ومما ذكره السخاوي وما سجله العراقي بنفسه يتضح الآتي:
1 - أنه كان يعقد مجالس تدريسه بانتظام، في المسجد النبوي، أو في الروضة الشريفة منه.
2 - أنه كان يحضر مجلس إملائه وإسماعه وتدريسه مستويات متعددة منهم الجيل المبتدئ في دراسة السنة، وهم الصبيان الصغار ذكورا وإناثا، سواء من أهل المدينة أو من أبناء الوافدين عليها، ومنهم الطلاب المشتغلون الذين تجاوزوا مرحلة الإبتداء وقطعوا مرحلة في التحصيل، ومنهم العلماء المتخرجون الراغبون في الإستزادة بعلمه من محدثين وحفاظ وفقهاء وأشخاص عاديين محبين لسماع الحديث.
3 - أنه قد أقبل على دروس العراقي الحديثية أهل المدينة والوافدين عليها من مختلف البقاع الإسلامية شرقا وغربا، كالمصري والمكي والدمشقي والبنزرتي والتلمساني، ومنهم من حرص على إحضار أخيه، أو ابنته في الصغر ليتصل لهم سند الحديث عن طريق العراقي، وأثبت لهم ذلك كتابيا كما ترى، ليعتمدوا عليه في الرواية عند تأهلهم لذلك، والاحتياج إليهم كما تقضي قواعد الأداء.
4 - أن كل هؤلاء كانوا سفراء عن العراقي في نشر علوم السنة، بعد أن وصل سندهم بها، سواء عن طريق كتابيه «المحجة» و «الأحاديث العشارية» لإيراده فيهما الأحاديث بسنده المتصل منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو عن طريق إجازته لهم بجميع ما يجوز له وعنه روايته، وهو يشمل سائر مروياته، من علوم السنة كما فصلناها قبلا، بالإضافة لسائر
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 534)
مؤلفاته التي أنجزها، حتى تاريخ الإجازة المذكورة.
ثم إن العراقي أثبت قراءة رفيقه وتلميذه الهيثمي، عليه ألفيته في السيرة في خمسة مجالس بالروضة الشريفة، آخرها في الحادي والعشرين من شوال سنة 791 هـ(1).
بينما قدمنا أن عزله عن قضاء المدينة وتوابعه كان في 13 من الشهر المذكور وهذا يدل على عدم ارتباط نشاطه الحديثي بالوظيفة، وإن كانت هي العامل الرئيسي الذي حول نشاطه العلمي في تلك المرحلة إلى المدينة المنورة، لتشع منها آثاره على العالم الإسلامي كما رأينا.
رابعا: عودة العراقي إلى القاهرة ومرحلة عمله الأخيرة بها ونتائجها:
مع أن العراقي كان معتادا المجاورة بالحرمين، وأداء رسالته الحديثية فيها بدون وظيفة رسمية، إلا أنه لم يطل الإقامة بالمدينة بعد عزله من منصبه، فغادرها حتى يفسح المجال لمن عين بدله، وهو الشيخ السلاوي السابق ذكره، ولكنه لم يعد من المدينة إلى القاهرة رأسا، بل قرر أن يكون وداعه الأخير للحرمين معا، وأن يختم تلك الرحلة بالحج، كما بدأها به، فخرج من المدينة إلى مكة وأدى شعائر الحج، ثم عاد منها إلى القاهرة ليقضي بقية حياته ويواصل رسالته العلمية من جديد، خاصة في مجال السنة(2)، وعلى هذا يكون قد وصل إلى القاهرة في أوائل سنة 792 هـ وأقام بها حتى وفاته في سنة 806 هـ كما سيأتي.--------------------------------------------
(1) ص 65 من نسخة الألفية السابق الإحالة عليها.
(2) «ذيل التقييد» للفاسي/ 220 أ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 535)
ويظهر أن العراقي قد اتخذ لنفسه في هذه الفترة منزلا خاصا بالقاهرة، بعد أن كان قبل سفره إلى المدينة مقيما بالخانقاه «الطغيتمرية» بظاهر القاهرة بالصحراء كما قدمنا، وإلى هذا يشير قول تلميذيه «ابن حجر والعيني» وغيرهما: «أنه بعد عودته من المدينة سكن القاهرة(1)» ثم حدد ابن حجر والسخاوي مكان المنزل حيث ذكرا أنه لما عزم ابن حجر على طلب الحديث في سنة 796 هـ اتجه إلى شيخه العراقي بمنزله بجزيرة «الفيل» على شاطئ النيل، وتتلمذ له به، كما سنفصله(2).
وإذا كان قد ثبت لنا أن العراقي في المرحلتين السابقتين كان رائدا لمدرسة السنة داخل مصر وخارجها، وأستاذا لجيل المحدثين وصفوتهم من بعده، فإن تلاميذ العراقي ومؤرخيه، قد اتفقوا على أن تلك المرحلة الأخيرة، هي أكمل المراحل وأخصبها عطاء حيث كان في قمة نضجه العلمي، واستقر بالقاهرة، دون أسفار، أو رحلات، وتمحضت أوقاته للعطاء العلمي، فلم يكن مشغولا بالتلمذة على غيره، ولو لبعض الوقت كما في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة، ولا مشغولا بمسئوليات القضاء، كما في مرحلة عمله السابقة بالمدينة، وفي--------------------------------------------
(1) (إنباء الغمر) جـ 2/ 276 و (عقد الجمان) جـ 25/ قسم 2 وفيات سنة 806 هـ و (شذرات الذهب) جـ 7/ 55.
