Arabic source text

📘 আল-হাফিজ আল-ইরাকি ওয়া আসারুহু ফিস সুন্নাহ (আহমদ বিন মাবাদ আবদুল কারিম)

📘 الحافظ العراقي وأثره في السنة (أحمد بن معبد عبد الكريم)

📘 আল-হাফিজ আল-ইরাকি ওয়া আসারুহু ফিস সুন্নাহ (আহমদ বিন মাবাদ আবদুল কারিম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
رمضان سنة 751 هـ بدمشق ونشأ بها، ومع أنه برع في علم القراءات وكان فيها إمام زمانه في كثير من الممالك، وعرف بها وألف كثيرًا فيها إلا أنه عني أيضًا برواية الحديث ودراسته ببلده وغيرها، وقد تكررت رحلاته إلى القاهرة لطلب العلم منذ سنة 759 هـ، فأتاح له ذلك تلقي الحديث عن علمائها، وفي مقدمتهم الحافظ العراقي، وتقدم في ذلك حتى تفرد بعلو السند وحفظ الحديث ومعرفة الجرح والتعديل، والرواة المتقدمين والمتأخرين، وقد لقبه ابن حجر بـ «الحافظ الإمام المقرئ» ولقبه غيره بـ «المحدث».
كما أنه تولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وهي من أعلا دور الحديث مكانة بالشام، كما تولى غيرها أيضًا، وقد تميز ابن الجزري بتطوافه في معظم بلاد العالم الإسلامي في الشرق، ونشره للحديث وعلومه أينما حل، فبالإضافة لتدريسه الحديث بمدارس دمشق ومساجدها، حدث ودرس أيضًا بالقدس، ثم وقعت بينه وبين بعض الحكام خلافات إضطرته للفرار بحرا عن طريق الإسكندرية إلى «بلاد الروم»، فاستقر هناك عدة سنوات مشهورا بنشر القراءات والحديث، رغم وجود غيره من العلماء، ثم انتقل إلى (شيراز) بإيران الحالية، فقام بنفس الرسالة، ومما أسمعه للطلاب أيضًا بسمرقند (صحيح البخاري)(1).
وتنقل بعد ذلك بين الحجاز واليمن ومصر والشام، قائما بالتحديث والإقراء والتدريس، ولم يقطعه حلّه وترحاله بين تلك الأقطار الشاسعة النائية عن الاتصال بشيخه العراقي ومتابعة أخباره، حتى علم بوفاته وهو بـ «سمرقند».--------------------------------------------
(1) «عنوان الزمان» للبقاعي/ جـ 3 لوحة 557.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 494)

فرثاه، وكتب إلى ولده «أبي زرعة» معزيا ومشجعًا، كما سنذكره بعد، ثم ترجمه في طبقات القراء، ولقبه بـ «حافظ الديار المصرية وشيخها ومحدثها»، كما قدمت عنه، وبجانب مؤلفاته المشهورة في القراءات، فإنه ألف في علم الحديث ورجاله عدة مؤلفات نظما ونثرا، وظهر تأثره فيها بالعراقي، واطلاعه على مؤلفاته، كما صرّح بالاقتداء به في تأليف بعض مؤلفاته، كما سنذكره في مؤلفات العراقي.
ومع أن ابن حجر لقبه بـ «الحافظ» كما قدمنا، ووثقه في علم الحديث، وحدث ببعض مؤلفاته(1) إلا أنه هو وغيره قد غمزوه ببعض غمزات وواجههم غيرهم بردها، فلا نطيل بذلك. وبعد حياته الحافلة بنشر علوم القراءات والحديث بعامة المراكز العلمية بالشرق الإسلامي، توفي بشيراز في 5 ربيع الأول سنة 833 هـ وما زال قبره بها شاهدًا إلى الآن على مدى انتشار تلاميذ العراقي في العالم، ونشرهم لما أسداه لهم بشخصه وبمؤلفاته.

‌‌7 - ومنهم: «السرائي» نزيل القاهرة الذي لازمه وقرأ عليه مقدمة ابن الصلاح (2).
وهو إبراهيم بن سليمان بن عبد الرحمن، السرائي، الشافعي، كذا بخطه، وخط شيخه العراقي، وهو يعرف بـ «إبراهيم شيخ»، نزيل القاهرة، وقد قدم القاهرة واعتنى بالحديث عناية تامة، ولازم فيه الحافظ العراقي، وكان مما قرأه.--------------------------------------------
(1) (الجواهر والدرر) 24 ب.
(2) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه (الضوء اللامع) جـ 1/ 52 و (إنباء الغمر) 4/ 143، وفيه قال: «إبراهيم بن عبد الرحمن بن سليمان … » وكذا في (المجمع المؤسس) / 126/ ب وصوب السخاوي ما أثبته.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 495)

أو سمعه عليه بقراءة غيره، علوم ابن الصلاح، وحَصَّل النسخ الخطية المليحة واعتنى بضبطها، سواء من مؤلفات العراقي التي كان يدرسها لطلابه أو غيرها، وبمقتضى ملازمة السراتي للعراقي وتلقيه عنه علوم السنة، فإنه قد أذن له في إفادتها ووصفه بـ «الشيخ الإمام الناسك» تقديرًا لعلمه وصلاحه، وقد تولى مشيخة «الرباط» بالبيبرسية بالقاهرة(1)، وهذا مما أتاح له نشر ما تلقاه من علوم السنة عن شيخه العراقي وغيره، وتوفي قبل العراقي، في 24 ربيع الأول سنة 802 هـ.

