Arabic source text

📘 আল-হাফিজ আল-ইরাকি ওয়া আসারুহু ফিস সুন্নাহ (আহমদ বিন মাবাদ আবদুল কারিম)

📘 الحافظ العراقي وأثره في السنة (أحمد بن معبد عبد الكريم)

📘 আল-হাফিজ আল-ইরাকি ওয়া আসারুহু ফিস সুন্নাহ (আহমদ বিন মাবাদ আবদুল কারিম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أما الميعاد فهو عبارة عن درس للوعظ، وتوجيه للجمهور إلى أحكام الإسلام الصحيحة، وأخلاقه الحسنة، وأهمه ما تناول فيه الواعظ، أو العالم، أحاديث الترغيب والترهيب، المعروفة بالرقائق؛ (لما تحويه من تهذيب القلب وترقيقه)(1) وسيأتي تأليف العراقي في ذلك، وقد كان لهذه المواعيد في عصر العراقي أهميتها، في توجيه عامة الناس، وتوعيتهم بأمور دينهم، ومحاربة الاعتقادات الفاسدة، والبدع والخرافات، التي كانت منتشرة وغير ذلك، ولهذا كان ينشأ في المدارس والمساجد الكبرى قسم خاص للمواعيد الوعظية، مثل قسم التفسير، والحديث، والفقه، ويعين له شيخ خاص يشرف على انتظام عقد المواعيد، وما يتناوله العلماء والوعاظ فيها، من مسائل العقيدة والعبادة والسلوك ونحو ذلك(2) وغالبا ما يكون الميعاد أسبوعيا.
ومن هذا يتبين لنا أن التصدير والمواعيد، يمثل كل منها صورة من صور التوعية، والتعليم، والتثقيف العام، الجمهور المسلمين، ويشتمل بصفة أساسية على ذكر الأحاديث النبوية المناسبة لموضوع التصدير، أو الميعاد، وشرحها، وبيان ما تشمله من المعاني، والأحكام، والآداب، والحض العام على التمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وتابعيهم بإحسان، بل قد تطلق «المواعيد» في--------------------------------------------
= حمودة/ 151، 157 و (الجواهر والدرر) (136) و (بهجة الناظرين) للغزي 7، 9، 94، 106 و (ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة 782 هـ ترجمة أبو العباس الكومي.
(1) (عصر المماليك بمصر والشام) للدكتور سعيد عاشور/ 457 و (الإنتصار بالواحد القهار) للسيوطي/ 74 (مخطوط ضمن مجموعة بدار الكتب المصرية) و (طبقات الشافعية) للأسنوي/ 230، 231 (مخطوط).
(2) (إنباء الغمر) جـ 1/ 195، 352 وحوادث سنة 781 هـ، جـ 2/ 68 و (طبقات الشافعية) للأسنوي/ 142 (مخطوط).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 514)

ذلك العصر على دروس الشرح المنتظم لبعض كتب السنة، وعلى مجالس إسماعها(1) كما كان يحدث تكليف العالم بالتصدير والتدريس في مكان واحد، مع اختلاف الوقت(2). وعليه فإنه لا يبعد قيام العراقي بذلك بنفس الأماكن التي باشر فيها تدريس السنة وعلومها بصفة منتظمة ومنهجية لطلابها وبذلك شمل عمله في نشر السنة وتعليمها، الخاصة والعامة.
أما الخطابة فلم أقف على صورة تطبيقية لقيامه بها في مصر عموما، إلا في مناسبة الاستسقاء فقط كما سيأتي، ولكنها مناسبة عارضة لا تمثل وظيفة دائمة.

‌‌4 - الفتوى:
ذكر ابن فهد أيضا من وظائف العراقي العلمية: الفتوى، ولكنه لم يحدد زمانا ولا مكانا تعين فيه العراقي بمصر في وظيفة الفتوى، ولم يوقفني البحث أيضا على ذلك، لكني وقفت على ما يدل على أنه منذ مرحلة عمله الأولى هذه بالقاهرة، كان من أعيان العلماء الذين ينتدبهم الحكام للفتوى في القضايا الهامة، وتنعقد بهم مجالسها، فقد ذكر تلميذا العراقي ابن حجر والمقريزي: أنه في سنة 774 هـ عقد الأمير (الجاي) مجلسا للعلماء لاستفتائهم في إقامة منبر وتقرير خطيب لإقامة الجمعة بالمدرسة المنصورية بالقاهرة، فأفتاه البلقيني من الشافعية وابن الصائغ من الحنفية وشيخ آخر، بالجواز، أما الباقون وهم الجمهور ومنهم العراقي فخالفوهم وأنكروا ذلك، لقرب المدرسة المذكورة.--------------------------------------------
(1) «ترجمة الإمام النووي» تأليف السخاوي 31، 33.
(2) «طبقات الشافعية» للأسنوي 46، 47 (مخطوط).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 515)

من المدرسة الصالحية التي بها خطبه للجمعة، بحيث يرى من المنصورية منبر الصالحية، فانفصل المجلس على ما قاله الجهور. قال ابن حجر: «وصنف البلقيني كتابا في الجواز، وصنف شيخنا الحافظ العراقي كتابا في المنع»(1) وقد كان تعدد الجمعة هذا من القضايا التي شغلت الحكام، والقضاة والعلماء، في مصر والشام، في تلك الآونة، كما سيأتي بيانه في كلامنا عن كتاب العراقي المشار إليه.
ووجدت بجانب ذلك ما يدل على أن العراقي كان أيضا مقصودا من العامة للفتوى، في حكم البدع والعادات الشائعة، حيث يقول في صدر فتواه عن أعمال يوم عاشورء: «وبعد فقد تكرر السؤال من جماعة من العوام، في عدة من الأعوام، عن أكل الدجاج، والحبوب يوم عاشوراء، هل هو مباح أم يحرم عند العلماء؟ فأجبت أنه من جملة المباحات، وإن اقترن بنية صالحة فهو من الطاعات .. » الخ(2) وتعتبر هذه الفتوى من أهم فتاواه الدالة على مبلغ اجتهاده وإحاطته بالسنة، وتصوير آرائه فيها، كما سيأتي في بحثها، وقد صرح العراقي بأنه كتبها في 27 محرم سنة 770 هـ.

