Arabic source text

📘 আল-হাফিজ আল-ইরাকি ওয়া আসারুহু ফিস সুন্নাহ (আহমদ বিন মাবাদ আবদুল কারিম)

📘 الحافظ العراقي وأثره في السنة (أحمد بن معبد عبد الكريم)

📘 আল-হাফিজ আল-ইরাকি ওয়া আসারুহু ফিস সুন্নাহ (আহমদ বিন মাবাদ আবদুল কারিম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
عن سواها - ليست كثيرة فحسب، بل في غاية الكثرة، فما بالك لو أضفنا لذلك ما أجيز به، سواء من شيوخه الذين سمع منهم أو من غيرهم؟
وقد ذكر برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي أن شيخه العراقي خرج لنفسه معجما(1) أي أنه جمع أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم وذكر ما تلقاه عن كل منهم بالسماع أو القراءة أو الإجازة لكن قرين البرهان الحلبي وصديقه ومثيله في ملازمة العراقي والاشتغال بمؤلفاته، وهو الحافظ ابن حجر نفى وقوفه على أي مؤلّف في هذا، سواء من عمل العراقي نفسه أو من عمل غيره، ففي مرضه الذي توفي فيه عاده قاضي القضاة البدر العنتبابي المعروف بـ «العيني» وقال له: «قد سمعت على العراقي، وأحب الوقوف على مروياته»، فقال له ابن حجر: لا توجد مجموعة في موضع واحد، من أجل أنه «أي العراقي» لم يعتن بذلك فيما وقفنا عليه، وكذا لم يعتن بجمعها ولده، بل ولا غيره من طلبته، ثم استدرك على هذا، بالإعراب عن إمكان تلبية رغبة قاضي القضاة فقال له: «لكن أخرج لكم ترجمته من معجم شيوخي، وفيها الكتب والأجزاء التي قرأتها أو سمعتها عليه، وهي تأتي على كثير من مروياته، فإذا حصلتم هذا فتتبع الباقي»(2)، ولما كان كلام ابن حجر هذا في مرض موته كما أشرنا فإنه يُعتبر قراره النهائي في هذا، كما أنه توفي بعد البرهان الحلبي بنحو عشر سنين، وبذلك يترجح لدينا ما قرره من عدم وجود معجم لشيوخ ومرويات العراقي، لا من تأليفه ولا من تأليف غيره، خاصة وأن السخاوي تلميذ ابن حجر حضر لقاءه المذكور بقاضي القضاة--------------------------------------------
(1) هـ الضوء اللامع: جـ 4/ 174
(2) و الجواهر والدرر» / 276 ب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)

العنتابي، ثم أيد كلام شيخه بعدم وقوفه هو الآخر على تأليف العراقي المشار إليه فقال: «ومن الغريب قول البرهان الحلبي أنه خرج لنفسه معجما وما وقف عليه شيخنا، وكذا ما وقفت عليه»(1).
وأقرر أنا أيضًا أني لم أجد في بحثي الطويل، من ذكر أن العراقي ألف معجما لشيوخه، ولا من ذكر تأليف أحد غيره لذلك المعجم، وكذا لم أجد شيئًا من ذلك بفهارس المكتبات العربية والعالمية التي اطلعت عليها.

‌‌ترجمة ولي الدين بن العراقي لوالده:
نعم ذكر ابن حجر أن ولي الدين بن العراقي ألف كتابًا في ترجمة والده يسمى «تحفة الوارد بترجمة الوالد»، ووصفه بأنه لطيف الحجم(2)، وهذا يدل على اطلاعه عليه، وقد تبعه على ذكره من جاء بعده من المؤرخين(3) وذكر الحافظ المناوي أنها ترجمة حافلة(4)، لكن قول ابن حجر المتقدم مع اطلاعه عليه: «إن ولي الدين لم يعتن بجمع مرويات والده»، يفيد أنه لم يستوعب ذلك في الترجمة المذكورة.
كما أن السخاوي صرح بوقوفه عليها بخط المؤلف وقراءته فيها ونقل عنها في تأليفه(5) ويظهر من كلامه وتقوله هو وغيره(6) عنها أن ولي الدين ضمنها.--------------------------------------------
(1) (الضوء اللامع) جـ 4/ 174.
(2) (المجمع المؤسس) / 367.
(3) (لحظ الألحاظ) / 277 و (المنهل الصافي) جـ 1/ 314 و (الضوء اللامع) جـ 1 جـ 1/ 343 و «فهرس الفهارس»، للكتاني جـ 2/ 435.
(4) مقدمة (شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة).
(5) (الضوء اللامع) جـ 4/ 143 و (الجواهر والدرر) / 156.
(6) (بهجة الناظرين) / 19.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)

تفصيل حياة والده وجملة من دراساته وشيوخه وتلاميذه، وتوسع أكثر في بيان مؤلفاته، وأورد فيها بعض مراثيه، وهذا يؤيد تقرير ابن حجر عدم استيفاء ولي الدين لمرويات والده ومع هذا فإني لم أقف حتى على ذكر نسخة لهذه الترجمة بفهارس المكتبات العربية وغيرها مما قرأته
ومن العجيب أن نجد ولي الدين يقوم بتخريج بعض المشيخات الضخمة كمشيخة قاضي القضاة محمد بن إبراهيم المناوي المتوفى سنة 813 هـ في خمسة أجزاء(1) وغيرها، ومع ذلك لا يعني بتخريج «مشيخه» لا لوالده ولا حتى لنفسه