‌‌8 - ومنهم: «مسند الديار المصرية في زمنه، عز الدين بن الفرات»(2)
وهو عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم المصري الحنفي، ويُعرف كسلفه بـ «ابن الفرات»، وقد ولد بالقاهرة سنة 759 هـ ونشأ بها وعظمت استفادته من العراقي وتأثيره فيه رواية ودراية، فإنه بحث عليه شرحه لألفية الحديث، ونكته على علوم ابن الصلاح، في مجالس متعددة وأثبت له العراقي ذلك بخطه، ولقبه بـ «الشيخ الإمام» وأذن له في إقراء الكتابين المذكورين، وسمع على العراقي أيضًا بعض أحاديثه العشارية الإسناد، وهي من أعلا مرويات عصره الموثقة، فأفاده بها علو السند الموثق وقد امتدت تلمذته للعراقي في مرحلة عمله الأولى والثانية بالقاهرة، فسمع عليه بالثانية كثيرًا من أماليه على «مستدرك الحاكم» وهي من مروياته العالية السند كما سنبينه، وبذلك كان لما تلقاه ابن الفرات عن العراقي من المرويات عمومًا، أثره.--------------------------------------------
(1) انظر خطط المقريزي 1/ 416.
(2) راجع في التعريف به وبيان تأثير العراقي فيه: (عنوان الزمان) للبقاعي/ جـ 2 لوحة/ 256 و (الضوء اللامع) جـ 4/ 186 و (نظم العقيان) للسيوطي/ 32 ب.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 496)

في علو سنده، والإسهام في جعله مُسند الديار المصرية بالإضافة إلى طول عمره فوق التسعين، فصار كما يقول ابن حجر: «مُسند الديار المصرية في عصره» وكثر تحديثه جدا، وبالتالي اتسع نشره لما تلقاه عن العراقي من مصادر علوم الدراية، ومن عوالي المرويات، حتى توفي في 26 ذي الحجة سنة 851 هـ.

‌‌9 - ومنهم: «أبو ذر الزين الزركشي» مُسند مصر، ومدرس الحديث بها (1):
وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله المصري الحنبلي - أبو ذر المعروف بـ «الزين الزركشي»، وقد ولد بالقاهرة في 17 رجب سنة 758 هـ ونشأ بها ومع مشاركته للعراقي في كبار شيوخه، فإنه تتلمذ له منذ صغره، فعرض عليه بعض محفوظاته الحديثية، وأجازه العراقي في الرواية، ثم تعرضت أسرة الزركشي المحنة ضاعت فيها كتب والده بما فيها أثبات سماع ولده وإجازاته، وهذا مما يحول دون تحديثه بما ضاعت أثباته فنهض لتعويض ما فقد بالرحلة للسماع داخل مصر وخارجها، وكان مما سمعه على العراقي في سنة 782 هـ المجلس الختامي من «سنن أبي داؤد» وهذا يدل على تحديث العراقي في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة بـ «سنن أبي داود» كله في مجالسه ودروسه الحديثية، وقد طال عمر أبي ذر الزركشي حتى صار «مُسند مصر» في وقته كما أنه ألم بعلوم الدراية، مع جودة الذهن، ولذلك باشر التدريس للحديث وإسماعه ببعض مدارس القاهرة وعن طريق ذلك انتشر ما استفاده.--------------------------------------------
(1) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه «الضوء اللامع» جـ 4/ 136.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 497)

من العراقي بالعرض والإجازة والسماع كما كان له بعض المؤلفات الحديثية
التي لم تتم، وقد توفي بالقاهرة في 18 صفر سنة 846 هـ.

‌‌10 - ومنهم: «الحافظ ولي الدين أبو زرعة بن العراقي قاضي القضاة ومدرس السنة وممليها بمصر»(1).
وهو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، الكردي الشافعي ولي الدين أبو زرعة، ابن الحافظ العراقي موضوع هذا البحث، ويعرف كأبيه بابن العراقي، لكن قدمنا أن معرفته هو بـ «ابن العراقي» أكثر، ومعرفة والده بـ «العراقي» أكثر، وقد ولد كما يقول والده: بظاهر القاهرة في 3 ذي الحجة بعد صلاة الصبح من سنة 782 هـ.

‌‌تطبيق والده عليه عامة قواعد الطلب، والتحديث وتخريجه له:
وقد عني والده بتنشئته العلمية جدا، وخاصة التنشئة الحديثية، حتى يجنبه: ما تعرض له هو من إهمال والده له عما كان مطلوبا، كما قدمنا، فمنذ السنة الأولى من عمر أبي زرعة أحضره والده على الشيوخ الموجودين بمصر حينذاك.--------------------------------------------
(1) راجع في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه: (طرح التثريب في شرح التقريب) جـ 1/16، 17، و (ذيل التقييد) 114 ب، 116 أ، والمجمع المؤسس/ 366 - 367، و (ذيل الدرر الكامنة) / 196، 197 و (رفع الإصر عن قضاة مصر) / قسم 1/ 81 - 83 و (إنباء الغمر) جـ 3/ 311 و (بهجة الناظرين) 86 - 88 و (طبقات الشافعية) لابن قاضي شهبة 118 ب و (المنهل الصافي) جـ 1/ 312 - 315 و (لحظ الألحاظ) 284 - 289 و (ذيل نزهة النظار في قضاة الأمصار) للزفتاوي/ 44 ب و (البدر الطالع) جـ 1/ 72 و (الضوء اللامع) جـ 1/ 336 - 344 و (شذرات الذهب) جـ 7/ 173 و (حسن المحاضرة) جـ 1/ 363 و «فهرس الفهارس» للكتاني جـ 2/ 199، 435 مع ما سأحيل عليه في الأثناء.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 498)