‌‌5 - تدريس علمي الفقه وأصوله:
ذكر السخاوي أن العراقي درس للفقهاء بالمدرسة الفاضلية(3) وبغيرها(4) ولم يحدد التاريخ الذي باشر فيه تدريس الفقه، في المدرسة المذكورة، كما لم--------------------------------------------
(1) (إنباء الغمر) جـ 1/35 أصل وهامش.
(2) و «فتوى عاشوراء» / 34 ضمن مجموعة خطية بدار الكتب المصرية.
(3) نسبة إلى منشئها القاضي الفاضل وسيأتي التعريف بها.
(4) و «الضوء اللامع» جـ 4/ 173.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 516)

أجد تحديد ذلك لغيره، بل إن التقي الفاسي تلميذ العراقي ذكر أنه درس الفقه بعدة مدارس، دون إعطاء أي تفصيلات أخرى(1).
لكني وجدت السخاوي ذكر ممن تتلمذ للعراقي في الفقه في المدرسة الفاضلية: محمد بن محمد بن محمود، الشافعي قاضي بلبيس ومفتيها، فذكر أنه ولد بإحدى قرى محافظة الشرقية في 766 هـ أو 760 هـ كما بخطه، وحفظ بها القرآن الكريم وبعض متون العلوم ثم رحل إلى القاهرة فعرض محفوظاته على الأبناسي وابن الملقن، وتفقه عليهما، كما تفقه على الزين العراقي، وقرأ عليه في «تكملة شرح المهذب» من تأليفه، وذلك بالمدرسة الفاضلية، كما سمع عليه الحديث وغيره، وبرع في الفقه وأصوله وغيرهما، وتولى قضاء بلبيس وغيرها، وعول الناس عليه في الفتوى، وحدث أيضا، فكان مركز إشعاع عام في بلده حتى توفي سنة 853 هـ أو 854 هـ ولم يخلف هناك مثله(2).
فقوله: «إنه لما رحل إلى القاهرة عرض محفوظاته (أي أسمعها من حفظه) على الأبناسي وغيره، يفيد أنه انتقل إليها بعد مولده بزمن يسير وبالتالي فإن تفقهه على العراقي وقراءته عليه مؤلفه المذكور بالمدرسة الفاضلية يكون في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة حتى 788 هـ كما قدمنا، وعليه يكون العراقي قد باشر في هذه المرحلة تدريس الفقه لطلابه بالمدرسة الفاضلية، وإن لم نقف على التاريخ المحدد لبداية توظفه لذلك فيها، بل إن ذكر السخاوي أن الشيخ المذكور قد سمع أيضا على العراقي الحديث وغيره يشير إلى أنه درس بالمدرسة،--------------------------------------------
(1) «ذيل التقييد» / 219/ ب.
(2) «الضوء اللامع»، جـ 10/18.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 517)

بجانب الفقه، الحديث وغيره خاصة ما له صلة وثيقة بالفقه، وهو «أصوله» التي كان العراقي محل إعجاب شيوخه في تحصيله وفهمه، وألف فيه مثلما ألف في الفقه، كما سنذكره في مؤلفاته».
ومن جهة أخرى فإن السخاوي نفسه ذكر أن ولي الدين بن العراقي عندما توجه والده لقضاء المدينة، قام بسد وظائفه باستنابته فيها، لكن وثب عليه شيخه السراج بن الملقن، وانتزع منه دار الحديث الكاملية خاصة(1) وتبعه على ذلك الشوكاني(2) فقوله: «قام بسد وظائف والده ما عدا دار الحديث»، يفيد أن العراقي كان موظفا بأكثر من وظيفتي دار الحديث، والقلعة، السابق ذكرهما، كما أن السخاوي ذكر قيام ولي الدين بن العراقي بتدريس الفقه بالفاضلية(3)، وهذا يثبت تولي والده لذلك وإنابته عنه خلال عمل الوالد بالمدينة كما ذكرنا.
ثم إنا قدمنا أن ولي الدين، تدرب بوالده بجانب الحديث، في الفقه والأصول ودرسهما في وقت مبكر، وهذا يشير إلى حضوره دروسا كثيرة في كليهما لوالده، قبل تحوله للمدينة بفترة غير قصيرة، بل إني وجدت تصدي العراقي لإفادة علم الفقه، أسبق من تصديه لإفادة الحديث، حيث ذكر السخاوي أن زين الدين أبا بكر بن الحسن المراغي محدث المدينة وقاضيها، والمولود بالقاهرة سنة 727 هـ، قد عرض على الزين العراقي مواضع من «منهاج--------------------------------------------
(1) المرجع السابق جـ 1/ 338 و جـ 4/ 174.
(2) «البدر الطالع» جـ 1/ 72.
(3) «الضوء اللامع»: جـ 1/ 338.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 518)

