دراسات العراقي الأولى والعامة
بعد أن ثبت لنا صلاحية العراقي لحمل رسالته العلمية يتأتى لنا متابعته عبر مراحلها المختلفة من البداية حتى النهاية، ورصد نتائجها سلبا أو إيجابا في تكامل شخصيته وتنوع آثارها في السنة وعلومها بعون الله.
حفظه للقرآن الكريم:
وقد سار العراقي في تعليمه على المنهج المتعارف عليه في عصره وموطنه كما بيناه في حالة العصر العلمية.
فبعد تعلم القراءة والكتابة شرع في حفظ القرآن الكريم وأتمه وهو في الثامنة من عمره كما أثبت ذلك ولده أبو زرعة بخطه وتناقله عنه المؤرخون(1) وهو سن متوسط بين التبكير والتأخير بالنسبة لعصره، حيث وجد من حفظ القرآن وهو أصغر(2) أو أكبر(3) من ذلك بقليل، ولكن لم أجد ذكرًا لمن علمه القراءة والكتابة، وحفظه القرآن، ولا بيانا لمكان ذلك من القاهرة وضواحيها، ولعله تم في مسقط رأسه ومحل إقامة أسرته حينئذ وهي «منشاة المهراني» حيث كانت كما تقدم عامرة ببيوت العبادة.
وقد كان يلحق بها - في العادة - مكاتب تمثل المرحلة الإبتدائية في عصرنا، ويتعلم فيها الطفل القراءة والكتابة ويُحفظ القرآن ومبادئ العلوم الإسلامية،.--------------------------------------------
(1) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) وهامش «المجمع المؤسس» لابن حجر. ص 176 (نسخة دار الكتب رقم 453) مصطلح الحديث.
(2) «المجمع المؤسس» ص 216.
(3) «الجواهر والدرر» ورقة 17 ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
ثم ينتقل بعد هذا إلى حلقات العلم وشيوخه بالمساجد والمدارس وغيرها كما قدمنا في الكلام على العصر
دراسته الفقهية والأصولية:
ولما كان علم الفقه في مقدمة علوم العصر كما أشرنا في الكلام عليه أيضًا فإن أول ما ذكره المؤرخون للعراقي بعد حفظ القرآن الكريم، حفظ كتاب «التنبيه»(1). وهو كتاب مشهور موجز في فقه المذهب الشافعي، الذي تمذهب به العراقي كما أسلفنا، وتقع بعض نسخه المطبوعة في 160 صفحة، وقيمته في تعليم العراقي تظهر من قول مؤلفه(2) في مقدمته. وهذا كتاب مختصر في أصول المذهب، إذا قرأه المبتدئ وتصوره، تنبه على أكثر المسائل، وإذا نظر فيه المنتهي تذكر به جميع الحوادث إن شاء الله(3).
ولعل هذا مما جعله محل العناية، حفظًا ودراسة وشرحًا، حتى عصر--------------------------------------------
(1) (المجمع المؤسس) ص 176 و «ذيل الدرر الكامنة» ص 70 و (إنباء الغمر) جـ 2/ 276 ثلاثتهم لابن حجر، و «الأعلام» (جـ 4/ 214) و (طبقات الشافعية) ورقة 110 ب وكلاهما لابن قاضي شهبة و «بهجة الناظرين» للغزي ص 129 و (لحظ الألحاظ) / 221 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 171، و «شذرات الذهب» جـ 7/ 55 و (مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة)
(2) هو إبراهيم بن علي المشهور بالشيرازي المتوفى سنة 476 هـ، انظر «طبقات الشافعية للسبكي ج 3/ 88»
(3) (مقصد التنبيه في شرح خطبة التنبيه) لمحمد ابن جماعة ص 2
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
العراقي، رغم تأليفه في سنة 402 هـ(1) ولم أجد من عني بتحديد شيخ عرض عليه العراقي هذا الكتاب بعد حفظه، تبعًا لجريان المنهج التعليمي حينئذ لمختلف العلوم النقلية حتى علم الخط(2) على منهج المحدثين في تلقيهم السنة وعلومها بالسند من الشيوخ كما سيأتي، ولذلك نجد في ترجمة تقي الدين السبكي شيخ العراقي مثلاً، أنه عرض محافظه من كتاب «التنبيه» المذكور وغيره، أي قرأها من حفظه، على ابن بنت الأعز وغيره من مشاهير عصره(3).
ونجد في ترجمة ابن حجر تلميذ العراقي أيضًا، أنه حفظ كتبا من مختصرات العلوم وعرضها على العادة على جماعة، من أئمة العصر، وكتبوا خطوطهم بذلك(4).
وقد حَصَلْتُ بحمد الله على تحديد العراقي لذلك بالنسبة لنفسه، حيث ترجم لقاضي القضاة وشيخ خانقاه أرسلان، التي ولد بجوارها، وهو علم الدين علي بن محمد الإخنائي الشافعي المتوفى سنة 749 هـ.