من كبار المسندين واستجازهم له مثل: أبي القاسم الربعي التونسي، وفتح الدين القلانسي وأديب العصر (ابن نباته) وغيرهم، واستجاز له أيضًا من شيوخ الإسكندرية: كالعرضي وغيره كما قدمنا في رحلاته، وعندما طعن أبو زرعة في الثالثة من عمره، رحل به والده مع باقي الأسرة إلى الشام، وهناك أحضره أيضًا على جمع كثير من المسندين والحفاظ، الذين أخذ هو عنهم كما تقدم تفصيله، وذكر التقي الفاسي: أن العراقي كتب لولده أبي زرعة فيما أحضره ببلاد الشام أنه «سامع»، مع أنه كان في الثالثة من عمره، لما رأى فيه من الفطنة الكثيرة، لكن الذي وجدت العراقي أثبته بنفسه في ترجمته لأبي زرعة هو «الحضور» فقط، وهو المناسب لما قرره العراقي في أكثر من موضع بأن السن التي يصح فيها السماع عند الجمهور، هي الخامسة، فلا أدري مصدر التقي الفاسي فيما قال.
وبعد أن عاد العراقي بولده من رحلة الشام، استوفى إحضاره وإسماعه على شيوخه بمصر، من المسندين والحفاظ كالبياني، وعز الدين بن جماعة، وغيرهما حتى إذا بلغ (14) سنة، طلب بنفسه بمصر والقاهرة، تحت رعاية والده، ودار على الشيوخ، وكتب الطباق(1) بخطه، ولم يكتف والده بهذا بل أرسله في رحلة ثانية إلى الشام لطلب الحديث، ولم تسمح ظروفه بمصاحبته، فأرسل معه رفيقه الهيثمي، واستغرق في ذلك نحو 3 أشهر كما أشرنا من قبل، وقد استفاد فيها مرويات طبقة الشيوخ التي تلت من أحضره عليهم والده في الرحلة السابقة، وبهذا تضاعفت كثرة شيوخه ومروياته.--------------------------------------------
(1) جمع، مفرده: «طبقة» والمراد بها هنا: الجماعة التي تتفق في الأخذ عن شيخ معين، ويكتبون ويا قائمة بأسمائهم، ثم يوقع لهم الشيخ بخطه على ذلك. ويطلق الطباق أيضا على نوع من الخط.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 499)

الحديثية، وعاد من تلك الرحلة أيضًا فواصل استكمال دراسته الحديثية وما كان مشتغلا به بجانبها، من الفقه والعربية، حتى مهر، وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس والتحديث، ومع هذه العناية الفائقة من والده بتعليمه على يد أعلام عصره وشيوخه في مصر وخارجها، فإنه باشر بنفسه تعليمه وتدريبه في علم الحديث، وفي غيره من الفقه والأصول والعربية، ولازمه أبو زرعة في ذلك حتى تخرج به في الحديث(1) وقرر أنه لم يفارق والده إلا في رحلته مع الهيثمي للشام وفي مدة عمل والده بقضاء المدينة، وبذلك أُتيح له أن يستفيد من علمه ويتأثر به لأبعد حد، فقد سمع وقرأ عليه كثيرًا من مروياته ومؤلفاته المتعلقة بالرواية وبحثها(2) بل حفظ بعضها واستملى عليه كثيرا من أماليه.
ومن عناية والده الحديثية به أنه ألف كتاب (تقريب الأسانيد في أحاديث الأحكام) منتقيًا أحاديثه مما روى بأصح الأسانيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مراعيا اتصال أسانيدها إلى ولده أبي زرعة، وقال في مقدمته: وبعد فقد رأيت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرًا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث بل بطالب العلم أن لا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار يستغني بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار، ويتخلص به من الحرج في الجزم بنقل ما ليست له به رواية، فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية(3)، ثم أثبت.--------------------------------------------
(1) جزء في التراجم/ 18.
(2) انظر نظم الاقتراح لوالده أ (مخطوط).
(3) «تقريب الأسانيد» 2، 3.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 500)