الطالبين» في الفقه، للنووي، وأجازه بسائره(1) والمعروف أن عرض المحفوظات يكون في بداية الطلب، وقد بكر المراغي في الطلب، بحيث كان أول سماعه للحديث سنة 732 هـ.
وهذا كله يفيدنا أن العراقي كما قام برسالته في مجال تخصصه بالسنة من خلال بعض الوظائف وخارجها، فإنه أيضا قام برسالته في إفادة العلوم التي أجادها، كالفقه، وأصوله، من خلال بعض الوظائف الرسمية وخارجها، ولا يخفى أن اشتغاله بالفقه وأصوله، يعتبر مجالا تطبيقيا لعلوم السنة التي هي ثاني أدلة الفقه بعد القرآن، كما أن من مباحث مصطلح الحديث ما هو مشترك مع مباحث علم أصول الفقه، كما سنبينه في مؤلفاته الأصولية. ثم إن تدريسه للفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية يدل على مكانته العلمية فيهما، وعلى ورعه حيث كانت تلك المدرسة من أعظم مدارس القاهرة وأجلها كما يقول المقريزي تلميذ العراقي(2).
وذكر العراقي نفسه أنه كان يشترط في مدرسها بجانب الكفاءة العلمية،--------------------------------------------
(1) انظر ترجمة «الإمام النووي،» تأليف السخاوي ص 66.
(2) «الخطط» جـ 2/ 366 وقد أنشأ هذه المدرسة القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني المتوفى سنة 596 هـ ووزير الناصر صلاح الدين الأيوبي، وكانت في درب 1 «ملوخيا» بالقاهرة ووقفها على الفقهاء الشافعية والمالكية، وبدأ التدريس فيها أول 580 هـ وجعل فيها قسما لإقراء القرآن بالقراءات، كما جعل بها مكتبة عظيمة في سائر العلوم، وتولى التدريس بها كبار العلماء فكانت بذلك من أعظم مدارس القاهرة وأجلها، لكن تفرقت المكتبة بأيدي الطلبة والعلماء منذ أوائل القرن الثامن الهجري، وتلاشت المدرسة تماما ومكتبتها في أواخره، ومكانها الآن في حارة قصر الشوك، المتفرعة من شارع قصر الشوك بقسم الجمالية بالقاهرة (انظر مع (خطط المقريزي): «وفيات الأعيان») جـ 2/ 333، 336، 337 و «النجوم الزاهرة» جـ 11/ 114 هامش رقم 5.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 519)

الورع، وذكر ممن وليها قبله: الشيخ جمال الدين الإسنوي، أستاذه في الفقه والأصول كما قدمنا(1).

‌‌ثانيا: هل تولى العراقي وظائف مشيخة الحديث والتدريس والإفتاء بالشام؟
نقل ابن قاضي شهبة عن شهاب الدين بن حجي مؤرخ الشام في عصر العراقي، أنه ولي مشيخة الحديث بمدينة (حلب) لمدة سنة بعد توليها بالقاهرة بعدة مواضع(2)، وهذا ما جعلني أضع هذه النقطة هنا، تبعا للتسلسل التاريخي، مع أنه كان من الممكن تناول ذلك ضمن مبحث رحلات العراقي الشامية السابق ذكرها.
وذكر ابن فهد أيضا من الأماكن التي أفتى فيها العراقي، وحدث كثيرا «بالشام(3)»، وذكر نحوه الدكتور حسين حبشي من أساتذة التاريخ المعاصرين حيث ذكر من الأماكن التي ولي العراقي فيها الإفتاء والتدريس دمشق(4) لكن راجعت حركة توظف العراقي طول حياته فلم أجد ما يطابق ما ذكره هؤلاء جميعا، وعندما نرجع لواقع نشاط العراقي خلال رحلاته الشامية لا نجد إلا مرات متفرقة، تبادل العراقي فيها التحديث والإسماع والإفادة، مع بعض شيوخه ورفاقه في الطلب، كما أسلفنا، وهذه المتفرقات لا تمثل وظيفة رسمية، ولا نشاطا يوصف بالكثرة.--------------------------------------------
(1) «بهجة الناظرين» 137.
(2) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة 4/ 110 ب.
(3) «لحظ الألحاظ»: 234.
(4) انظر مقدمته لتحقيق كتاب «إنباء الغمر» جـ 20/1.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 520)

ثم إن ولي الدين بن العراقي وهو ملازمه الأول، قد قطع، كما مر، بأن آخر رحلات والده للشام كانت سنة 768 هـ وبعد 769 هـ تولى العراقي لأول مرة، مشيخة الحديث بالقاهرة، واستمر حتى انتقل للعمل بالمدينة سنة 788 هـ كما أشرنا من قبل، وهذا يدفع ما نقل عن ابن حجي أن العراقي تولى مشيخة الحديث بحلب، بعد توليه لها بعدة مواضع بالقاهرة، بل إن ابن قاضي شهبة الذي نقل عنه ذلك في طبقاته، كما تقدم، نقل سياق عبارته نفسها مرة أخرى في كتابه «الأعلام» خالية من ذكر تولي العراقي مشيخة الحديث بحلب(1)، فلعله تأكد له عدم وجودها في كلام ابن حجي، وسيأتي أن العراقي لما عاد من المدينة إلى القاهرة، لم يتحول عنها حتى توفي.
وبهذا يندفع قول ابن فهد وغيره: إن العراقي تولى الإفتاء أو التدريس، أو التحديث الكثير، بدمشق أو الشام عموما، على أن إفادته لطلاب السنة ومحدثيها الشاميين، قد تحققت عن طريق مؤلفاته، وارتحال بعض تلاميذه للتدريس والتحديث، بالشام. وعن طريق رحلات الشاميين إليه، وملازمة كثير منهم لدروسه ومجالس روايته وإملائه، وتخرج أعيانهم به كما تقدم في نماذج تلاميذه بمرحلة عمله الأولى بالقاهرة، وكما سيأتي في مرحلة عمله بالمدينة وعمله بعدها بالقاهرة.