‌‌أهم المصادر المبينة لدراسات العراقي ولشيوخه
وأما قول ابن حجر المتقدم إنه في معجم شيوخه وهو المسمى بـ «المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس» - قد أتى على كثير من مرويات العراقي ضمن ترجمته له فهذا صحيح، حيث استغرق بيان شيوخ العراقي ومروياته عنهم التي قرأها أو سمعها عليه ابن حجر 13 صفحة(2)، ولكنه مع هذا صرح في مقدمة المجمع(3) وفي عبارته السابقة بأنه لم يستوعب، كما أن المنية عاجلته قبل أن ينفذ وعده المذكور آنفًا بتجريد ما ذكره في ترجمة العراقي في المجمع وتتبع الباقي في المظان المختلفة، وجمع الكل في معجم أسماء شيوخ العراقي مرتبين على الحروف مع ذكر مروياته عن كل منهم.
ولا شك أنه رحمة الله لو أُتيح له ذلك لقدم عملاً علميا، جامعا لأكبر عدد--------------------------------------------
(1) انظر و لحظ الألحاظ» / 170
(2) و المجمع المؤسس، من 179 - 193.
(3) ص 3.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)

من شيوخ العراقي وصورة أقرب ما تكون إلى الكمال الحصيلته الدراسية عبر السنين الطوال الحافلة بنشاطه العلمي في الحل والترحال، داخل مصر وخارجها كما أوضحنا.
ولم أقف كذلك حتى الآن على من نهض بعد ابن حجر لتنفيذ منهجه المذكور بصورة أو بأخرى، ولهذا فإني سأقدم هنا جهدًا بديلا عن ذلك ببيان أهم المصادر التي تضمنت ذكر شيوخ العراقي وبيان حصيلته الدراسية بعد بحثي لها واستفادتي منها: 1 - مؤلفات العراقي نفسه في رجال السنة المتأخرين كما سيأتي بيانها بعد.
2 - مؤلفاته التي خرَّج فيها الأحاديث بسنده عن شيوخه مثل كتاب «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» وكتاب «محجة القرب إلى محبة العرب» و «الأمالي الحديثية» وغير ذلك مما سيأتي في محله.
3 - معجم شيوخ الحافظ ابن حجر السابق الإشارة إليه، وهو المسمى بـ «المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس»(1) سواء في الترجمة الخاصة بالعراقي(2) أو في أثناء تراجم غيره من شيوخ ابن حجر المعاصرة غالبهم له ومشاركتهم له في الدراسة، بحيث نجد في ترجمة أول من ذكره ابن حجر من شيوخه، رواية العراقي المسند الدارمي ورغبة طلاب السنة في سماعه منه(3).
بينما لا نجد ذلك في ترجمته الخاصة بنفس المجمع ولا غيره.--------------------------------------------
(1) انظر قائمة المراجع.
(2) من ص 176 - 193.
(3) «المجمع» 0/5.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)

4 - (المعجم المفهرس)، لابن حجر أيضًا(1) جمع فيه مروياته مرتبة على فنون الحديث سواء ما رواه عن شيوخه بالسماع أو القراءة أو الإجازة وبذلك تضمن مرويات أكثر مما في (المجمع المؤسس)، بحيث نجد فيه مثلا ذكر كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» الذي ألفه الشيخ تقي الدين السبكي ردًا على (الشيخ تقي الدين ابن تيمية) وإثبات سماع ابن حجر له من العراقي بروايته عن شيخه السبكي، ولم يذكر ذلك في ترجمته الخاصة بالمجمع، ولا غيره. وهكذا.
5 - كتاب (الدرر الكامنة)، و (ذيله)، و (إنباء الغمر بأبناء العمر)، و «رفع الإصر عن قضاة مصر» الجميع للحافظ ابن حجر.
6 - ذيل ولي الدين بن العراقي على ذيل والده على العبر للذهبي(2).
7 - الأعلام لابن قاضي شهبة(3).
8 - ذيلي تذكرة الحفاظ لابن فهد وللسيوطي(4) وقد تقدم اعتمادنا على كل هذه المصادر في بيان شيوخه ودراساته بما يكفي عن ضرب الأمثلة(5).

‌‌مكتبة الحافظ العراقي وأهميتها في تكوينه العلمي ونتاجه
تتمثل أهمية اقتناء الباحث لمكتبة خاصة به، في أنها تعكس اهتمامه العلمي وتكون خير عون له على مواصلة البحث وسعة الاطلاع، ثم الإنتاج العلمي الدقيق والمتكامل، بحكم توفر المراجع اللازمة تحت يده، ورجوعه إليها في--------------------------------------------
(1) انظر قائمة المراجع.
(2)،(3)(4) انظر قائمة المراجع.
(5) وانظر أيضًا «إنباء الغمر» جـ 1/25، 29، 53 وغيرها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)