(2) و (المجمع المؤسس) / 179 و (الجواهر والدرر) / 19 أ، والجزيرة المذكورة هي حاليه المنطقة الواقع فيها قسما شرطة روض الفرج وشبرا بالقاهرة قريبا من حي «جزيرة سيدي بدران» المعروفة، وكانت في عصر العراقي من ضواحي القاهرة الحديثة العمران، والحافلة بالبساتين الجميلة المثمرة، وبالأسواق، وحولها يجري النيل، وبها يسكن كثير من العلماء غير العراقي (انظر «خطط المقريزي» جـ 2/ 185، 186 و «النجوم الزاهرة» جـ 7/ 309 أصل وهامش و جـ 10/ 130 أصل وهامش.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 536)
هذا يقول تلميذه ابن حجر: «ثم رجع إلى القاهرة واستمر على الاشتغال والنفع حتى توفي رحمه الله»(1)
ويقول التقي الفاسي تلميذه أيضا: «وتوجه إلى القاهرة، فأقام بها مشتغلا بالتصنيف، والإفادة، والإسماع، حتى مضى لسبيله محمودا»(2) ونحو هذا ذكر ابن تغري بردي(3)، وذكر ابن فهد أنه كان مواظبا على العبادة، وعلى الإسماع، والإقراء، والتدريس(4)، وقال المناوي: إنه عاد إلى القاهرة فولي عدة تداريس(5).
لكن هذا الإجمال من جانب تلاميذه ومؤرخيه، يحتاج إلى تفصيل تطبيقي يحدد أبعاده، ونتائجه الفعلية في علوم السنة وما يتصل بها، ومن أجل هذا، قمت بمطابقة ما ذكروه على وقائع نشاط العراقي ووظائفه العلمية خلال هذه المرحلة الختامية من حياته، والمتفق على تميزها بخصوبة العطاء العلمي، بمختلف صوره، وإليك بيان ذلك:
أ - إسماع العراقي السنة وتدريس علومها منهجيا، بأعلا مدارس القاهرة وجوامعها، وخانقاتها، ومنازلها:
كان من حق العراقي عند عودته إلى القاهرة، مباشرة وظائفه السابقة للتدريس، والتحديث، والتي أناب ولده أبا زرعة فيها مدة غيابه بالمدينة،--------------------------------------------
(1) «المجمع المؤسس» / 178.
(2) «ذيل التقييد» 220 أ و «الضوء اللامع» جـ 4/ 176.
(3) «المنهل الصافي» جـ 2/ 313 أ.
(4) «لحظ الألحاظ» / 229.
(5) «مقدمة شرح المناوي الموجز الألفية العراقي في السيرة».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 537)
وذلك فيما عدا مدرسة الحديث الكاملية التي انتزعها ابن الملقن كما قدمنا، فظلت بيده حتى وفاته، ثم تولاها العراقي بعده كما سيلي.
وبمقتضى هذا يكون قد استأنف تدريس علوم السنة وروايتها بالقلعة، وجامعها، وتدريس الفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية، كما كان في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة، لكني وجدت تعيينه بجانب ذلك لتدريس الحديث بكل من: المدرسة الفاضلية، والظاهرية البيبرسية العتيقة بالقاهرة(1)، وذلك في ثامن المحرم سنة 793 هـ، عوضا عن القاضي صدر الدين بن رزين، بعد وفاته في نفس الشهر من السنة المذكورة(2) ثم لم أجد من أشار لعزله من أيهما حتى وفاته، وبذلك يكون استمر ما يزيد على 13 عاما يدرس علوم السنة ويرويها لطلابها بالمدرستين المذكورتين، كما قام أيضا بإملاء - السنة بهما كما سيأتي، مع زيادة تدريس الفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية كما أشرنا. وقد وقفت على ما يفيد مباشرته لتدريس الحديث بالمدرسة الظاهرية واحتفاء--------------------------------------------
(1) كانت هذه المدرسة من أجل مدارس القاهرة وعرفت بالظاهرية البيبرسية نسبة لمنشئها الظاهر بيبرس البندقداري رأس دولة المماليك بمصر، وقد تمت عمارتها سنة 622 هـ وجعل بها قسم للحديث منذ إنشائها، وأول من تولى مشيخته الحافظ شرف الدين الدمياطي، وقد كانت بخط بين القصرين بالقاهرة، وموقعها الحالي على رأس شارع بيت القاضي بجوار حي الأزهر، وقد أزيل معظمها لما فتح الشارع المذكور، إلى بيت القاضي، وذلك بعد سنة 1290 هـ، ثم تخرب الباقي (خطط المقريزي) جـ 2/ 378، 379 و «الخطط التوفيقية» (جـ 5/14، 43 جـ 6/9 و د تحفة الأحباب، لعلي السخاوي/ 26 ب) وأما وصفها بالقديمة أو العتيقة، فلتمييزها عن مدرسة أخرى أنشأها بعدها - بكثير - السلطان الظاهر برقوق المتوفى سنة 801 هـ وعرفت بالظاهرية الجديدة أو البرقوقية.