في شرحه أن أبا زرعة قد حفظه، وترجم له بإيجاز، وكان حينئذ في الثانية عشر من عمره، فأشار إلى وقوع أحاديث الكتاب له بالسند العالي، معللا ذلك باحتمال أن يطول عمره فيحدث به، وأثبت سنده بها فقال: «وقد وقعت له أحاديث هذه الأحكام عالية، فما كان فيها من «الموطأ» فحضره بقراءتي على أبي الحرم محمد بن محمد القلانسي، بإسناده فيه، وأجاز له، وما كان فيها من مسند أحمد فكتب إليه به من الإسكندرية علي بن أحمد ابن محمد بن صالح العرضي»(1). وقد مر في رحلات العراقي، أن ولده أبا زرعة قرأ عليه هذه الأحكام، في عدة مجالس آخرها بمكة في 2 صفر سنة 776 هـ وأجازه بروايتها خاصة، وبما يجوز له وعنه روايته عامة(2). كما وقفت على إثبات قراءته عليه «سنن أبي داود» وغيره من الكتب الستة.
وبهذه الجهود المتنوعة والمتواصلة، هيأ العراقي لولده مختلف الوسائل والإمكانيات التي جعلته يتبوأ مكانة علمية مرموقة في وقت مبكر، وأصبح حافظا معتبرا من حفاظ السنة، وقام في حياة والده وشيوخه بمهماته من الرواية والتدريس، والتصنيف، بجانب مهارته في الفقه والأصول كذلك، وقد قرت عين والده به حين رآه يدرس بعدة أماكن وهو شاب حتى قال:
دروس أحمد خير من دروس أبه … وذاك عند أبيه منتهى أربه
ورغم أنه لم يعرف عن العراقي السعي لنفسه في منصب، فإنه توجه إلى--------------------------------------------
(1) «طرح التثريب» ج 1/16، 17.
(2) انظر أيضا: «تقريب الأسانيد»، ص 176.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 501)

صديقه وتلميذه الأبناسي، ليساعده في تحصيل بعض الوظائف لأبي زرعة، وتم له ذلك.

‌‌تتميمه لرسالة والده وجهوده:
ونتيجة لجهد العراقي في تكوين شخصية ابنه العلمية والحديثية بالأخص، فإنه كان بمثابة إمتداد له في حياته، وبعد وفاته، فعندما توجه لقضاء المدينة استنابه في وظائفه العلمية بمصر، فتولاها ما عدا تدريس ومشيخة الحديث بـ «المدرسة الكاملية» فقد تمكن من انتزاعهما منه شيخه سراج الدين ابن الملقن فدفعه حماس الشباب إلى المعارضة، ولما كان شرط المدرسة كما سبق أن يكون مدرسها أعلم أهل القاهرة بالحديث، فإن أبا زرعة احتكم إلى هذا وقال: «يخرج الشيخ حديثا، وأنا أخرجه، لتتميز كفاءة كل منا»، فتوسل ابن الملقن بالسراج البلقيني والبرهان الأبناسي فكفا عنه أبا زرعة، واستقر في باقي وظائف والده، لحين عودته من المدينة، ثم لما توفي والده، أضيفت إليه أيضا وظائفه العلمية، وفي كلتا الحالتين سار في القيام بتلك الوظائف على طريقة والده، ودرس كثيرا من مؤلفاته(1) وزادت بذلك مكانته العلمية ورياسته لملء فراغ والده ما استطاع، ونهوضه بواجباته على خير وجه، تحديثا وتدريسا وتخريجا لعلماء السنة وحفاظها، وكثير ممن تتلمذ لوالده أو أجازه استكمل دراسته عليه، كالحافظ ابن حجر، وتقي الدين بن فهد وغيرهما، وذكر تلميذه ابن فهد أن دروسه كانت من محاسن الدروس، يجري فيها من غير تلعثم ولا تحريف:--------------------------------------------
(1) انظر هوامش: «شرح ألفية العراقي»، نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم 9286 عام:

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 502)

وكذلك فإنه أعاد مجلس إملاء الحديث الذي انقطع بموت والده، بعد إحيائه له وأملى أيضا بمكة والمدينة، وقد تفرد بغالب ما أحضره أبوه له من المرويات، وحدث به، وبكثير من مسموعاته، سواء بالحجاز أو بالقاهرة أو بضواحيها، كساقية مكي بالجيزة، وبإمبابة، وبعض مدن «القليوبية» و «منوف» وكان يتولى ضبط أسماء سامعيه بنفسه، لقصور غالب الطلبة في ذلك.
أما مؤلفاته التي شملت الفقه وأصوله، وعلوم السنة المختلفة، فمنها ما أكمل به ما بدأه والده، ومنها ما ذيل به عليه، ومنها ما شرح به تأليفه، كما سنوضحه في موضعه، مع مؤلفات والده، وما ليس كذلك منها، فإنه استفاد فيه من والده، وأورد فيه بعض ما تلقاه عنه في دروسه شفاهة(1) أو نقل فيه عن مؤلفاته بالتحديد أو بالإطلاق(2) كما سنبينه أيضا، ومن مؤلفاته ما اختلط على الباحثين والمؤرخين بمؤلفات والده، وبالعكس، كما سيأتي، ومن تقديره لوالده أنه ألف له ترجمة مفردة، كما قدمنا وسماها: «تحفة الوارد بترجمة الوالد».
وقد ذكر المترجمون له ومن شاهده غير مرة، من الصفات والأخلاق والأحوال، ما يشابه فيه والده، من جمال الصورة، ومتانة الدين، والتواضع وعذوبة اللفظ، والضبط، وقلة الكلام فيما لا يعنيه، كما ذكروا أنه كان ضيق العيش، كثير العيال، ومع ذلك كان عفيفا، قانعا، حتى إنه لما عزل قاضي القضاة جلال الدين البلقيني وطلب هو، امتنع، وقال: «صاحب--------------------------------------------
(1) «مختصر المهمات» جـ 1/8 ب (مخطوط).
(2) انظر: (البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح)، لولي الدين ابن العراقي ص 9 وغيرها/ مخطوط مصور، والأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية/ 70، 74، 105، 113 مكتبة التوعية الإسلامية - بمصر 1411 هـ.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 503)