كل ما يعن له متى شاء. ومن هنا كانت عناية العراقي رغم قلة إمكانياته المالية، بتكوين مكتبة خاصة به، لا سيما وأن الطباعة في عصره لم تكن عُرفت، كما أن التراث الإسلامي كان قريب العهد بنكبته في الشرق والغرب كما مر في حالة العصر، وبالتالي كان انتشار الكتب وحصول الباحث عليها أصعب بكثير من عصرنا الحاضر، رغم ما قدمناه أيضًا في حالة العصر من إلحاق كثير من المكتبات العامة بالمؤسسات التعليمية.
وقد عدَّ معاصروا العراقي مكتبته الخاصة من مميزاته على أقرانه، فقال سبط بن العجمي أحد تلاميذه الملازمين له: (وكان كثير الكتب والأجزاء، لم أر عند أحد بالقاهرة أكثر من كتبه وأجزائه(1))، وهذا الوصف المقارن، على إيجازه يدل على ضخامة محتوى المكتبة، وتنوعه، بحيث ضمت بجانب المراجع الضخمة، الأجزاء الدقيقة الهامة.
وقد وقفت على إشارات تفصيلية لمشتملاتها تؤكد ذلك:
فقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه كان يوجد بها «صحيح ابن حبان» و «مستدرك الحاكم»(2) وأشار أيضًا لوجود «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي عند شيخه العراقي(3)، كما ذكر أن العراقي أعان رفيقه وتلميذه نور الدين الهيثمي بكتبه عند اشتغاله بتأليف (مجمع الزوائد(4)). وهذا يدل على أنه كان بمكتبته الخاصة المراجع الأصلية للكتاب، مثل--------------------------------------------
(1) «الضوء اللامع» جـ 4/ 176.
(2) «الجواهر والدرر» 161.
(3) (المرجع السابق) / 170.
(4) (المجمع المؤسس) / 204.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)

الصحيحين والسنن الأربعة وكتب الرجال التي كانت عمدته وهي «تهذيب الكمال» للمزي، و «الميزان» للذهبي و «الثقات» لابن حبان(1) بالإضافة للكتب التي خرج زوائدها وهي المعاجم الثلاثة للطبراني، ومسند الإمام أحمد ومسند البزار، أما مسند أبي يعلى، فقد وجدتُ العراقي بعث إلى ابن حجر طلب استعارته منه(2).
وهذا يدل على عدم وجود نسخة منه بمكتبته. وقد صرح العراقي نفسه في مؤلفاته بما كان يقتنيه من المراجع القيمة للمتقدمين والمتأخرين، مثل: كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم(3) وكتاب «من عرف بأمه» بخط مؤلفه الحافظ مغلطاي، شيخ العراقي كما قدمنا، وقد حدد عدد أوراقه بـ (62) ورقة(4) بل ذكر من الكتب التي ضمتها مكتبته ما صرح أبو عمرو ابن الصلاح من قبله بأنه لم يره، فضلا عن تملك نسخة منه، وهو كتاب «المنفردات والوحدان» للإمام مسلم، في علم الرجال(5)، لكننا للأسف لا نعرف شيئًا عن مصير تلك المكتبة التي اتصفت بالضخامة، وحوت المراجع القيمة والنادرة، وكم من الروائع مثلها بددته الناس والأحداث. وبما ذكرناه من محتوياتها يتضح تركيز العراقي في تكوينها على مراجع علوم السنة، وهذا يعكس اهتمامه بتخصصه الذي وقف حياته لخدمته ودعمه.--------------------------------------------
(1) (بهجة الناظرين) / 155.
(2) (الجواهر والدرر) / 70 ب.
(3) (الجواهر والدرر) 9/ ب.
(4) (فتح المغيث) للعراقي جـ 4/ 126.
(5) المرجع السابق/ 73.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)

وقد ظهر تأثير مكتبة العراقي في نتاجه العلمي سلبًا وإيجابًا.
فمن تأثيرها السلبي، أنه عندما ابتعد عنها أثناء إحدى مجاوراته بمكة كما قدمنا، وطلب منه حينئذ تأليف شرح لكتابه «تقريب الأسانيد» في أحاديث الأحكام، تردد في إجابة طلابه لهذا، وعندما رأى الضرورة ملحة شرع في الشرح وتناول عدة أبواب متفرقة من المتن دون أن يتمه وأثبت في المقدمة من أسباب تردده قلة المراجع بسبب المجاورة التي أبعدته عن مكتبته العامرة، ووضع له تسمية تنبئ عن ذلك كما سيأتي(1) بيانه.
أما تأثيرها الإيجابي فمن صوره أن بعض الكتب التي اطلع عليها وبحثها كشف مواضع النقص فيها، فذيل على هوامشها إستدراكات مكملة، أعتبرت من نتاجه العلمي المفيد، مثل تعليقه بعض الزيادات في أسماء المدلسين بهامش نسخته من كتاب «جامع التحصيل لأحكام المراسيل» لشيخه العلائي، وتذييل بعض الزيادات في غريب الحديث بهامش نسخته من كتاب «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير، وغير ذلك مما سيأتي بيانه في موضعه بعون الله.