(2) انظر (انباء الغمر) جـ 1/ 419، 426 و «الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ 643/ أ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 538)
طلابها به، منذ سنة توليه لها، فقد كتب ولده أبو زرعة بخطه قال: «أنشدنا الشيخ شرف الدين عيسى ابن حجاج لنفسه في 26 ربيع الآخر سنة 793 هـ بالمدرسة الظاهرية القديمة يخاطب والدي:
يا زين دين الله الذي لا أرتجي … في وقت عسري سواه
أكتب لداء العسر يسرا ففي … دارك يا كنز البرايا دواه(1)
فقول أبي زرعة «أنشدنا» يدل على وجود جماعة من السامعين غيره من تلاميذ والده، الذين تواجدوا في درسه بالظاهرية في التاريخ المذكور، ومدح الشيخ شرف الدين للعراقي بما تقدم، مع إجماع المؤرخين على ضيق ذات يده، يفيد أن ذلك الضيق لم يكن من الشدة بحيث لا يمكنه من نجدة من يحتاجه، كما أنه عرف بإيثار غيره على نفسه، كما قدمنا في أخلاقه، وقد يكون مراد المؤرخين: ضيق عيشه بالنسبة لمن عرف بالثراء الواسع من علماء عصره وأقرانه.
ثم أثبت العراقي على نسخة كتابه «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» التي بدأ بها إحياء سنة الإملاء للسنة في المدينة المنورة كما قدمنا، أنه: «قد قرأها عليه الشيخ الفقيه القاضي محمد بن إبراهيم بن أحمد الزبيدي، بالظاهرية، والجماعة سماعا في 28 جمادى الأولى سنة 793 هـ(2)».
كذلك وجدت أن الشيخ نور الدين الرشيدي - من تلاميذ العراقي - قد سأله بدرس الحديث بالمدرسة البيبرسية عمن يستحق أن يخلفه من الحفاظ؟ فأجابه بأن في الشيخ شهاب الدين بن حجر كفاية(3). وهذا يدل على استمرار--------------------------------------------
(1) انظر (مجموع ابن خطيب الناصرية) (نقوله عن خط أبي زرعة بن العراقي).
(2) انظر «الأحاديث العشارية الإسناد» للعراقي نسخة (1578) حديث بدار الكتب المصرية ورقة/ 21 أ.
(3) (الجواهر والدرر) / 52 ب و (إنباء الغمر) جـ 2/ 277.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 539)
تدريسه للسنة، ومباحثة طلابه معه في قضاياها، إلى أواخر حياته حيث كان هذا السؤال بعد تخرج ابن حجر على يديه، وتقدمه في الفن، وذلك في أواخر حياة العراقي.
أما بالنسبة لتدريس الحديث وروايته بالمدرسة الفاضلية:
فقد وجدت أحد تلاميذه الوافدين من الشام، وهو محمد بن خليل المقري الحلبي الشهير بابن القباقبي، يذكر أنه قرأ ألفية علم الحديث، حفظا من صدره على ناظمها، وسمعها أيضا منه لفظا وبحثا، في شهور سنة 803 هـ، وأن القراءة والسماع المذكورين كانا بالمدرسة الفاضلية بدرب الملوخية، وأنه أجازه بقراءتها وإقرائها، وروايتها عنه، ورواية ماله من نظم ونثر، ورواية ما يجوز له وعنه بشرطه المعتبر(1). ولما كانت ألفية العراقي المذكورة قد جمعت خلاصة قواعد علوم السنة ومصطلحاتها، كما ذكرنا من قبل، فإن ما ذكره تلميذه المذكور، يدل على أنها كانت ضمن المنهج الدراسي لطلاب السنة حينذاك بحيث حفظها ثم عرضها على أستاذه العراقي، ثم قام العراقي بتدريسها له ولغيره ممن كانوا يحضرون، وبحث معهم مضامينها. كما أن ما قام به العراقي مع ما ذكره هذا التلميذ أيضا، يعتبر أنموذجا جامعا لما تقضي به قواعد رواية السنة وتدريسها(2). ولما كان يقوم به مدرسو السنة عموما في ذلك العصر، ولما قام به العراقي خصوصا في دروسه في تلك المدرسة، من أداء علوم السنة ونشرها بمختلف الوجوه المصطلح عليها: من سماع--------------------------------------------
(1) انظر آخر نسخة ألفية علم الحديث للعراقي، مخطوطة بدار الكتب المصرية رقم (880) مجاميع طلعت.
(2) «قواعد التحديث» للقاسمي 221، 222 و «فتح المغيث» للعراقي جـ 2/ 61، 62.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 540)
محفوظات الطلاب، ثم إسماع الأستاذ لهم بنفسه، ثم الشرح والمناقشة فيما يبدونه من آراء، وملاحظات حتى يفهموا مسائل العلم المدروسة ويستوعبوها، ثم إجازة الطالب بأداء ما تلقاه من أستاذه العراقي رواية ودراية، إلى غيره، وإجازته أيضا بباقي مروياته ومؤلفاته المختلفة نظما ونثرا، وبذلك اتصل سند هذا الطالب وأمثاله، بمجمل علوم السنة وتراثها حتى عصر العراقي، وأصبح بموجب إجازة العراقي وتدريسه، خلية عاملة في حقل السنة من بعده. هذا بالإضافة إلى قيام العراقي بإملاء السنة بتلك المدرسة، كما سيأتي وهو خاتمة نشاطه العلمي.
