Arabic source text

📘 আল-হাফিজ আল-ইরাকি ওয়া আসারুহু ফিস সুন্নাহ (আহমদ বিন মাবাদ আবদুল কারিম)

📘 الحافظ العراقي وأثره في السنة (أحمد بن معبد عبد الكريم)

📘 আল-হাফিজ আল-ইরাকি ওয়া আসারুহু ফিস সুন্নাহ (আহমদ বিন মাবাদ আবদুল কারিম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ثم قال ابن حجر في رثائه له:
وذهن كاشتعال النار لكن … أمنا مع نداه من احتراق(1)
ويتضح لنا أهمية ذلك حين نعلم أنه أثبت لغير واحد من شيوخه ضد ما تقدم، وخاصة في كتابه «الجمع المؤسس».
وقال تلميذ العراقي أيضا ابن فهد: «وكان له ذكاء مفرط وسرعة حافظة»(2) كما سيأتي عن غير واحد من شيوخه وتلاميذه تلقيبه بحافظ عصره عموما، ويتجاوز الأمر الشيوخ والتلاميذ على تنوع اختصاصهم وسعة آفاقهم، فيقول الإمام المناوي: «وكان مفرط الذكاء جدا، بحيث يضرب به المثل في ذلك»(3).
ومن مجموع ذلك يتضح لنا: أن الله تعالى قد وهبه عقلية واستعدادات متكاملة، قوامها حدة الذكاء، وجودة القريحة، وصحة الذهن، وقوة الذاكرة والفهم، وهذا من السمات الدالة على تكامل شخصية العراقي، كما يقرر علماء النفس(4)، ومن عناصر توثيقه باعتباره حافظا للسنة وراويا لها كما يقرر علماؤها(5)، وبواسطة تلك المواهب والقوى أتيح له بناء نفسه بناء سليما، ووصوله لمكان الريادة في رسالته العلمية، وخاصة حفظ السنة ونشر علومها، حتى حازت كفاءته إعجاب أساتذته وطلابه معا ثم من تلاهم.--------------------------------------------
(1) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة عبد الرحيم العراقي).
(2) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص 226.
(3) «مقدمتي شرحي المناوي الألفية العراقي في السيرة».
(4) «شخصيتك في الميزان» للدكتور عبد الكريم دهينة ص 74.
(5) انظر: «فتح المغيث» للعراقي جـ 2/2، 3، 33 - 35 و «فتح المغيث» للسخاوي جـ 2/ 276، 268.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)

وباستعراض ما تقدم عن شيوخ العراقي وتلاميذه وغيرهم لا نجد مبالغة في وصف نبوغه أفضل من قول شيخه الإسنوي: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ» فحمل ذلك على الحقيقة في رأيي غير ممكن؛ بدليل أن العراقي نفسه أثبت أنه قبل ما قرره بعض العلماء وأثبته في تأليفه ثم تبين له خطؤه، فأثبت في تأليف آخر رجوعه عنه(1).
ونبهه أيضًا تلميذه ابن حجر لبعض الأخطاء التي أوردها في تأليف له، فقرر أنه تبع فيها غيره، ثم أصلحها، وأثبت ولده أيضًا بعض الأوهام له كما سيأتي. على أن ذلك لا يقدح في توثيقه المتقدم وعبقريته العلمية المتفق عليها؛ لأنها أوهام يسيرة لا يبرأ منها غير من عصمه الله، فلا تمثل طعنًا بالنسبة له بدليل أن من أثبت بعضها كولده وكتلميذه ابن حجر، اعتمد كل منهما على آرائه ومؤلفاته الواردة فيها تلك الأوهام في بحوثهما ومؤلفاتهما، خاصة في مواطن الاستدلال والترجيح كما ستأتي أمثلة ذلك، كما أنهما أيضًا أثبتا له صفات التوثيق المتقدم نقلها عنهما.
ولعلي بهذا قد أثبت ما للعراقي وما عليه في هذا الصدد منعًا للمبالغة في توثيقه، ودفعًا لمظنة تجريحه بالوهم أو الغفلة.

‌‌جـ - عقيدة العراقي:
تطلق العقيدة على مجموعة المبادئ والقيم التي يدين بها الشخص وتستقر في قلبه ووجدانه، فتصبح جزءًا أساسيا من كيانه، وتتشكل على أساسها شخصيته، حتى يصدر عنها في أفكاره واتجاهاته، وينطلق منها في أقواله وأفعاله وسلوكه.--------------------------------------------
(1) انظر «التقييد والإيضاح» له ص 391، 392، 395، 396.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)

