علوم السنة ويعنون بها».
وقد تولى مشيخة الحديث وتدريسه بعدة أماكن من الشام، ولكن عند رحلة العراقي إليها، كان قد استقر ببيت المقدس، واتخذ سكنا بالمدرسة الصلاحية بها، وظل يعمل فيها بالتحديث والتدريس والإفتاء والتصنيف، حتى توفي - على الراجح - في العشر الأول من المحرم سنة 761 هـ، وقد أكثر من المؤلفات النافعة، المتقنة، فاشتهرت، وغالبها في علوم السنة، ومنها ما يتعلق بالفقه، وأصوله، وقد سئل تقي الدين السبكي عمن يخلف بعده فقال: (العلائي).
أما أثره في العراقي فكان عميقًا، بدليل تعدد مظاهره، وفي مقدمة ذلك: أن العلائي باعتباره الرجل الأول في الحديث بالشام، والثاني بعد السبكي في الفقه وأصوله، كما أشرنا، فإن تلمذة العراقي عليه تممت نتائج تلمذته للسبكي، حتى شهد المؤرخون كما مر، بأن العراقي زاد تضلعا في فنون السنة باجتماعه بالرجلين، في رحلته الأولى وأخذه العلم عن كليهما.
ثم إن العراقي لما ذهب بعد تلمذته للسبكي بدمشق، إلى العلائي بالقدس، لازمه، فانتفع به، وأخذ عنه علم الحديث، وكل من الملازمة وأخذ علم الحديث من أوضح مظاهر التأثير، فالملازمة هي أهم ما يُعبر به في الاصطلاح العلمي، لبيان تأثر الطالب بأستاذه، وعمق استفادته بفكره وعلمه، حيث يتاح له تلقي عموم دروسه وفوائده، بالإضافة لاطلاعه على طريقته في التحصيل، ومنهجه في البحث، والتصنيف، والتدريس، فيستفيد من ذلك خبرة جيدة في تلك المجالات، وسيأتي أن ملازمة العراقي للعلائي تكررت خلال مجاورة كل منهما بالحرمين، مما جعل الاستفادة والتأثير متضاعفين، ومن جهة أخرى تتيح الملازمة للأستاذ، تبيين نقاط الضعف والقوة في تلميذه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
فيعالج الأولى، ويُنمّي الثانية، وقد حدث هذا بالنسبة للعراقي مع أستاذه، فبجانب استفادته منه، فإنه أبدى بين يديه - رغم قصر المدة - من ضروب البحث وبيان مسائل علوم الرواية والدراية، ما جعله ينوه بذكره، ويُعظم شأنه ويصفه بـ «الفهم والمعرفة والإتقان والحفظ»(1). وصدور ذلك من العلائي بما عُرف به من الخبرة والذكاء، وتعدد ملازمة العراقي له، يدلنا على أمرين: أحدهما: مطابقة رأي العلائي لرأي السبكي في جدارة العراقي بالأوصاف المذكورة، مع زيادة وصفه بـ «الحفظ»، وهو كما أسلفنا لقب اصطلاحي يعتبر وصف العراقي به شهادة من العلائي ببلوغه درجة الحافظ، بالإضافة إلى أنه رَوَى له الحديث المسلسل بالحفاظ، فصار حلقة فيه، ومنه اتصل السند لمن بعده(2)، ويعتبر العلائي ثالث من لقب العراقي بـ «الحافظ» بعد الإسنوي وابن جماعة المصريين، لكنه أول من لقبه به من شيوخه بالشام، وبمقتضاه أصبح من حفاظ السنة المعتمدين على مستوى مصر والشام.
الأمر الثاني: الذي تدل عليه شهادة العلائي بما تقدم، هو أريحيته وانصافه لتلميذه، بتقدير ما لمسه من بحثه وفهمه، ومدى حصيلته العلمية، ومنحه اللقب العلمي الذي أدرك استحقاقه له، ولهذا - بلا شك - أثره في تشجيع الطالب على مضاعفة جهده في البحث والتحصيل والإنتاج(3).
أما أخذ العراقي لعلم الحديث عن العلائي، فقد تقدم أن علم الحديث عند--------------------------------------------
(1) و «لحظ الألحاظ» / 225 و هـ «ذيل التقييد» / 219 ب.
(2) و المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة و المحمد عبد الباقي اللكنوي 132، 133 و و الجواهر والدرر» / 12 أ، ب.
(3) يُنظر: «الجواهر والدرر»» / 12 ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
الإطلاق كما هو مذكور، ينصرف إلى علم أصول الحديث، أو علم الدراية، ومعنى هذا أن العراقي درس على العلائي ببيت المقدس هذا العلم بفنونه المختلفة، وقد أثبت العراقي بنفسه الوقائع الدالة على ذلك.
فصرح بتلقيه كتاب «مقدمة ابن الصلاح» الذي هو جماع فنون الدراية، عن العلائي، بسماع بعضه عليه، وإجازة منه بباقيه(1)، ولعل ظروف الرحلة هي التي حالت دون سماع كل الكتاب، كما صرح أيضا بتلقيه عنه أحد مؤلفاته في علم الرجال، ويسمى «الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم»، وهو كما قال السخاوي: أجمع مصنف في موضوعه(2)، ويقع في ستة أجزاء حديثية، يبلغ مجموعها مجلدا وسطا، وقد أثبت العراقي قراءة بعض الكتاب بنفسه على العلائي ببيت المقدس، وسماع بعضه عليه بقراءة غيره ونقل منه عدة مرات للاستدلال(3).