‌‌ثالثا: مرحلة عمل العراقي بالمدينة المنورة ونتائجها:
بدأت هذه المرحلة في سنة 788 هـ وانتهت في 791 هـ واستغرقت ثلاث سنين تقريبا، وقد نهض العراقي فيها بالأعمال الآتية:--------------------------------------------
(1) «الأعلام» جـ 4/ 219 ب.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 521)

‌‌أ - رئاسة القضاة بالمدينة وصلته بالحكام:
وهذه هي الوظيفة الأصلية التي حولت نشاط العراقي كلية إلى تلك المدينة المشرفة بوجود ثاني الحرمين، ووجود بقعة من أشرف بقاع الأرض، حيث مثوى خير الخلق صلى الله عليه وسلم، وقد اتفق مؤرخو العراقي على توليه قضاء المدينة، ومنهم من لم يحدد وقته (1) وحدده كثير منهم بسنة 788 هـ (2) وقد حدده السخاوي والشوكاني التولية في 12 جمادى الأولى من السنة المذكورة (3)، ويظهر أن هذا هو تاريخ صدور قرار تعيينه من السلطان بالقاهرة، وإلباسه خلعة القضاء، حسب المعتاد (4)، أما مباشرته للمنصب فتأخرت عن ذلك عدة أشهر، حيث يذكر تقي الدين الفاسي تلميذ العراقي ومؤرخ الحرمين، أن شيخه اتجه أولا إلى مكة وأدى شعائر الحج، ثم قصد المدينة وباشر مهام منصبه (5) وهذا يدل على عدم تهافت العراقي على ذلك المنصب المرموق وإلا لأسرع أولا لتثبيت قدمه فيه ثم اتجه إلى الحج، خاصة وأنه كان في الوقت--------------------------------------------
(1) «لحظ الألحاظ» / 229 و «المنهل الصافي» جـ 2/ 312 ب، 1313 و «ذيل السيوطي لتذكرة الحفاظ» / 370 و «مقدمة شرح المناوي الموجز الألفية العراقي في السيرة».
(2) «إنباء الغمر» جـ 1/ 326 ز، جـ 2/ 277 و «ذيل الدرر الكامنة» / 71 و «عقد الجمان»: للعيني جـ 25 قسم/ 2 وفيات سنة 806 هـ و «الأعلام» ج 3/14 ب، و ج / 4219 ب و «طبقات الشافعية» / 110 ب كلاهما لابن قاضي شهبة و «بهجة الناظرين» / 232 (نسخة مكتبة تيمور) وفي نسخة دار الكتب المصرية/ 131/ 808/ هـ وهو خطأ من الناسخ و «شذرات الذهب» جـ 7/ 55.
(3) «الضوء اللامع» جـ 4/ 174 و «البدر الطالع» جـ 1/ 355.
(4) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» للدكتور سعيد عاشور/ 156.
(5) و «ذيل التقييد» / 220 أ.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 522)

متسع قبل حلول الحج، وفي عصره كان التهافت موجودا بصفة عامة على منصب القضاء فضلا عن قضاء المدينة خصوصا كما سيأتي. لكن العراقي كما قدمنا في الجانب الخلقي من شخصيته كان أنموذجا لما ينبغي أن يكون عليه العالم من الترفع عن الشبهات عملا بعلمه، وليكون قدوة لغيره، ويؤكد ترفعه وعدم تهافته أن هذا المنصب هو الذي سعى إليه ابتداء وعلى يد السلطان نفسه في ذلك الوقت، ولم يسع هو إليه، رغم كفاءته وضيق عيشه، وفي ذلك يقول ابن حجر عنه: «وولي قضاء المدينة الشريفة عدة سنين بدخول السلطان «برقوق»(1) عليه في ذلك لكثرة مجاورته بالحرمين(2)، ولا شك أن كثرة مجاورة العراقي بالحرمين لم تكن، كما يبدو، هي المسوغ الوحيد لتقليده هذا المنصب الخطير، وإنما هي سبب مرجح، بعد تحقق كفاءته علما وخلقا كما مر تفصيله، وإلا فقد كان هناك مئات المجاورين غيره بالحرمين من العلماء المعروفين، كما يعرف ذلك من مصادر تراجم علماء عصره، وتولى العراقي منصب القضاء على هذا النحو، يعد من مفاخره، ويوضح صلته بحكام عصره، ومكانته عندهم، فهو موالي لهم بالحق، متعاون معهم فيما يقدر عليه من الخير، دون تزلف أو تملق، وهم يقدرون علمه وخلقه، فيسعى السلطان الأكبر إليه حيث يقيم بالقاهرة، ويطلب إليه تقلد منصب القضاء بالمدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن قبل ذلك، كان هو--------------------------------------------
(1) هو أول سلاطين المماليك البرجية أو دولة المماليك الثانية، وتولى في سنة 784 هـ ثم امتحن وعزل سنة 791 هـ ثم عاد سنة 793 هـ حتى وفاته 801 هـ: «العصر المماليكي في مصر والشام» للدكتور سعيد عاشور/ 154 - 157 وه إنباء الغمر (2/ 92 حوادث سنة 784 هـ.
(2) و المجمع المؤسس) / 178