‌‌النتيجة العامة:
ولعلي بهذا، قد وفقت في تقديم جانب التلمذة من حياة العراقي وشخصيته العلمية، في صورة أقرب ما تكون إلى الوضوح والاكتمال، وأن لي أن أختمه، بعد أن وصل بمقتضى ما قدمته إلى درجة النضج العلمي، واتضح من دراساته النشطة الجادة على جماهير العلماء، سواء في رحلاته، أو في مدينتي مصر.--------------------------------------------
(1) طرح التثريب في شرح التقريب، ج 1/14.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)

والقاهرة، أثناء إقامته بموطنه، أنه توفر له من ذلك، عامة ما تقضي بتحصيله شروط حفاظ السنة النقاد، وقواعد التخصص في علومها(1)، بحيث صار حافظ عصره الكامل كما ذكر في ألقابه وتأهل لمهماته العلمية التالية، من تدريس وتصنيف وتخريج الخلفائه في حمل الرسالة.--------------------------------------------
(1) انظر: شرح السيوطي لألفيته في المصطلح، 15 - 6 ب و (حاشية الطوخي) على شرح الشيخ زكريا الأنصاري لألفية العراقي في المصطلح، 132 - 36 ب و (الجواهر والدرر) 11 - 12 ب و هـ إنباء الغمر، جـ 1/ 59 ط الهند سنة 1967 م و و جامع بيان العلم وفضله و لابن عبد البر جـ 2/ 204 - 207 و (شرح الترمسي لألفية السيوطي) ص 245 - 248.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)

‌‌وظائف العراقي العلمية وأثرها في السنة
المقصود بوظائف العراقي هنا ما هو أعم من تعيينه رسميًا ببعض المدارس أو المساجد أو غيرها للتعليم والتوجيه، وذلك لأن العلوم الإسلامية، ولا سيما علوم السنة التي هي الركن الثاني بعد كتاب الله تعالى، يُعتبر القيام بتعليمها ونشرها بالدرجة الأولى تكليفًا شرعيًا لكل من تأهل له، وبالتالي فإن المؤمن منذ تأهله لإفادة شيء من تلك العلوم يُعتبر موظفًا من قبل الشارع لتعليمه ونشره، سواء تعين في وظيفة يؤدي رسالته من خلالها أم لا(1).
ولم يكن في عصر العراقي التزام بتوظيف كل متخرج كما في عصرنا الحالي في بعض بلدان العالم؛ بل كان من العلماء من يتعيش ببعض الأعمال المناسبة من تجارة أو صناعة ويقوم برسالته العلمية وفاء بالتكليف الشرعي، وقد ذكرنا من قبل شيخ العراقي «ابن الخباز» الذي فتح بيته بدمشق غالب النهار لطلاب السنة يؤدي لهم ما تحمله منها حتى آخر حياته، دون أن يوظفه لذلك أحد أو يعطيه أجرًا، بل كان يعمل بالنسيج في منزله أيضًا بجانب أداء رسالته الحديثية وما ذلك إلا لما تضافرت عليه الأدلة الشرعية من الأجر الجزيل والشرف الخالد، لرواة السنة وحفاظها القائمين بنشرها وشرحها وصيانتها من الدخيل(2).--------------------------------------------
(1) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري/ كتاب العلم جـ 1/ 167، 169، 193، 194 وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر جـ 1/4 - 6 و 5 «المحدث الفاصل» للرامهرمزي 351 - 354 وه الإلماع، للقاضي عياض/ 199 - 204 و 5 «فتح المغيث» للعراقي جـ 3/ 71 - 75.
(2) انظر: «صحيح البخاري» مع فتح الباري/ كتاب العلم جـ 1/ 176، 177، 180، وه جامع بيان العلم وفضله، جـ 1/46 - 51 و 5 «جامع المعقول والمنقول، شرح جامع الأصول» للشيخ عبد ربه سليمان ج 1 ص 19، 20.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)

بل من العلماء من كان يرفض ما يُعرض عليه من الوظائف الرسمية، ليؤدي رسالته في أي زمان ومكان من بلاد الإسلام التي يحل فيها ومنهم من كان يتقاضى أجرا على التعليم ورواية السنة(1) ومنهم من كان يسعى لتحصيل الوظائف ويتكالب عليها ولو بدون تأهل أو كفاءة كما سيأتي، ولكن الحافظ العراقي كان شأنه وسطًا، فلم يُعرف عنه أنه طلب أجرًا على التعليم أو الرواية، بل فتح قلبه وبيته لطلابه، ولم يُعرف عنه أيضًا تزلف لأحد لتحصيل وظيفة رغم كفاءته وضيق عيشه، بل ظل يؤدي رسالته راحلا أو مقيمًا بمصر، قانعا بإقامته في الخانقاه السابق ذكرها ومكتفيا بمخصصاته فيها، فإذا خلت وظيفة أو استحدثت، وطلب إليها معزّزا مُكرَّما أجاب وأدى واجبه العلمي من خلالها، وربما وجد في وضعه الوظيفي إحراجا أو تعطيلا لغيره، فينقطع من نفسه رغم كونه مطلوبا، على ما سنفصله، ومن يراجع حركة التوظف في عصره يدرك تماما أن مسلكه هذا نموذجي ونادر حينذاك، وقد كان العراقي يدرك جيدا أن مناط تكليفه بالتعليم والتوجيه هو التأهل لذلك وليس التوظف الرسمي، وصرح بذلك في بيان دافعه لإصدار بواكير تأليفه بقوله: «وقد أوجب الله تعالى على من علم علمًا وإن قل، أن يُبينه ولا يكتمه»(2)، ولهذا فإن تصديه للإفادة العلمية كان أسبق وأعم من تعيينه في أية وظيفة رسمية.
فقد ذكر لنا بنفسه أول ممارسته لإسماع الحديث وذلك في سنة 745 هـ وهو دون العشرين من عمره حيث سمع منه بعض مروياته: المحدث أبو--------------------------------------------
(1) و «بهجة الناظرين» / 33 و (إنباء الغمر) جـ 1/50 و (عنوان الزمان)، للبقاعي جـ 1/15 (مخطوط).
(2) و «جزء الموضوعات في مسند الإمام أحمد»، للعراقي ضمن القول المسدّد لابن حجر/ 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)