وأما كتاب «جامع التحصيل في أحكام المراسيل» للعلائي أيضا(4)، فقد أكثر العراقي النقل والاستفادة منه(5) بل اتخذ منه منطلقا لبعض تأليفه، حيث امتلك نسخة من الكتاب، وبعد الاطلاع على فصل أسماء المدلسين منه،--------------------------------------------
(1) «التقييد والإيضاح»، للعراقي/ 12.
(2) (فتح المغيث) للسخاوي جـ 3/ 182.
(3) انظر: (فتح المغيث) للعراقي جـ 4/ 67، 69، 71 و (التقييد والإيضاح)» / 348.
(4) بعض نسخه الخطية التي اطلعت على صورتها تقع في 112 ورقة عادية ثم طبع مؤخرا طبعة تحتاج إلى تحقيق وتوثيق.
(5) انظر (فتح المغيث) للعراقي جـ 1/ 174، 85، 88 وجـ 4/30 و (التقييد والإيضاح) / 74، 97، 293 و (تكملة شرح الترمذي) / 169 أ (نسخة دار الكتب المصرية).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
ذيل بهامشها عددا مما فات العلائي كما سيأتي، وألف أيضا جزءا في المراسيل سيأتي ذكره، ولا يبعد انطلاقه فيه من كتاب العلائي هذا.
وللعلائي أيضا كتاب الأحاديث المسلسلة في (3) أجزاء حديثية، وقد استفاد منه العراقي في بعض مؤلفاته(1).
كذلك تلقى العراقي بعض الفوائد العلمية المتفرقة من العلائي، ورواها عنه لتلاميذه، مثل رأي الحافظ الذهبي في أبرز علماء عصره، حيث قال العراقي: «سمعت الحافظ العلائي يقول: سألت الذهبي عن ابن دقيق العيد، يعني أبا الفتح، والدمياطي، يعني أبا محمد، والمزي، وابن تيمية، يعني أبا العباس، فقال الذهبي: ابن دقيق العيد، أعلمهم بعلل الحديث وأحكامه، والدمياطي أعلمهم بالأنساب ونحوها، والمزي أعلمهم بالرجال، وابن تيمية أكثرهم سردا للمتون»(2).
وقد بلغ اقتناع العراقي بشخصية أستاذه العلمية، أنه قلده في أحد المسائل وأثبتها في تأليفه، ثم ظهر بعد ذلك خطؤها، فقرر العراقي أنه اعتمد فيها على شيخه العلائي، ثم رجع عنها، وأصلحها في تأليفه، على ما سيأتي في موضعه(3)، غير أن إعجابه بعلمه وتقليده، لم يحولا دون مخالفته فيما لم يقتنع به من آرائه، كما سيأتي بيانه أيضا.
ولم يقتصر أثر العلائي في العراقي على علم الدراية كما أوضحنا، بل تعداه--------------------------------------------
(1) المناهل السلسلة 4/ 208، 209.
(2) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (نقوله عن شيخه أبي زرعة ابن العراقي).
(3) انظر «المجمع المؤسس» 1/ 179 و «الجواهر والدرر» للسخاوي/ 70 أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
إلى الرواية، فَصَرَّحَ العراقي بتحديث العلائي له في غير موضع من مؤلفاته(1)، وأورد كذلك بعض مروياته بالإجازة الشفاهية منه(2)، وروى عنه بعض الأحاديث المسلسلة، كالمسلسل بالحفاظ، كما أشرنا من قبل وكالمسلسل بالآباء(3)، وبالإشارة(4)، وبالصوفية(5)، حيث كان كل منهما ممن لبس خرقة التصوف من أهله(6)، مع أن العراقي - كما قدمنا، وكما سيأتي - قد انتقد الصوفية في مُخالفاتهم، وَرَدَّ عليهم بقوة، فيما رآه يقتضي الكفر من عباراتهم، والعياذ بالله؛ ولكن كان العلائي قد أثر في العراقي على هذا النحو، وقدَّره حق التقدير، فإن العراقي بادَلَهُ نفس الروح، فقرَّر أنه ما رأى أحفظ منه(7)، وفي ترجمته له أثنى على علمه وخُلُقِه، ووصفه بحافظ المشرق والمغرب(8)، ولم أجده وَصَفَ بذلك أحداً من شيوخه غير العلائي.
ثانيا: «ابن الخباز» مُسْنِدُ الشَّامِ وَمَنْ أَكْثَرَ العراقي الرواية عنه (9):
هو أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، المعروف بابن الخباز.--------------------------------------------
(1) «المنتقى من ذيل العراقي على العبر» و وفيات سنة 744 هـ (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية) و «فتح المغيث» للعراقي جـ 3/ 80.
(2) «فتاوى عاشوراء» للعراقي/ 55.
(3) «المناهل السلسلة» 4/ 118/ 119.
(4) «المناهل السلسلة» 4/ 129.