الولاية أولى مني وهو أحق منا»(1). فلما توفي البلقيني سنة 824 هـ تولى المنصب بغير سؤال منه، مع وجود السعاة في تحصيله بدفع الأموال، وقد طلبه السلطان بنفسه مثلما حدث مع والده، ولقد سار فيه سيرة حسنة للغاية، فلما خولف في بعض الأمور عزل نفسه، فاستعطفه السلطان، وأعاده لنزاهته وصلابته في الحق، لكن ذلك ألب عليه أهل الدولة فيما بعد، فعزلوه وولوا مكانه أحد تلاميذه الأقل منه كفاءة، فتألم لذلك وقال: «لو عزلت بغير فلان ما صعب علي،»، ومع هذا حاول اجتياز الأزمة، والعودة إلى رسالته العلمية بالتحديث، والتدريس، والتصنيف، غير أن حياته لم تطل بعد ذلك، فمات مبطونا، على إثر حمى كبدية، وذلك في يوم الخميس 17 شعبان سنة 726 هـ ودفن بجانب أبيه.

‌‌عدم مجاملة والده له في العلم
وقد لقبه غير واحد بـ «الحافظ» ونقل ابن حجر عن العراقي ترتيب من يخلفه من الحفاظ، فبدأ بابن حجر وثنى بأبي زرعة، وهذا خير دليل على إنصافه، وتجرده في مجال العلم عن العاطفة، ولو على ولده، وعلل ابن حجر ذلك، بأن أبا زرعة تشاغل بفنون غير الحديث، فكانت ممارسته له أقل من ممارسة ابن حجر(2).
أما شمس الدين بن الجزري تلميذ العراقي، فإنه لما علم بوفاة العراقي وهو بسمرقند كما قدمنا في التعريف به، فإنه كتب إليه، معزيا، وواصفا له، بأنه--------------------------------------------
(1) «ذيل نزهة النظار في قضاة الأمصار»، للزفتاوي 1 ب (مخطوط).
(2) و «إنباء الغمر»، جـ 2/ 277.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 504)

أفضل من قام بعد أبيه، ومن لا نعلم في هذا الوقت له شبيه، وقال له شعرا:
ولي العلم صبرا على فقد والد … رؤوف رحيم للورى خير مؤمل
إذا فقد الناس العراقي حافظا … إمام هدى، فأنت لهم ولي
ويظهر أنه كان في هذا يعرض بابن حجر، لأنه يقول: «وهو أي أبو زرعة بالديار المصرية، أبقاه الله للإسلام، وفيه أحسن تورية وألطف إبهام(1)»، وذلك لأنه كان بينهما منافسات وانتقادات الأقران(2).
والذي يظهر لي أن حكم العراقي على ولده بأنه يلي ابن حجر، أصوب ويؤيده مقارنة النتاج العلمي الذي بين أيدينا لكل منهما، حيث يتركز تأليف ابن حجر في علوم السنة، بينما يزيد تأليف ولي الدين في الفقه وأصوله، عن تأليفه في علوم السنة.

‌‌11 - ومنهم: «منافس ابن حجر» الحافظ المدرس شهاب الدين الكلوتاتي صهر العراقي (3):
وهو شهاب الدين أحمد بن علي بن عثمان، الكرماني الأصل، القاهري ويعرف بالكلوتاتي، وقد ولد - على المعتمد - في أواخر ذي الحجة سنة 762 هـ--------------------------------------------
(1) «الضوء اللامع»، جـ 4/ 176.
(2) «الجواهر والدرر» 59/ أ.
(3) رجعت في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه إلى: (الضوء اللامع: ج 1/ 378 - 380 و «إنباء الغمر») 3/ 483، 484، وما سأحيل عليه في الأثناء.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 505)

وبدأ قراءة الحديث بنفسه سنة 779 هـ على الأرجح، واستمر بلا فتور ولا توان، حتى نافس ابن حجر في كثرة مسموعاته، وأخذ علم الحديث عن العراقي وبعض تلاميذه، ومما تلقاه عن العراقي «نكته على كتاب ابن الصلاح»، وقد وقفت على قطعة خطية من نسخته الخاصة، وأثبت بهامش لها سماعه لها على العراقي مع جماعة آخرين، ومقابلتها أيضا على نسخة العراقي(1) وقد توطدت صلة الكلوتاتي بشيخه فتزوج ابنته «جويرية» وامتدت تلمذته النشطة له إلى ما بعد مرحلة العمل الأولى بالقاهرة، حيث قرأ عليه (صحيح البخاري) في مجالس آخرها 18 شعبان سنة 795 هـ وسمع معه جماعة وأجازهم العراقي معه برواية البخاري عنه(2) وقد أتيح له نشر ما تحمله عن العراقي، حيث توظف القراءة الحديث بالقصر الأسفل من القلعة، ومما قرأه (صحيح مسلم) واستمر في ذلك عدة سنوات حتى سنة 834 هـ، وقال عنه المقريزي، إنه لم يخلف بعده في قراءة الحديث مثله، وظل يقرى الحديث ويسمعه لغيره، حتى أواخر حياته، فسمع منه خلائق من أعيان العلماء، كما أن له مؤلفات في الحديث وعلومه، وثبت بمروياته (في مجلدين)، وتوفي في 4 جمادى الأولى سنة 835 هـ