وقال: عرضت عليه (التنبيه) وأخذت عليه عدة دروس فيه(5) فلعل من ترجموا للعراقي، قد استغنوا بشهرة ذلك عن ذكره، واكتفوا بدلالة ذكر محفوظاته على عرضها، تبعًا لمنهج العصر، حتى إنهم ذكروا حفظه لعدة--------------------------------------------
(1) «فهرس مكتبة الأزهر» جـ 2/ 479.
(2) (الجواهر والدرر) ورقة 29 ب.
(3) «طبقات السبكي» جـ 6/ 149.
(4) «الجواهر والدرر» ورقة 18 أ.
(5) «الأعلام» لابن قاضي شهبة ج 1/ 95 ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
كتب أخرى - غير التنبيه - دون إبداء أي تفصيلات عنها(1).
واهتم بعضهم فقط بذكر بعض التفصيلات عن كتابين سوى «التنبيه» أحدهما في الحديث وسيأتي.
والثاني في الفقه الشافعي أيضًا ويُعرف بـ «الحاوي الصغير» تأليف الإمام عبد الغفار المشهور بالقزويني المتوفى سنة 665 هـ(2) وهو أوسع قليلًا من «التنبيه»، فبعض نسخه الخطية تبلغ 128 ورقة متوسطة، ويجمع بين وجازة اللفظ ودقة المعنى وحسن التصنيف، ولذا عكف عليه العلماء نظمًا وشرحًا(3).
وكان من شيوخ العراقي من يحث طلابه على الاشتغال به ومن علماء عصره من كان يمتدح بحفظه وتدريسه(4).
وقد أراد العراقي أن يجمع بين حفظه ودراسته، فاتجه بذلك إلى أحد شيوخه وهو الشيخ برهان الدين إبراهيم بن لاجين الرشيدي الذي عُرف بإجادة عدة علوم حتى علم الطب، وإن اشتهر بالتصوف، وكان يدرس لطلبته في الأصول كتاب ابن الحاجب وفي الفقه كتاب الحاوي المذكور، وتوفي بظاهر القاهرة سنة 749 هـ(5) وحكى العراقي أنه قال له: «أريد أن أحفظ الحاوي في شهر، فقال الشيخ: لا يمكن، فأصر العراقي قائلا: لابد--------------------------------------------
(1) «ذيل الدرر الكامنة» ص 70 لابن حجر و «الأعلام» جـ 4/ 219 أو «طبقات الشافعية» ورقة 110 ب وكلاهما لابن قاضي شهبة و «بهجة الناظرين» ص 129 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 172.
(2) «طبقات الأسنوي» ص 77 (مخطوط بدار الكتب المصرية).
(3) «كشف الظنون»، 620، 627.
(4) «الدرر الكامنة»، جـ 2/ 3909.
(5) «طبقات الأسنوي» ص 117 و «الدرر الكامنة» لابن حجر جـ 1/ 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
لي من ذلك(1). فما كان من الشيخ إلا أن قال له: إفعل ما بدا لك ولكنك لا تتمه»(2).
ومع هذا لم يتراجع العراقي عن عزمه، حيث قال: «وشرعت في درسه فحفظت النصف في 12 يوما، ثم عرض لي ضَعْف، فتركت الدرس ولم يتيسر لي بعد ذلك أن أعود إليه»(3).
قال السخاوي: «وعُدَّ ذلك في كرامات البرهان الرشيدي»(4).
وحفظ العراقي لنصف هذا الكتاب في 12 يوما دليل على تمتعه الكبير بملكة الحفظ حينئذ، لأن الحافظ العادي من معاصريه كان يحفظ مثل هذا القدر في نحو 3 شهور(5).
ولعل هذا ما جعل شيخه الرشيدي يعارضه في تحديد مدة حفظ الكتاب بشهر واحد.
وما قرره العراقي بنفسه عن تلك الخطوة التعليمية وموقفه من هذا الكتاب كما ترى، يرفع الشك والتجاوز اللذين وَرَدَا بشأنه في أكثر من مرجع ويصحح تفسير بعض المترجمين للموقف بما يخدش موهبة الحفظ المشهور بها العراقي.--------------------------------------------
(1) «الدرر الكامنة» جـ 1/ 77 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 172.
(2) «الضوء اللامع» جـ 4/ 172.
(3) «الدرر الكامنة» جـ 1/ 77.
(4) «الضوء اللامع» جـ 4/ 172.
(5) انظر «الدرر الكامنة» جـ 1/ 463 حيث ذكر أن الأسنوي شيخ العراقي مع نباهته حفظ كتاب «التنبيه» في 6 أشهر وهو أقل كما من «الحاوي».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
فقد صرح بسبب توقفه عن مواصلة حفظ الكتاب، وهو حدوث ضعف مفاجئ له، ويظهر أنه مَرَضِي بحيث منعه من حضور الدرس فترة.