(5) «المناهل السلسلة» 4/ 181.
(6) «ذيول تذكرة الحفاظ» 4/44 و «الدرر الكامنة» جـ 4/ 308.
(7) «الجواهر والدرر» 12 ب و «المناهل السلسلة» 132، 133.
(8) «الدرر الكامنة» جـ 2/ 181 و «ذيول تذكرة الحفاظ» / 361.
(9) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على «مقدمة طرح التثريب» للعراقي =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
الدمشقي، من نسل عبادة بن الصامت رضي الله عنه، ولد على وجه التقريب سنة 667 هـ، وكان أبوه مشتغلا بالتحديث، فأحضره منذ طفولته على ذوي السند العالي، كأحمد بن عبد الدايم، وأجاز له عمر الكرماني، والنووي، وغيرهما، وقد روى بموجب حضوره وإجازته هذين، كثيرا من كتب السنة لمن بعده، وكثرت شيوخه ومروياته، حتى خرج له تلميذه الحافظ البرزالي مشيخة جامعة.
وكان حضوره في الصغر على الشيوخ، وطول عمره نحو التسعين عاما، مما جعله ينفرد في عصره بكثير من شيوخه ومروياته حتى لقب بمسند دمشق ولقبه العراقي بمسند الشام والآفاق عموما، ووثقه، ثم ذكر أنه انقطع بموته كتب وأجزاء حديثية، أي انقطعت روايتها بالسند المتصل بالسماع؛ لعدم تحصيل سماعها منه قبل موته.
وهذا يشير إلى تحري الرواية بالسند المتصل بالسماع حتى عصر العراقي كما قدمنا، وإلا لم يتنبه إلى الباقي اتصاله والمنقطع. وقد اشتغل ابن الخباز معظم عمره بالتحديث، منذ سن العشرين حتى وفاته سنة 756 هـ.
لكنه لم يكن كغيره موظفا يتقاضى أجرا على ذلك، بل كان يعمل بصناعة النسيج في منزله بدمشق، ويفتحه لطلاب السنة الوافدين من أنحاء الشام ومن خارجها، مثل العراقي وغيره، فيقرأون عليه مروياته غالب النهار، دون ملل منه ولا تمنع ولا انتظار جزاء إلا من الله تعالى.
وليس أدل على صبره، من قراءة العراقي عليه أكثر من ثلث صحيح مسلم.--------------------------------------------
= ج 1/ 99، 100 و «الدرر الكامنة» جـ 4/44 و المصادر الآتية بعد …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
في مرة واحدة، كما قدمنا، رغم أن الرجل حينذاك كان في ضعف شيخوخته.
ونظرا لأنه كان مسندا، مهمته الرواية فقط، فإن تأثيره في العراقي ينصب على جانب الرواية والسند العالي الموثق، حتى شارك في الرواية عنه أبرز شيوخه، كالسبكي والعلائي وابن رافع وابن جماعة وغيرهم.
وتقدم أنه كان هو والمرداوي أعلا شيوخ الشام إسنادا حين رحلة العراقي الأولى إليها سنة 754 هـ، وكان لقاء العراقي به فيها هو الأول والأخير، حيث عاش الشيخ بعد ذلك نحو عامين فقط، ولم يقدر للعراقي رحلة فيهما للشام، ولكنه في هذا اللقاء الوحيد أكثر القراءة والسماع عليه، خاصة ما لم يكن سبق للعراقي تحصيل روايته عن غيره بالسماع أو القراءة، وقد تضمنت مروياته عنه بهما مختلف كتب السنة وعلومها، مما ضاعف رصيده وأهله لتلقيب العلائي له في ختام رحلته بالحافظ كما مر.
فبجانب قراءته عليه صحيح مسلم، ومسند أحمد، كاملين، كما تقدم، تلقى عنه إحياء علوم الدين للغزالي(1) وشمائل الرسول صلى الله عليه وسلم للترمذي(2) ومعجم شيوخ أبي يعلى الموصلي(3)، ورحلة أصحاب الحديث للخطيب البغدادي(4) وبعض الأجزاء الحديثية الهامة، كجزء المؤمل(5) وجزء من انتقاء الحافظ المزي--------------------------------------------
(1) و إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، للزبيدي جـ 1/45، 46.
(2) و «المجمع المؤسس» / 180
(3) و المجمع المؤسس» / 188
(4) و «المجمع المؤسس» / 189
(5) المرجع السابق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
مِنْ مُسْنَدِ أحمدَ(1) وغيرِ ذلكَ، كما تَلَقَّى عنه أيضًا مشيخةَ ابنِ طَبَرْزَدَ(2) وقد سبق بيانُ ما لروايةِ المشيخاتِ من ميزةِ وَصْلِ سندِ راويها بجملةِ كُتُبِ السُّنةِ والأجزاءِ المتعددةِ التي تحوي المشيخةَ أسماءَها وإسنادَها.