محمود المقدسي، كما قدمنا، وتتابعت منذ ذلك التاريخ وقائع عطائه العلمي بجانب نشاطه في التحصيل، حتى بلغ مرحلة النضج التي تمحض فيها للعطاء كما سيجيء.
وقد قدمت من قبل نماذج تبادله الإفادة العلمية سماعًا وكتابة، خلال رحلاته مع شيوخه وأقرانه، بالإضافة لقيامه في الرحلات الحجازية خصوصًا بتدريس علوم السنة ونشرها، سواء من خلال مؤلفاته أو غيرها، ولم يكن في هذا ولا في ذاك، مرتبطًا بوظيفة رسمية ولا مستأجرًا من أحد إلا من الله.
ومع أن المؤرخين للعراقي متفقون على تعدد وظائفه العلمية، شرعيًا ورسميًا، وعلى عظيم آثارها، خاصة في جيل المحدثين عمومًا من بعده، غير أن تناولهم لذلك يعوزه التفصيل والتحديد والنماذج التطبيقية التي تدعم ما قرروه وتجسد أبعاد جهود العراقي، وتُحدّد عناصر منهجه في التعليم والتوجيه ومدى آثاره.
وقد قمت من جانبي بالتتبع التفصيلي لمسار نشاط العراقي العلمي ونتاجه وتتبع حركة التوظف بمصر وخارجها، حتى أغطي تلك الجوانب الهامة التي تقتضيها طبيعة البحث المنهجي، لإظهار أثر العراقي في نشر علوم السنة وتخريج حفاظها وغير ذلك، خلال مراحل حياته المختلفة ومواقعها وسأتناول ذلك على النحو التالي:

‌‌أولاً: مرحلة عمله الأولى بالقاهرة ونتائجها:
1 -‌‌ روايته للسنة وتدريس علومها:
تمتد هذه المرحلة من سنة 745 هـ التي حدد العراقي بنفسه بداية نشاطه فيها كما ذكرنا، حتى سنة 788 هـ التي تولى فيها قضاء المدينة النبوية وتوابعه،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)

ونظرا لانشغال العراقي في أغلب هذه الفترة باستكمال دراسته في الداخل ورحلاته للخارج كما أوضحنا، فإن ارتباطه بالوظائف الرسمية تأخر كثيرًا عن سنة 745 هـ.
لكني وجدت أن بعض نسخ تخريجه (للإحياء) قد قُرئت عليه في سنة 749 هـ(1) ولما كان التخريج الذي أنجز غالبه حينئذ هو الكبير الواقع في عدة مجلدات كما تقدم، فإن قراءته عليه تقتضي عقده لذلك مجالس متعددة، وكان حينئذ بمصر، لكني لم أقف على تحديد مكان تلك المجالس ولا على ارتباط العراقي بأي وظيفة رسمية حينذاك، وهذا يفيد أنه كان يؤدي ما توفر لديه من علوم السنة بصورة منتظمة كوظيفة كلف بها شرعًا، قبل قيامه بذلك كوظيفة رسمية يتقاضى عليها أجرًا.
وأقدم ما وقفت عليه من وظائفه الحديثية الرسمية توليه تدريس الحديث ومشيخته بدار الحديث الكاملية بالقاهرة، وذلك بعد وفاة مدرسها الشيخ جمال الدين عبد الله بن علي بن التركماني المتوفى سنة 769 هـ ثم استمر يعمل بها حتى جمادى الأولى سنة 788 هـ حيث تولى قضاء المدينة المنورة فاستقر الشيخ سراج الدين بن الملقن عوضا عنه(2).
وتولي العراقي هذه المدرسة، يُحدّد لنا أبعاد رسالته ومركزه العلمي والرسمي في تلك المرحلة وما بعدها، وذلك لأنها أعرق وأرفع أماكن تدريس الحديث--------------------------------------------
(1) «المغني عن حمل الأسفار» للعراقي/ هامش ص 23 (نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم 1282 حديث).
(2) (حسن المحاضرة) للسيوطي جـ 2/ 262 و (الدرر الكامنة) جـ 2/ 281 و «إنباء الغمر» جـ 1/ 316 و (الأعلام) لابن قاضي شهبة جـ 3/14 ب و (الضوء اللامع) جـ 4/ 174

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)