وهناك مدرسة ثالثة ذكر المترجمون أن العراقي درس بها للمحدثين، وهي المدرسة (القراسنقرية) بالقاهرة، دون تحديدهم زمنا لذلك(1) وهذه المدرسة كانت من أحسن مدارس القاهرة، وقد أنشئت قبل مولد العراقي بنحو 25 عاما(2)، لكن أقدم ما وقفت عليه من مباشرة نشاطه بها هو أحد مجالس إملائه للسنة في يوم الثلاثاء آخر ذي الحجة سنة 796 هـ، ثم بعض مجالس في سنة 797 هـ كما سيأتي، ثم وقفت على وقائع درس حافل بها في يوم الثلاثاء 10 من شعبان سنة 802 هـ، حيث قرأ فيه الحافظ ابن حجر على شيخه العراقي من مروياته خمسة مجالس من أمالي الجوهري الحديثية، وهي--------------------------------------------
(1) (الضوء اللامع) جـ 4/ 174.
(2) وقد عرفت بـ «القراسنقرية» نسبة لمنشئها نائب السلطنة الأمير «قراسنقر»، وذلك في سنة 700 هـ وموضعها حاليا بحارة المبيضة المتفرعة من شارع باب النصر، أو شارع الجمالية بالقاهرة وقد تخربت، ولم يبق لها أثر الآن انظر «خطط المقريزي» ج 2/ 388، 389 و «الخطط التوفيقية» ج 5 (5/ 69، 70).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 541)
مجالس 3، 4، 6، 7، 11، وسمع ذلك معه جماعة منهم «أحمد بن محمد بن يوسف العقبي»، وأجازهم العراقي بروايتها عنه بسنده(1)، فقام في هذا برسالة «المسند»، الذي يؤدي لطلابه ما تحمله من المرويات بإسناده عن شيوخه، ليؤدوه بدورهم إلى الآخرين فتنتشر السنة بإسنادها المتصل عبر القرون. وتاريخ هذا المجلس يفيد إمتداد نشاط العراقي بتلك المدرسة إلى أواخر حياته.
أما المدرسة الرابعة، فهي رائدة مدارس السنة بمصر كما قدمنا، وهي «المدرسة الكاملية» فقد وقفت على بعض مجالس إملائه للسنة في 19 جمادى الآخرة سنة 804 هـ كما سيأتي ذكره، وهذا التاريخ متأخر عن وفاة ابن الملقن الذي كان منتزعا لها في غيبة العراقي بالمدينة، حيث توفي ابن الملقن في 6 من ربيع الأول سنة 804 هـ(2)، وبذلك يكون العراقي قد عاد ثانية لمشيخة الحديث وتدريسه بها، بعد وفاة ابن الملقن، وبهذا استوفى رسميا جميع صلاحياته التي كان قبل عمله بالمدينة يتمتع بها، وينهض بمهماتها وهي: ريادته لمدرسة السنة بمصر، وأستاذيته الجيل المشتغلين بها، وصفوتهم من بعده.
بل إنه في تلك المرحلة تجاوز نشاطه العمل بتلك المدرسة الرائدة وسابقاتها إلى غيرها، من المواقع، كما أضاف لمواقفه وجهوده الرائدة في مجال السنة جديدا كما سيأتي.
ففي منتصف سنة 799 هـ تولى تدريس الحديث بجامع أحمد بن طولون، المعروف إلى الآن بالقاهرة، وذلك بعد سفر مدرسه عماد الدين الكركي إلى--------------------------------------------
(1) انظر: «عنوان الزمان» للبقاعي جـ 1 لوحتي 100، 101.
(2) «المجمع المؤسس» 4/ 276 و «إنباء الغمر» جـ 2/ 219.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 542)
القدس لتولي وظيفة الخطابة به(1)، ويعتبر هذا الجامع من الأماكن الدراسية العظيمة منذ أنشأه أحمد بن طولون سنة 265 هـ(2)، ومع ذكر غير واحد من مترجمي العراقي أنه درس للمحدثين بهذا الجامع(3)، وتحديد تاريخ تعيينه به كما ذكرنا إلا أني لم أقف على وقائع تطبيقية لعمله به، على نحو ما ذكرته بالنسبة لجامع القلعة ضمن مرحلة عمله الأولى بالقاهرة عموما، وما سأذكره هنا بالنسبة لغيره، وهو (جامع الأقمر) بالقاهرة، حيث وقفت على سماع شهاب الدين البوصيري القاهري، على شيخيه العراقي صحيح البخاري بسنده عن شيخيه: ابن شاهد الجيش، وابن التركماني، وكان ذلك السماع بقراءة شهاب الدين الكلوتاتي، في مجالس، آخرها يوم الأحد 18 من شعبان سنة 795 هـ بجامع الأقمر بالقاهرة، وتلفظ بإجازة كل المستمعين روايته عنه(4).
وقدمنا من قبل أن (صحيح البخاري) من أوائل مرويات العراقي عن شيخيه المذكورين، وأن سنده به عن ابن شاهد الجيش يعد من أسانيده العالية وقد ازداد علوا بقدم السماع الذي يبلغ نحو 40 سنة بين تاريخ سماعه له كما أسلفنا، وإسماعه لتلاميذه بالمسجد المذكور في سنة 795 هـ.
كما أن كلا من البوصيري والكلوتاتي من تلاميذ العراقي الذين لازموه،--------------------------------------------
(1) (أنباء الغمر) جـ 1 حوادث سنة 799 هـ و (الأعلام) لابن قاضي شهبة جـ 4/ 122 أ.