وقد ظَهَرَ أثرُ المروياتِ الكثيرةِ والهامةِ التي حَصَّلَها العراقيُّ من ابنِ الخَبَّازِ بالقراءةِ والسماع، خلالَ مُؤَلَّفَاتِه عُمُومًا، ونصَّ في كثيرٍ منها على تلقيها بقراءتِهِ عليه بمنزلِهِ بدمشقَ في الرحلةِ الأولى(3) سواء بالنسبةِ للكُتُبِ الكاملةِ كمُسْنَدِ الإمام أحمدَ مع زياداتِ ولدِهِ عبدِ اللهِ فيه(4) أو الأحاديثِ المتفرقة(5) وخاصةً ما أورده بأعلا أسانيدِ عصرهِ المتصلةِ بالثقاتِ(6) وما علا سندهُ به من طريقهِ عن غيره(7).
وقد قَدَّرَ العراقيُّ ابنَ الخَبَّازِ قَدْرَهُ، فترجم له ترجمةً وافيةً، وصفه فيها بأنه كان ثقةً صحيحَ السماع، سهلا في التسميع، راغبًا في الخير(8) على حين وصف بعضَ شيوخِهِ بأنه متكلم فيه، وبعضَهم بأنه عسر التحديث، كما أسلفنا، وكثيرًا ما لقبه عند الروايةِ عنه بـ «مُسْنَد الشام»، ومر تلقيبه له بـ «مُسْنَد الآفاق».--------------------------------------------
(1) المرجع السابق/ 190.
(2) و «المجمع المؤسس» / 191.
(3) وأضاف الهيثمي رفيق العراقي في الرحلة والسماع عليه ذكر التاريخ فقال: (في الرحلة الأولى إلى الشام سنة 754 هـ) (غاية المقصد في زوائد المسند للهيثمي 4 ب (مخطوط).
(4) جزء ما قيل إنه موضوع في مسند أحمد، للعراقي/ 5) (ضمن القول المسدد لابن حجر).
(5) ا «محجة القرب» 19 ب، 23 و (الأربعين العشارية الإسناد» / حديث 13.
(6) و الأربعين العشارية) / أحاديث 11، 13، 39 و و التقييد والإيضاح» / 258، 259.
(7) (قرة العين) / 51/.
(8) و «طرح التثريب» جـ 1/ 100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
ثالثا: «ست العرب» شيخة العراقي، والرد على المستشرقين (1):
هي الشيخة الصالحة، أم محمد ست العرب بنت محمد بن علي بن أحمد المقدسية الصالحية، وجدّها «علي» يُعرف بابن البخاري، وكانت الرواية عنه مقياسًا لعلو السند، وقد أتيح لحفيدته ست العرب الحضور عليه في طفولتها كثيرًا وأجاز لها، ثم طال عمرها، فصارت بذلك مسندة في عصرها، وأكثرت من التحديث، فأسهمت باسم المرأة المسلمة في نشر السنة بإسنادها العالي الموثق، وسمع منها الأئمة والرحّالون كالعراقي وغيره، إلى أن توفيت في مستهل جمادى الأولى سنة 767 هـ، ودُفنت بسفح قاسيون بضاحية الصالحية، ظاهر دمشق، وكانت تقيم بمنزلها بالسفح المذكور ومحدث فيه(2). كما كان زوجها المُسند علي بن محمد الأرموي يشاركها في التحديث، وفي الأخذ عن جدها ابن البخاري، حتى سمع العراقي منهما بعض المرويات(3). وأثرها في العراقي يرجع إلى جانب الرواية التي ركزت نشاطها فيها، فقد تلقى عنها خلال رحلاته الشامية كثيرًا من المرويات بإسنادها العالي الموثق حتى إنه سمع عليها بعض ما سبقت له روايته عن عدد من ذوي الإسناد العالي بمصر والشام كـ «جزء الغطريف»(4)، وغالب ما رواه العراقي عنها كان بقراءته عليها، وأشار ولي الدين بن العراقي الذي حضر معها عليها في الرحلة--------------------------------------------
(1) اعتمدتُ في التعريف بها وبيان تأثيرها في العراقي على «ذيل ولده ولي الدين والمراجع الآتي الإحالة عليها بعد».
(2) «المناهل السلسلة» / 135.
(3) «المجمع المؤسس» / 187.
(4) «المجمع المؤسس» / 187.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
الأخيرة، إلى أن قراءة والده عليها كانت بسفح قاسيون(1) الكائن به منزلها، كما قدمناه.
وأول ما يطالعنا فيما قرأه العراقي عليها: النصف الثاني من السنن الكبرى للبيهقي وقدره كما أوضحنا من قبل (5) مجلدات كبار، وبقراءته عليها استكمل رواية هذه السنن، حيث كان تلقّى نصفها الأول كما قدمنا بقراءته على (ابن الحموي)، أحد رواتها عن ابن البخاري أيضًا، وهكذا تعاون الرجل والمرأة في وصل سند الحافظ العراقي وغيره بتلك السنن الكبرى، التي تعتبر كالمستَخرَج على مجموع الكتب الستة الجامعة لأصول السنة(2) وقراءة العراقي للمجلدات الخمسة من السنن على ست العرب هذه، يمثل جهده الكبير في الطلب والتحصيل، كما يمثل مثابرة شيخته على النهوض برسالتها في نشر السنة، ويجعل منها أنموذجًا طيبًا لإسهام المرأة المسلمة في تحمل السنة وأدائها على الوجه اللائق.