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 523)

المرشح الأول لقراءة الحديث ودرسه بمجلس السلطان السابق علي السلطان «برقوق» كما تقدم، وكما قيل العراقي الوظيفة الأولى، قبل هذا المنصب بكل كرامة واعتزاز وكفاءة، بالإضافة إلى أنها في مكان محبب إليه، وهو بطبعه كان كثير الإقامة به، والتعرف على أهله، والتردد عليه، رغم مشقات الرحلة، تقربا إلى الله ورسوله، بدون وظيفة رسمية، وأعد العراقي نفسه للسفر والإقامة هناك، فأناب ولده أبا زرعة، عن كفاءة، في مناصبه التي كان يباشرها بالقاهرة، من تحديث، وتدريس، كما أشرنا، وغادر القاهرة إلى مكة، حيث أدى شعائر الحج كما ذكرنا، ثم اتجه إلى المدينة، فباشر مهام منصبه الجديد وبدأ به مرحلة جديدة من نشاطه العملي والعلمي.
ويذكر ابن الفرات معاصر العراقي، أن الذي تولاه بالمدينة هو منصب «قاضي القضاة»(1).
وكذا لقبه بهذا صاحب «إتحاف الرواة بمسلسل القضاة»(2) أي أنه كان رئيس قضاة المدينة، وليس مجرد قاض عادي، ومنصب قاضي القضاة، كان أرفع مناصب العلماء في ذلك العصر، حتى كان شاغله يلقب بـ «شيخ الإسلام» باعتبار رئاسته لهيئة التشريع الإسلامي في محل ولايته(3)، وقد لقب به العراقي من غير واحد كما سيأتي. ولعل مما يرجح هذا أني لم أقف على أي واقعة لجلساته للقضاء كما هو معتاد، وإن كان هذا لا يقطع بعدم فصله خلال ولايته في بعض القضايا، خاصة ما لا يرتضي أصحابها حكم.--------------------------------------------
(1) «تاريخ ابن الفرات» جـ 1 مجلد 9/ 144.
(2) «إتحاف الرواة» لابن الشلبي/ 227 (مخطوط بدار الكتب المصرية).
(3) «الجواهر والدرر» 4/ أ.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 524)

القاضي العادي، كما هو معروف في نظام القضاء حتى الآن، كما أني لم أقف على أي مطعن في سيرته في هذا المنصب الحساس، ومع هذا فإن بقاءه فيه لم يطل حيث ذكر مؤرخوه أنه عزل في 13 شوال 791 هـ ثم عاد إلى القاهرة، وتولى بدله الشيخ شمس الدين أحمد السلاوي الدمشقي وكان قاضي (غزة) قبل تولي قضاء المدينة(1)، ولم أجد من تعرض لسبب عزل العراقي، غير ابن الفرات حيث قال بعد ذكر عزله وتولي السلاوي بدله: «وكان الشيخ ابن فرحون سعى أن يكون قاضيا بالمدينة الشريفة، فلم يتم له أمر، وقيل أنه ولي وعزل»(2). وهذا يشير إلى أن ابن فرحون هذا وإن لم يتحقق له مبتغاه، لكنه سعى لانتزاع المنصب من العراقي، بطريقة أو بأخرى، مما كان معتادا حينذاك، من الجاه أو الرشوة أو الوقيعة(3) وأي من تلك الوسائل كانت كفيلة بإزاحة صاحب المنصب، مهما كانت كفاءته ونزاهته، هذا بالإضافة إلى أن السلطان «برقوق» الذي سعى بالمنصب إلى العراقي كما ذكرنا، قد عزل ونفي خارج مصر في نفس سنة عزل العراقي(4)، ولم يعد--------------------------------------------
(1) (إنباء الغمر) جـ 1/ 379 و (ذيل التقييد) للفاسي/ 220 أ وفيه بدل سنة 791 هـ 771 هـ وهو خطأ من الناسخ و (بهجة الناظرين) 9، 19 و (الضوء اللامع) جـ 4/ 174 و (البدر الطالع) جـ 1/ 355.
(2) (تاريخ ابن الفرات) جـ 1 مجلد 9/ 144، 145.
(3) (المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك) للدكتور سعيد عاشور/ 159، 233، 234 و (ذيل ولي الدين بن العراقي) وفيات سنة 783 هـ ترجمة قاضي القضاة علم الدين السنباطي و (طبقات الأسنوي) / 62 (مخطوط) و (إنباء الغمر) 2/ 87 (حوادث سنة 784 هـ).
(4) (العصر المماليكي بمصر والشام) للدكتور سعيد عاشور/ 154 - 157 و (إنباء الغمر) 2/ 325 وما بعدها، (حوادث سنة 791 هـ)

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 525)

للسلطة إلا بعد ذلك بأكثر من سنة. وفي فترة عزله تولى الملك الصالح أمير حاجي ولقب بالمنصور وهو الذي عين السلاوي وخلع عليه خلعة القضاء(1)، وكان معتادا في ذلك العصر أيضا عند عزل الحاكم، أن يعزل من ولاهم ولو كانوا أكفاء(2)، وعلى أي اعتبار مما ذكرته، يكون العراقي قد عزل بغير مطعن فيه.