ومن هنا كان تبيين عقيدة الإنسان هو مفتاح شخصيته، وكان اختلاف المذهب الاعتقادي بين الفرق الإسلامية من أسباب الطعن في رواة السنة وحفاظها، وكانت طامة الوضع في الحديث، وثورات الفتن والبدع بسبب اعتقادات الفرق المثيرة للتعصب والهوى، حتى زمن العراقي كما أشرنا في حالة العصر(1).
ولهذا عُدّت معرفة عقيدة الراوي للسنة، والباحث فيها والمتصدي لجرح رجالها وتعديلهم مثل الحافظ العراقي، من ضمن أحوال الرجال اللازم بيانها واعتبارها عند التعريف بهم وبحث تراثهم والاستفادة منه(2).
إذ إن رواية الراوي ورأي العالم المؤيدان لعقيدته ومذهبه أو الطاعنان في مخالفه، قد يُحكم برد أيّ منهما، أو يتوقف فيه حتى يتوفر له دليل مُعتبر، أو عاضد من طريق آخر(3).
من أجل ذلك كله لزمنا بيان المذهب الاعتقادي للحافظ العراقي كجانب أساسي في شخصيته ومفتاح لها ودليل لتوثيقه وأساس لتقييم جرحه وتعديله لغيره، وكذا لتقييم عامة بحوثه في السنة ولكشف منزعه في آرائه ومواقفه.
وخير ما نعتمد عليه في ذلك ما يلي:
1 - طبيعة العصر الذي عاش فيه، من حيث ما ساد فيه عموما، من--------------------------------------------
(1) وانظر كذلك «البيان والتوضيح» لولي الدين ابن العراقي ص 2 (مخطوط مصور) و «شرح إحياء علوم الدين» لمرتضى الزبيدي جـ 1/ 51 و «فتح المغيث» للعراقي جـ 1/ 128، 129، 133، و «فتح المغيث» للسخاوي جـ 1/ 239، 240، 245 وجـ 2/ 304، 305.
(2) «شرح الإحياء» جـ 1 ص 51، 151.
(3) «فتح المغيث» للسخاوي جـ 1/ 307.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)

الاتجاهات والمذاهب الاعتقادية
2 - من لازم العراقي، وخَبَرَ حاله من تلاميذه.
3 - ما سجله هو بنفسه، في مجال العقائد، وما يتعلق بها.
فبالنسبة لطبيعة العصر، كما قدمنا، كان عصر مناصرة لأهل السنة والمحدثين، ومناهضة - لدرجة القتال - للشيعة وغيرهم من المبتدعين والملحدين، وكانت عقيدة الأشاعرة أكثر المذاهب انتشارًا، ونفوذا، في الأمصار الإسلامية، حينذاك شرقا وغربا، وكان من الحكام من حمل الناس عليها حملا، وعاقب المخالف لها، وكانت تشترط في تولي كثير من الوظائف التدريسية وغيرها في مدارس الحديث وغيرها من كبريات المدارس، في مصر والشام، وكذا في الخوانك، والزوايا، والربط(1).
ومع هذا، كان هناك انتشار قليل، وثبات لعقيدة السلف التي من أهم مميزاتها: نبذ الابتداع في الدين، وإثبات ما ورد من الصفات الإلهية، دون تأويل، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ومن أبرز من حمل لواءها في عصر العراقي، ولاقى المحن من مخالفيها، مع بطشهم وسلطانهم، الإمام أحمد بن عبد الحليم، المعروف بابن تيمية المتوفى سنة 728 هـ(2)، ومن بعده تلميذه الفذ،--------------------------------------------
(1) الخطط والآثار، للمقريزي 2/ 343، 344 - 5 «ذكر مذاهب أهل مصر ونخلهم … » و 358 (ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام، منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية، وطبقات الشافعية لابن السبكي 10/ 200) (ترجمة تقي الدين السبكي)، وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي/ 353.
(2) الخطط والآثار للمقريزي 2/ 258، 259 (ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام … ) والبدر الطالع للشوكاني 1/ 163 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)

محمد بن أبي بكر، المعروف بابن القيم، المتوفى سنة 751 هـ(1) رحمهما الله.
ولم تكن المجاهرة - حينذاك - بالانتماء لعقيدة السلف، كما يراها ابن تيمية، بالأمر الهين(2).
أما الصوفية، فكانت لهم طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، تناقض ما كان عليه السلف، ومع ذلك، كان ظهور أمرهم، وقبول الكثير منهم، لدى العامة والخاصة، والحكام، وأصحاب النفوذ، أمر لا يحتاج إلى تدليل.
ومن ذلك يظهر لنا، أن طبيعة العراقي، في اتجاهها العام، لم تتوفر فيها العوامل المساعدة على نصرة عقيدة السلف، متكاملة، رغم أنها الحق، المؤيد بالكتاب والسنة، والذي صلح به أول الأمة، وسلفها الصالح.
وبرغم ذلك كله، فإنه قد تيسر لنا - بحمد الله - من شهادة من لازم العراقي من تلامذته، ومما سجله العراقي بنفسه، ما يفيد التزامه العام بطريقة السلف الصالح، غير ملتفت لمن خالف، سواء كان أشعريا، أم صوفيا، أم غير ذلك
. 2 - فبالنسبة لتلامذته الملازمين، والمعاصرين له، نجد تقي الدين، محمد بن محمد، المعروف بابن فهد المكي، يقول: كان رحمه الله تعالى، صالحا خيرا، دينا، ورعا، عفيفا، صينا .. ، منجمعا(3) كثير الوقار، قليل الكلام، إلا--------------------------------------------
(1) الدرر الكامنة لابن حجر 4/21 وما بعدها، وابن القيم وموقفه من التفكير الإسلامي. للأستاذ الدكتور/ عوض الله حجازي/ 23، 40، 55.
(2) انظر البدر الطالع للشوكاني 1/ 267 (ترجمة سليمان بن حمزة، تقي الدين، ابن قدامة) و 1/ 67.
(3) أي يخلو بنفسه بعيدا عن الناس بعد أداء واجباته من التعلم والتعليم وغيرها من الواجبات المشروعة وهذه صفة ترد كثيرا في كتب التراجم بالنسبة للصوفية وهي من آدابهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)