بالديار المصرية عمومًا، فهي أول دار أنشئت بها للحديث(1) وتوالى من بعدها إنشاء أقسامه ودروسه بكافة الأماكن كما قدمنا في حالة العصر(2).
ثم إنه قد اشترط في مدرسها أن يكون أعلم أهل القاهرة بالحديث، ولهذا ربط ابن حجر بين مكانة أستاذه العراقي آنذاك، وبين تعيينه في هذه المدرسة بالذات فقال عنه: «درس في القاهرة بالكاملية، وشرط مدرسها أن يكون أعلم أهل القاهرة بالحديث»(3) وابن حجر من شهود العصر ومن خبرائه بشروط منشآته العلمية وبتطبيقها وبأحوال شيخه العراقي، ومعنى هذا إقراره بتحقق الشرط فيه عن خبرة كافية، كما أن بقاء العراقي في هذه المدرسة نحوا من 18 عامًا، دون عزل أو اعتراض كما حدث لغيره، دليل على كفاءته وحسن سيرته في أداء رسالته التعليمية والتوجيهية بها.
ومن نماذج التلمذة الطويلة عليه بتلك المدرسة، ما ذكره ولي الدين عن--------------------------------------------
(1) وقد أنشأها الملك الكامل الأيوبي سلطان مصر وتمت سنة 622 هـ تقريبا ووقفها على المشتغلين بالحديث ومن بعدهم على فقهاء الشافعية، فعرفت بدار الحديث الكاملية أو المدرسة الكاملية نسبة إلى الملك الكامل، وقد جعل بها مكتبة ومساكن للطلاب وللمدرسين وطبقت شهرتها الآفاق وتولى تدريسها الحافظ ابن دحية المتوفى سنة 634 هـ و الحافظ المنذري، وغيرهما من رواد الحديث وأعيان الفقهاء بمصر حتى عصر العراقي، ثم تعرضت منذ سنة 806 هـ للإهمال وتعطلت دروسها وصارت جامعًا عاديًا يعرف بجامع الكاملية، وموقعها حاليًا بأول شارع النحاسين الموصل لبيت القاضي بحي الأزهر بالقاهرة، وقد هدم معظمها وأخذ في شارع النحاسين عند إنشائه، خطط المقريزي: جـ 4/ 211 وما بعدها و: تحفة الأحباب، لعلي السخاوي/ 204 ب و و الخطط التوفيقية، لعلي مبارك جـ 5/13، 14، 88 و (المنذري وكتابه التكملة) للدكتور بشار عواد/ 128 و هـ «الفوائد المنتظمة» للشيخ نجم الدين محمد الغيطي 4 أ، ب.
(2) وانظر أيضًا و الفوائد المنتظمة و للغيطي/ 4 أ، ب.
(3) و «المجمع المؤسس» / 178

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)

شهاب الدين أحمد بن حسن بن علي الحرازي المتوفى في ربيع الأول سنة 783 هـ حيث قال عنه: «ولازم السماع على والدي بالكاملية(1)»، وهذا يفيد قراءة الحديث على العراقي بها وسماع الحرازي وغيره بانتظام مدة طويلة حتى تحقق وصفه بالملازمة.
أما ثاني ما وقفت عليه من وظائف العراقي الحديثية الرسمية في تلك المرحلة فقد تقلدها في سنة 775 هـ، ومن المعروف في عصره، أن العالم كان يتولى عدة وظائف في مكان أو أمكنة، ويوزع وَقْته فيما بينها(2)، ومنشأ تلك الوظيفة، أن مصر عموما تعرضت لشدائد اقتصادية وغلاء عام، فأمر السلطان في شهر رمضان سنة 775 هـ القضاة أن يحضروا عنده بالقلعة(3) كل يوم وصحبتهم جماعة من مشايخ العلم والحديث، لقراءة صحيح البخاري ودراسته، رجاء أن يخفف الله تعالى شدائد البلاد، فامتثلوا وحضر جماعة من الأكابر، ورتب الحافظ زين الدين العراقي قارئًا للبخاري، ثم اشترك معه المحدث العالم المصنف شهاب الدين أحمد بن علي العرياني، فصار كل منهما يقرأ يوما، وبدأت القراءة والدراسة بحضور السلطان ومشاركته في المدارسة، وحكى العراقي بنفسه أنه كان حاضرا سماع البخاري بمجلس السلطان الأشرف (شعبان)، وأن السلطان سأل عن معنى بعض الأحاديث المقروءة فأجابه الحاضرون(4) ومن هذا يتبين أن العراقي كان يحضر هذه المجالس الحافلة.--------------------------------------------
(1) و ذيل ولي الدين، وفيات سنة 783 هـ.
(2) انظر «بهجة الناظرين»، 60، 61 و (الجواهر والدرر) 257 أ، ب.
(3) هي المعروفة حاليا بقلعة صلاح الدين بالقاهرة وكان يُطلق عليها آنذاك «قلعة الجبل».
(4) (إنباء الغمر) جـ 1/ 61، 77 و (الأعلام، لابن قاضي شهبة جـ 2/ 218 أ و هـ ذيل ولي الدين ابن العراقي) / 39 أ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)