(2) انظر (خطط المقريزي) جـ 2/ 265/ 269 و (حسن المحاضرة) ج 2/ 246/ 250 و (نظم العقيان) 8 أ.
(3) (الضوء اللامع) جـ 4/ 174 و (البدر الطالع) جـ 1/ 355 وذيل التقييد 2/ 108.
(4) (عنوان الزمان) ج 1/ لوحتي 8، 9.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 543)
فضلا عمن حضر معهم، وأجيز مثلهم، وقد سبق تعريفنا بالكلوتاتي وبيان أثر العراقي فيه ضمن تلاميذ المرحلة الأولى، وذكرنا أن تلمذته للعراقي قد امتدت إلى هذه الرحلة الأخيرة أيضا، أما (البوصيري) فسيأتي التعريف به ضمن نماذج تلاميذ تلك المرحلة.
ومن كل ذلك يتضح قيام العراقي، بعقد مجالس منتظمة بالمسجد المذكور لإسماع الحديث ومدارسته، كما يتضح أنه كان من ضمن منهجه إسماع (صحيح البخاري) كاملا بسنده العالي الموثق، وتعقيب السماع بالإجازة بالرواية عنه كما تقضي قواعد التحديث(1)، فضلا عن الإيضاح والضبط للمشكل، خلال السماع كما كان معتادا في دروس الحفاظ، ويتضح كذلك توافر مشاهير الطلاب للسنة بدروسه بـ (مسجد الأقمر) وخاصة الملازمين للاستفادة منه.
وامتد نشاط العراقي أيضا في تلك الرحلة إلى أشهر وأعرق مقر للصوفية بمصر، وهو الخانقاه الصلاحية المعروفة بـ «سعيد السعداء»(2)، فتتلمذ له شيوخها، ونزلاؤها المعروفون - من خلال تراجمهم - بالعلم والصلاح.
فمن شيوخها: صديقه (الأبناسي) كما تقدم في التعريف به، ضمن.--------------------------------------------
(1) (فتح المغيث) للعراقي جـ 2/ 61، 62.
(2) والصلاحية نسبة إلى واقفها على الصوفية، وهو (صلاح الدين الأيوبي) و (سعيد السعداء)، كان أحد علماء الفاطميين، وكانت تلك داره، فصلب مقتولا على يد الأيوبيين، وجعلت الدار خانقاة للصوفية، وخاصة الوافدين على مصر، وقد تولى مشيختها والتدريس فيها كبار الصوفية والعلماء، وكانت تقع بخط «بين القصرين» بالقاهرة، تجاه المدرسة القراسنقرية السابق تحديد مكانها الحالي، وقد تخربت مثلها/ «خطط المقريزي» جـ 4/ 232 و «حسن المحاضرة» جـ 2/ 260، 261).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 544)
تلاميذ المرحلة الأولى، وقد ذكرنا أيضا إنابته للعراقي في مشيختها.
ومنهم أيضا: أحمد بن محمد بن صلاح الأموي، المعروف بابن السمسار وب «ابن المجمرة» وقد قدمنا ملازمته لتلقي علوم الحديث عن العراقي، ثم إنه صار مدرسا جليلا للحديث بدمشق والقدس(1). ومنهم أيضا نور الدين القاياتي الصوفي، الذي صار عالم عصره وملأت شهرته وتلاميذه الدنيا(2)، ومن نزلائها حتى سنة 797 هـ: زين الدين القمني وقد قرأ على العراقي «نكته» على مقدمة ابن الصلاح سنة 796 هـ(3)، وغير هؤلاء كثيرون، وهذا يدل على إسهامه الجيد في تغذية صوفية عصره بثاني ركائز التعبد الصحيح بعد القرآن الكريم، وهو علم السنة. ثم إن تلميذ العراقي «صلاح الدين الأقفهسي» المولود سنة 763 هـ(4) أثبت بخطه: أن شيخه العراقي أسمع «صحيح البخاري» لطلاب الحديث بمشاركة رفيقه الهيثمي والمسند الكبير «ابن أبي المجد»، وذلك بالخانقاه الصلاحية «سعيد السعداء»، بالقاهرة في 37 مجلسا أولها يوم 15 من ربيع الأول وآخرها يوم الإثنين 25 منه سنة 799 هـ وتبادل القراءة على العراقي، وزميليه كل من: ولي الدين بن العراقي، وتلميذه الزين عبد الرحمن الفارسكوري (المولود بفارسكور سنة 755 هـ)(5)، وكان ممن حضر المجلس الأخير برهان الدين الحلبي (المعروف بسبط ابن--------------------------------------------
(1) «بهجة الناظرين» 4/ 92 و «الضوء اللامع» جـ 2/ 186.
(2) «عنوان الزمان» جـ 4/ 61 - 88.
(3) «انباء الغمر» جـ 1/ 492 ونسخة نكت العراقي رقم (36) مصطلح دار الكتب/ 4 أ.
(4) «الضوء اللامع» جـ 4/ 96.
(5) «الضوء اللامع» جـ 4/ 202.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 545)
العجمي، والمولود بحلب سنة 753 هـ(1)، ومحمد بن محمد بن عبد السلام المغربي الأصل، الصنهاجي (المولود بمنوف سنة 775 هـ)(2). ومحمد بن محمد بن عبد اللطيف، قاضي سنباط (المولود 780 هـ) والأقفهسي، كاتب هذا السماع، وأثبت صحته، وإجازة العراقي وزميليه للسامعين(3).