بينما نجد ابن فهد(1) والمناوي(2) يذكران أن عدم إتمامه لحفظ الكتاب يرجع إلى أنه مله فتركه، وهذا يخالف ما صرح به العراقي؛ لأن تركه للملل من حفظه، غير تركه لضعف منعه منه ومن غيره كحضور الدرس، فالأول يخدش ما قدمناه من تمتعه بقوة الحافظة وسلامتها ما دام بعافية، بعكس الثاني، وقد ظن العراقي نفسه كما أشار ابن حجر عند سياق كلامه المتقدم(3) أن عروض هذه الوعكة المفاجئة وانشغاله بعدها، بحيث لم يتيسر له العودة لإتمام حفظ الكتاب رغم استعادة نشاطه العلمي، تُعدُّ كرامة لشيخه حال حياته، عندما عارض العراقي توجيهه، وقد صرح السخاوي بهذا كما ذكرنا، وبهذا ينتفى عن العراقي الوصف بالملل من إتمام حفظ الكتاب، كما ينفي عنه ما قد يُفهم من معاندته أو سوء سلوكه مع أساتذته، الأمر الذي يقدح فيما قدمناه من حسن خُلُقه عموما.
ويمكننا تفسير تصميمه الأول في مواجهة أستاذه، وشروعه في حفظ الكتاب رغم معارضته، بأنه مجرد إظهار لرغبته القوية في التحصيل لكونه في بداية الطلب، مع إحساسه بقوة حافظته وتمتعه بقوة العزم والإرادة كما قدمنا في مواهبه، ويضاف لذلك أيضًا أن كثرة المحفوظات كانت مقياسا لرفعة قدر صاحبها عالماً أو متعلما، ولا سيما إذا اقترنت بالفهم، وكانت سرعة الحفظ--------------------------------------------
(1) و لحظ الألحاظ، ص 227
(2) و «مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة»
(3) هـ الدرر الكامنة، ج 1/ 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
يمتدح ويكافأ صاحبها(1).
كما أن الكتاب نفسه كانت له أهميته كما ذكرنا، ولهذا فإن انصراف العراقي عن إتمام حفظه لم يصرفه كلية عنه؛ بل درسه باستفاضة مكنته من التصدي لشرحه فيما بعد(2). فلعل تلك الاعتبارات مجتمعة تضع تصرف العراقي في هذه الخطوة التعليمية في إطار معتدل.
كذلك يفيدنا تصريحه بأنه حفظ نصف الكتاب في 12 يوما ولم يعد ثانية لإتمام حفظه، في قطع شك ابن حجر في أن شيخه أخبره بحفظ النصف في 12 أو 15 يوما(3)؛ لأن ابن حجر نفسه هو الناقل لهذا التصريح القاطع بـ 12 يوما، ولعله تأكد من ذلك بعد الشك المشار إليه.
وينفي تصريح العراقي هذا أيضا ما قطع به المناوي من أنه حفظ أكثر الكتاب، وحفظ النصف في 15 يوما(4).
وينفي أيضا: قطع ابن فهد بأنه حفظ أكثر الكتاب في 12 يوما وقوله: وقيل إنه حفظ جميعه في 15 يوما(5).--------------------------------------------
(1) «لحظ الألحاظ»، ص 227.
(2) انظر «المجمع المؤسس»، ص 216، 217، 218.
(3) «المجمع المؤسس»، ص 177.
(4) انظر «مقدمة شرح المناوي المتوسط لألفية العراقي في السيرة» (نسخة مكتبة الأوقاف العامة بطرابلس الغرب ليبيا) و «مقدمة الشرح الموجز» (نسخة مكتبة الأزهر برقم (1978) سيرة وتاريخ حليم).
(5) «لحظ الألحاظ»، جـ 221.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
وينفي أيضا: قطع الشوكاني بأنه حفظ الكتاب بأكمله(1) فليتنبه لذلك من يقف على كلام هؤلاء في مصادره المشار إليها أو غيرها.
وبعد تحريرنا لوجه الصواب في تلك الخطوة من مسيرة العراقي العلمية وتقييمها، ننتقل معه إلى خطوة أخرى حيث واصل دراسته للفقه وأصوله، فحضر فيهما دروس الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد المعروف بابن عدلان وكان شيخ الشافعية في زمانه ومضرب المثل في دراية الفقه وأصوله وتوفي بالقاهرة سنة 749 هـ(2) ولم يكتف بمجرد الحضور المتقطع بل واظب مواظبة تامة على دروس بعض شيوخ عصره وذوي الكفاءة العلمية والخبرة التربوية وحسن الخلق.
ويُعبّر المؤرخون عن تلك المواظبة بالملازمة فيقولون(3): إن العراقي لازم الفقيه الشيخ عماد الدين محمد بن إسحق البلبيسي وقرأ عليه في الفقه، فتفقه به، وهو أحد حفاظ المذهب، وكان يحث على الاشتغال بكتاب (الحاوي) السابق ذكره، صبورًا على الاشتغال بالعلم والتعليم ودروسه لا تمل؛ لكثرة تفننه، فانتفع به خلق كثير وتوفي بالقاهرة سنة 749 هـ(4) ولازم أيضًا الشيخ--------------------------------------------
(1) (البدر الطالع) جـ 1/ 354.
(2) الدرر الكامنة 3/ 423.
