الخارجي لا تهدأ، في إذكاء روح التعصب الديني، وافتعاله بين أهل الأديان الثلاثة، لتحقيق أحلامهم الشخصية في حكم الشرق عموما وامتلاك خيراته التي ما زال يُحسد عليها حتى الآن(1).
أما أدنى طبقات المجتمع في عصر العراقي فهم أرباب الحرف والصناعات، وأُطلق عليهم (العامة) لكونهم غالبية الشعب، وقد قامت على أكتافهم الزراعة والصناعة الحربية والمدنية، وتشييد ما نراه حتى اليوم من قلاع ومساجد ومدارس وخوانق وربط وزوايا وقصور وغير ذلك.
ومع هذا كانوا يعانون من الظلم والجهل والمرض والاحتقار، وضيق العيش، فقد كانت الأرض ورؤوس الأموال ووسائل الإنتاج ملكا للحكام والوجهاء، كما قدمنا والعامة مسخرون فيها، وما يحصلون عليه لا يفي بضروريات الحياة، بالإضافة لإثقالهم بالالتزامات المالية والعينية، واجهادهم في أعمال الشخرة حتى الموت(2).
وفي هذا الوضع السي كانت تعصف بهم من وقت لآخر، ومن قطر لقطر، المجاعات والغلاء، عندما ينخفض النيل، أو تقل الأمطار في البلاد الصحراوية، أو ينتشر الجراد، حتى تؤكل الميتة، وتباع الأولاد رقيقا، ويتعرضون لما كان ينتاب البلاد من الأوبئة، كالطواعين وغيرها(3)، ولم يكن ما يقوم به الحكام والقادرون من إغاثة في مثل تلك المحن(4)، وما يتصدقون به عليهم في--------------------------------------------
(1) نفس المرجع نفس الصفحة.
(2) (الناصر محمد بن قلاوون) للدكتور محمد عبد العزيز ص 320، 321.
(3) المرجع السابق حوادث 783 هـ الطاعون بمصر والشام.
(4) نفس المرجع حوادث سنة 766 هـ غلاء مكة وحوادث 776 هـ غلاء مصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
المناسبات والمواسم، إلا أعمالاً وقتية، سرعان ما ينتهي أثرها. وقد كان للعراقي موقفه عند تلك الشدائد وتأثره بها كما سنوضحه.
وأخيرًا نقول: إن هذا المجتمع بجميع طوائفه، مع انغماسه في التدين عقيدة وقضاء وسلوكًا كما أشرنا، قد شهد ألوانًا من الأمراض الاجتماعية، والانحرافات الأخلاقية والبدع المخالفة للكتاب والسنة.
فإلى جانب ظلم الحكام وحواشيهم، انغمس كثير منهم في ملذات الشراب والغناء والنساء(1)، وتبعهم في هذا عدد من عامة الشعب وخاصته، حتى كانت بغايا النساء يُرخَّص لهن من الدولة لقاء ضرائب معينة، إلى أن منع ذلك الظاهر بيبرس(2)، وكانت الخمر تُصنع والحشيش يُزرع، ويتعاطهما الناس جهارًا، وعرفت شوارع العواصم وميادينها الملاهي والمراقص، وانتشرت الرشوة، حتى صارت طريقًا لولاية المناصب الدينية والدنيوية، كما أسهم كثير من أدعياء التصوف والعلم، في نشر كثير من الخرافات والعادات والتقاليد المنافية للإسلام(3).
لكن الله تعالى يُهيّئ في كل عصر من يُجدّد للأمة الإسلامية أمر دينها، حُكَمًا وعِلْمًا، وقد هيّئ في عصر العراقي من قام بهذا الواجب في القضاء على تلك المفاسد وإعادة الأمور إلى نصابها، كالحاج آل ملك، نائب السلطنة في سنة 744 هـ الذي شدَّد في منع بيع الخمر وتعاطيه، وغير ذلك من--------------------------------------------
(1) (النجوم الزاهرة) جـ 2/5، 5، 6، 7.
(2) «حسن المحاضرة للسيوطي» جـ 2/ 209.
(3) (إغاثة الأمة) للمقريزي ص 45 و (سيرة القاهرة) لستانلي لينبول ص 102، 104 و «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص 227 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
المحرمات، وعاقب جماعة كثيرة، ودأب على ذلك، فعف الناس في أيام نيابته عن كثير من المعاصي حتى أعيان الأمراء(1).
وقد أشاد العراقي بهمته هذه في (تكملته لشرح الترمذي)، كما سيأتي، وقام رئيس القضاة ورفيق العراقي سراج الدين البلقيني المتقدم ذكره، بإبطال كثير من المظالم والمكوس التي كانت مفروضة على العامة في عصره وأبطل الملاهي(2). وعقد مجالس الوعظ للترغيب والترهيب، بجانب نشاطه في القضاء والفتوى كما أشرنا حتى عُدَّ مُجدّد المائة الثامنة، كما قام العراقي أيضًا بدوره الآتي تفصيله، فاعتبر مجدد عصره(3).
وبمثل تلك الجهود المتضافرة من ذوي الهمة العالية من حكام وعلماء، في محاربة المفاسد والبدع، ظل المجتمع، بصفة عامة، محتفظا بمسحته الدينية، ومتمسكا بقواعد الإسلام الصحيحة، ونابذا للبدع، والجهالات في عقيدته وسلوكه.
الحالة العلمية ومكانة السنة فيها
تُعتبر الحالة العلمية لعصر العراقي بحسب مقتضياتها ومقياس عصرها، غاية في الازدهار والخصوبة، سواء في ذلك العلوم الإسلامية بصفة عامة، أو السنة وعلومها بصفة خاصة، ونوضح ذلك فيما يلي:
1 - أن دولة المماليك كانت ثاني دولة تقوم في منطقة مصر والشام والجزيرة.--------------------------------------------
(1) «النجوم الزاهرة» جـ 10/ 88، 89.
(2) «مجموعة ابن طولون الحنفي» ورقة 183 ب (مخطوط).
(3) «بهجة الناظرين» للغزي ص 68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)