ونلاحظ من هذا أن «صحيح البخاري» كان في مقدمة كتب السنة التي يعتنى بتلقيها ودراستها في عصر العراقي، وأنه أسهم في ذلك بعقد مجالس منتظمة، في مختلف أماكن الدراسة، سواء بمفرده، كما مر، أو بمشاركة غيره كما في المثال المذكور، ثم إن هذه المشاركة في الأداء مع غيره من القائمين برواية السنة ونشرها، دليل على حسن صلته بمن يشاركونه في تخصصه وتعاونه معهم، وتقديره لهم، حتى ولو كانوا أقل منه علما ومكانة، وذلك مصداق ما قدمنا في أخلاقه، من التواضع، وسلامة القلب من الحقد والشحناء.
ثم إن عقد مجالسه المنتظمة بالخانقاه الصلاحية، يعد من جوانب نشره لعلوم السنة بين طلابها الوافدين على القاهرة، من داخل مصر وخارجها، حيث كانت تلك الخانقاه مأوى أساسيا للوافدين، ويظهر مصداق ذلك ممن تقدم ذكر حضورهم مجالس البخاري عليه، فمنهم الحلبي، والمغربي، والفارسكوري، والسنباطي، وجميعهم أيضا ممن كثرت تلمذتهم للعراقي في.--------------------------------------------
(1) (لحظ الألحاظ) / 308.
(2) (عنوان الزمان) جـ 4/ 165.
(3) (عنوان الزمان) جـ 4/ 165، 166، 170.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 546)
غير المجالس المذكورة(1).
كما أنه يظهر من تواريخ ميلادهم التي ذكرتها أنه قد تتلمذ للعراقي طلاب السنة من مختلف الأعمار والمستويات الدراسية والعملية:
فمنهم من هو في شبابه وقمة نشاطه التحصيلي ومنهم المتقدم في التحصيل ويطلب المزيد من حافظ السنة الناضج، ثم إنهم بعد هذا قد صاروا أعلاما للسنة في مواطنهم ومواقعهم داخل مصر وخارجها كما سيأتي في التعريف ببعضهم تفصيلا.
ومع اتساع نشاط العراقي الموزع بين أماكن الدراسة السابقة، فإن شدة الإقبال على الرواية عنه والدراسة عليه، جعلته يفتح منزله الذي اتخذه بجزيرة «الفيل» كما قدمنا، لطلابه، فيغدون عليه ويروحون في وقت فراغه من دروسه الرسمية، ومن اشتغاله بالتأليف، فيفيدون منه، ومن أبرز من تلقى عنه كثيرا من الرواية والدراية بمنزله (الحافظ ابن حجر) كما سيأتي في التعريف به. كما أن هناك ما يدل على أنه كان لا يمتنع عن التحديث والسماع عليه في أي منزل آخر يحل فيه، ولو بطريقة عارضة، فقد توجه مرة إلى منزل تلميذه ابن حجر لتوديعه في أحد أسفاره، فطلب منه تحديث زوجته، وكبرى بناته، بالحديث المسلسل بالأولية، ففعل، ثم تقدم إليه في نفس الزيارة العلامة «ابن خضر»، فعرض عليه من حفظه، كتاب «عمدة الأحكام» في أحاديث الأحكام(2) وهو نحو 450 حديثا(3)، وهذا يوضح لنا مدى استغراق أوقاته.--------------------------------------------
(1) انظر المراجع التي أحلت عليها في مواليدهم من قبل.
(2) و الجواهر والدرر 4/ 52 ب، 153 و «الضوء اللامع» جـ 10/12.
(3) انظر نسخته المطبوعة ضمن مجموعة (نفائس) بتحقيق الشيخ حامد الفقي ط السنة المحمدية سنة 1953 م
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 547)
حينذاك، في خدمة السنة، حتى خلال حياته العادية واتصالاته بمجتمعه، في المجاملات، وشمول إفادته لطلاب السنة، ذكورا وإناثا، أفرادا وأسرا.