‌‌12 - ومنهم «الإمام العيني» منافس ابن حجر في علم الحديث وقاضي قضاة الحنفية بمصر (3):
وهو بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى، الحنفي، العنتابي الحلبي--------------------------------------------
(1) انظر نسخة رقم (25377) ب بدار الكتب المصرية/ 10 ب، 14 ب وغيرهما.
(2) «عنوان الزمان» جـ 1/ لوحة 8.
(3) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه: (نظم العقيان) / 41 ب و (الضوء اللامع) جـ 10/ 131 - 135 وما سيحال عليه خلال الترجمة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 506)

الأصل، ولد في عنتاب إحدى قرى حلب في 27 رمضان سنة 762 هـ فنشأ بها، وبرع في العلوم العربية وغيرها، وناب عن والده في قضاء (عنتاب) وارتحل إلى حلب سنة 783 هـ، ثم إلى القاهرة في سنة 788 هـ وما كاد يصلها حتى انتظم في طلب الحديث على العراقي، حيث قدمنا قوله: إنه سمع (صحيح البخاري) على العراقي في نفس السنة المذكورة بجامع القلعة ثم سمع عليه أيضا (صحيح مسلم)، وكتاب (الإلمام في أحاديث الأحكام)، الذي كان أول ما تلقاه العراقي من كتب الحديث.
ولما كانت بداية تلمذته للعراقي في نفس السنة التي توجه فيها لقضاء المدينة فإنه يكون قد استأنف التلمذة عليه أيضا في مرحلة عمله الثانية بالقاهرة، بعد العودة من المدينة.
وقد كانت التلمذة للعراقي لها مكانتها في فكر العيني وثقافته ونتاجه العلمي حتى آخر حياته، بدليل أنه لما ذهب يعود منافسه ابن حجر في مرض موته، كان في مقدمة ما سأله عنه، المرجع الذي يوجد به بيان مرويات العراقي؛ لأنه سمع منه، ويريد الوقوف على مروياته، وهذا يدل على أن العراقي أجازه مع السماع، بجميع مروياته، كما هو معتاد، فإذا وقف على بيان موثق بمرويات العراقي، أمكنه روايتها عنه لطلابه، بموجب إجازته له، وقد ذكر ابن حجر فعلا له مصدرا جامعا لكثير منها وهو (معجم شيوخه) هو، الذي ترجم فيه للعراقي، وذكر من مروياته عنه نحو مائة كتاب، من مختلف كتب السنة، غير مؤلفاته(1) وقد امتدت حياة العيني نحو 3 سنين بعد ابن حجر،--------------------------------------------
(1) (الجواهر والدرر) / 276 و (المجمع المؤسس) / 179 وما بعدها.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 507)

وحرصه على الوقوف على مرويات شيخه العراقي يشير إلى أنه رجع إلى ما أحاله عليه ابن حجر وهو معجم شيوخه وروى للمترددين عليه هذا العدد الضخم من مرويات العراقي بمقتضى إجازته منه، ولعل مما يشير إلى قيامه بنشر تلك المرويات وغيرها مما استفاده من العراقي أنه رغم توليه المناصب الكبرى بالقاهرة كقضاء القضاة الحنفية وحسبة القاهرة، فإنه تعين لتدريس الحديث بالمدرسة المؤيدية أول ما فتحت، وظل يقوم فيها بالرواية والتدريس حتى آخر حياته، بحيث أخذ عنه الآباء والأبناء والأحفاد، فكان تلاميذه ثلاث طبقات متوالية، ومع إمامة العيني المعروف بها في علوم العربية من نحو وصرف وغيره، فإنه بلغ في العناية بالحديث تدريسا وتأليفا درجة المنافسة لابن حجر أبرز تلاميذ العراقي، بحيث يقول السخاوي إنه لم يعرف بعد ابن حجر من هو أكثر تأليفا منه، وقد تبادل هو وابن حجر الاستفادة العلمية شفاهة وباعتماد كل منهما على مؤلفات الآخر، وكانت بينهما منافسة الأقران التي جعلت كلا منهما ينتقد الآخر، وبلغ الأمر ذروته في قيامهما بتأليف شرحين للبخاري في فترة زمنية واحدة، وسمى ابن حجر كتابه «فتح الباري» وسمى العيني كتابه «عمدة القارئ». وتلاحظ من نفس التسمية الإشارة لانتقاص شرح منافسه، حيث جعل شرحه هو العمدة، كما أنه ينقل في شرحه عن شرح ابن حجر ويتعقبه(1) وانبرى ابن حجر للدفاع في مؤلف خاص سماه «انتقاص الاعتراض»، وعموما فإن كلا الشرحين حافل، وله مميزاته، وإن كانت شهرة «الفتح» أكثر من شهرة «العمدة»، وقد تناولهما غيرنا بالبحث المتخصص(2). والذي--------------------------------------------
(1) انظر جـ 4/ 154 و «عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري».
(2) أعد زميلنا الفاضل/ الدكتور «جميل الشوادفي» رسالة دكتوراه عن ابن حجر ومنهجه في فتح =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 508)

يهمنا، أن الرجلين مع زعامتهما العلمية في جيلهما وحتى الآن، فإنهما من ثمار غرس العراقي، فقد تتلمذا له واستفادا منه في الرواية والدراية، وسيأتي بيان استفادة ابن حجر منه في شرحه للبخاري وفي غيره، أما العيني فقد وجدت بشرحه ما يدل على استفادته فيه من (تكملة شيخه العراقي لشرح الترمذي) تارة مع التصريح بذلك(1) وتارة لم يصرح بذلك(2) كذلك ألف العيني في علم الرجال وفي شرح الحديث وغير ذلك عدة مؤلفات أخرى جيدة، وظل كما قدمنا يستفيد ويفيد من تلمذته للعراقي، حتى لقي ربه في ذي الحجة سنة 855 هـ بالقاهرة، ودفن بمدرسته المعروفة حاليا بـ (جامع العيني) شمال شرق الجامع الأزهر.