في الأيام التي عليه فيها القراءة، وفي غيرها للمباحثة، كما يتبين أن هذه الوظيفة استحدثت في السنة المذكورة وكان العراقي أول من عين فيها، ثم تلاه العرياني، وهذا يفيد مشاركته العلمية باسم السنة في أحداث ومواقف عصره ومصره ويؤكد رفعة مكانته الحديثية، حيث ضمت تلك المجالس المهيبة: السلطان الحاكم لمصر والشام والحجاز، وكبار العلماء والقضاة، كما كانت مقصدا للمحدثين والعلماء الوافدين على القاهرة من مختلف الأقطار(1).
ثم إني وقفت على نسخة خطية للمجلد الأول من «تكملة شرح الترمذي» للعراقي، وقد أثبت بخطه في هامشها انتهاء قراءة الجزء الأول منها عليه بواسطة الشيخ شهاب الدين الأشموني، وسماع جماعة معه منهم الفقيه الواعظ زين الدين قاسم النويري المالكي، وذلك في المجلس الثاني عشر بتاريخ 14 من المحرم سنة 787 هـ بقلعة الجبل(2)، وأثبت القراءة والسماع أيضا في نهاية كل مجلس من المجالس الحادية عشر قبله، لكن لم يُحدد تواريخها، وإن كان اشتغال العراقي حينئذ بتدريس الكاملية كما أوضحنا يفيد أن تلك المجالس كانت أسبوعية أو نصف أسبوعية حسب عادة العلماء في ذلك العصر، وعليه فإن تأريخ المجلس الثاني عشر في 14 من المحرم سنة 787 هـ يفيد أن بداية المجالس لدراسة هذا الكتاب بدأت في أواخر السنة السابقة وهي سنة 786 هـ. ثم أثبت العراقي بخطه القراءة والسماع عليه الباقي الشرح في مجالس تالية ومتسلسلة بلغت - في هذا المجلد فقط - سبعين مجلسا(3) وهذا--------------------------------------------
(1) «بهجة الناظرين»» / 164.
(2) انظر هامش 26 أ من نسخة الأسكوريال الآتي التعريف بها و «إنباء الغمر» جـ 1/ 538.
(3) انظر الورقة/ 162 أ من النسخة المذكورة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)

يدل على استمراره منتظمًا في ذلك مدة طويلة بعد تاريخ المجلس الثاني عشر كما مر، ولو أننا عثرنا على ما بعد هذا المجلد من النسخة، لتأكد لنا ذلك بالتحديد، ومن الجدير بالذكر أن هذا المجلد المقروء على العراقي في القلعة، هو الآن في أحد الأديرة المسيحية في أسبانيا! وقد وجدتُ العراقي في بعض المجالس يذكر أنها كانت بقلعة الجبل(1) وفي غالبها يذكر أنها كانت بجامع القلعة(2) وفي عدة مجالس قرر أن القراءة عليه كانت قراءة بحث(3).
أي أنه كان يدور خلالها مناقشة الحاضرين مع أستاذهم العراقي في المقروء سواء في الشرح الذي هو من تأليفه، أو في «سنن الترمذي» المشروح، فيضبط لهم الألفاظ المشكلة وأسماء الرواة، ويبين لهم ما يحتاجون إيضاحه من العبارات والاصطلاحات والمعاني والأحكام وغير ذلك من مباحث السند والمتن التي يحفل بها «جامع الترمذي» وشرح العراقي له كما سيأتي في موضعه ومن المباحثة أيضًا أن يُصغي لما يبديه الحاضرون من فهم أو وجهة نظر في المقروء مع التقرير أو التصحيح، ولذلك وجدت غالب المجالس لا يجاوز المقروء فيها ورقتين عاديتين، ومنها ما يبلغ صفحة وبضعة أسطر، مما يدل فعلا على قيام العراقي خلال القراءة عليه بتدريس المقروء بعمق وتأن وإفساح صدره لمناقشة الحاضرين فيما يبدونه حول المقروء، كما هو شأن المدرس التربوي الناجح حتى عصرنا.
وكما قدمنا عن أخلاقه ومواهبه، وبالإضافة لهذا ذكر الإمام بدر الدين العيني--------------------------------------------
(1) انظر 16 ب، 18 أ، 28 ب، 37 أ، 132 ب.
(2) 33 أ، 40 أ، 56 أ، 162 أ.
(3) 79 أ، 85 أ، 92 ب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)

أنه سمع (صحيح البخاري) على أستاذه العراقي بقراءة الشيخ شهاب الدين الأشموني المذكور، وذلك بجامع قلعة الجبل في سنة 788 هـ(1).
ومن هذا وما قبله يتضح لنا أن وظيفة العراقي بالقلعة، قد تجاوزت قراءته للبخاري ودراسته بحضرة السلطان والعلماء، إلى قيامه في جامع القلعة بإقراء وإسماع البخاري وغيره من أمهات مروياته الحديثية السابق تفصيلها ليتحملها عنه جماعات الطلاب والعلماء بسنده العالي الموثق كما أوضحناه من قبل، ثم كان يقوم أيضًا بضبط المقروء وشرحه، ومباحثة الحاضرين فيه سندا ومتنا، وذلك في مجالس منتظمة، على امتداد عدة سنين حتى سنة 788 هـ التي تحول فيها إلى المدينة النبوية.
وهكذا قام في وظيفته بالقلعة وجامعها، برواية ما تحمله من السنة وتدريس علومها تطبيقا من خلال مؤلفاته وغيرها، سواء في مجامع أعلا مستويات عصره، منصبا وعلما، أو فيما دون ذلك من مجالس الرواية والدراية والدراسة، ولما كانت القلعة هي المركز الأعلا للحكم، ومقر السلطان وخليفة المسلمين فإن جامعها المذكور كان أجل جوامع القاهرة، حيث يصلي به السلطان الجمعة ويخطب به قاضي القضاة، ويُنتقى العاملون به من خيرة الكفاءات بمصر والقاهرة حتى المؤذنين(2). ومن هنا كان تعيين العراقي به--------------------------------------------
(1) «عقد الجمان» للعيني جـ 25 قسم/ 2 وفيات سنة 806 هـ ترجمة العراقي (مخطوط مصور بدار الكتب المصرية).
(2) انظر «الخطط التوفيقية» لعلي مبارك جـ 5 ص 77، وقد ذكر أن هذا المسجد يقع عن يسار الداخل من باب القلعة الكبير، وقد أنشأه الناصر محمد بن قلاوون في سنة 718 هـ توسعة لمسجد قديم صغير، كان مكانه وذكر أنه الآن معطل الشعائر بل استعمل من مدة كمخزن.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)