(3) «مجموع ابن خطيب الناصرية» ترجمة العراقي و هـ «المجمع المؤسس» ص 176 (هامش) و (لحظ الألحاظ) ص 226، 227 و 5 الضوء اللامع و جـ 4/ 172 و 1 «مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة» و «البدر الطالع» (جـ 1/ 354، و هـ شذرات الذهب) ج 6/ 164، و ا «حسن المحاضرة» جـ 1/ 179.
(4) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و (المجمع المؤسس) ص 176 و «الدرر الكامنة» جـ 4/ 472 و و «لحظ الألحاظ» ص 227 و «الضوء اللامع» ج 4/ 172 =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
جمال الدين الإسنوي مدرس الشافعية بالقاهرة ومفتيهم فأخذ عنه الفقه وأصوله(1) وعظم تأثيره فيه كما سيأتي.
وأخذ علم الأصول أيضًا عن الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد «ابن اللبان» الذي درس بضريح الإمام الشافعي، وعُرف بالعلم والتصوف، وأثنى عليه العراقي بالجمع بين العلم والعمل، وتخرج به جماعة من الفضلاء وتوفي بالقاهرة سنة 749 هـ(2).
كما تفقه أيضًا بأبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان العطار الدمشقي(3) وأخذ الفقه وأصوله عن تقي الدين السبكي والعلائي وابن كثير(4).
ويُعتبر العلائي من شيوخه الذين لازمهم(5).
وسيأتي أخذه علومًا أخرى غير الفقه والأصول عن عدد من هؤلاء الشيوخ أيضًا تبعًا لما جرى به العُرف حينئذ من اشتغال العالم بجانب تخصصه بما يجيده من العلوم الأخرى.--------------------------------------------
= و «حسن المحاضرة»، جـ 1/ 179.
(1) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و «المجمع المؤسس» ص 176 و «لحظ الألحاظ» ص 226 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 172 و «مقدمتي شرح المناوي لألفية السيرة» و «شذرات الذهب» جـ 6/ 223 و «غاية النهاية» لابن الجزري جـ 1/ 382.
(2) و «لحظ الألحاظ» جـ 1/ 226 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 172 و «حسن المحاضرة» جـ 1/ 280.
(3) «شرح إحياء علوم الدين» جـ 2/ 300 و «المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة» لمحمد عبد الباقي اللكنوي ص 144، 145.
(4) «مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة» و «شرح الزبيدي للإحياء» جـ 2/ 300.
(5) و «لحظ الألحاظ» ص 225.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل على الباحث الآن استيعاب جميع شيوخ العراقي في علم من العلوم التي تلقاها في دراسته العامة التي نحن بصددها، أو في مجال تخصصه وهو علم السنة كما سيأتي، وذلك لاعتراف مؤرخيه بكثرة من تلقى عنهم العلم جدًا، وبعدم الوقوف على مصدر جامع ولو لمعظمهم حتى في عصره، كما سنوضحه في بيان شيوخه في علوم السنة وسنذكر هناك بعض المصادر المشتملة على كثير من شيوخه بصفة عامة.
ويذكر المؤرخون أن اجتهاد العراقي في الطلب حفظًا وفهمًا ومواظبة على التلقي عن أئمة العصر جعله يتقدم في علمي الفقه وأصوله بدرجة شهد له بها أبرز شيوخه كما سيأتي، وتميز في الإلمام بهما حتى أقدم على التأليف(1).
غير أننا لم نجد أحدًا من المترجمين يُحدّد زمن تصديه للتأليف، ولا زمن تخرجه أو إجازته ولا من خرّجه أو أجازه في هذين العلمين مع أن لهذا أهميته في بيان العمق العلمي له وتوثيقه حيث كان التعليم في عصره كما أشرنا من قبل جاريًا في عمومه على منهج المحدثين في تلقي السنة بالسند المتصل عن الشيوخ، وبناء عليه كان المنهج المعتمد لتلقي العلوم هو قراءة المؤلفات فيها للمتقدمين والمتأخرين على من له سند بها من الأساتذة سواء كانت قراءة من الحفظ أو من الكتاب، أو السماع من الأساتذة، أو من غيرهم بحضرتهم، أو الحصول على إجازتهم أو مناولتهم وغير ذلك من طرق تلقي السنة كما سيأتي، مع إثبات الشيخ ذلك كتابة للطلبة والمستجيزين حتى يثبت لهم اتصال السند.--------------------------------------------
(1) «لحظ الألحاظ» ص 227 و «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
بمصادر العلم وتصح نسخهم منها، فيحق لهم الاعتماد عليها في نشاطهم العلمي بعد ذلك قضاءًا أو إفتاء أو تدريسا أو تصنيفا، وعندما يلازم الطالب شيخا ويكثر التلقي عنه والبحث بين يديه يَظْهَرُ للشيخ إستيعابه لأصول العلم وفهمه لمسائله وصلاحيته للإستقلال في البحث والإفادة والإفتاء، يكتب له بذلك ويلقبه باللقب العلمي الذي يستحقه، وقد يحصل عليه من أكثر من شيخ في علم واحد، وبالعكس(1) وكلما حصل الطالب ذلك في سن مبكرة وفي فترة قصيرة ومن أكثر من واحد، كلما كان دليلا على همته ونشاطه وعمقه العلمي، وكلما ثقل الوزن العلمي لمن خرَّجه دل ذلك على عظم مكانته العلمية وتوثيقها.