‌‌13 - ومنهم «شمس الدين البرماوي» شارح البخاري ومدرس الحديث بالقدس ودمشق ومكة (3):
وهو محمد بن عبد الدايم بن موسى العسقلاني الأصل، البرماوي، المصري، ولد في ذي القعدة سنة 763 هـ وأخذ العلم عن كبار شيوخه، فأخذ الفقه عن البلقيني والزركشي وابن الملقن وغيرهم. أما الحديث فأخذه عن العراقي ومهر فيه وفي غيره، وبعد استكمال دراسته بالقاهرة قام برسالته العلمية فيها--------------------------------------------
= الباري وهناك زميل آخر يعد الآن دكتوراه عن العيني ومنهجه في عمدة القارئ وهو الأخ الفاضل/ الدكتور أحمد محرم الشيخ ناجي وهو حاليا أستاذ بكلية أصول الدين بأسيوط.
(1) ينظر العمدة - كتاب الحج - باب الخطبة أيام منى 10/ 83، وأبواب العمرة - باب عمرة في رمضان 10/ 116، 118.
(2) انظر و عمدة القارئ، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد جـ 4/ 60 وقارنها بما في (تكملة شرح الترمذي) للعراقي، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد جـ 1/ 74 أ.
(3) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه: «بهجة الناظرين،» 51 - 54.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 509)

ثم انتقل إلى دمشق، فدرس بجامعها وبكثير من مدارسها، وكان مما درسه بها «شرح ألفية العراقي في علم الحديث»، وتتلمذ له الفضلاء(1) كما باحث أعلام الشام إذ ذاك، ثم عاد ثانيا لمصر حيث أطبق عليه الطلبة للأخذ عنه، فصار مفيد شامه ومصره، ثم رحل إلى الحجاز، وجاور بمكة فانتفع به أهل الحجاز أيضا، وهناك ألف شرحه للبخاري، وله أيضا، شرح «عمدة الأحكام» في أحاديث الأحكام، ثم عاد من مكة لقاعدة انطلاقه وهي القاهرة، ومنها انتقل إلى «القدس» - السليب الآن - فأحيا به العلم، وسر به المقادسة، ولازموه في دروسة العامة بالمسجد الأقصى، وفي تدريسه المنتظم بالمدرسة الصلاحية وظل يواصل رسالته تلك بالقدس، حتى توفي بها في جمادى الآخرة سنة 831 هـ، بعد أن نشر علم العراقي، ودرس مؤلفاته الحديثية، عبر رحلة حياته داخل مصر وخارجها.

‌‌14 - ومنهم: «الشهاب الأشليمي، ناشر السنة بالإسكندرية والفيوم والجيزة»(2)
وهو أحمد بن محمد بن عبد الله الأشليمي ولد سنة 765 هـ بإحدى قرى محافظة الغربية، وتحول منها إلى «أشليم» بالغربية أيضا، فحفظ القرآن ثم انتقل إلى القاهرة لطلب العلم، وكان مما درسه علم الحديث على يد الحافظ العراقي وغيره، ثم تنقل في الوظائف فولي مشيخة خانقاه «المحسني» بالإسكندرية، والخانقاه الصلاحية بالفيوم، وخلال إقامته بهذين البلدين قام بأداء ما تحمله من علم الحديث عن العراقي وغيره، فسمع منه الفضلاء، ونشر--------------------------------------------
(1) «الضوء اللامع» جـ 2/ 116.
(2) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه «الضوء اللامع» جـ 2/ 132.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 510)

الحديث هناك، ثم تولى التدريس بالمدرسة الخروبية بالجيزة، فواصل فيها رسالته حتى توفي في المحرم سنة 846 هـ.

‌‌15 - وممن لازمه: «ابن مراوح مدرس الحلة وشيخها»(1):
وهو محمد بن محمد بن أبي بكر الحلبي الشافعي، ويعرف بابن مراوح ولد تقريبا سنة 765 هـ بالحلة، ورحل منها إلى القاهرة سنة 783 هـ لاستكمال دراسته، فلازم الحافظ العراقي في الحديث، ومما سمعه عليه بحث ألفيته في علم الحديث، وبهذا استفاد خلاصة علم الدراية، كما سمع عليه ألفيته في السيرة النبوية التي تضم موجز علم السيرة أيضا، إلى غير ذلك مما تلقاه عن العراقي بمقتضى الملازمة، فلما تخرج وتضلع في العلوم، عاد إلى الحلة، وأقام حلقة التدريس والرواية بجامعها، حتى صار أستاذ الحلة وشيخها، ولم أقف على تاريخ وفاته.