ب - جمعه الناس على دراسة السنة بمجالس الأمراء، وتلمذتهم له وتقرير مشيخته للسنة:
من وظائف العراقي العامة التي مارس تعليم السنة من خلالها، مجالس الأمراء الحديثية، حيث يذكر السخاوي أن أمراء المماليك كان لهم في أواخر القرن الثامن الهجري اعتناء بالعلماء، وخاصة علماء السنة، حتى اتخذ كل أمير عالما بالحديث، ليعقد مجلسا عنده، يسمع الناس فيه الحديث، ويدعوهم لذلك، ويحضر الأمير معهم، ولو بصفة رمزية، فاتفق أن الجلال عبيد الله الأردبيلي .. أحد مشاهير الحنفية، كان يتردد للأمير «نوروز» لإسماع الحديث عنده، فقيل للأمير: «إن شيخ الحديث هو العراقي، فاستدعى به، أي طلبه، فلما حضر، طلب الأردبيلي من الأمير إعفاءه». وقال له: «قد حصل الإستغناء، يعني بوجود العراقي، فقال له الأمير: بل كونا معا، لكن العراقي أحس فيما يبدو بحرج الوضع بالنسبة للأردبيلي، فآثر هو الانقطاع، مع كون الأمير هو الذي طلبه»، ولهذا يقول السخاوي: «والظاهر أن العراقي ترك المجيء، من ثم، أي رعاية لجانب الأردبيلي، وعندما نتأمل طلب الأمير للعراقي بناء على تقرير غيره له بأنه هو شيخ الحديث، ثم تقرير الأردبيلي مع شهرته العلمية، بحصول الإستغناء عنه به، نجد في ذلك اعترافا من العام والخاص، بريادة العراقي المدرسة السنة بمصر، وتقديمه على غيره من مشاهير المشتغلين بها، فضلا عمن دونهم، كما أن انقطاعه رعاية الرفيقه في حمل الرسالة مع اختلاف مذهبهما الفقهي، دليل على أن الإعتراف بكفايته
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 548)
ومشيخته لم يحمله على الغرور، أو التعالي، أو تجاهل مشاعر ومصالح الآخرين، وستأتي بعض الأمثلة الأخرى المؤكدة لهذا، وفي انقطاعه أيضًا دليل لعدم تهافته على الوظائف، ولو سَعَت هي إليه، وكانت هامة، على أنه لم يغب عن الإسهام في تلك الظاهرة ذات الأهمية في مدارسة السنة بين الخاصة والعامة، حيث يذكر السخاوي أن هناك أميرين آخرين عُرف عقد العراقي عندهما مجالس الحديث المشار إليها، وهما: الأمير «أَيْتَمِش» صاحب المدرسة الأيتمشية التي أقامها بحي «باب الوزير» بالقاهرة، والأمير «يَشْبَك» الناصري الكبير، ثم ذكر مثالًا لبعض مجالسه عند الأمير يَشْبَك فحكى عن تلميذ العراقي (عثمان بن سليمان) المعروف بالمحب بن الأشقر والمولود سنة 771 هـ، أنه سمع «صحيحي البخاري ومسلم» على شيخه العراقي بمجلس الأمير «يَشْبَك» المذكور، وهذا المثال يوضح عناية العراقي بصحيح «مسلم» رواية وبحثا، بجانب عنايته بصحيح البخاري، كما يوضح نتائج عمل العراقي خلال تلك المجالس في نشر السنة بسندها مع الضبط والشرح لمصادرها، كما هو معتاد عند السماع أو القراءة على الحفاظ ويؤكد ما ذكره ابن الأشقر أنه كان من تلاميذ العراقي الملاصقين والملازمين له في غير هذه المجالس أيضًا(1)، ويُفهم من سماعه الصحيحين على العراقي في هذه المجالس، أنها كانت تضم طلاب السنة المنتظمين، إلى جانب الأمير المعقود عنده المجلس، وعامة الناس المحبين لمعرفة السنة، وبذلك كانت عامة النفع لكل الفئات والمستويات.
وقد حكى ابن الأشقر أيضًا هيئة عقد العراقي لتلك المجالس فقال: «إن--------------------------------------------
(1) «عنوان الزمان» جـ 4/11 - 16 (أصل وهامش).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 549)
الشيخ لم يكن يجلس للحديث إلا على طهارة، فإذا أحدث، أشار لمن يقرأ عليه بقطع القراءة حتى يتوضأ ويعود للمجلس، ولما كان الأمراء يفرشون أماكنهم الخاصة بالبسط الحريرية الفاخرة، مخالفين بذلك أحكام الدين مع عنايتهم الظاهرة به، فإن العراقي لم يكن يسمح بالمشي على بساط الأمير بدون حائل(1)، وهذا دليل على أن صلته بالأمراء وتوظفه لديهم، لم تجعله يجاملهم على حساب الشرع، والتطبيق العملي لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم إني وقفت على صورة خط العراقي بإثبات سماع الأمير «يلبغا السالمي» من أمراء عصره الكبار، وولده أيضا، لكتابه المعروف بـ «النكت على علوم ابن الصلاح»، وذلك في عدة مجالس، مع بعض تلاميذ العراقي، ومنهم مالك النسخة المثبت بها ذلك، ونص كلامه: «بلغ مالكه الشيخ نور الدين التلواني، قراءة علي والجماعة سماعا: الجناب السيفي «يلبغا السالمي» وولده أبو الحسن محمد، والشيخ جمال الدين عبد الله بن أحمد بن الغرياني، وولده أبو الوفاء إبراهيم، والشيخ شهاب الدين أبو الفضل ابن حجر سماعا كتبه مؤلفه» وعلم بهذا على النسخة في 19 موضعا(2). ولما كان «ابن حجر» من ضمن السامعين كما ترى، فإن هذا يدل على تأخر هذا السماع عن شروعه في طلب الحديث على العراقي في سنة 796 هـ كما سيأتي، وبالتالي يكون سماع الأمير المذكور معه هو وولده في هذه المرحلة أيضا، لكن--------------------------------------------
(1) انظر في هذه الفقرة عموما «الضوء اللامع» جـ 4/ 177 و «عنوان الزمان» جـ 4/8 - 16 أصل وهامش.
(2) انظر مقدمة الشيخ محمد راغب الطباخ لتحقيق «مقدمة ابن الصلاح وشرحها» للعراقي ص 5.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 550)
مكان السماع كما ترى غير محدد، فلعل العراقي عقد بعض مجالس الحديث المشار إليها، عند هذا الأمير أيضا، أو لعله سمع منه بمجالسه بخانقاه «سعيد السعداء» السابق الإشارة إليها، لأن هذا الأمير تولى نظرها خلال سنة 797 هـ وفترة بعدها(1). ومن هذا السماع وما قبله، يظهر لنا أن العراقي تتلمذ له في علوم السنة رواية ودراية عدد من أمراء عصره الكبار، وبعض أبنائهم، وفي هذا تقدير رمزي منهم لمكانته العلمية في السنة، كما يلاحظ أن غيرهم من تلاميذه كانوا يحرصون على إحضار أبنائهم أيضا مجالسه، وإثبات سماعهم منه علوم السنة لأدائها عند تأهلهم، وهذا مصداق ما ذكرت في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة، من أستاذيته لجيل المحدثين من بعده، طبقة فطبقة.