ومن أجل ذلك كله كان حرصنا على تحديد زمن تخرج العراقي في الفقه وأصوله، ومن خرجه فيهما من شيوخه، بينما أغفله مؤرخوه قديما وحديثا، ولعلنا نستطيع إعطاء تقدير تقريبي من خلال الرجوع لبداية طلبه والنظر في أحوال شيوخه المتقدمين وطريقة تلمذته لهم.
فبالنسبة لأوائل طلبه: يذكر ابن حجر أن والد العراقي كان يحضره عند المشايخ فيَسْمَع منهم وهو ابن عشر سنين(2).
ثم نجد من شيوخ العراقي أربعة وهم: برهان الدين الرشيدي وعماد الدين البلبيسي وابن عدلان وابن اللبان، قد دَرَّسوا بعدة أماكن بالقاهرة وضواحيها حتى توفوا خلال سنة 749 هـ، كما قدمناه، فلابد أن يكون العراقي بما عرف من سماعه من الشيوخ من صغره ونشاطه البالغ في التحصيل قد أجيز.--------------------------------------------
(1) «الجواهر والدرر» للسخاوي 19 ب، 22 أ، 52 ب و «المجمع المؤسس» / 218.
(2) «الدرر الكامنة»، جـ 3/ 385.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
من هؤلاء الأربعة فضلا عن غيرهم قبل تاريخ وفاتهم المذكور.
وقد صرح بنفسه فيما تقدم بحفظ نصف «الحاوي» في 12 يوما، مع دراسته على الرشيدي، بل مقتضى ما أسلفناه من قراءته على البلبيسي وملازمته له أن يكون قد خرجه على منهج العصر الذي أوضحناه، وكذلك قد ذكر ابن حجر تلمذة العراقي للسبكي قبل انتقال السبكي للشام لتولي قضائها سنة 739 هـ(1) واتفق المترجمون للإسنوي - بما فيهم العراقي نفسه - على أنه جلس للتدريس بالقاهرة سنة 727 هـ(2)، وبذلك تهيأ للعراقي من ملازمته له وبحثه عليه ما يكفي لبلوغه مرحلة التخرج عليه في وقت مبكر وإن استمرت تلمذته له إلى قرب وفاته سنة 772 هـ كما سيأتي، لأن التخرج مجرد مرحلة دراسية وليست نهاية.
وقد ذكر ابن فهد والسخاوي اتجاه العراقي للتخصص في القراءات وانهماكه فيها مدة، ثم عدوله إلى السنة سنة 742 هـ، ومقتضى ذلك كله أن يكون قد أجيز بعلم الفقه وأصوله من غير واحد من شيوخه بالقاهرة وضواحيها وتخرج ببعضهم وذلك قبل سنة 742 هـ على الأقل، حتى يسوغ اتجاهه للتخصص في علم آخر، وقد كان العراقي آنذاك في السابعة عشرة من عمره، وهو سن ملائم لتخرج أمثاله في عصره، كسراج الدين البلقيني(3).
أما كل من العلائي وابن كثير وأبي الحسن العطار، فهم من شيوخه بالشام،--------------------------------------------
(1) «المجمع المؤسس»، ص 176 و «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ 6/ 154.
(2) و «شذرات الذهب» جـ 6/ 223 و «الدرر الكامنة» جـ 1/ 464 و «بهجة الناظرين» للغزي ص 134.
(3) «المجمع المؤسس»، ص 218.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
وقد كانت أولى رحلاته إليها في سنة 754 هـ كما سيأتي في طلبه الحديث، وهذا لا يمنع سبق تخرجه على غيرهم كما أوضحنا، ولعل المؤرخين للعراقي وخاصة تلاميذه ومعاصريه لم ينصوا على إجازته وتخرجه اعتمادًا على ذكرهم ما يقتضي ذلك من أخذه عن الشيوخ المتقدمين قراءة وسماعًا وملازمته المشاهيرهم، وبيانهم إبداءه من المباحث القيمة أمام شيخه الإسنوي ما جعله يثني على فهمه، ويمتدحه ويستحسن كلامه في الأصول ويصغي لمباحثه، ويقول: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ»(1).
كما قرروا أنه كان عالمًا بالفقه والأصول(2) وذكروا مؤلفاته الآتية فيهما وتدريسه الفقه في المدرسة الفاضلية، أعظم مدارس القاهرة حينذاك، وفي غيرها(3) وتصديه للفتوى شفويًا وتحريريًا في حياة شيوخه، وتوليه القضاء كما سيأتي، وكل ذلك لا يكون إلا بعد تحقق الكفاءة والتخرج، فضلا عن الإجازة. وقد وقفت على نص إجازته لتلميذه ابن حجر بالتدريس والفتوى بما علمه من مذهب الشافعي(4)، وفاقد الشئ لا يعطيه فدل ذلك كله ضمنًا وواقعًا على ثبوت تخرج العراقي في علم الفقه وأصوله وإجازته من شيوخه فيهما بالفتوى والتدريس والتأليف بل كان شيخه الإسنوي يوجه الطلبة إليه ويحثهم على كتابة مؤلفاته(5).--------------------------------------------
(1) هـ «الضوء اللامع» جـ 4/ 172 و و «لحظ الألحاظ» ص 226.