في محل الضرورة، فإنه يكثر الانتصار، تاركًا لما لا يعنيه، … شديد التواضع، كثير الحياء، ليس بينه وبين أحد شحناء، حليمًا، واسع الصدر، طويل الروح، لا يغضب إلا لأمر عظيم، ويزول في الحال، ليس عنده حقد ولا غش ولا حسد لأحد، ولا يواجه أحدًا بما يكره، ولو آذاه، وعاداه، مع صدعه بالحق، وقوة نفسه فيه، لا يأخذه في الله لومة لائم … لا يهاب سلطانا، ولا أميرًا في قول الحق، وإن كان مُرًا، يتشدد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، كثير التلاوة(1) إذا ركب(2) ماشيًا على طريقة السلف الصالح من المواظبة على قيام الليل وصيام الأيام البيض من كل شهر والست من شوال والجلوس في محله مع الصمت إلى أن تطلع الشمس(3).
ويقره على ذلك التلميذ الملازم سبط ابن العجمي فيقول: «أن شيخه العراقي كان على طريق السلف من الدين والأوراد وإدامة الصوم وقيام الليل ومن رآه عرف أنه رجل صالح»(4).
ثم يذكر ابن حجر بعض الإضافات ويؤكد ما أثبته بالملازمة الطويلة له فيقول أنه «كان شديد التوقي في الطهارة وسليم الصدر متواضعًا، منجمعًا وقد لازمته فترة فلم أره ترك قيام الليل، بل صار له كالمألوف، وكان - غالبًا - إذا صلى الصبح استمر في مجلسه مستقبل القبلة، خاليًا ذاكرًا إلى أن تطلع الشمس، ويتطوع بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وستة شوال، وكان كثير--------------------------------------------
(1) أي قراءة القرآن.
(2) أي عند السفر والإنتقالات.
(3) «لحظ الألحاظ»، لابن فهد ص 228/ 229.
(4) «الضوء اللامع»، للسخاوي جـ 4/ 175.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)

التلاوة إذا ركب»(1).
وقال مرة ثانية: «ولازمته طويلا وكان لا يترك قيام الليل، وإذا صلى الصبح ذكر الله في مجلسه حتى تطلع الشمس ويصلي الضحى، ولم أر في مشايخي أحسن صلاة منه(2) وكانت مدة ملازمته له نحو عشر سنوات من آخر حياته كما سيأتي».
أما ولد العراقي ولي الدين الذي تقدم أنه لازم والده فوق الأربعين سنة حتى وفاته فقد وصفه بحسن المقصد وامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجد وتصديق وحسن نية.
ومن هذا يتضح لنا الإتفاق بين أكثر من واحد من الملازمين والمعاصرين له على صلاحه وورعه وسلامة صدره وضميره من الغش والحقد واقتصاره بعيدا عن الفتن والصراعات المذهبية التي سادت عصره كما أشرنا مع شجاعته في قول الحق دون أن تأخذه في ذلك لومة لائم، وحنكته التي تجمع بين الشدة واللين، وتضع كلا منهما موضعه، وإقرار شهود العيان بالتزامه بكتاب الله وسنة رسوله قولا وعملا التزاما قائما على الجد واليقين، خاليا من التكلف والتظاهر، بل هو كالمألوف له، مما يجعل من يراه يتملكه الإحساس بأنه أمام رجل صالح، ومن يعاشره يتأكد له مشيه على طريق السلف الصالح، ومن هذه المظاهر العديدة يمكننا الاستدلال على أنه كان في الجملة سلفي العقيدة، تابعا لأهل السنة والجماعة مجانبا لغيرهم من أهل البدع والإلحاد.--------------------------------------------
(1) (المجمع المؤسس) لابن حجر ص 178.
(2) «ذيل الدرر الكامنة» له ص 70 و (الأعلام) جـ 4/ ورقة 219 ب و (طبقات الشافعية) ورقة 111 أ كلاهما لابن قاضي شهبة و «بهجة الناظرين» للغزي ص 131 و (البدر الطالع) للشوكاني جـ 1/ 355.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)