هذا بالإضافة إلى أنه قرأ وسمع عليها كتبًا وأجزاء أخرى، غالبها نادر الوجود الآن، كما أني لم أقف على تلقيه لها عن غيرها، وبذلك أضافت لمروياته وعلمه رصيدًا جديدًا.
فمما قرأه عليها: كتاب (رفع اليدين في الصلاة) للإمام البخاري(3).--------------------------------------------
(1) و «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ضمن ما نقله عن شيخه أبي زرعة ابن العراقي).
(2) سيأتي تعريف المستخرج والكتب الستة هي: صحيحا البخاري ومسلم وسنن كل من أبي داؤد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
(3) و المعجم المفهرس و 20 أو (المجمع المؤسس) / 179 كلاهما لابن حجر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
وكتاب «الخائفين» (يعني من الله تعالى) لابن أبي الدنيا(1)، وكتاب «الحنين مع المحبين» لأبي نعيم(2)، وكتاب التفسير عن عمرو بن علي الفلاس(3)، وجزءًا من مُسْنَدِ الفِرْيَابي(4) وغير ذلك.
ومما سمعه عليها: كتاب «فضائل السيدة الزهراء رضي الله عنها» لابن شاهين(5) وجزءًا من حديث عمر بن محمد الزيات(6).
وقد أثبت العراقي في تأليفه بعض مروياته بالقراءة على ست العرب هذه(7)، كما أثبت أيضا ولده ولي الدين بعضها(8) وقال: «وحضرت عليها كثيرا من مروياتها، وحدثنا عنها والدي والِهَيْثَمي مرات كثيرة»(9).
الرد على المستشرقين:
وبعد هذا البيان لأثر تلك الْمُسْنَدة الصالحة في العراقي واستفادته منها بالقراءة والسماع عليها، فضلًا عن غيره من حفاظ السنة ورواتها، تجدر الإشارة إلى أن المستشرق الألماني «يوسف هوروفتش» استدل برواية الرجل غير المحرم،--------------------------------------------
(1) المعجم المفهرس 4/38 أ.
(2) المعجم المفهرس 4/38 و «الجمع المؤسس» 4/ 185.
(3) المعجم المفهرس 4/42 ب.
(4) «الجمع المؤسس» 4/ 182.
(5) «الجمع المؤسس» 4/ 181.
(6) «الجمع المؤسس» 4/ 186.
(7) «فتوئ عاشوراء» 4/41.
(8) «مجموع ابن خطيب الناصرية»: (نقوله عن شيخه أبي زرعة ابن العراقي).
(9) «ذيل ولي الدين»: (وفيات سنة 767 هـ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
عن المرأة بالسماع منها، على وجود الاختلاط العام بينهما منذ فجر الإسلام(1). ولما كان هذا ينطبق على قراءة العراقي وسماعه على ست العرب هذه وغيرها كما قدمنا، فإني رأيت لزوم التنبيه على أن استنتاج المستشرق المذكور ومن قد يشاركه، هو استنتاج خاطئ من وجهين:
أولهما: أنه لا يلزم من السماع من المرأة أو القراءة عليها، مخالطتها، بل يمكن أن يتم ذلك مع وجود ساتر بينهما، وقد اتفق جمهور علماء السنة على أنه يصح سماع الحديث من الشخص أو قراءته عليه، رجلاً كان أو امرأة مع وجود حجاب بينه وبين السامع منه أو القارئ عليه، كغطاء الوجه، أو حائط ونحوه، من السواتر، بحيث لا يرى أحدهما الآخر، ويكفي تأكد السامع، أو القارئ، من شخصية المُسْمِع أو المقروء عليه، كما أثبتوا أن أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابيات، كن يُحدِّثن الرجال غير المحارم من وراء الحجاب بعد تشريعه، وهن قدوة لمن بعدهن في كل عصر(2).
الأمر الثاني: أن الاختلاط الذي أقره الإسلام بين المرأة والرجل غير المحرم سواء في حالة الرواية أو غيرها من المصالح الدينية والدنيوية، مخالف تماما للاختلاط الذي أورده الأستاذ المستشرق في كلامه بلا تقييد، حسب بيئته الأوربية، وحسبما هو شائع الآن في البلاد المنتسبة للإسلام بصفة عامة للأسف. ذلك أن الاختلاط الذي أقره الإسلام، وضع له حدودًا وضوابط،--------------------------------------------
(1) «المغازي الأولى ومؤلفوها» للمستشرق المذكور، ترجمة الدكتور حسين نصار/ 42، 78، 79.
(2) «فتح المغيث» للعراقي جـ 2/ 64 و «فتح المغيث» للسخاوي جـ 2/ 51 و «التقريب» للنووي و «شرحه التدريب» للسيوطي/ 254/ و 255 و «صحيح البخاري مع فتح الباري» كتاب الشهادات باب شهادة الأعمى ونكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين جـ 6/ 191 - 193.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
من الاقتصار على الضرورة المشروعة، وعدم الخلوة، والتزام الستر الكامل للعورة والمفاتن، والاحتشام في النطق والمظهر، والتعامل، والالتزام - فيما عدا نظرتي التعارف والضرورة - بغض النظر من كلا الطرفين، طبقا لأمر القرآن الكريم(1) والسنة المطهرة لكل الأمة بذلك(2).