(2) و «ذيل التقييد» 219 ب و هـ «مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية السيرة» و (البدر الطالع) ج 1/ 355 و و «لحظ الألحاظ» ص 227، و (الضوء اللامع) ج 4/ 175.
(3) هـ «الضوء اللامع» جـ 4/ 174.
(4) (الجواهر والدرر) 5/ 52 ب.
(5) و «لحظ الألحاظ» ص 227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
أبرز شيوخه في الفقه وأصوله وتأثيرهما فيه
ولعل أظهر شيوخ العراقي في هذين العلمين مكانة وتأثيرا فيه واعتناء به هما الإمامان: تقي الدين السبكي، وجمال الدين الإسنوي، ولذا فإني سأعرف بهما بإيجاز مع توضيح أثرهما فيه لأنه مقصودنا.
أولا: تقي الدين السبكي:
هو أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، أحد الأئمة الشافعية المجتهدين في عصره، ولد ب (شبك العبيد) من أعمال المنوفية سنة 683 هـ ورحل إلى القاهرة في صباه، فأخذ العلم بها عن كبار الشيوخ، ورحل في طلب الحديث إلى الإسكندرية ثم الشام، وعاد فأقام بالقاهرة مقبلا على التصنيف والفتيا والتدريس بعدة أماكن، فتتلمذ له العراقي وشيخه الإسنوي وغيرهما، وتخرج به فضلاء العصر وانتهت إليه رئاسة المذهب بالديار المصرية، وألف بها معظم مؤلفاته المشهورة في الفقه وغيره كـ «التفسير» و «تكملة شرح المهذب» من حيث وَقَفَ الإمام النووي وغير ذلك، إلى أن كانت سنة 739 هـ.
فعين لقضاء الشام وانتقل إليها، فقام بالعدل وغاية الإنصاف، كما جلس هناك للتحديث وتولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وسمع عليه حينئذ خلائق، منهم الحافظ العراقي أيضا عند رحلته الأولى للشام كما سيأتي.
وقبل وفاته بعشرين يوما عاد إلى القاهرة فتوفي بها سنة 756 هـ، وقد ترجمه العراقي في وفياته كما يظهر من نقل ابن حجر عنه(1).--------------------------------------------
(1) انظر و «الرد على من أخلد إلى الأرض» للسيوطي ص 210، 215، 241 (مخطوط) =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
وأثره في العراقي يتضح في مظاهر متعددة منها: أخذه عنه الفقه والحديث كما أشرنا، وقراءته عليه بعض مؤلفاته ثم روايتها للتلاميذ عنه(1) ونقل عنه في بعض مؤلفاته(2) ولما ظهرت بين يديه أمارات نبوغ العراقي وحسن فهمه شهد له بذلك علانية، فنوه بذكره في دروسه بين جموع الطلاب، وأمام الحافظ ابن كثير، وتلك بلا شك رعاية لها وزنها من مثله، إذا عرفنا أنه وجد في عصره بعض الشيوخ الذين إذا لاحظوا ظهور فلاح الطالب منعوه من الحضور عندهم(3).
ومن هنا كانت إشادة السبكي بنبوغ تلميذه العراقي دليلاً على صفاء نفسه كما كان لها أثرها الطيب في تنمية مواهب العراقي، وحفزه على مواصلة الجد في البحث والتحصيل.
ومن مظاهر التأثير كذلك: أن العراقي تبع شيخه السبكي في بعض أعماله العلمية وآرائه؛ حيث واصل «تكملة شرح المهذب» في الفقه من حيث انتهى شيخه السبكي كما سيأتي، كما كان السبكي يرى منع تعدد إقامة شعائر الجمعة في أكثر من مكان بمدينة واحدة، وألف في ذلك عدة مؤلفات كما سنشير لها.
بينما كان الشيخ سراج الدين البلقيني - من الشافعية أيضًا، وقرين العراقي -.--------------------------------------------
= و «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ 6/ 149 - 179 و (شذرات الذهب) جـ 6/ 180.
و «طبقات الأسنوي» ص 143 (مخطوط) و «الدرر الكامنة»: ج 3/ 141، 142.
(1) «المعجم المفهرس» لابن حجر ورقة 174 ب.
(2) و «لحظ الألحاظ»، لابن فهد ص 133 - 142 و «تكملة شرح الترمذي»، للعراقي ج 1/35 ب، 76 أ، 109 ب، 139 ب وما بعدها، 141 أ.