ذلك أن السلف هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تلقوا عنه عقيدة الإسلام ونشروها وطبقوها في أنفسهم وأعمالهم وعلى منوالهم جرى التابعون لهم بإحسان والأئمة الصالحون وعقيدة أهل السنة هي الإيمان بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون والأئمة الصالحون بعدهم(1) وتفصيل فرقهم ومذاهبهم الاعتقادية في الله وملائكته وكتبه ورسله وعالمي الدنيا والآخرة، محله كتب العقائد(2) ومن عداهم ملحدون أو مبتدعون، وفرقهم وعقائدهم أيضًا مفصلة في محلها(3).
وسنورد بعض الأمثلة التفصيلية في محل تناول العراقي لها بمشيئة الله؛ لأن المقصود هنا بيان مذهبه الاعتقادي بصفة عامة.
وبالنسبة لما سجله العراقي بنفسه فإننا نذكر كذلك أمثلة عامة وندع التفاصيل المحلها.
فمن ذلك: أنه نسب نفسه لعلم الأثر، كما تقدم، واختص فعلا، بالتبحر فيه حتى لقب بـ «حافظ العصر»، وأقر له بذاك القاصي والداني، وأهل هذا العلم، هم أولى الناس بالتزام عقيدة السلف؛ لقيامها على ما أُثر، من الكتاب والسنة، وما جرى عليه سلف الأمة الصالح(4).
ومما سجله العراقي بنفسه أيضًا، تصديه لشرح كتاب (الاعتقاد الصغير)--------------------------------------------
(1) «أصول الدين» للبزدوي ص 235 - 237، 242 و 5 «شرح الإحياء» للزبيدي جـ 2/6، 7.
(2) انظر: «أصول الدين» للبزدوي ص 242 - 246 وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز 70 وما بعدها ط المكتب السلامي بتخريج الشيخ الألباني رحمه الله.
(3) المصدر السابق ص 237 - 240 و «تلبيس إبليس» لابن الجوزي ص 18 - 22.
(4) انظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث، للإمام إسماعيل الصابوني - ضمن المجموعة المنيرية 1/ 105

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

للبيهقي(1) وهو كتاب نص فيه البيهقي على أنه أودعه اعتقاد أهل السنة والجماعة وأقوالهم مبينا ما يجب على المكلف اعتقاده والإعتراف به وما ينبغي أن يكون شعارا للمؤمن في سلوكه، والأمر بالمعروف والنهي عن البدع مستندا في ذلك على الكتاب والسنة والعقل الصحيح(2).
وكتاب العراقي، في شرح كتاب البيهقي المذكور، لم يكمل، كما سيأتي، ولكن أنجز العراقي منه قدراً يسيراً، ثم لم يتيسر لي الوقوف عليه، ولا على بعض نقول عنه، رغم البحث والتتبع، غير أن ما ثبت لنا من الموضوع العام للكتاب المشروح، كما سبق، وما ثبت أيضاً من تصدي العراقي لشرحه، يدلنا على إلمامه العام بمشتملاته، ودرايته لها، وهذا مما يفيد - من حيث الجملة - انتماء العراقي لعقيدة أهل السنة والجماعة.
وهناك أمثلة تفصيلية من أقواله وآرائه في مؤلفاته وخارجها تؤكد إيمانه بهذه العقيدة وتتضمن رده على أشهر فرق المبتدعة والملحدين، ونقده لمن تبعهم.
فنجده يؤكد تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة من الاختلاف، ونهيه عن المحدثات في الدين واعتبارها ضلالة عقوبتها النار، ووصيته بتقوى الله وطاعة ولي الأمر الشرعي ولو كان عبدا حبشيا، وأمره بالحرص الشديد على سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده(3).
وفي هذا رد من العراقي على الشيعة الذين لا يقرون بالإمامة لغير سيدنا علي.--------------------------------------------
(1) مجموع ابن خطيب الناصرية (ترجمة العراقي) مخطوط.
(2) انظر الاعتقاد للبيهقي، مقدمته ص 33، وخاتمته ص 377 من طبعة دار الآفاق الجديدة، بيروت.
(3) «الباعث على الخلاص» له ص 2 (مخطوط بدار الكتب المصرية).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