ولئن سلمنا بوقوع المخالفة لهذا من أحاد الأمة، فلا نسلمها بالنسبة لرواة السنة من الجنسين؛ لخضوعهم لقواعد النقد المعترف عالميا بدقتها، توثيقا وتجريحًا منذ فجر السنة وحتى عصر العراقي كما أسلفنا، وإلى قيام الساعة بإذن الله.
وقد أطلق الحافظ الذهبي رأس النقاد في عصر العراقي، حكما عاما قال فيه: «ما علمت في النساء من اتُّهِمَتْ - يعني بعدم الصلاحية لقبول روايتها - من تركوها، وجميع من ضعف منهن إنما هو للجهالة - يعني عدم معرفة أشخاصهن(3) وأقره على هذا من تلاه من أئمة الجرح والتعديل».
أما نقد الرجال تفصيلا، فقد تضمنته موسوعات علم الرجال المتقدمين والمتأخرين على السواء، وقد أوضحت التوثيق الكامل للعراقي من قبل. وعليه فإن رواية الرجل عن المرأة بالسماع منها أو القراءة أو السماع عليها كما فعل العراقي وغيره في عصره، ومنذ فجر الإسلام ليس فيها دلالة على ما استنتجه المستشرق المذكور ومن يشاركه الرأي، من لزوم--------------------------------------------
(1) انظر الآية 24 من سورة النور.
(2) انظر «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» لابن حجر العسقلاني/ باب أحكام النظر جـ 2/15 - 17 و كتاب «السماع» لابن القيسراني/ 38، 39.
(3) «تدريب الراوي» للسيوطي/ 213 أصل وهامش، والميزان للذهبي 4/ 604.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
الاختلاط، وعلى فرض وجوده فهو ليس اختلاطاً مطلقاً عن الضوابط والاعتبارات الشرعية، كما هو مقتضى سياق كلامه ونص عبارته المطلقة عن أي تحفظ أو استدراك، وما أكثر غمزات المستشرقين التي من هذا القبيل بعد أن أعياهم النيل من ثبوت مصدري الإسلام الأساسيين، وهما الكتاب والسنة، بالسند المتصل من مصدر الوحي الأول وإلى الأبد إن شاء الله.
النتيجة العامة لرحلات العراقي الشامية:
بعد أن تتبعنا خطوات العراقي ونشاطه عبر أهم رحلاته التي شملت الكثير من مدن الشام وقراه، وأوضحنا أهم نتائج كل رحلة خلال عرضنا لتفاصيلها، نستطيع إجمال ذلك في الآتي:
1 - أن العراقي ذهب إلى الشام منذ أول رحلة، برصيد علمي سابق وباكورة تأليفه الضخمة وهي «تخريج أحاديث إحياء علوم الدين»، وتبادل مع أعلا حفاظ الشام علما ومكانة، البحث والإفادة، فشهدوا له بالمعرفة والفهم والإتقان في علوم السنة رواية ودراية، ولقبه أحفظهم وهو العلائي، بلقب «الحافظ» فصار بذلك من حفاظ السنة المعترف بهم في مصر والشام معا.
2 - أنه برغم هذا، فقد كان الطابع الغالب على العراقي خلال تلك الرحلات، هو طابع المستفيد والمحصل، أكثر من المفيد والمؤثر، كما كانت حصيلته من كل رحلة تشمل إضافات جديدة ومتنوعة تتضاعف بها ثروته العلمية السابقة، وتكتمل جوانب ثقافته في علوم السنة رواية ودراية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
2 - الرحلات المحلية للعراقي داخل مصر ونتائجها
أشرنا من قبل إلى أن عامة الديار المصرية في عصر العراقي كانت عامرة بمدارس الحديث والمشتغلين بالسنة، بدءا من الإسكندرية في أقصى الشمال إلى أقصى الصعيد في الجنوب، لكن الإسكندرية كانت تلي مدينتي مصر والقاهرة في الإزدهار بالسنة، ولهذا فإن العراقي ركز اهتمامه بها، فقد قدمنا أنه خلال الفترة التي تخرج فيها على ابن التركماني، وكان مشتغلاً بالتلمذة على المسندين والحفاظ بمصر والقاهرة، حرص على تحصيل إجازة عدد من شيوخ الإسكندرية من نفس الطبقة المعاصرة لابن التركماني الذي خرجه. فلما تم تخريجه واستوفى شيوخ العاصمة وأعد نفسه للرحلة، خص الإسكندرية ببعض رحلاته، ولم أقف له على رحلة لغير الإسكندرية من البلاد المصرية، غير أن ولده ولي الدين، ترجم للمحدث عَلَم الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن نصر الله الدمنهوري المتوفي بها في أواخر المحرم سنة 765 هـ وقال: «إنه حَدَّث وسمع منه والدي والهيثمي»(1) فلعل سماع العراقي عليه كان بدمنهور خلال رحلاته إلى الإسكندرية، لوقوعها في الطريق. أما رحلاته للإسكندرية فلم يُحدِّد المؤرخون منها غير رحلة واحدة في سنة 756 هـ، ولكنني وقفت على ما يؤكد تكرر رحلاته إليها بعد هذه السنة كما سأوضحه.