جـ - تدريسه للفقه وأصوله وغيرهما:
قدمنا في الفقرة (أ) أن العراقي في هذه المرحلة استأنف تدريسه للفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية بعد عودته، وإلغاء نيابة ولده أبي زرعة عنه في ذلك، ويذكر السخاوي أن العراقي درس الفقه لطلابه بالمدرسة الفاضلية وغيرها، لكنه لم يبين متى قام بتدريسه بالفاضلية، ولا عين حتى الأماكن الأخرى(2). ولم يوقفني البحث على مثال تطبيقي لممارسة العراقي في هذه المرحلة تدريس علم آخر غير السنة، بأي موقع، سواء المدرسة الفاضلية أو غيرها، لكن التقي الفاسي الذي تتلمذ عليه في نفس هذه المرحلة، قرر أنه درس «الفقه» بعدة مدارس(3)، فلعله شاهده بنفسه، وإن كان لم يحدد المدارس التي درس.--------------------------------------------
(1) انظر «إنباء الغمر» جـ 1/ 492 وما بعدها.
(2) «الضوء اللامع» جـ 4/ 174.
(3) «ذيل التقييد» / 219 ب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 551)
بها؛ تقديرًا لأن اشتغاله بغير السنة من الفقه والأصول وغيرهما كان عملًا جانبيًا، ويؤكد هذا وجود نماذج متعددة للتلمذة عليه خلال تلك المرحلة في الفقه والأصول، وغيرهما من العلوم التي حصلها في دراسته العامة، كما تقدمت، وإن كان المؤرخون لم يعنوا بتحديد أماكن تلك التلمذة.
فمثلًا: عبد الرحمن بن أحمد المعروف بالجلال أبي المعالي القمصي، المولود أول شعبان سنة 792 هـ بالقاهرة، وقفت على أنه في سنة 801 هـ فما بعدها، قد عرض محفوظاته من كتب العلوم المختلفة على شيوخه، ومما عرضه على شيخه العراقي وأجازه به عن شيوخه، الكتب الآتية:
1 - منهاج الوصول إلى علم الأصول، للبيضاوي (في علم الأصول) وأجازه به عن شيخه شمس الدين بن اللبان.
2 - زوائد منهاج الوصول، للأسنوي (في أصول الفقه) وأجازه به عن مؤلفه.
3 - منهاج الطالبين، للنووي (في الفقه الشافعي)، وأجازه به عن شيخه أبي عبد الله النعماني.
4 - الشاطبية، للإمام الشاطبي (في علم القراءات) وأجازه به عن جماعة، منهم البرهان الرشيدي.
5 - السخاوية، للسخاوي (في علم القراءات أيضًا) وأجازه به عن شيخه عز الدين بن جماعة.
6 - ألفية ابن مالك (في النحو) وأجازه به عن شيخه «محمد بن إسماعيل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 552)
الأنصاري»(1).
وأيضا: أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان المعروف بابن حرمي، فقد ولد بالقاهرة سنة 792 هـ، وأخذ علم الفقه عن العراقي(2).
وكذلك: محمد بن محمد بن محمد البكري، ولد في القاهرة سنة 785 هـ تقريبا، وعرض كتاب (المنهاج) في سنة 790 هـ على جماعة منهم الزين العراقي(3)، لكن يلاحظ أن هذه السنة كان العراقي ما يزال خارج مصر، على قضاء المدينة المنورة، كما تقدم، فلعل المقصود ولده (الولي العراقي).
ومحمد بن محمد بن أحمد البلبيسي، ولد ببلبيس سنة 770 هـ ثم انتقل إلى القاهرة سنة 792 هـ، فعرض بعض محفوظاته في شوال من السنة المذكورة، على العراقي، ومنها (المنهاج) للنووي في الفقه، وأجازه بروايته بسنده عن مؤلفه(4).
فهذه النماذج لتلقي العلوم المذكورة عنه في تلك المرحلة، سواء بطريقة عرض المحفوظات عليه، أو بطريقة التدريس والشرح، تدل صراحة على مشاركته للمختصين بهذه العلوم في إفادة طلابها بمختلف الوجوه، مع إجازتهم بما تحمله من مصادرها عن شيوخه، تطبيقا لمنهج التعليم في ذلك العصر كما أسلفنا. وفي كتب تراجم رجال العصر نماذج أخرى متعددة لمن تلقوا عنه تلك العلوم في هذه المرحلة على النحو المذكور دون تحديد مكان التلقي.
وقد ظهر لي من هذه النماذج عموما، أن أكثر العلوم التي درسها لطلابه غير.--------------------------------------------
(1) «عنوان الزمان» للبقاعي جـ 2 لوحة 248 و «ترجمة الإمام النووي»، تأليف السخاوي/ 67.
(2) «الضوء اللامع» ج 1/ 328.
(3) «عنوان الزمان» جـ 4/40.
(4) «عنوان الزمان» جـ 4/ 136.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 553)