رضي الله عنه(1) وعلى غلاتهم الروافض الذين يبغضون أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وعلى الخوارج المغالين في حب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حتى أبغضوا لذلك سيدنا عليا رضي الله عنه(2).
وأورد أيضًا ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن بعض أصحابه بشأن افتراق المسلمين فرقًا متعددة وتجاري الأهواء بهم، وتقريره صلى الله عليه وسلم أن جميع الفرق في النار إلا واحدة وهي الجماعة التابعة لما كان عليه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه(3).
ونجده أيضًا يقرر أن نضرة أهل الحديث تجلو ظلمة الابتداع وصداه(4) ويقرر اعتبار الشيعة من المبتدعة(5) لكنه لا يتحامل عليهم فلا يجرح منهم إلا الغلاة والدعاة لمذهبهم(6).
كما يبعد عن الاعتقاد الصحيح كلا من الفلاسفة(7) والمرجئة(8) والمعتزلة(9) والملحدين(10) وقد مثل ابن حجر للملحدين بمن يقول باتحاد الخالق بالمخلوق--------------------------------------------
(1) (تلبيس إبليس) لابن الجوزي ص 21.
(2) (أصول الدين) للبزدوي ص 236، 237.
(3) (الباعث على الخلاص) له ص 7 - 10.
(4) (الجواهر والدرر) للسخاوي ورقة 152.
(5) (فتح المغيث) له جـ 2/27 أصل و 28 أصل وهامش.
(6) (الجواهر والدرر) ورقة 52 و (فتح المغيث) له جـ 2/26، 27.
(7) انظر في التعريف بهم: (أصول الدين) للبزدوي ص 237، 240.
(8) المصدر السابق ص 252.
(9) المصدر السابق ص 249، 250.
(10) (بهجة الناظرين) للغزي ص 142.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

من الصوفية في عصره. وقد رد العراقي عليهم في هذا وفي غيره(1).
وقد وجدنا العراقي أيضًا يؤيد مذهب أهل السنة ويرد على القدرية(2) كما ينزه الله تعالى عن التشبيه(3)، والتجسيم(4) ويقر تأويل أهل العلم للقرآن والسنة واختلافهم في ذلك طلبا للصواب(5).
وأيضًا فقد قرر العراقي - علانية - في إحدى فتاواه، تلقيب تقي الدين ابن تيمية بـ (الشيخ الإمام)(6)، وهذا يرادف التلقيب بـ (شيخ الإسلام)(7). ومعروف أن ابن تيمية كان رائد عقيدة السلف، في عصر العراقي، كما قدمت(8) وكان تلقيبه - علانية - يمثل ما لقبه العراقي به، مما يعرض قائله للطعن في دينه، وللمخاطرة بحياته(9)، ومع ذلك سجله له العراقي وثبت عليه.
وفي رثائه لشيخه الإسنوي، يقول:--------------------------------------------
(1) البعث على الخلاص/ 14/ ب، 15/ أ، ب، وتنبيه الغبي على تكفير ابن عربي - للبقاعي/ 23، 52، 121 من الطبعة المعنونة بـ (مصرع التصوف) بتحقيق وتعليق/ عبد الرحمن الوكيل …
(2) (تكملة شرح الترمذي) له ورقة 1205، 212 ب (مخطوط بدار الكتب المصرية) وانظر (أصول الدين) للبزدوي ص 249، 250.
(3) (ألفيته في السيرة) (باب تأييده صلى الله عليه وسلم بمعجزة القرآن) / الأبيات من 13 - 17 (مخطوط بدار الكتب).
(4) (ألفيته في غريب القرآن) (البيت الخمسون ص 61 هامش كتاب (التيسير في علوم التفسير) للشيخ عبد العزيز الدريني).
(5) (تكملة شرح الترمذي) له جـ 1/ (ورقة 25 ب) (مخطوط مصور).
(6) ينظر الرد الوافر لابن ناصر الدين/ 180.
(7) الرد الوافر/ 50
(8) وانظر كذلك الرد الوافر/ 70.
(9) الرد الوافر 49، 50، 55، 56 والبدر الطالع للشوكاني 1/ 67.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

صحيح اعتقاد لم يكن متفلسفًا ولا شأنه إرجاؤها واعتزالها(1).
النتيجة:
وعلى ضوء ما تقدم يتجلى لنا سلامة عقيدة العراقي بالدلائل والقرائن، وبالتالي توثيقه بموجب القواعد النقدية لعلم الرجال المستندة على أدلة الشرع وطابع العصر وشهادة من لازم الرجل وخبر سلوكه العملي سنين طويلة حتى لقي ربه وعلى ما سجله هو بنفسه كما رأينا في أكثر من مؤلف ومناسبة، وهذا مما يجعلنا نسير على بصيرة واطمئنان في متابعة بقية جوانب شخصيته ثم في بحث تراثه العلمي وتقييمه بإذن الله.

‌‌د - أخلاق العراقي:
ما قدمناه عن أهمية العقيدة بالنسبة لشخصية الحافظ العراقي وتوثيقه ينسحب في غالبه على أخلاقه؛ لأنها في الاعتبار مكملة للعقيدة، سواء ما كان مظهرا تطبيقيا لها، كبعض المظاهر التي أوردناها كدليل على سلامة عقيدته، أو ما كان راجعا لطبيعته الفطرية لتأثره بها، أو ما كان مكتسبا من البيئة والثقافة لالتزامهما بها.
لهذا كان لابد من تجليتنا للجانب الخلقي من شخصية الحافظ العراقي استكمالا لتصويرها ولعناصر توثيقها، ونعتمد في هذا أيضًا على ما اعتمدنا عليه بالنسبة للعقيدة.
فنجد بالنسبة لعصره أن المقياس المعتبر للأخلاق هو التزام آداب الشريعة الإسلامية والاقتداء بالسلف الصالح ونبذ الغلو والابتداع، وقد تجلى ذلك.--------------------------------------------
(1) ينظر ص 185، وبهجة الناظرين ص 141.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