‌‌16 - ومن مشاهيرهم: «تقي الدين المقريزي، مؤلف «خطط القاهرة» ومدرس الحديث بها وبغيرها»(2):
وهو أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر، المعروف بـ «المقريزي»، أو بابن المقريزي، نسبة لحارة «المقارزة» ببعلبك بالشام، وقد قدم أبوه منها لتولي بعض الوظائف بالقاهرة، فولد بها في سنة 766 هـ، وقد أحب الحديث وسمعه من العراقي ومن غيره، ثم قام بروايته وتدريسه، داخل مصر وخارجها، فكان من وظائفه بالقاهرة قراءة الحديث بالمدرسة المؤيدية، ثم--------------------------------------------
(1) انظر في التعريف به بيان أثر العراقي فيه: «عنوان الزمان» / للبقاعي/ نسخة تيمور ج 4/ 138.
(2) انظر في التعريف به وبيان أثر العراقي فيه: «الضوء اللامع» جـ 2/21 - 25.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 511)

حدث بمكة، وعندما ترك مصر وأقام بالشام، تولى التدريس بعدة مدارس بدمشق، ثم ترك ذلك واعتكف ببلدة «بعلبك»، مشتغلا بعلم التاريخ وصنف فيه عدة مصنفات، أشهرها «خطط القاهرة» المعروفة بخطط المقريزي، والتي يرجع إليها الباحثون حتى الآن، ومع شهرته بالتأليف في علم التاريخ، فإنه لم يغفل علم الحديث الذي أحبه وتلقاه على أستاذ عصره العراقي، وقام بروايته وتدريسه، ولذا ألف في بعض علومه، كعلم السيرة النبوية وغيره، وكانت مصنفاته مما حدث به طلابه بمكة وبالقاهرة وغيرهما - كما أن مؤلفاته التاريخية مثل «الخطط» و «السلوك لمعرفة دول الملوك» و «درر العقود الفريدة» وغيرها، تشتمل على كثير من المعلومات الحديثية وتراجم رجال الحديث المتقدمين والمتأخرين، وبذلك كان ثمرة طيبة لغرس العراقي وانتشرت عن طريقه مروياته وعلومه داخل مصر وخارجها.
وقد ظهر تأثره بالعراقي في ترجمته له في أكثر من مؤلف، وإعرابه عن التقدير البالغ لمكانته الحديثية وآثاره، فيقرر في السلوك: «أنه شيخ الحديث الذي انتهت إليه رياسته»(1) وأما في كتابه «درر العقود الفريدة» فإنه يقول في ختام ترجمته له: «كان للدنيا بهجة، ولمصر به فخر، وللناس أنس، ولهم منه فوائد جمة، ثم حكى عنه إحدى الفوائد»(2) وبعد هذا النشاط العلمي في السنة وغيرها، لقي ربه في 26 رمضان سنة 845 هـ.

د -‌‌ بقية أعمال العراقي الوظيفية بالقاهرة، بتلك المرحلة وصلتها بالسنة:
بعد أن تبين لنا نهوض العراقي في مرحلة عمله الأولى هذه بالقاهرة، برواية--------------------------------------------
(1) «الضوء اللامع»، جـ 4/ 177.
(2) المرجع السابق جـ 4/ 178.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 512)

السنة وتدريس علومها سواء بتوظيفه رسميا لذلك، بالقلعة وبأعلا مدارس السنة، أو خارج نطاق التوظف، وتبين لنا ريادته لمدرسة السنة بمصر وأستاذيته لجيل المشتغلين بها عموما ولصفوة حفاظها ومدرسيها والمؤلفين فيها خصوصا، بعد أن تبين لنا ذلك أقول: إن ممن أرخ العراقي من ذكر توليه عدة وظائف علمية أخرى، إليك بيانها وصلتها بعلوم السنة:

‌‌1، 2، 3: التصدير والمواعيد والخطابة:
ذكر تلميذ العراقي ابن فهد من وظائف العراقي التي تولاها بالقاهرة بجانب التدريس: «التصدير والمواعيد والخطابة»(1) ولم أجد من ذكر ذلك غيره، كما أنه لم يحدد تاريخا ولا مكانا معينا بالقاهرة تولى العراقي فيه هذه الوظائف، ثم إن بحثي التفصيلي لحركة التوظف بمصر والقاهرة طول حياة العراقي، لم يسفر أيضا عن تحديد لذلك.
والمعروف أن التصدير في عصر العراقي يختلف عن التدريس؛ لأنه عبارة عن مجلس علمي لتثقيف العامة، يشبه المحاضرات العامة في عصرنا، وكان يعقد في مسجد أو مدرسة أو غيرها، من المنشآت الخيرية(2) ويجلس الشيخ بصدر المجلس، ويلقي على الحاضرين درسا في التفسير، أو الحديث، أو الفقه، أو غير ذلك، دون أن يتقيد في ذلك بمنهج دراسي، أو كتاب مخصوص، كما في التدريس المنتظم؛ ويمكن للحاضرين مناقشة المتصدر للفهم والاستيضاح(3).--------------------------------------------
(1) و «لحظ الألحاظ» 4/ 229.
(2) و «الضوء اللامع» جـ 10/ 60، 61.
(3) و «صبح الأعشى»: للقلقشندي جـ 11/ 251، 252 وصفحات من عصر السيوطي لعبد الوهاب =

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 513)