(3) و طبقات الأسنوي، ص 240 (مخطوط).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
يرى جواز التعدد، وألف في الرد على السبكي رسالة بعنوان «إظهار المستند في تعدد الجمعة في البلد»(1) وأخرى بعنوان «تكذيب مدعي الإجماع مكابرة على منع تعدد الجمعة في القاهرة»(2).
فمال العراقي إلى رأي شيخه السبكي وألف في ذلك رسالته الآتي بيانها بعنوان: (الإستعاذة بالواحد من إقامة جمعتين في مكان واحد)
ثانيًا: جمال الدين الإسنوي:
هو الإمام عبد الرحيم بن الحسن بن علي القرشي الأموي، ولد بـ (إسنا) من صعيد مصر في العشر الأخير من ذي الحجة سنة 704 هـ ونشأ بها، فقيل له الإسنوي ثم قدم القاهرة سنة 721 هـ ودرس الفقه على السبكي المتقدم كما درس غيره من العلوم كالأصول واللغة وسمع الحديث وانتصب للإقراء والتدريس والإفادة في الفقه والأصول والحديث وغيرهم من سنة 727 هـ إلى قبل وفاته في 18 جمادى الأولى سنة 772 هـ بيومين فقط، وبذلك صار أكثر علماء الديار المصرية من طلبته، ومنهم سميه الحافظ عبد الرحيم العراقي وتخرج به كثيرون وانتهت إليه رياسة الشافعية في حياته
وقد توفر له مع البراعة العلمية صفات المدرس الناجح وأخلاقه، فكان ناصحًا في التعليم حريصًا على إيصال الفائدة للبليد، فصيح العبارة حلو المحاضرة، وقد يذكر التلميذ المبتدئ عنده الفائدة المطروقة فيصغى إليه كأنه لم يسمعها من قبل، جبرًا لخاطره كما كان حسن الشكل جيد التصنيف--------------------------------------------
(1) «المجمع المؤسس» ص 219 و «بهجة الناظرين»، للغزي ص 8.
(2) «مجموع محمد بن طولون»، ورقة 182 ب (مخطوط بدار الكتب المصرية).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
ومن مؤلفاته القيمة: كتاب «المهمات في شرح كتابي الرافعي الكبير والروضة في الفقه» ويقع في 8 مجلدات(1).
وكتاب «الهداية إلى أوهام الكفاية» في مجلدين متوسطين وقد نقل في هذين الكتابين إجابة العراقي له على بعض ما سأله عنه(2).
و «الكوكب الدري في تخريج مسائل الفقه على قواعد النحو»، وهو واضح الدلالة على اعتماد التشريع على اللغة، و «التمهيد في استخراج المسائل الفرعية من القواعد الأصولية»(3) وتقع بعض نسخه الخطية في 106 ورقة.
و «طبقات الشافعية»، طبعت حديثا في مجلدين(4) وقد ذكر فيها العراقي وهو حي ولقبه بحافظ العصر(5).
وتأثيره في العراقي له شواهد متعددة منها: أنه لازمه طويلا وظلت صلته به قوية حتى ودعه لمثواه الأخير، وتتلمذ له حتى ظهرت مواهبه العلمية بين يديه فأفسح له الإسنوي صدره، وأعطاه الفرصة لعرض مباحثه في علم الأصول عليه مع إصغائه له وتعقيبه عليه بالاستحسان، والثناء على فهمه وصحة ذهنه.--------------------------------------------
(1) ومنه نسخة خطية بمكتبة الأزهر في 3 مجلدات فقط ويوجد منه 4 مجلدات من نسخة أخرى بدار الكتب المصرية.
(2) «الضوء اللامع» جـ 4/ 173، «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص 227.
(3) في «بهجة الناظرين» ص 11 و «القواعد العربية» وما ذكرته هو عنوان الكتاب من واقع نسخه الخطية ولعله الصواب حتى لا يتكرر مع كتاب «الكوكب» الذي قبله.
(4) انظر في ترجمته ومؤلفاته المذكورة «شذرات الذهب» جـ 6/ 223، 224 و «بهجة الناظرين» ص 132 - 143 و «الدرر الكامنة» جـ 1/ 463 - 464.
(5) طبقات الشافعية للإسنوي 2/ 287 (ترجمة أبو الفتح ابن سيد الناس).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
كما سبق ذكرنا له، ومثل هذه العناية كما تدل على أريحية الأستاذ ونجابة التلميذ، فإنها في نفس الوقت ذات تأثير قوي في تشجيع التلميذ ودفعه إلى الأمام وإعطائه الثقة بنفسه لكي يجد في مواصلة البحث ويدلي بآرائه دون تهيب من مخالفة الغير، طالما كان مستندًا للدليل المعتبر، وبث مثل هذه الروح وتشجيعها أمر له قيمته الكبرى في عصر العراقي الذي كانت الدعوة فيه للتقليد هي الغالبة، ولقد ظهر أثر تشجيعه على ابداء ما يراه صوابا في مواجهة الغير، في عامة نتاجه العلمي حتى بالنسبة لشيخه الإسنوي نفسه كما سنعرض له في محله، وقد بلغ من إعجاب العراقي وتأثره بشيخه الإسنوي أنه ألف له ترجمة مستقلة في كراسة كما ستأتي، وقد أشار فيها لفضله عليه، وأشاد بعلمه وسلوكه حتى اعتبره مجدّد الدين ومذهب الشافعي في عصره، كما عده من الأولياء ذوي الكرامات(1).