بأجلى صوره ومعانيه في شخص الحافظ العراقي، كما توفرت له البيئة والقدوة الصالحتان المعينتان على ذلك منذ صغره كما أوضحناه، هداه الله للاعتقاد الصحيح، ومنحه الاستعداد الطيب، والطبع المعتدل، والهمة العالية للتمسك والاقتداء الواعي.
ومصداق ذلك ما قدمنا في مظاهر اعتقاده وما نُضيفه ها هنا مما شهد به تلاميذه وقرره مؤرخوه؛ فقد اتفقوا على أنه كان دَيِّنا(1) أي شديد التمسك بأحكام الدين وآدابه، خَيِّرا(2) أي محبًا لحصول الخير للناس، ساعيا في إيصاله لهم، دون أن يمن بذلك أو يتطلع للعوض أو يتعالى؛ فقد كان متواضعا(3)، بل شديد التواضع حتى لا يرى له على أحد فضلا(4).
ومع ضيق عيشه كما قدمنا، فإنه اتصف بغاية الكرم والإيثار وأنه ليس للدنيا عنده قيمة، ولا يأكل طعامه وحده أبدًا(5)، وذلك هو جماع حقيقة الزهد(6) ورضاء النفس بمحصول سعيها.
وتخلق أيضًا بالورع والعفاف والصيانة(7) ومقتضى ذلك تجنبه للشبهات.--------------------------------------------
(1) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص 228، 234 و «الضوء اللامع» للسخاوي جـ 4/ 176.
(2) المصدر السابق ص 228.
(3) «المجمع المؤسس» لتلميذه ابن حجر ص 178 و «ذيل التقييد» لتلميذه التقي الفاسي ورقة 219 ب و «لحظ الألحاظ» لتلميذه ابن فهد ص 228، 229 و «الضوء اللامع» للسخاوي جـ 4/ 170.
(4) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص 228.
(5) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة عبد الرحيم العراقي).
(6) انظر «تعريفات» الجرجاني ص 61.
(7) «لحظ الألحاظ» ص 228، 229 و «الضوء اللامع» للسخاوي جـ 4/ 176.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

ومواقعها، فضلًا عن المحرمات، وترفعه عن الدنايا، وعن الخضوع لشهوات النفس والهوى(1)، ويؤيد هذا أنه لم يُعرف عنه تزلُّف ولا تملُّق لأحد، ولا تنازع على مطلب دنيوي، مع نسبة ذلك إلى كثير من المنتسبين للعلم والصلاح في عصره.
واتصف أيضًا بنقاء العرض(2)، مع وجود البغاء والمفاسد في عصره مترددة بين العلن والخفاء كما قدمنا، وقد أشار تلميذه ابن حجر لهذا في رثائه له حيث يقول:
فما فَتَتْهُ كأس بالتشام … ولا ألهاه ظبي باعتناق(3)
ونلاحظ فيما وصل إلينا من تفصيل طباع العراقي وسلوكه ومواقفه أنه قد جمع فيها بين الحسن والإتزان والتكامل، فمع شدة احتياطه في التطهر، لم يخرجه هذا إلى حد الوسوسة(4)، بينما أدى نحو هذا الاحتياط في العبادة بعض علماء عصره للوسوسة.
ومع اتصافه بالإقلال من الكلام(5) اتصف بأنه عند ضرورة نصرة الحق بالكلمة يكثر الكلام في نصرته(6).--------------------------------------------
= و «مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة».
(1) «تعريفات» الجرجاني ص 81، 131.
(2) و «لحظ الألحاظ» ص 229 و هـ «الضوء اللامع» جـ 4/ 175.
(3) «إنباء الغمر» لابن حجر ج 2/ 279 و «حسن المحاضرة» للسيوطي جـ 1/ 361 وفيها و «شغلته» بدل و «فتنته».
(4) «المجمع المؤسس» ص 178 و «الحظ الألحاظ» ص 228 و هـ «الضوء اللامع» جـ 4/ 175.
(5) «المجمع المؤسس» ص 178.
(6) و «مجموع ابن خطيب الناصرية» ترجمة (العراقي) و (لحظ الألحاظ) ص 228.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