للرواية والتدريس، دليلًا مؤكدًا لسمو مكانته العلمية في عصره، ولعظيم تأثيره.
هذا ولم أجد في بحثي التفصيلي، تولي العراقي حتى سنة 788 هـ وظيفة حديثية بأي مكان آخر غير ما ذكرت، من دار الحديث الكاملية، والقلعة واحتمال ذلك بالمدرسة الفاضلية كما سيأتي.
لكني وجدتُ وقائع متعددة لنشاطه في تلك المرحلة بمصر، دون ارتباط بمكان معين. فمن ذلك: أن الشيخ قاسم النويري الذي تقدم اشتراكه في سماع وبحث (شرح الترمذي) للعراقي عليه بجامع القلعة، قد قرأ عليه أيضًا (شرحه لألفيته في علوم الحديث) قراءة بحث وتوضيح، وعلق على هامش نسخته المقروءة بعض توضيحات العراقي له حين القراءة، وقد توفي النويري في حياة العراقي سنة 799 هـ عن 60 سنة(1).
وأن المحدث أبو الحسن علي بن الحسين المعروف بابن البنا المتوفى سنة 768 هـ والذي صحب العراقي في رحلاته، وقد انتفع به في الفن وكان شديد الملازمة له حين كان بالقاهرة(2).
وأيضًا الفقيه شهاب الدين أحمد بن علي بن عبد الرحمن الشهير بالبلبيسي المتوفى في 14 من المحرم سنة 781 هـ أو قبلها، قرأ على العراقي «شرح لألفية الحديث» المذكور(3).
ومن ذلك أيضًا أن الفقيه المقرئ شمس الدين محمد بن علي المشهور بابن--------------------------------------------
(1) و (النكت الوفية بما في شرح الألفية) للبقاعي/ 59 ب و «إنباء الغمر»، جـ 1/ 538.
(2) و (ذيل ولي الدين) وفيات سنة 768 هـ.
(3) و (ذيل ولي الدين) وفيات سنة 878 هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)

جوشن المتوفى في العشر الأوسط من رجب سنة 778 هـ، بحث عليه ألفيته في مصطلح علم الحديث(1).
ويلاحظ أن هؤلاء جميعا من أقران العراقي ورفقته وبالتالي فإن تلمذتهم له دليل تقديرهم لعلمه وإقرارهم بتفوقه فيه.
وكتب العراقي نفسه بخطه أن الإمام العلامة صدر المدرسين ومفتي المسلمين جمال الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد (الأميوطي) قد قرأ عليه جميع (شرح الألفية في علم الحديث) وذلك في مجالس آخرها في شوال 772 هـ بظاهر القاهرة(2)، وقد ولد الأميوطي هذا قبل العراقي بعشر سنوات، وأدرك من الشيوخ من لم يدركهم العراقي ثم رافقه في التلمذة على الإسنوي، ثم قام بالتدريس والتحديث بمكة طويلا بعد تحوله لها حتى توفي في سنة 791 هـ(3) فتلمذته للعراقي أيضا دليل تقديره لعلمه واستفادته منه رغم تقدمه عليه في السن والطلب.
وكتب العراقي بخطه أيضا أن المحدث شهاب الدين أحمد بن محمد المعروف بابن السمسار، قد قرأ عليه جميع شرح الألفية المذكورة، قراءة بحث ونظر وتأمل، فأحسن وأجاد وأفاد، وصح ذلك في مجالس آخرها ليلة ثاني شهر رجب سنة 786 هـ(4) ثم قال ابن السمسار: «وكان شيخنا المؤلف حال قراءتي عليه يمسك بنسخته التي بخطه ويعارض بها وفي مواضع السقط--------------------------------------------
(1) المرجع السابق وفيات سنة 781 هـ و (إنباء الغمر) ج 1/ 159.
(2) (شرح الألفية) للعراقي 147 أ، مخطوط بمكتبة الأزهر برقم (84) مصطلح.
(3) (بهجة الناظرين) / 135 و (الدرر الكامنة) ج 1، 62، 63 و (إنباء الغمر)، جـ 1/ 356.
(4) (شرح الألفية) النسخة السابقة/ 147 أ، ب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)