‌‌ب - إمامته بالمسجد النبوي وإزالته للبدع وإحياء السنن:
قام العراقي أيضا خلال توليه قضاء المدينة بإمامة المسلمين في الصلاة بالمسجد النبوي، وكان هذا العمل معدودا من فروع وظيفة القضاة(3) حيث كان مقررا أن قاضي المدينة هو الذي يؤم المصلين بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بها، وإنه لشرف رفيع أن يقف العراقي موقف الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة في اليوم والليلة، ورغم أن هذه كانت وظيفة فرعية، فإنه قد ظهر له فيها أثر جليل خالد، وبيان ذلك: أن أهل مكة كانوا يصلون التراويح أربع ركعات، ثم يطوفون بالبيت الحرام سبعا، ثم يعاودون الصلاة والطواف، حتى يستكملوا من الصلاة عشرين ركعة ومن الطواف أربعا، وكان أهل المدينة النبوية يستعيضون عن ذلك بصلاة التراويح 36 ركعة، منها 16 ركعة عوضا عن مرات الطواف التي يطوفها المكيون في خلال صلاتهم للتراويح ثم يوترون بعدها، ولما كانت هذه بدعة مخالفة للكتاب والسنة، فإن العراقي بحكم إمامته، عمل على إزالتها، واستبدالها بإحياء سنة كانت مهملة، وهي (التهجد) في آخر الليل، واتبع في ذلك طريقة ذكية وحكيمة حتى يضمن عدم فتنة.--------------------------------------------
(1) العصر المماليكي 5/ 156 و «تاريخ ابن الفرات» ج 1 مجلد/ 9/ 145.
(2) «بهجة الناظرين» ص 64.
(3) «لحظ الألحاظ» / 229 و «ذيل التقييد» / 219 أ، 220 أ و «الضوء اللامع» جـ 4/ 174 ..

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 526)

المعارضة للمألوف، وحدوث ضرر بذلك، من حيث قصد هو النفع والإصلاح، فاقترح عليهم أن يصلي بهم التراويح 20 ركعة فقط عقب صلاة العشاء، ويوتر بثلاث، ثم ينتظر إلى وقت التهجد من الليل، فيصلي بهم الستة عشرة ركعة الباقية، وبذلك لا ينقص عدد الركعات الذي اعتادوه شيئا، وفي نفس الوقت يقضي على بدعة ضم هذه الركعات إلى التراويح في الأداء، وتحيا بها سنة التهجد، وقد شرح الله صدور أهل المدينة لهذا، فقبلوا اقتراح إمامهم العراقي، ونفذوه معه خلال السنوات الثلاث التي أقامها، ثم كان من الرائع أن يستمر هذا بعد عزل العراقي، حيث يذكر السخاوي المتوفى سنة 902 هـ: «أنه قد اقتدي بالعراقي في ذلك الأئمة الذين توالوا على الحرم النبوي من بعده إلى تاريخه»(1) وهذا مما جعله جديرا بقول تلميذه صلاح الدين الأقفهسي في مدحه:
كم سنة أحيا وكم بدعة أفنى … بعزم صادق مستقيم
فاق إياسا في ذكاء، وفي الحلم ابن قيس وله الجود خيم(2)

‌‌ج - خطابته بالمسجد النبوي وإذاعتها للسنة:
كان من وظائف قاضي المدينة أيضا، أن يتولى الخطابة بالمسجد النبوي(3)، ولهذا فإن العراقي قام بتلك الرسالة خلال مدة قضائه.
ويالها من درجات عليا كان يصعدها كل جمعة، ليقف حيث وقف رسول الله.--------------------------------------------
(1) انظر «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة»، للسخاوي جـ 2/37 (مخطوط مصورة).
(2) (مجموع ابن خطيب الناصرية قصيدة الأقفهسي في مدح الحافظ العراقي).
(3) و (ذيل التقييد) 4/ 219، 220 أ و «لحظ الألحاظ»: 4/ 229 و «الضوء اللامع» جـ 4/ 174.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 527)

صلى الله عليه وسلم من أمته، فيعظهم ويوجههم، وينشر على مسامعهم من جديد، ما سبق أن بلغه صلى الله عليه وسلم لأسلافهم من وحي الكتاب الكريم، وبيانه بسنته القولية والعملية، ولنا أن نتصور مئات السامعين من أهل المدينة والواردين عليها، لما ضمنه العراقي خطبه من الحكمة والموعظة، وما أذاعه عليهم من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو أنه أو غيره من السامعين اعتنى بتسجيل تلك الخطب خلال سني ولايته، لأوقفنا على رصيد كبير من آرائه ومواقفه، وما أذاعه بين عامة أهل المدينة، من علم الكتاب والسنة، لكني للأسف لم أقف من خطب العراقي عموما إلا على خطبة وعظية واحدة غير محددة المكان أو الزمان، كما سيأتي ذكرها في مؤلفاته، وفيما ألفه في الآداب والترغيب والترهيب خلال تلك المرحلة المدنية ما يكفي أنموذجا لذلك كما سنعرض له.