ومع أنه كان يصدع في كلامه أرباب الشوكة والجاه(1) فإنه كان حلو المحاضرة(2) يقول النادرة والفكاهة الحسنتين(3).
وإلى جانب اتصافه بالإنجماع على نفسه وتركه لما لا يعنيه(4) فإنه لم يكن انطوائيا ولا سلبيا، بدليل ما سيأتي في نشاطه العلمي والاجتماعي ومخالطته في ذلك الخاص والعام، وإقامته العلاقات الودية مع فضلاء عصره ومع اتصافه بكثرة السكون والهدوء(5) وشدة الحياء حتى قل أن يواجه أحدًا بما يكره ولو آذاه وعاداه(6)، فإنه كان مقدامًا ذا مروءة ونخوة، قوي النفس في الصدع بالحق، لا يأخذه في الله لومة لائم، وإذا قام في أمر لا يرده عنه أحد، ولا يقوم شي دونه، ولا يهاب سلطانا ولا غيره في قول الحق وإن كان مرا(7). ولا شك أن عفته وغيرته وقوة يقينه بأن النفع والضر بيد الله وحده كل ذلك--------------------------------------------
(1) (المنهل الصافي) لابن تغري بردي جـ 2/ ورقة 313 أ و «الضوء اللامع» جـ 4/ 177.
(2) «المنهل الصافي» جـ 2/ 313 أ.
(3) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و «المجمع المؤسس»، ص 178 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 175.
(4) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و «المجمع المؤسس»، ص 178 و (الحظ الألحاظ) ص 228 و (الضوء اللامع) جـ 4/ 175.
(5) (المنهل الصافي) جـ 2/ 313 أ و «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي).
(6) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و «المجمع المؤسس»، ص 178 و (الحظ الألحاظ) ص 229 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 175.
(7) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و «المجمع المؤسس»، ص 178 و «الحظ الألحاظ»، ص 229، 234 و «المنهل الصافي» جـ 2/ 313 أ و «الضوء اللامع» جـ 4/ 176، 177 و (مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

مما أعانه على تلك الجرأة المحمودة في الحق.
وستأتي له أيضا بعض المواقف في سبيل السنة تدعم ذلك.
على أن هذا المسلك القوي لم يصل به إلى التعصب الممقوت، أو يخرجه إلى الغلظة أو الاندفاع، بل صاحبته حنكة، واتزان، فكان يتشدد في موضع الشدة ويلين في موضع اللين(1)، حليما واسع الصدر طويل الروح، لا يغضب إلا لأمر عظيم ويزول في الحال، وليس بينه وبين أحد شحناء، وليس عنده حقد ولا غش ولا حسد(2) وللناس به أُنس(3).
ومع اتصافه بالظرف(4) وطيب الروح وخفة الخاطر ولطف الطبع والمزاج(5) فإن ذلك لم يذهب بوفرة حرمته، وتمتعه بالمهابة والجلالة وكثرة الوقار(6).
هذا مجمل ما شهد به تلاميذ العراقي من أخلاقه الجبلية التي فطره الله عليها، والمكتسبة من بيئته وعلمه.
وليس منهم من ادعى الإحاطة بجميعها، بل شُفِعَتْ تلك الأوصاف التفصيلية بعبارات التعميم، كقول تلميذه التقي الفاسي: «وكان كثير--------------------------------------------
(1) «لحظ الألحاظ»، ص 229.
(2) المصدر السابق ص 228.
(3) (الضوء اللامع) جـ 4/ 178.
(4) «ذيل التقييد» للتقي الفاسي 220 أ.
(5) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و «المجمع المؤسس»، ص 178، و هـ «المنهل الصافي» جـ 2/ 313 أ.
(6) «لحظ الألحاظ» ص 229 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 175.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

الفضائل والمحاسن»(1).
وكقول تلميذه الأقفهسي: «ومحاسنه كثيرة»(2).
وقول تلميذه ابن فهد: «وكان ذا أخلاق حسنة، ومحاسنه جمة»(3).
وكقول تلميذه برهان الدين الحلبي: «وكان كريم الأخلاق حسن الشيمة والأدب ومحاسنه كثيرة»(4).
وقد كان هذا مما جعل الشوكاني يقول: «وقد ترجمه جماعة من معاصريه ومن تلامذته ومن بعدهم، وأثنوا عليه جميعا وبالغوا في تعظيمه»(5).
ويعتبر ما سجله العراقي بنفسه في مؤلفاته وما سيأتي من مواقفه مطابقا لكل ما ذُكر عنه بالتفصيل وأشير إليه بالإجمال.
ففي نهاية كتابه في أحاديث الأحكام، عقد عدة أبواب للأخلاق الواردة في السنة والتي ينبغي على المؤمن إلتزامها في نفسه وأهله، ومن بينها ما سبق اتصافه به، كحفظ المنطق والتواضع، والنهي عن الكبر والعجب(6) ورجاء الله وخوفه(7).
في حين نجد غيره ممن ألف في أحاديث الأحكام بإيجاز كالحافظ المقدسي--------------------------------------------
(1) هـ ذيل التقييد، له ورقة 219 ب.
(2) هـ الضوء اللامع، جـ 4/ 176.
(3) و «لحظ الألحاظ» ص 229، 234.
(4) هـ الضوء اللامع، جـ 4/ 175.
(5) هـ البدر الطالع، جـ 1/ 355.
(6) و تقريب الأسانيد، له ص 164 - 168.
(7) المصدر السابق ص 170، 171