فبالنسبة لرحلة سنة 756 هـ ذكرها ابن فهد حيث قال: «إن تقي الدين السبكي شيخ العراقي السابق، لما قدم من الشام إلى القاهرة في السنة المذكورة--------------------------------------------
(1) «ذيل ولي الدين»، وفيات سنة 765 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
طلب منه أهل الحديث السماع عليه فامتنع بسبب غيبة الحافظ العراقي حينئذ بالإسكندرية، وقال: لا أسمع إلا بحضوره، تقديرا له، ولم يحضر العراقي حتى توفي السبكي دون أن يُحدثهم(1) وعليه يكون العراقي قد قام بتلك الرحلة بعد رحلته الأولى للشام سنة 754 هـ».
وبما أن السبكي توفي في 3 جمادى الآخرة سنة 756 هـ بعد أن أقام بالقاهرة 20 يوما، تكون رحلة العراقي للإسكندرية تقدمت على هذه المدة واستغرقت فوق الشهر على الأقل.
ويظهر من اهتمام المؤرخين بتحديدها، ومن ظروف العراقي قبلها، أنها كانت أولى رحلاته للإسكندرية، فقد بينا أنه رحل لأول مرة إلى الشام سنة 754 هـ وجاور بمكة سنة 755 هـ كما سيأتي، ثم كانت رحلة الإسكندرية هذه سنة 756 هـ.
وقد أشار العراقي بنفسه، فضلا عن غيره، لكثرة من تلقى عنهم الحديث بالإسكندرية(2) كما أثبت رواياته عن عدد منهم في مؤلفاته، غير أنه لم يحدد زمن الرواية عنهم على نحو ما فعل في رحلاته الشامية.
لكني وجدت اثنين من أهم شيوخه بالإسكندرية، اقتربت وفاتهما جدا من زمن تلك الرحلة، بحيث يترجح أخذه عنهما فيها: أحدهما: هو الشيخ الصالح أبو محمد عبد الرحمن بن مكي بن إسماعيل.--------------------------------------------
(1) (لحظ الألحاظ) 4/ 223، 224.
(2) (ذيل وفيات الأعيان) للعراقي/ 155 أ (مخطوط مصور) و (الدرر الكامنة) جـ 2/ 356 و (لحظ الألحاظ) / 225 و (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و (المنهل الصافي) جـ 2/ 312 أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
العوفي الزهري الإسكندراني المتوفى بها في ذي الحجة سنة 757 هـ وهو أطول شيوخ العراقي عمرًا على الإطلاق، حيث كان حينئذ قد جاوز عشرين ومائة عام، وقد قرأ العراقي عليه عدة أجزاء حديثية كان يرويها بالإجازة العامة عن سبط الحافظ السلفي، وابن رواج وغيرهما من ذوي السند العالي(1) كما انتقى له مجموعة أحاديث من مروياته بالإجازة أيضًا عن سبط السلفي، وخرجها من مصادر السنة ثم قرأها عليه(2) وهذا يدل على تقدم العراقي حينئذ في دراية السنة؛ لأن «الانتقاء» من مهمات الحفاظ وذوي المعرفة الجيدة، وقد عرف العراقي بجودة الإنتقاء(3). وقد أورد العراقي بعض مروياته عن هذا الشيخ ضمن أعلا أسانيد عصره المتصلة بالثقات(4) لكنه عاد واستبدلها بغيرها عن شيوخ آخرين بعد أن ترجح عنده عدم جواز الرواية بالإجازة العامة(5).
وقد كانت رواية «العوفي» بها، واعتذر عما كتبه عنه من ذلك كما سنوضحه في موضعه(6).
أما الشيخ الآخر من شيوخ تلك الرحلة في تقديري، فهو: محمد بن محمد بن عبد الكريم الإسكندري الشاذلي، وقد جمع بين التصوف ورواية الحديث كما وقع لغير واحد في هذا العصر، فسمع هذا الشيخ الحديث من--------------------------------------------
(1) «الدرر الكامنة» جـ 2/ 457.
(2) «الأربعين العشارية» للعراقي 37 مكرر.
(3) «فتح المغيث» للسخاوي جـ 2/ 329.
(4) «الأربعين العشارية» / أحاديث 28، 32 مكرر و 37 مكرر.
(5) هي أن يقول الشخص مثلا أجزت الجميع أهل الإسكندرية أن يرووا عني مروياتي وانظر «التقييد والإيضاح»، 183.
(6) وانظر «فتح المغيث» للعراقي جـ 2/ 68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
الشريف تاج الدين الغرافي، ولبس خرقة التصوف من أبي عبد الله بن النعمان، فكان خاتمة أصحابه.
وقد أخذ العراقي منه الأمرين فقال: «سمعت منه، ولبست منه الخرقة». هكذا قال، ونقله عنه تلميذه ابن حجر، دون تعليق(1) مع أنه قد نقل عنهما، وعن غيرهما: أن ما زعمه الصوفية دليلاً على ذلك من الأحاديث فهو باطل(2). وللإمام ابن تيمية تفصيل في ذلك(3) يلتقي مع ما سيأتي عن العراقي من تغيير لبعض البدع العملية، لما كان قاضياً للمدينة النبوية، وكذلك ما سيأتي من نقده لكفريات بعض المتصوفة. وقد أرخ العراقي وفاة شيخه هذا في 18 ربيع الآخر سنة 758 هـ(4).