‌‌د - نشاطه في علوم السنة، تحديثا وتدريسا وتأليفا، وإحياؤه سنة إملائها:
لعل مما يلفت النظر، قيام العراقي خلال ولايته قضاء المدينة بنشاط كبير في علوم السنة، دون أن يكون داخلا في الواجبات الأساسية لوظيفته، وهي القضاء والإمامة والخطابة، وهذا يؤكد ما قررناه في صدر مبحث وظائف العراقي، من أنه كان يرى قيامه برسالته الحديثية، وظيفة شرعية يلزمه النهوض بها، سواء وظف لذلك رسميا أم لا، ولهذا فإن العراقي في مرحلة عمله بالمدينة لم يكتف بما تضمنه عمله الوظيفي من إذاعة السنة عبر خطبه، وإحياء ما كان مهملا منها في إمامته، وإنما انتصب بالمسجد النبوي والروضة الشريفة منه، بين قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ومنبره، وأخذ يحدث بانتظام بمروياته وبمؤلفاته، ودرس أيضا علوم السنة لطلابها من أهل المدينة والواردين عليها. وقد أشار تلميذه التقي الفاسي، مؤرخ الحرمين إلى أن ذلك كان زيادة على مهام منصبه.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 528)

حيث قال: «إنه ولي قضاء المدينة النبوية وخطابتها وإمامتها فباشر وظائفه بها وأفاد بها الطلبة وأسمع الحديث»(1).
ويقول السخاوي: «إنه حدث بالحرمين كثيرا، وأملى عشارياته بالمدينة»(2)، ويلتقي معه في هذا ابن فهد حافظ مكة، وتلميذ العراقي، حيث يقول عنه: «إنه حدث كثيرا بالحرمين»(3) يعني بمكة، كما قدمنا في رحلاته وبالمدينة كما في هذه المرحلة وما سبقها في رحلاته أيضا. وبالإضافة إلى هذا يقول ابن حجر عنه: «وأملى الأربعين العشارية الإسناد التي خرجها بالمدينة المنورة»(4)، وذكر نحوه الشوكاني(5). وقال ابن فهد عنه أيضا: «إنه أملى عشارياته بالمدينة، بين القبر و المنبر، وهي أول أماليه»(6).
ويعتبر إملاء الحديث، من السنن والوظائف التي يستحب للمحدث القيام بها متى تأهل لذلك وهي من أعلا مراتب الرواية، والسماع فيها أحسن وجوه التحمل وأقواها كما سنفصله في أمالي العراقي بالقاهرة، ويكفينا هنا القول: إن العراقي ألف بالمدينة كتابا تضمن أربعين حديثا عشارية الإسناد مع افتتاحها بالحديث المسلسل بالأولية، وذكر ثلاثة تساعية في آخره كما سيأتي، وأشار في مقدمته إلى انقطاع سنة الإملاء في عصره ثم قال: «وقد كنت آسف--------------------------------------------
(1) «ذيل التقييد» / 1220.
(2) «الضوء اللامع» جـ 4/ 174 و «التحفة اللطيفة» جـ 2/37 (مخطوط مصور).
(3) «لحظ الألحاظ» / 234.
(4) «المجمع المؤسس» / 177.
(5) «البدر الطالع»، جـ 1/ 355.
(6) «لحظ الألحاظ» / 232.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 529)

على ذلك أن لو وجدت راغبا في قبول لبذلت، فلما كنت بالمدينة الشريفة رغب إلي جماعة من أهل العلم الواردين إليها في ذلك ليقتفي المملي والمستملي سنة من مضى من قبله، ورغبوا إلى أن يكون ذلك من الأحاديث العالية الإسناد المتصلة بنقلته، فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشارية الإسناد» … الخ(1). ويفهم من هذا أنه كان متأثرا لانقطاع هذه السنة، ويتطلع إلى وجود الراغبين ليحييها، فلما توفروا في مرحلة إقامته هذه بالمدينة، وخاصة من الواردين عليها من بلاد العالم الإسلامي، استجاب لهم وسارع لإحيائها من جديد، قاصدا بذلك أمرين:
أحدهما: تحقيق اقتدائه هو بمن تقدم من أئمة الحديث الذين قاموا بإملائه منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وثانيهما: تحقيق اقتداء طلابه بسلفهم، ممن استملى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وأئمة الحديث من بعدهم، ثم إعطاء العراقي القدوة لمن يستملون عليه، لكي يواصلوا مسيرة إحياء هذه السنة من بعده في مواطنهم التي وردوا منها شرقا وغربا.
ويظهر أن العراقي توقف عن الإملاء بعد الوفاء بما طلبه منه جماعة الواردين، الذين أشار إليهم، ولهذا قال في نهاية الكتاب: «وقد انتهى الغرض بنا فيما سئلنا إملاءه»(2) وهكذا شهدت المدينة إحياء تلك السنة الهامة على يد العراقي بعد انقطاعها بها كما شهدت مولدها الأول في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعطى--------------------------------------------
(1) «الأربعين العشارية» / 1 أ، ب.
(2) «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» / 20 ب.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 530)

منها القدوة، وإشارة البدء لطلابه من أنحاء العالم الإسلامي ليحيوها في مواطنهم.
وإذا كنا قدمنا أدلة لريادته المدرسة السنة بمصر، فإن هذا العمل يدل على ريادته المدرسة السنة في خارجها، على مستوى عصره، بالإضافة لما سنذكره بعد.
ولم يقتصر نشاط العراقي في مجال السنة على التحديث والإملاء، بل أنجز أيضا عدة مؤلفات في علوم السنة دعت إليها الحاجة، وأوحى إليه بها المقام، وهي تعتبر خير ما يصور أثره العلمي الذي ارتبط بالمدينة في تلك المرحلة. فمن ذلك أنه نظم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في (ألفية) كما سيأتي، وقال بنفسه: «نظمتها وكتبتها بالمدينة الشريفة، وبعضها بالروضة بجوار الحجرة الشريفة»(1). وقرر هذا أيضا تلميذه ابن الهائم في شرحه لها(2).
كذلك ألف بالمدينة في تلك الرحلة كتاب «محجة القرب في محبة العرب» وقال في نهايته: «أكملت تبييضه يوم الثلاثاء 25 رجب الفرد سنة 791 هـ بالمدينة الشريفة»(3).