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

في كتابه (عمدة الأحكام) يُخلي تبويبها من ذلك كلية، مع أن شرط العراقي في كتابه، وهو أصح الأسانيد، أضيق دائرة، من شرط المقدسي، في كتابه، وهو اتفاق البخاري ومسلم على ما يورده. فهذا دليل على اهتمام العراقي بالأخلاق واعتبارها جزءًا لا ينفصل من أحكام الإسلام.
كما نراه في تأليف آخر يشيد بترفع الصحابة عن الدنيا الدنيَّة وتطلعهم إلى الملأ الأعلى واجتهادهم في عبادة الله(1) ويشيد فيه أيضًا بهمة بعض حكام عصره في إزالة بعض أماكن شرب الخمر بالقاهرة، وكسر مستودعاته، وعَدُّ ذلك من حسناته الكبار(2).
وتجدر الإشارة إلى أن إشادته بهذا العمل، كانت بعد وفاة فاعله، مما يثبت نزاهة قصده وتمجيده للفعل لذاته، ولفاعله في غيبته.
كما أثنى في نفس الكتاب على ما أودعه الله في قلب الشيخ تقي الدين القنائي السابق ذكره، من شدة رقة القلب والرحمة لسائر خلق الله(3).
هذا بالإضافة إلى ما سيأتي في مؤلفاته مما خصه بالأخلاق الإسلامية التي لاحظ تخلي معاصريه عنها أو تهاونهم فيها، وما خصه بالدعوة للتأسي بالسلف الصالح، ونبذ الفرقة والنزاع، ومحاربة الابتداع في الدين باسم العلم أو التصوف، ومطالبة ولاة الأمر بالقيام بواجبهم الشرعي في هذا الصدد، كما سيأتي بيان نهوضه بإبطال بعض البدع أيام توليه قضاء المدينة المنورة،--------------------------------------------
(1) (تكملة شرح الترمذي) له جـ 1/ ورقة 1 ب (مخطوط مصور).
(2) المصدر السابق ورقة 28 ب نسخة دار الكتب المصرية (مخطوطة).
(3) المصدر السابق ورقة 18 ب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)

وسيأتي كذلك من نماذج نقده للرجال وتقييمه للجهود العلمية، ما يثبت عفة لسانه ونزاهة ضميره واعتدال نظرته.
ومن كل هذا يتضح لنا أن تطابق ما سبق من طباعه وسلوكه الشخصي مع أقواله، وتوافق أخلاقه قولاً وعملاً مع غيرته الدينية واعتقاده الإسلامي الصحيح كما سبق، ومع علمه بالكتاب والسنة كما سنفصله، فلم يكن يقول ما لا يفعل، ولا يُظهر خلاف ما يبطن، أو يناقض مسلكه في حياته عِلْمَه، حتى سأل الله تعالى أن لا يجعل علمه عليه وبالاً(1) وامتدح غير واحد ممن ترجمهم بالجمع بين العلم والعمل.
ويتبين لنا إذا أن الله تعالى كما منحه رجاحة العقل ونقاء الضمير، حباه بقوة الإرادة ومضاء العزيمة، مع اعتدال الطبع والإتزان الذي جعل زمام نفسه بيده، فيلين في موضع اللين، ويشتد في موضع الشدة، ويتجرد من التكلف والتنطع والتغالي، ويتحلى بخفة الروح ولطف الدعابة مع احتفاظه بهدوء العالم، ووقاره وظهور مسحة الصالحين عليه.
كما يظهر لنا كذلك تأثره المحمود بأسرته وبيئته الجامعتين بين العلم بالكتاب والسنة وبين العمل بمقتضاهما.
وقد جاهد نفسه حتى استقرت على ذلك(2).
وعلى أساس هذا كله يمكننا أن نقرّر: سلامة الجانب الخلقي من شخصية.--------------------------------------------
(1) «التقييد والإيضاح» له ص 12.
(2) انظر إشارته لذلك في بعض خطبه الوعظية بـ «مجموع ابن خطيب الناصرية» (خطبة الحافظ العراقي).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)

الحافظ العراقي وتكامله بحيث يعتبر - بلا مبالغة - أنموذجا أخلاقيا طيبًا لأسرته وبيئته، وقدوة رائدة للعلماء العاملين بعلمهم الغيورين على مبادئهم، ومثلا يحتذى رغم ابتعاده عن التمشيخ والادعاءات. وبالتالي يثبت له العنصر المتمم لما قدمناه من عناصر توثيقه وهو السلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة.

‌‌النتيجة العامة:
ومما تقدم عن أوصاف العراقي الظاهرية ومواهبه العقلية وعقيدته وأخلاقه، يثبت لنا بلوغه الغاية في استكمال صفات التوثيق من الضبط والعدالة التي تقضي قواعد علم الرجال بتوافرها في طالب السنة وراويها وحافظها والمتصدي لأعباء نشرها وإحياء علومها باللسان والقلم، كما هو شأن العراقي فيما نواصل عرضه من جوانب شخصيته وآثاره في السنة، والله الموفق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)