ثم إني وجدت ولي الدين ابن العراقي في ترجمته للمسند الكبير علي بن أحمد العرضي المتوفى في 6 رمضان سنة 764 هـ يقول: «سمع منه والدي وابن سند .. وكتب لي بالإجازة من ثغر الإسكندرية»(5).
ثم صرح ابن حجر وغيره بأن العراقي هو الذي حصل هذه الإجازة منه لولده(6) وفي ترجمة ولي الدين للمسند محمد بن محمد بن أبي الليث.--------------------------------------------
(1) الدرر الكامنة 4/ 308.
(2) يُنظر المقاصد الحسنة للسخاوي - حرف اللام - حديث لبس الخرقة الصوفية برقم (852).
(3) مجموع الفتاوى 11/ 510 - 511.
(4) الدرر الكامنة جـ 4/ 308.
(5) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة 764 هـ.
(6) «ذيل الدرر الكامنة» / 196 و «ذيل نزهة النظار في قضاة الأمصار» للزفتاوي/ 45 ب و «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة 118 ب و «بهجة الناظرين» / 86 و «شذرات الذهب» / جـ 7/ 173.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
الإسكندري المتوفى مثل العرضي في سنة 764 هـ قال أيضًا: «سمع منه بالإسكندرية والدي والهيثمي وغيرهما وكتب لي بالإجازة»(1).
ولما كان ولي الدين قد ولد في أواخر سنة 762 هـ فإن هذه التصريحات متضامنة، تفيد أن العراقي بعد رحلة سنة 756 هـ السابقة وبعد ولادة ابنه ولي الدين قام برحلة أخرى على الأقل إلى الإسكندرية، وسمع فيها الحديث على شيوخها، وفي مقدمتهم العرضي وابن أبي الليث اللذين استجازهما لولده.
بل إن العرضي يُعَدُّ ممن أكثر العراقي عنه الرواية بالقراءة والسماع لكثير من كتب السنة، ما بين أمهات ونوادر وأمالي وأجزاء وعوالي وفوائد حديثية ضخمة، علاوة على مشيخة وبعض المنتخبات، إلا أن من أثبت تلقي العراقي لهذا كله عن العرضي لم يُحدّد مكان أو زمان تلقيه، وسيأتي أن العراقي استقدم العرضي إلى القاهرة سنة 760 هـ لسماع مسند الإمام أحمد عليه، فربما سمع عليه حينئذ بجانب المسند، بعض تلك المرويات، غير أن مما يُرجح أخذ غالبها عنه بالإسكندرية أمران:
أحدهما: أن ما أثبت العراقي بنفسه روايته عن العرضي بمدينتي مصر والقاهرة غالبه من مسند الإمام أحمد الذي استقدم العرضي أساسًا من أجله(2).
ثانيهما: أن إقامة العرضي المحدودة بالقاهرة لا تتسع بجانب قراءة المسند--------------------------------------------
(1) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة 764 هـ.
(2) جزء ما قيل بوضعه من مسند أحمد/ 3 (ضمن (القول المسدد) لابن حجر) و «فتح المغيث» للعراقي جـ 1/13 و 5 «قرة العين» / 8 ب، 14 أ، 31 أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
عليه كاملا، لقراءة وسماع بقية مرويات العراقي الأخرى عنه لكثرتها وضخامة عدد منها كما يتضح من تتبعنا التفصيلي لأهمها، فقد قرأ وسمع عليه جامع الترمذي كاملا(1) وقرأ وسمع عليه سنن أبي داود كله(2) وقرأ عليه «فوائد تمام الرازي الحديثية» وقدرها ثلاثون جزءًا حديثيًا(3) تبلغ ثلاث مجلدات متوسطة وكتاب «المنامات» لابن أبي الدنيا(4) وجزءًا من «الأحاديث السباعية الإسناد» لأبي بكر محمد بن عبد الباقي(5) ومجلس 3، 4 من أمالي الجوهري الحديثية(6).
وكتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن أبي الدنيا(7) وجزءا من «النوادر والنتف» لأبي الشيخ الأصبهاني(8) وجزءًا منتقى من مسند أحمد انتقاه الحافظ المزي(9) وعدة أجزاء حديثية أخرى منها «جزء من حديث أبي بكر الصيدلاني»(10) كما سمع عليه «مشيخة الفخر ابن البخاري»(11)--------------------------------------------
(1) «قرة العين» / 41 و (محجة القرب) 7 أ و (ذيل التقييد) للفاسي/ 219.
(2) «ذيل التقييد» / 219 و (محجة القرب) 35 ب.
(3) «المجمع المؤسس» 184 و (قرة العين) / 24 و 5 «محجة القرب» / 20 أ.
(4) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ 49 ب
(5) «المجمع المؤسس» 182
(6) «المجمع المؤسس» 183.
(7) «المعجم المفهرس» 38 ب.
(8) «المجمع المؤسس» 2/ 184 و 5 المعجم المفهرس 1/49 ب.
(9) «المجمع المؤسس» 185، 190.
(10) «المجمع المؤسس» 190
(11) «المجمع المؤسس» 79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)