‌‌تنوع تلاميذ العراقي وبعض تلميذاته بالمدينة المنورة:
يعتبر ما وقفت عليه من إثبات تلقي مؤلفاته السابقة عنه بالمدينة المنورة في نفس المرحلة خير بيان لنوعية تلاميذه الذين استفادوا منه علوم السنة رواية--------------------------------------------
(1) انظر ص 64 من النسخة الخطية رقم 420 تاريخ تيمور وأول نسخة 2127 حديث بدار الكتب المصرية.
(2) «الغرر المضيئة في شرح الألفية» لابن الهائم/ 4 (مخطوط بدار الكتب المصرية).
(3) انظر نسخته رقم (1504) حديث بدار الكتب المصرية/ 137 أ.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 531)

ودراية في هذه المرحلة، ومدى حرصه على نفعهم العلمي، ففي مقدمة كتابه «الأربعين العشارية» يقول: «ورأيت أن أقدم قبل الأربعين إملاء الحديث المسلسل بالأولية وإن لم يكن عشاريا، ليحصل التسلسل لمن أراد السماع من الصبيان والغرباء»(1) وذكر السخاوي أن «صفية ابنة المحدث الشمس أبي جعفر المدنية مولدا، حضرت في الرابعة من عمرها على الحافظ العراقي ألفيته في السيرة النبوية من نظمه، وفاتها بعضها، ثم حدثت بعد ذلك بمروياتها بمكة وغيرها، حتى توفيت بمكة سنة 845 هـ»(2).
أما كتاب «محجة القرب» فإن العراقي في مقدمته يدعو الله تعالى أن ينفع به جامعه وسامعه(3). وفي نهايته يقول: «سمع علي هذا التأليف المسمى «محجة القرب إلى محبة العرب» بقراءة الشيخ الإمام البارع المحدث تاج الدين محمد بن محمد بن يحيى السندبيسي، من أول الكتاب إلى قوله في الباب 15 «فضل عنزة»، ومن هنا إلى آخر الكتاب بقراءة الشيخ الإمام الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي: الشيخ الفقيه الفاضل زين الدين خلف بن أبي بكر .. المالكي، والسيد الشريف أبو عبد الله محمد بن قاسم .. البنزرتي، وشمس الدين محمد بن علي بن محمد النشرتي المالكي، وسمع الحافظ نور الدين الهيثمي ما قرأه الشيخ تاج الدين السندبيسي فكمل له وللثلاثة المذكورين قبله، سماع الكتاب.
وسمع الشيخ الإمام محيي الدين محمد بن يحيى التلمساني، جميع--------------------------------------------
(1) «الأربعين العشارية» / 2 أ.
(2) «الضوء اللامع» جـ 12/ 71.
(3) «المحجة» / اب نسخة مكتبة الأزهر (أباظة) برقم (166) أدب وفضائل.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 532)

الكتاب خلا المجلسين 17، 19، وسمع نور الدين علي بن عمر بن خلف الفيومي، من أول الكتاب إلى آخر مجلس 17، وسمع الشيخ يحيى بن عمر .. المسعودي المصري، من أول المجلس 17 إلى آخر 19، وسمع الطالب المشتغل محمد بن عثمان المسوفي، من أول الكتاب إلى آخر المجلس 13، 18 أيضا، وسمع عبد الرحمن بن يحيى .. التلمساني المتقدم ذكره، من أول المجلس 17 إلى آخر 19، وسمع أخوه أحمد بن يحيى المجلس 18، 19، 10، 13، وسمع الشيخ الفقيه الإمام فخر الدين أبو بكر بن أحمد بن عبد الرحمن بن الشامي المدني، المجلس 15 والأخير.
وسمع الحاج أحمد بن محمد بن عبيد السمسار المصري، المجلسين 18، 19.
وسمع شهاب الدين أحمد بن إبراهيم المرشدي المكي المجلس 11.
وسمع الشيخ رمضان .. المصري المجلس 12، وسمع علي بن محمد بن نجم الشهابي الضرير المجلس 13.
وسمع الشريف شهاب الدين أحمد بن محمد الحسيني المؤذن بجامع دمشق، المجلس 19 وسمع محمد بن أحمد .. بن القسطلاني المكي، المجلس الأخير.
وصح ذلك في 20 مجلسا آخرها في يوم الأحد 9 من شعبان المعظم سنة 791 هـ بالروضة الشريفة، بين القبر والمنبر الشريفين، وأجزت الجميع الجماعة .. أن يرووا عني الكتاب المذكور، وجميع ما يجوز لي وعني روايته، متلفظا لهم بالإجازة، كتبه مؤلفه عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن العراقي الشافعي(1)--------------------------------------------
(1) انظر 137 أ - 138 أ نسخة دار الكتب المصرية برقم (1504) حديث.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 533)