وقد لاحظت توافق كثير من أخلاق العراقي التي قدمناها، مع ما ركز عليه من أخلاق شيخه، مما يوحي بتأثره به في ذلك.
ومن تأثير الإسنوي في العراقي أيضًا ما صرح به من تلقيه عنه أشهر مؤلفاته المتقدمة في الفقه وأصوله حيث قال: وقرأت عليه أيضًا من مصنفاته: «التمهيد» و «الكوكب» وقرأت عليه قطعة صالحة من «المهمات»(2).
ثم إنه مدح هذا الكتاب بقوله:--------------------------------------------
(1) «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة»، للسيوطي ص 34، 35، و (بهجة الناظرين) ص 140 - 141.
(2) (بهجة الناظرين) ص 135.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
أبدت مهماته إذ ذاك رتبته إن المهمات فيها يعرف الرجل(1) وهذا دليل خبرته بالكتاب؛ بل أنه ألف كتابا في الاستدراك عليه يُسمّى «المهمات أو التتمات» كما سيأتي، وهو دليل على بحث هذا الكتاب الضخم وهضمه جيدًا، حتى يتسنى له الاستدراك عليه، وسنورد بعض النماذج الدالة على ذلك عند ذكر الكتاب في مؤلفات العراقي كما أنه أورد في ترجمته المتقدم ذكرها عددًا من آرائه الفقهية المتفرقة في مؤلفاته، وهذا يدل على اطلاعه التفصيلي عليها واستفادته بها، ويؤيد ذلك أيضًا ما نجده في مؤلفاته من النقول المعزوة للأسنوي أو لمؤلفاته وإقرارها أو مناقشتها(2).
ومن أثره فيه أيضًا: سماعه الحديث منه، حيث قال: «وحضرت أجزاء من مسموعاته»(3) وأورد في ترجمته له بعض ما سمعه من شعره(4).
وكما أثر الإسنوي في تكوين شخصية العراقي العلمية والخلقية، فإنه أثر في دعم مكانته العلمية ونتاجه العلمي، بعد أن تأكدت له كفاءته، فراح يحث الناس على دراسة العلم على يديه، وعلى كتابة مؤلفاته وتداولها، وقدم نفسه - وهو إمام العصر - دليلا للثقة بتلميذه، وراح يجني ثمار غرسه الطيب فكان يسأله ويدون ما يجيبه به في مؤلفاته الشهيرة كما ذكرنا(5) وأثنى في «طبقاته» على «تكملة شرح الترمذي» ولقبه فيها وفي غيرها بحافظ العصر.--------------------------------------------
(1) «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة ورقة 92 أ.
(2) «تكملة شرح الترمذي» للعراقي/ 70 أ (مخطوط بدار الكتب المصرية).
(3) «بهجة الناظرين» ص 135.
(4) المصدر السابق ص 138، 139.
(5) انظر «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص 227، 228.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
كما سيأتي، ومثل هذه الأعمال والمواقف لها أثرها الخالد في دعم شخصية العراقي العلمية وتوثيق نتاجه العلمي ونشره.
مكانة العراقي الفقهية والأصولية
على ضوء ما تقدم من دراسات العراقي للفقه والأصول وتأثير أبرز شيوخه فيه وشهادتهم له بصواب النظر وجودة الفهم وتوثيقهم لعلمه ومؤلفاته، يمكننا أن نقرر أنه وإن لم يتخصص في هذين العلمين إلا أنه شارك المتخصصين فيهما من شيوخه فضلا عن أقرانه مشاركة جيدة، فقام بما سنفصله من الفتوى والتدريس في حياة شيوخه وتولى القضاء والتأليف في العلمين تتميما لأعمال البارزين من شيوخه كالسبكي والإسنوي، ومن أئمة المذهب كالبيضاوي والنووي كما قدم بحوثا متعددة وجيدة في الفقه والأصول عند تناول ما يتصل بهما في مؤلفاته في السنة وعلومها، وظهر في هذه المجالات العلمية والعملية إلمامه بأصول المذهب وفروعه.
وبرزت شخصيته الفقهية والأصولية واضحة بجانب من اعتمد عليهم أو ناقش آراءهم من المتقدمين والمتأخرين حتى شيوخه وأئمة عصره كما سنوضحه في محله.
فلا غرابة أن نجد السيوطي وغيره يعدونه من المجتهدين في عصره(1) فمع ما قدمناه من فرض الحكام الانتساب لأحد المذاهب الأربعة فإنه كان من أئمة العصر من يوصف بالجمع بين الاجتهاد المطلق، والمقيد بأصول المذهب المنتسب إليه، فوصف بذلك من شيوخ العراقي: السبكي والإسنوي كما--------------------------------------------
(1) 1 «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» للسيوطي ص 51 (مخطوط بدار الكتب المصرية)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)